Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة الفتح : الآيتان ٢٨، ٢٩
الكآبةِ والحزنِ ، بانْصِرافِهم عن مكةَ قبلَ دُخولِهمُوها ، وقبلَ طوافِهم بالبيتِ .
وقولُه: ﴿ تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ﴾. يقولُ
تعالى ذكره : محمدٌ رسولُ اللَّهِ، وأتباعُه مِن أصحابِه الذين هم معه على دينِهِ،
أشداءُ على الكفارِ، غليظةٌ عليهم قلوبُهم، قليلةٌ بهم رحمتُهم، ﴿ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ .
يقولُ : رقيقةٌ قلوبُ بعضِهم لبعضٍ ، ليّةٌ أنفسُهم لهم ، هيّنةٌ عليهم لَهم .
/ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَرَهُمْ رَكْعاً ١١٠/٢٦
سُجَّدًا ﴾: ألْقَى اللَّهُ فى قلوبهم الرحمةَ، بعضُهم لبعضٍ(١).
﴿نَرَهُمْ رُكَّعَا سُجَّدًا﴾. يقولُ: تراهم رُكَّعًا أحيانًا للَّهِ فى صلاتِهم، سُجَّدًا
أحيانًا، ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: يلتَمِسون بركوعِهم وسُجودِهم وشدَّتِهم
على الكفارِ ، ورحمةِ بعضِهم بعضًا ، ﴿فَضْلًا مِّنَ اُللَّهِ ﴾ ، وذلك رحمتُه إيَّاهم ، بأن
يتفضَّلَ عليهم فيُدخلَهم جنَّتَه، ﴿ وَرِضْوَانًاً﴾ . يقولُ: وأن يرضَى عنهم ربُّهم.
وقولُه: ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. يقولُ: علامتُهم فى
وجوههم من أثرِ السُّجودِ فى صلاتِهم.
ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ فى ((السّيما)) الذى عَنَاه اللَّهُ فى هذا الموضعِ؛ فقال
بعضُهم : ذلك علامةٌ يجعَلُها اللَّهُ فى وجوهِ المؤمنين يومَ القيامةِ ، يُعْرَفون بها ؛ لِمَا
کان من سجودهم له فی الدُّنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
( تفسير الطبرى ٢١/٢١ )

٣٢٢
سورة الفتح : الآية ٢٩
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُودِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: صلاتُهم
تَبْدُو فى وجوهِهم يومَ القيامةِ (١) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ العَتَكِئُ ، عن
خالدٍ الحنفيّ قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: يُعرَفُ ذلك
يومَ القيامةِ فی وجوههم، من أثرٍ سجودهم فى الدنيا، وهو كقوله : ﴿ تَعْرِفُ فِی
وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤].
حدَّثنى عبيدُ بنُ أسباطَ بنِ محمدٍ ، قال: ثنا أبى، عن فُضَيلٍ بنٍ مرزوقٍ ، عن
عطيةً فى قوله: ﴿ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: مواضعُ السجودِ
من وجوهِهم يومَ القيامةِ أشدُّ وجوهِهم بياضًا(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبرنا ابنُ
فُضَيلٍ، عن فُضَيلٍ، عن عطيةً بنحوِهِ .
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن فضيلٍ، عن عطيةً بنحوِه .
حدَّثنا مجاهدُ بنُّ موسى ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: أخبرنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ شبيبًا يقولُ عن مُقاتلٍ
ابنِ حيانَ، قال: ﴿ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: النورُ يومَ
القيامةِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وابن مردويه.
(٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٨/ ١٠٢.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٦ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد ومحمد بن
نصر فى الصلاة .

٣٢٣
سورة الفتح : الآية ٢٩
حدَّثنا ابنُ سنانِ القزَّازُ، قال: ثنا هارونُ بنُ إسماعيلَ، قال: قال علىُ بنُ
المبارَكِ: سمِعتُ غيرَ واحدٍ عن الحسنِ فى قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ
السُّجُودِ﴾. قال: بياضًا فى وجوهِهم يومَ القيامةِ(١).
وقال آخرون : بل ذلك سيما الإسلامِ وسَمْتُه وخشوعُه، وعُنی بذلك أنه ◌ُرَى
مِن ذلك عليهم فى الدُّنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِمْ﴾. قال: السَّمْتُ الحسَنُ(١).
/ حدَّثنا(٢) مجاهدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عُمارةَ، عن الحكم، عن ١١١/٢٦
مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله : ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُودِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال:
أما إنه ليس بالذى تَرَوْن، ولكنه سيما الإسلامِ وسَحْنتُهُ(٤) وسَمْتُه وخشوعُه(٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا أبو عامرٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن حميد الأعرج، عن
مجاهدٍ: ﴿ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: الخشوعُ والتواضعُ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٦ إلى المصنف ومحمد بن نصر فى الصلاة وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه البيهقى ٢٨٦/٢ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٦ إلى
محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((قال ثنا)).
(٤) فى ص: ((سحيته))، وفى ت ٢، ت ٣: (( سجيته).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٦ إلى المصنف .
(٦) تفسير سفيان ص ٢٧٨، ومن طريقه ابن المبارك فى الزهد (١٧٤)، وعبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٨/٢،
والفريابى - كما فى التغليق ٣١٣/٤ - والحافظ فى نفس الموضع، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٦ إلى
عبد بن حميد ومحمد بن نصر فى الصلاة .

