Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة الفتح : الآية ٢٠
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ
هَذِهِ﴾: وهى خيبةُ(١).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك الصلحُ الذى كان بينَ رسولِ اللَّهِ عَلَه وبينَ
قريش .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ،﴾. قال: الصلحَ (١) .
/ وأولى الأقوالِ فى تأويلِ ذلك بالصوابِ ما قاله مجاهدٌ، وهو أن الذى أثابهم ٩٠/٢٦
اللَّهُ مِن مسيرِهم ذلك مع الفتحِ القريبِ ، المغانمُ الكثيرةُ مِن مغانم خيبرَ. وذلك أن
المسلمين لم يَغْنَموا بعدَ الحديبيةِ غَنيمةٌ، ولم يَفْتَحوا فتحًا أقربَ مِن بيعتِهم
رسولَ اللَّهِ مَلِ بالحديبيةِ إليها، من فتحِ خيبرَ وغنائمِها .
وأما قولُه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَائِمَ كَثِيرَةً﴾. فهى سائرُ المغانمِ التى
غنَّمهموها اللَّهُ بعدَ خيبرَ؛ كغنائم هَوازنَ، وغَطَفانَ، وفارسَ، والرومِ .
وإنما قُلنا: ذلك كذلك دونَ غنائم خيبرَ ؛ لأن اللَّهَ أُخْبَر أنه عجَّل لهم هذه التى
أثابَهم مِن مسيرِهم الذى سارُوه مع رسولِ اللَّهِ مَ لَه إلى مكةَ، ولِمَا عُلِم مِن صحةٍ
نيتِهم فى قتالٍ أهلِها، إذ بايَعوا رسولَ اللَّهِ مَّمِ على ألا يَفِرُّوا عنه، ولا شكَّ أن التى
عُجِّلت لهم غيرُ التى لم تُعََّلْ لهم .
وقولُه: ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لأُهلِ بيعةِ الرضوانِ:
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٦/ ٢٧٨، وابن كثير فى تفسيره ٧/ ٣٢٢.

٢٨٢
سورة الفتح : الآية ٢٠
وكفَّ اللَّهُ أيدىَ المشركين عنكم .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذين كُفَّت أيديهم عنهم مَن هم؟ فقال بعضُهم :
هم اليهودُ، كفَّ اللَّهُ أيديهم عن عِيالِ الذين ساروا من المدينةِ مع رسولِ اللَّهِ مَ آل إلى
مکةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَفَّ أَبْدِىَ النَّاسِ
عَنكُمْ﴾: عن بَيْضِهم ، وعن عِيالِهم بالمدينةِ، حينَ ساروا إلى الحديبية وإلى
خيبرَ، وكانت خيبرُ فى ذلك الوجهِ(٢) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه :
وَكَفَّ أَبْدِىَ النَّاسِ عَنَكُمْ﴾. قال: كفَّ أيدىَ الناسِ عن عِيالِهم بالمدينةِ " .
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك أيدى قريشٍ ، إذ حبَسَهم اللَّهُ عنهم ، فلم يَقْدِروا
لهم على مكروه .
والذى قاله قتادةُ فى ذلك عندى أشبهُ بتأويل الآيةِ ، وذلك أن كفَّ اللَّهِ أيدىَ
المشركين مِن أهلِ مكةً عن أهلِ الحديبيةِ قد ذكره اللَّهُ بعدَ هذه الآية فى قوله : ﴿ وهُوَ
الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [ الفتح: ٢٤]. فعُلِم بذلك أن
الكفَّ الذى ذكَرَه اللَّهُ تعالى ذكرُه فى قوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنَكُمْ﴾ غيرُ
الكفّ الذى ذكَر اللَّهُ بعدَ هذه الآيةِ فى قولِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ
(١) فى م: ((بيوتهم)). وبيضة القوم : حوزتهم وحماهم. الوسيط (ب ی ض).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٧/٢ عن معمر به .
(٤) فى م، ت ٣: ((له)).