٣٢٤
سورة الفتح : الآية ٢٩
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرج، عن
مجاهدٍ مثله .
قال : ثنا أبو عامرٍ، قال : ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ سِيمَاهُمْ فِ
وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: الخشوعُ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُّ المثنى، قال: ثنا(٢) محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكمِ،
عن مجاهدٍ فى هذه الآيةِ: ﴿سِيمَاهُمْ فِى [٨٤٤/٢و] وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
يـ (٣)
قال : الشَّحْنةٌ(٣).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قوله :
سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: هو الخشوعُ. فقلتُ: هو أثرُ
السجودِ؟ فقال: إنه يكونُ بين عينَيْه مثلَ ركبةِ العَنْزِ، وهو كما شاء اللَّهُ(٤).
وقال آخرون : ذلك أثرٌ يكونُ فى وجوهِ المُصَلِّين مثلَ أثرِ السَّهَرِ الذى يَظهَرُ فى
الوجْهِ مثلَ (١) الكَلَفِ، والتهيُّج، والصُّفْرةِ، وما أشْبَهَ ذلك مما يُظهِرُه السَّهَرُ والتَّعبُ فى
الوجهِ . ووجّهوا التأويلَ فى ذلك إلى أنه سيما فى الدنيا .
(١) تفسير سفيان ص ٢٧٨، ومن طريقه ابن المبارك فى الزهد (١٧٣)، وعبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢٢٨،
وعبد بن حميد - كما فى الفتح ٥٨٢/٨ - والحافظ فى التغليق ٤ /٣١٤، وأخرجه ابن أبى حاتم - كما فى
تفسير ابن كثير ٣٤٢/٧، والفتح ٥٨٢/٨ - وأبو نعيم فى الحلية ٣/ ٢٨٢، من طريق منصور به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٦ إلى سعيد بن منصور ومحمد بن نصر فى الصلاة .
(٢) بعده فى ت ٢، ت ٣: ((أبو عاصم)) .
(٣) فى ص: ((السحية))، وفى ت ٣: ((السجية)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى التغليق ٣١٣/٤ - من طريق شعبة به.
(٤) أخرجه البيهقى ٢٨٧/٢، والحافظ فى التغليق ٣١٣/٤ من طريق جرير به.
(٥) فى ص، ت ١: ((من).

٣٢٥
سورة الفتح : الآية ٢٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ :
سِيمَاهُمْ فِ رُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودَّ﴾. قال : الصُّفرةُ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم الشيخُ الذى كان
يُقُصُّ فى عُسْرٍ ، وقرَأ : ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. فزعم أنه السَّهَرُ
يُرَى فى وجوهِهم .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ القُمِّئُ، عن حفصٍ بن حميدٍ ، عن شِمْرِ بنِ
عَطيةً فى قوله: ﴿ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم﴾. قال: تهيجٌ فى الوجْهِ مِن سَهَرِ
(١)
الليلِ(١) .
وقال آخرون: ذلك آثارٌ تُرَى فى الوجْهِ مِن ثَرَى الأرضِ، أَو نَدَى الطَّهُورِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا حَوْثَرةُ بنُ محمدِ المِثْقَرِىُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعدَةَ، وحدَّثنا ابنُ
حُمَيدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، جميعًا عن ثعلبةَ بنِ سُهَيلٍ، عن جعفر بن أبى المغيرةِ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿ سِيمَاهُمْ فِ رُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: ثَرَى
الأرضِ، ونَدَى الطَّهُورِ(٢) .
/ حدَّثنا ابنُ سنانِ القزَّزُ، قال: ثنا هارونُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا علىُ بنُ ١١٢/٢٦
المبارَكِ ، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، قال: سمِعتُ عكرِمةَ يقولُ: ﴿ سِيمَاهُمْ فِی
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٩٤/١٦.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى الدر المنثور ٨٢/٦ - ومن طريقه البيهقى ٢٨٧/٢ من طريق جرير به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر ومحمد بن نصر فى الصلاة .

٣٢٦
سورة الفتح : الآية ٢٩
وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: هو أثرُ الترابٍ(١) .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرنا أن سيما
هؤلاء القومِ الذين وصَف صفتَهم فى وجوهِهم مِن أثرِ السُّجودِ، ولم يخُصَّ ذلك
على وقتٍ دونَ وقتٍ . وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كلِّ الأوقاتِ ، فكان
سيماهم الذى كانوا يُعرَفون به فى الدنيا آثارَ(١) الإسلام، وذلك خشوعُه وهَذْيُه(٢)
وسَمْتُه، وآثارُ عناءٍ(٤) فرائضِه وتطوّعِه، وفى الآخرةِ ما أخبر أنهم يُعرَفون به ، وذلك
الغُرَّةُ فى الوجْهِ والتَّحجيلُ فى الأَيْدِى والأَرْجُلِ من أثرٍ (١) الوضوءِ، وبياضُ الوجوهِ
من أثرٍ(٥) السُّجودٍ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى معنى السِّيما قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ سِيمَاهُمْ فِى
وُجُوجِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. يقولُ(١): علامتُهم - أو أعلِمتُهم - الصلاةُ(١).
وقولُه: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ﴾. يقولُ : هذه الصفةُ التى وصفتُ لكم من
صفةِ تُبَّاعِ محمدٍ عَ لِّ الذين معه - صفِتُهم فى التوراةِ .
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٢٤/٧.
(٢) فى م: ((أثر)).
(٣) بعده فى م: ((وزهده)).
(٤) فى م: ((أداء)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((آثار)).
(٦) فى صٍ، ت ١: ((يقال)).
(٧) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٨/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى عبد بن
حمید .

٣٢٧
سورة الفتح : الآية ٢٩
وقولُه: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِ اُلْإِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَهُ﴾. يقولُ: وصفتُهم فى
إنجيلٍ عيسى صفةُ زرعٍ أُخرَج شَطْأَه. وهو فِراخُه، يقالُ منه: قد أشْطَأُ الزرعُ. إذا
أفرَخ، فهو يُشْطِىُّ إِشْطاءً. وإنما مَثَّلَهم بالزرع المُشْطِىُّ؛ لأنهم ابتدءوا فى الدخول
فى الإسلامِ وهم عددٌ قليلون ، ثم جعَلوا يتزايدون ، ويدخلُ فيه الجماعةُ بعدهم ، ثم
الجماعةُ بعدَ الجماعةِ ، حتى كَثُرَ عددُهم، كما يحدثُ فى أصلِ الزرع الفرخُ منه ،
ثم الفرخُ بعدَه، حتى يَكْثُرَ ويَنْمِىَ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَلَّذِينَ مَعَهُ﴾: أصحابُه، ﴿ مَثَلُهُمْ﴾ . يعنى: نعتُهم
مكتوبٌ (١) فى التوراة والإنجيلِ قبلَ أن يَخلُقَ السماواتِ والأرضَ(٢).
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا عبيدٌ ، عن الضحاكِ :
تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ، أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قولِه: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى
التَّوْرَةِ﴾. ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ الْإِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطَْهُ﴾ الآية .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ
التَّوْرَةِ﴾. أى: هذا المثلُ فى التوراةِ، ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ اُلْإِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطْعَهُ﴾:
فهذا مثلُ أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَّمِ فى الإنجيلِ(١).
(١) فى م: ((مكتوبا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وابن مردويه وابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٣٢٨
سورة الفتح : الآية ٢٩
/ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قوله :
١١٣/٢٦
سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَرِ السُّجُودِ﴾. قال: ذلك مَثَلُهم فى الثَّوارةِ، ومَثَلُهم
فى الإنجيلِ كزرعٍ أخرَج شَطاً(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ
التَّوْرَةِ﴾. يعنى: السّيما فى الوجوهِ مَثَلُهم فى التوراةِ ، وليس بمَثَلِهِم فى الإنجيلِ،
ثم قال عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِ اُلْإِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَهُ﴾ الآية: هذا مَثَلُهم فى
الإنجيلِ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَرِ السُّجُودِ﴾: ذلك مَثَلُهم فى الثَّوراةِ، ومَثَلُهم فى
الإنجيلِ كزرعٍ أخرَج شطاً.
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ ، قال : ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جُوَييٍ، عن
الضحاكِ فى قولِ اللّهِ: ﴿ ◌ُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الآية . قال: هذا مَثَلُهم فى
التوراةٍ ، ومَثَلٌ آخرُ فى الإنجيلِ: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْعَلُ فَازَرَهُ﴾ الآية(١).
وقال آخرون : هذان المثّلانِ فى التوراةِ والإنجيلِ مَثَلُّهم .
[٨٤٤/٢ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٨/٢ عن معمر به .
(٢) ينظر زاد المسير ٧/ ٤٤٨.