٢٨٣
سورة الفتح : الآيتان ٢٠ ، ٢١
وَيَدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ .
وقولُه: ﴿وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وليَكُونَ كفُّه تعالى ذكرُه
أيديهم عن عِيالِهم آيةً وعِبْرةً للمؤمنين به، فيَعْلَموا [٨٣٨/٢و] أن اللَّهَ هو المتولى
حِياطتَهم وكلاءتَهم، فى مشهدِهم ومَغِييِهم، ويَتَّقُوا اللَّهَ فى أنفسِهم وأموالهم
وأهليهم، بالحفظِ وحُسْنِ الولايةِ، ما كانوا مُقِيمين على طاعتِه، مُنْتَهِين إلى أمرِه
ونهيه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً:
﴿ وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. / يقولُ: وذلك آيةٌ للمؤمنين، كفُّ أيدى الناسٍ عن ٩١/٢٦
(١)
عِیالهم().
وَيَهْدِيَكُمْ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾. يقولُ: ويُسَدِّدَكم أيُّها المؤمنون طريقًا
واضحًا، لا اْوِجاجَ فيه، فيُبَيِّنهَ لكم، وهو أن تَثِقوا فى أمورٍ كم كلِّها بربِّكم،
فتوَكَّلوا عليه فى جميعِها؛ ليَحُوطَكم حِياطته إياكم فى مسيرٍ كم إلى مكةً مع
رسولِ اللَّهِ عَ لَه فى أنفسكم وأهليكم وأموالكم، فقد رأيْتُم أثرَ فعلِ اللَّهِ بكم، إذ
وثِقْتُم به (١) فى مسيرٍ كم هذا .
وقولُه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكره:
٦
ووعَدَ كم أيُّها القومُ ربُّكم فتحَ بَلْدةٍ أُخرى لم تَقْدِروا على فتحِها ، قد أحاط اللَّهُ بها
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٧/٢ عن معمر به.
(٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.

٢٨٤
سورة الفتح : الآية ٢١
لكم حتى يَفْتَحَها لكم .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى هذه البلدةِ الأُخرى والقريةِ الأُخرى التى وعَدَهم
فتحها، التى أُخْبَرهم أنه مُحيطٌ بها ؛ فقال بعضُهم: هى أرضُ فارسَ والرومِ ، وما
يَفْتَحُه المسلمون من البلادِ إلى قيامِ الساعةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ، قال: ثنا شعبةُ ، عن سِماكٍ
الحَنَفىِّ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿ وَأُخْرَى لَمّ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾: فارسُ
والروم .
قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن الحكم ، عن ابن أبى ليلى أنه قال
فى هذه الآيةِ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيَّهَا﴾. قال: فارسُ والرومُ (١.
حدّثنی موسی بنُ عبد الرحمنِ المسْروقُ ، قال : ثنا زيدُ بنُ حبابٍ ، قال : ثنا
شعبةُ بنُّ الحجاجِ، عن الحكم، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلى مثلَه .
حدَّثُنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ
تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاَ اَللَّهُ بِهَا﴾. قال: حدَّث عن الحسنِ، قال: هى فارسُ
,(٢)
والرومُ(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١) أخرجه ابن سعد ١١٥/٢، والبيهقى فى الدلائل ١٦٣/٤ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٧٥/٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٣/٧.

٢٨٥
سورة الفتح : الآية ٢١
قولَه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِّرُواْ عَلَيْهَا﴾: ما فتَحوا حتى اليومِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن عبد الرحمنِ
ابنِ أبى ليلى فى قوله: ﴿ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِّرُواْ عَلَيْهَا﴾. قال: فارسُ والرومُ.
وقال آخرون : بل هی خیبرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا ﴾ الآية . قال: هى
(١)
خيبرُ".
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ ،
قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاَ اَللَّهُ
بِهَا﴾: يعنى خيبرَ، بعَثهم رسولُ اللَّهِ عَ لَّه يومَئذٍ فقال: ((لا تُمَثِّلوا، ولا تَغُلُّوا ،
ولا تَقْتُلوا وَليدًا))(١) .
/ حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ٩٢/٢٦
﴿ وَأُخْرَى لَمْ تَقِّدِّرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اَللَّهُ بِهَا﴾ . قال: خيبرُ. قال: لم يكونوا
يَذْكُرونها، ولا يَرْجُونها، حتى أُخْبَرهم اللَّهُ بها(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةٌ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ
عَلَيْهَا﴾: يعنى أهلَ خيبرَ(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/٦ إلى المصنف وابن مردويه.
(٢) ينظر تفسير البغوى ٧/ ٣١٢، وتفسير القرطبى ٢٧٩/١٦.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٧٩/١٦.