٣٢٩
سورة الفتح : الآية ٢٩
فى قولِهِ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ﴾ والإنجيلِ واحدٌ (١) .
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : مَثَلُهم فى التوراةِ غيرُ مَثَلِهم فى
الإنجيلِ، وأن الخبرَ عن مَثَلِهِم فى التوراةِ مُتَناهٍ عندَ قولِه: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ
التَّوْرَةِ﴾ . وذلك أن القولَ لو كان كما قال مجاهدٌ مِن أن مَثَلَهم فى التوراةِ
والإنجيلٍ واحدٌ، لكان التنزيلُ: ومَثَلُهم فى الإنجيلِ وكزرع أخرَج شَطْأه. فكان
تمثيلُهم بالزرعِ معطوفًا على قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. حتى
يكونَ ذلك خبرًا عن أن ذلك مَثَلُهم فى التوراةِ والإنجيلِ، وفى مجىءِ الكلامِ بغيرِ
واوٍ فى قوله: ﴿كَزَرْعٍ﴾ دليلٌ بَيِّنٌ على صحَّةٍ ما قُلنا، وأن قولَه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِى
اُلْإِنِيلِ﴾. خبرٌ مبتدأ عن صفتهم التى هى فى الإنجيلِ دونَ ما فى التوراةِ منها.
وبنحوِ الذى قُلنا فى قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطَّهُ﴾ . قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثنا أبى ، عن أبيه، عن جدِّه، عن
الأعمشِ، عن خَيثمةَ، قال: بَيْنا عبدُ اللَّهِ يُقْرِئُ رجلًا عندَ غروبِ الشمسِ، إذ مَّ
بهذه الآية: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْعَهُ﴾. قال: أنتم الزرعُ، وقد دنا حصادُكم(١).
قال : ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن حُمَيدٍ الطويلِ، قال: قرَأ أنسُ
ابنُ مالكِ: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَّطْكَهُ، فَازَرَهُ﴾. قال: أتدرون ما شَطْؤُه؟ قال: نباتُه(٣).
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٩.
(٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٦١، والبيهقى ٥/٩ من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٥٣/١٥ من
طريق الأعمش ، عن طلحة ، عن خيثمة به .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تمامه)).
والأثر أخرجه عبد بن حميد - كما فى التغليق ٣١٤/٤ - من طريق حميد به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٨٣/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .

٣٣٠
سورة الفتح : الآية ٢٩
/ حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال: ثنی عمِّی ، قال : ثنى أبى ، عن
١١٤/٢٦
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اُلْإِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ
شَطْعَهُ﴾. قال: سُنْبَلَه حين يتسلعُ نباتُه عن حباتِه(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِى الْآنِيلِ
گَزَآع أَخْرَجَ شَطُ﴾ . قال : هذا مثلُ أصحابٍ محمدٍ ێ فى الإنجيلِ ، قیل لهم :
إنه سيخرجُ قومٌ يَنْبُّون نباتَ الزرعِ؛ منهم قومٌ يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَون عن
(٢)
المنكرِ(٣) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً والزهرىِّ :
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ﴾. قالا: أخرَج نباتَه(٣) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَمَثَلُغُرْ فِ الْإِيلِ كَزَرِعْ أَخْرَجَ شَطَهُ﴾ . يعنى:
أصحابَ محمدٍ عَ لِّ، يكونون قليلاً، ثم يزدادون ويكثُرُون ويستَغْلِظون(٤).
حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿﴿
أَخْرَجَ شَطَْهُ﴾: أولادَه، ثم كثُرت أولادُه (٥).
حدَّثْنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وابن مردويه.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٨/٢ عن معمر به.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وابن المنذر.
(٥) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٩٤/١٦.

٣٣١
سورة الفتح : الآية ٢٩
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ﴾. قال: ما يخرجُ بجنبِ الحَقْلَةِ، فيتمُّ
(١)
وينمی(١).
وقولُه: ﴿فَازَرَهُ﴾. يقولُ: فَقَوَّاه . أى: قوَّى الزرعَ شَطؤُه وأعانَه، وهو من
المؤازَرةِ التى بمعنى المعاونةِ، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾. يقولُ: فَغَلُظ الزرعُ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى
سُوقِهِ،﴾. والسوقُ : جمعُ ساقٍ ، وساقُ الزرع والشجرِ: حاملتُه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی اُبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَازَرَهُ﴾. يقولُ: نباتُه مع التفافِه(٢) حينَ يُسَنبِلُ، ﴿ذَلِكَ
مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اُلْإِنِيلِ﴾: فهو مَثَلٌ ضرَبه لأهلِ الكتابِ إذا خرَج قومٌ
يْبُتون كما يَنْبُتُّ الزرعُ، فيبلغُ فيهم رجالٌ يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَون عن المنكرِ ، ثم
يَغْلُظون، فهم أولئك الذين كانوا معهم. وهو مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لمحمدٍ مَّهِ، يقولُ:
بعَث اللَّهُ النبيَّ عَلَّهِ وخْدَه، ثم اجتَمَع إليه ناسٌ قليلٌ يؤمنون به، ثم يكونُ القليلُ
كثيرًا ويَسْتَغْلِظون، ويغيظُ اللَّهُ بهم الكفارَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ ، عن مجاهدٍ
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٩، ومن طريقه عبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ٣١٤/٤ - وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى ابن المنذر .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الساقه).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وابن مردويه.

٣٣٢
سورة الفتح : الآية ٢٩
١١٥/٢٦ فى قوله: ﴿فَازَرَهُ﴾. قال: فَشَدَّه وأعانَه. / وقوله: ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾. قال :
(١)
أصولِه (١).
حدَّثنى ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والزهرىِّ :
فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ،﴾. يقولُ: فتلاحَقَ(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
◌ْ فَازَرَهُ﴾: اجتَمَع ذلك فالتفَّ. قال: وكذلك المؤمنون؛ خرجوا وهم قليلٌ
ضعفاءُ، فلم يَزَلِ اللَّهُ يَزِيدُ فيهم، ويؤيدُهم بالإسلامِ، كما أيَّدَ هذا الزرعَ بأولادِه
فَآزَرَه ، فكان مَثَلًا للمؤمنين .
حدَّثنى عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ ، قال : ثنا مروانُ بنُ معاويةً، عن جُوَييرٍ، عن
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، ﴾. يقولُ:
الضحاكِ :
" حبُّ بُ ثُثِر١) مُتَفرِّقًا، فتُنِتُ [٨٤٥/٢و] كلَّ حبةٍ واحدةً ، ثم أَنبَت كلَّ واحدةٍ منها
حتى اسْتَغْلَظ فاستوى على سُوقِه، قال: يقولُ: كان أصحابُ محمدٍ عَ لِّ قليلاً ،
ثم كَثُروا، ثم اسْتَغْلَظوا، ليَغِيظَ اللَّهُ بهم الكفارَ(٤).
وقولُه : ﴿يُعْجِبُ الزَُّّاعَ لِيَغِيَظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : يعجبُ
هذا الزرعُ الذى اسْتَغْلَظَ فاسْتَوى على سوقِه، فى تمامِه وحُسنٍ نباتِهِ، وبلُوغِه
وانتهائه، الذين زَرَعوه؛ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾. يقولُ: فكذلك مَثَلُ
محمدٍ عَ لَّهِ وأصحابِهِ، واجتماع عددِهم، حتى كَثُرُوا وَمَوا، وغَلُظ أمرُهم، كهذا
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٩، ومن طريقه عبد بن حميد - كما فى التغليق ٣١٤/٤ - وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٨٣/٦ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٨/٢ عن معمر به .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((حيث يثريثر))، وفى ت ٣: (( حيث ثير ثير)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وابن المنذر.

٣٣٣
سورة الفتح : الآية ٢٩
الزرعِ الذى وصَف جلَّ ثناؤُه صفته، ثم قال: ﴿لِغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾. فدلَّ ذلك
على متروكٍ من الكلام، وهو أن الله تعالى فعَل ذلك بمحمدٍ عَ له وأصحابِه ليَغْيظَ
بهم الكفارَ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾. يقولُ اللَّهُ: مَثَلُهم كمثلِ زرعٍ
أخْرَج شَطْأَه فَازَرَه، فاسْتَغْلظَ ، فاستوى على سوقِهِ، حتى بلَغ أحسنَ النباتِ ،
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ من كثرِه وحُسْنٍ نباتِهِ (١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يُعْجِبُ
الزُّرَّاعَ﴾. قال: يعجبُ الزُّرَّاعَ حُسنُه، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: بالمؤمنين،
لكثرتهم ، فهذا مَثَلُهم فى الإنجيلِ .
وقولُه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ تَغْفِرَةٌ وَأَجْرًا
عَظِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وعَدَ اللَّهُ الذين صدَّقوا الله ورسوله، ﴿ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾. يقولُ: وعَمِلوا بما أمرهم اللَّهُ به من فرائضِه التى أوجبها عليهم.
وقولُه: ﴿مِنْهُم﴾. يعنى: من الشَّطْءِ الذى أخرجه الزرعُ؛ وهم الدَّاخلون
فى الإسلامِ بعدَ الزرعِ الذى وصَف ربُّنا تبارك وتعالى صفَتَه .
والهاءُ والميمُ فى قولِه: ﴿مِنْهُم﴾ عائدةٌ على معنى الشَّطْءٍ لا على لفظِهِ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى المصنف وابن مردويه.

٣٣٤
سورة الفتح : الآية ٢٩
ولذلك مجمِع فقيل: ﴿مِنْهُم﴾. ولم يُقَلْ: منه. وإنما مجمِع الشَّطءُ لأنه أُريد به مَن
١١٦/٢٦ يدخلُ فى دينٍ محمدٍ عَلِّ / إلى يومِ القيامةِ بعدَ الجماعةِ الذين وصَف اللَّهُ صفتَهم
بقولِه: ﴿ وَلَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ تَرَنَّهُمْ زَكَّعًا سُجَّدًا﴾ .
وقولُه: ﴿مَغْفِرَةً﴾. يعنى: عفوًا عمَّا مضَى من ذنوبهم وسيِّىَّ أعمالهم،
بحسَنِها .
وقولُه: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. يعنى: وثوابًا جزيلًا، وذلك الجنةُ .
آخرُ تفسير سورةٍ («الفتحٍ))

٣٣٥
سورة الحجرات : الآية ١
[١/٤٦ظ] بسم" اللّهِ الرحمن الرحيم
تفسير سورةٍ (( الحجراتِ))
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
وَرَسُولِهٍ . وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾: يا
أيُّها الذين أقَرُّوا بوحدانيةِ اللَّهِ، ونبوَّةٍ نبيّه (١) محمدٍ عَّهِ، ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ
وَرَسُولِهِ ﴾. يقولُ: لا تُعجِّلوا بقضاءِ أمرٍ فى حروبِكم أو دينِكم، قبلَ أن يقضِىَ اللَّهُ
لكم فيه ورسولُه، فتَقضُوا بخلافٍ أمرِ اللَّهِ وأمرٍ رسولِه. ومَحْكِىٌّ عن العربِ: فلانٌ
يقدِّمُ بينَ يدى إِمامِه . بمعنى : يعجِّلُ بالأمرِ والنَّهي دونَه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختَلَفت ألفاظُهم بالبيانِ(٣)
عن معناه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ،
قولَه: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾. يقولُ: لا تقولوا خلافَ [٢/٤٦و]
الكتابِ والسُّنةِ(٢) .
* من هنا يبدأ الجزء السادس والأربعون من نسخة جامعة القروبين والمشار إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام
صفحاتها بين معکوفین .
(١) ليس فى : الأصل .
(٢) بعده فى الأصل: ((عنه)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤٣/٢ - ، وأبو نعيم فى الحلية ٣٩٨/١٠، من طريق
أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٤/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه .

٣٣٦
سورة الحجرات : الآية ١
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اُللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْ
اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال: نُهُوا أن يتكلَّموا بين يدَى كلامِه(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: لا تفْتاتوا
على رسولِ اللَّهِ عْظَلَّه بشىءٍ، حتى يقضِيَه اللَّهُ على لسانِه(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
١١٧/٢٦ نُقَدِّمُواْ / بَیْنَ يَدَىِ اُللَّهِ وَرَسُولهِ﴾﴾ : ذُکِر لنا أن أناسًا كانوا يقولون : لو أُنزِل فى كذا،
("أو صُنِع٣) كذا وكذا. قال: فكّرِهِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ذلك، وقَدَّم فيه . وقال الحسنُ: أناسٌ
من المسلمين ذَبَحوا قبلَ صلاةِ رسولِ اللَّهِ وَظَلَّهِ يومَ النحرِ، فأمَرهم نبىُ اللَّهِ عَ لِّ أن
يُعيدوا ذبحًا آخرَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، قال: ثنا مَغْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه :
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾. قال: إن أُناسًا كانوا
يقولون: لو أُنزِل فىّ(٤) كذا، لو أُنزِل فيَّ كذا . وقال الحسنُ: هم قومٌ نحَروا قبلَ أن
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٦/ ٣٠١، وابن كثير فى تفسيره ٣٤٥/٧ عن العوفى به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٨٤/٦ إلى المصنف وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٢) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه الفريابى وعبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ٣١٥/٤ -
والبيهقى فى الشعب (١٥١٦)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٤/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لو صنع))، وفى م: ((لوضع)).
(٤) فى الأصل: ((فينا)).

٣٣٧
سورة الحجرات : الآية ١
يُصلِّىَ النبيُّ عَمِ، فَأُمَرِهم النبىُّ ◌َّمِ أن يُعيدوا الذَّبعَ(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ [٢/٤٦ظ] أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ،
قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
وَرَسُولِ﴾. يعنى بذلك فى القتالِ وما(١) كان من أمورِهم لا يصلحُ أن يُقضَى إلا
بأمره؛ ما كان من شرائعٍ دينهم(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾. قال: لا تَقْطَعوا الأمرَ
دونَ اللَّهِ ورسولِه .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ
بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾. قال: لا تَقْضُوا أمرًا دونَ رسولِ اللهِ(٤).
وبضم التاءِ مِن قولِه: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ﴾. قرَأَ قرَأَةُ الأمصارِ، وهى القراءةُ التى لا
أُسْتَجيزُ القراءةَ بخلافِها؛ لإجماع الحجةِ من القَرَأةِ عليها ، وقد حُكِى عن العربِ :
قَدَّمتُ فى كذا، وتقدَّمتُ فى كذا. فعلى هذه اللغةِ لو كان قيل: (لا تَقَدَّمُوا).
بفتح التاء ، كان جائزًا .
وقولُه: ﴿ وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ أَيُّها المؤمنون(1) فى
(١) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٣٢٥/٣ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٠/٢،
ومن طريقه الجصاص فى أحكام القرآن ٢٧٦/٥ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٤/٦ إلى عبد
ابن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٣٣٤، وابن كثير فى تفسيره ٣٤٥/٧.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٥/٧.
(٥) وهى قراءة ليعقوب الحضرمى، بفتح التاء والدال المشددة. ينظر النشر ٢٢٨/٢.
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الذين آمنوا)).
( تفسير الطبرى ٢٢/٢١)

٣٣٨
سورة الحجرات : الآيتان ١، ٢
قولِكم، أن تقولوا ما لم يأذنِ اللَّهُ لكم به ولا رسولُه، وفى غيرِ ذلك من أمورٍكم،
فراقِبوه ، إن اللَّهَ سميعٌ لما تقولون، عليمٌ بما تُريدُون بقولِكم إذا قُلتُم . لا يَخْفى عليه
شىءٌ من ضمائرٍ صدورِ كم، وغيرِ ذلك من أمورٍ كم وأمورٍ غيرِ كم .
[٣/٤٦و] القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ
أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ
أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
قال أبو جعفرٍ رحِمَه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكره: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسولَه لا
ترفَعوا أصواتكم فوقَ صوتِ النبيِّ عَلِّ؛ تَتَجَهَّمونه بالكلام، وتُغْلِظون له فى
الخطابِ، ﴿ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. يقولُ: ولا تنادُوه
کما یُنادِی بعضكم بعضًا باسمِه(١)؛ يا محمدُ، يا محمدُ. ( ولكن قولًا ليّنًا وخطابًا
حسنًا ، بتعظيم له وتوقيرٍ وإجلالٍ ١؛ يا نبيَّ اللَّهِ، يا رسولَ اللَّهِ.
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١١٨/٢٦
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوّلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. قال: لا [٣/٤٦ظ]
تُنادُوه نداءً، ولكِنْ قولًا لَئِنًا؛ يا رسولَ اللَّهِ(٣) .
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه المروزى فى تعظيم قدر الصلاة (٧٢٥)، والبيهقى فى شعب الإيمان
(١٥١٦)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٣٣٩
سورة الحجرات : الآية ٢
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ
بِالْقَوّلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. كانوا يَجْهَرون له بالكلامِ ويرفَعون أصواتهم ،
فوعَظهم اللَّهُ ونهاهم عن ذلك .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ ، عن معمرٍ ، قال : قال قتادةُ: كانوا
يرفَعون ويَجْهَرون عندَ النبيِّ ◌َهِ، فؤُعِظوا ونُهوا عن ذلك(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا ◌ُبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَّكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ الآية: هو كقولِه:
﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَعَكُمْ كَدُعَاءٍ بَعْضِكُمْ بَعْضَأْ﴾ [ النور : ٦٣] . نهاهم
اللَّهُ أن يُنادُوه كما يُنادِى بعضُهم بعضًا، وأمرهم أن يُشَرِّفوه ويُعَظُّموه، ويدعوه إذا
دَعَوه باسمِ النبوّةِ (١) .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حبابٍ ، قال : ثنا أبو ثابتِ بنُ ثابتِ بنِ
قيسٍ بنِ الشَّمَّاسِ ، قال : ثنى عمى إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ ثابتِ بنِ قيسٍ بِنِ الشَّمَّاسِ،
عن أبيه، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَّجْهَرُواْ
لَهُ بِالْقَوْلِ﴾. قال: قعَد ثابتُ بنُ قیسٍ فى الطريقِ یَیْکی، قال: فمرَّ به عاصمُ بنُ
عدىٍّ، مِن بنى العَجْلانِ ، فقال: ما يُئِكِيكَ يا ثابتُ؟ قال: هذه الآيةُ ، أَتَخوَّفُ أن
تكونَ نزَلت فيَّ ، وأنا صيّتّ [٤/٤٦ و] رفيعُ الصوتِ . قال: فمضَى عاصمُ بنُ عدىٍّ
إلى رسولِ اللهِ عَ لَّهِ ، قال: وغلَبه البكاءُ، قال: فأتى امْرأَتَه جميلةَ بنتَ عبدِ اللَّهِ بنِ
أَبِىِّ ابنٍ سَلولَ . فقال لها : إذا دخَلتُ بيتَ فرَسى فشُدِّى علىَّ الضَّبَةَ بِمِشْمارٍ .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣١/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٤/٦ إلى عبد بن
حميد .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٥٤/٨، ٢٦٥٥ من طريق أبى روق عن الضحاك عن ابن عباس قوله .
(٣) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((عن)).

٣٤٠
سورة الحجرات : الآية ٢
فضرَبَتْه بمسمارٍ حتى إذا خرَج عطَفه (١) ، وقال: لا أخرج حتى يتوقَّانى اللَّهُ أَو يَرْضَى
عنّى رسولُه. فأتَى عاصمٌ رسولَ اللَّهِ عَلَّمِ فأخبَرِه خبرَه، فقال: ((اذْهَبْ فَادْعُه لى)).
فجاء عاصمٌ إلى المكانِ فلم يجِدْه ، فجاء إلى أهلِهِ ، فوجَده فى بيتِ الفَرَسِ ، فقال
له : إن رسولَ اللَّهِ عَ لَهِ يَدْعُوك. فقال: اكْسِرِ الضبَّةَ. قال: فخرَجا فأتّيا رسولَ
اللَّهِ مَ له، فقال له رسولُ اللَّهِ عَلَه: (( ما يُتْكِيكَ يا ثابتُ؟)). فقال: أنا صَيِّتٌ،
وأتخوَّفُ أن تكونَ هذه الآيةُ نَزَلت فيَّ ؛ ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا
تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. فقال له رسولُ اللَّهِ عِ اله: ((أما
تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حميدًا، وتُقْتَلَ شَهِيدًا، وتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟)) . فقال: رضِيتُ بُشْرَى
اللَّهِ ورسوله ، لا أرفَعُ صوتى على رسولِ اللهِ أبدًا. فأنزل اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ
أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُمْتَحَنَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَّ﴾ الآية(١).
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةً، قال :
جاء ثابتُ بنُ قيسٍ بنِ الشَّمَّاسِ إلى رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ [٤/٤٦] وهو محزونٌ، فقال:
((يا ثابتُ، ما الذى أَرَى بك؟)). قال: آيةٌ قرأتُها الليلةَ ، فأُخْشَى أن يكونَ قد حَبِط
١١٩/٢٦ عمَلى؛ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ / النَّبِ﴾ - وكان فى
أذنه صَمَمٌ - فقال : يا نبىَ اللهِ ، إنى أخشى أن أكون قد رفعتُ صوتی وجھَرتُ لك
بالقولٍ، وأن أكونَ قد حَبِط عمَلى وأنا لا أُشْعُرُ. فقال النبىُ عَلِ: ((امْشٍ على
الأرضِ بِشطًا (٣) فإنّك مِن أهلِ الجَنَّةِ))(٤) .
(١) عطف الشىء: حناه وأماله. ينظر اللسان (ع ط ف).
(٢) أخرجه ابن بشكوال فى غوامض الأسماء المبهمة ٧٠٠/٢ من طريق المصنف، وذكره ابن كثير فى تفسيره
٣٤٧/٧، ٣٤٨ عن المصنف ، وأخرجه الطبرانى (١٣١٦) من طريق أبي كريب عن زيد بن الحباب عن أبى
ثابت بن ثابت بن قيس بن شماس قال : ثنى أبى ثابت بن قيس عن أبيه، وأخرجه الحاكم ٣/ ٢٣٤، والبيهقى
فى الدلائل ٣٥٥/٦ من طريق إسماعيل به نحوه .
(٣) فى م: ((نشيطا))، وفى ت ٢، ت٣: ((نشطا))، وبسطا: منبسطا منطلقا. النهاية ١٢٨/١.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/٦ إلى المصنف.