٢٨٦
سورة الفتح : الآيات ٢١ - ٢٣
وقال آخرون : بل هى مكةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ
عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اَللَّهُ بِهَا﴾: كنا نُحَدَّثُ أنها مكةُ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ وَأُخْرَى لَمْ
تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾. قال: بلَغَنا أنها مكةُ (١).
وهذا القولُ الذى قاله قتادةُ أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل، وذلك أن اللَّهَ أخْبَر
هؤلاء الذين بايعوا رسولَ اللَّهِ مَّمِ تحتَ الشجرةِ أنه مُحيطٌ بقريةٍ لم يَقْدِروا عليها ،
ومعقولٌ أنه لا يقالُ لقوم: لم يَقْدِروا على هذه المدينةِ . إلا أن يكونوا قد رامُوها
فتعَذَّرَت عليهم ، فأمَّا وهم لم يَرُوموها فتَتَعذَّرَ عليهم، فلا يقالُ: إنهم لم يَقْدِروا
عليها .
فإِذا كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن رسولَ اللَّهِ مَّهِ لم يَقْصِدْ قبلَ نزول
هذه الآيةِ عليه خيبرَ لحربٍ ، ولا وجَّه إليها لقتالِ أهلِها جيشًا ولا سريةً، عُلِم أن
المعنىَّ بقولِه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ غيرُها ، وأنها هى التى قد عالَجَها ورامَها
فتُعَذَّرَت ، فكانت مكةُ وأهلُها كذلك، وأخْبَرِ اللَّهُ تعالى ذكرُه نبيّه عَّمِ والمؤمنين أنه
قد أحاط بها وبأهلِها ، وأنه فاتِحُها عليهم ، وكان اللَّهُ على كلِّ ما يشاءُ مِن الأشياءِ ذا.
قُدْرةٍ ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شىءٌ شاءَه .
[٨٣٨/٢ ظ] القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوْا ◌ْلْأَدْرَ
٣٣
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ
ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٧/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/٦ إلى عبد بن حميد.

٢٨٧
سورة الفتح: الآيتان ٢٢ ،٢٣
٢٣
اللَّهِ تَبْدِيلًا
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أهلِ بيعة الرضوانِ: ولو قاتَلَكم الذين كَفَروا
باللّهِ أيُّها المؤمنون بمكةً، ﴿لَوَلَّوْاْ الْأَدْبَرَ﴾. يقولُ: لَانْهَزَموا عنكم، فولَّؤْكم
أغجازَهم ، وكذلك يَفْعَلُ المنهزِمُ مِن قِرْنِه فى الحربِ. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا
نَصِيرًا﴾. يقولُ: ثم لا يَجِدُ هؤلاء الكفارُ المنهزمون عنكم، المُؤَلَّوكم الأدبارَ، ولّا
يُواليهم على حربكم ، ولا نصيرًا يَنْصُرُهم عليكم ؛ لأن الله تعالى ذكره معكم ، ولن
يُغْلَبَ حزبٌ اللَّهُ ناصرُه .
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٩٣/٢٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَوْ قَتَلَكُمُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَّوَأُ الْأَدْبَرَ﴾. يعنى: كفار قريشِ، قال اللَّهُ: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا
وَلَا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم مِن اللَّهِ(١) .
وقولُه: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: لو قاتلكم
هؤلاء الكفارُ مِن قريشِ، لَخَذَلَهم اللَّهُ حتى يَهْزِمَهم عنكم، خِذْلانَه أمثالَهم مِن أهلِ
الكفرِ به الذين قاتلوا أولياءَه مِن الأمم الذين مضَوْا قبلَهم .
وأُخْرِج قولُه: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ﴾. نصبًا مِن غيرِ لفظِه؛ وذلك أن فى قوله:
﴿ لَوَلّواْ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ معنى: سَنَنْتُ فيهم الهزيمةَ
والخِذْلانَ . فلذلك قيل: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ﴾. مصدرًا مِن معنى الكلامِ لا مِن لفظِهِ .
وقد يَجوزُ أن تكونَ تفسيرًا لما قبلَها مِن الكلامِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٨٨
سورة الفتح : الآيتان ٢٣، ٢٤
وقولُه: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ عَاتٍ:
ولن ◌َجِدَ يا محمدُ لسنةِ اللَّهِ التى سنَّها فى خلقِه تغييرًا، بل ذلك دائمٌ، للإحسانِ
جزاؤُهُ مِن الإحسانِ ، وللإساءةِ والكفرِ العقابُ والتَّكالُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَّكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ
٢٤
مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَّكُمْ عَلَيْهِمّ وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا
يقولُ تعالى ذكرُه لرسولِهِ عَّهِ والذين بايعوا بيعة الرضوانِ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ
أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ﴾. يعنى: أن اللَّهَ كفَّ أيدىَ المشركين الذين كانوا خرجوا على عسكرٍ
رسولِ اللَّهِ عَ لَهِ بالحديبيةِ يَلْتَمِسون غِرَّتَهم؛ ليُصِيبوا منهم، فبعث رسولُ اللَّهِ عَلِ ،
فأُتِى بهم أَشْرَى، فخلَّى عنهم رسولُ اللَّهِ عَّهِ، ومنَّ عليهم ولم يَقْتُلْهم، فقال اللَّهُ
للمؤمنين: وهو الذى كفَّ أيدىَ هؤلاء المشركين عنكم ﴿ وَأَيَدِيَّكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةً
مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمَّ﴾ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك جاءت الآثارُ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ علىِّ بنِ الحسنِ بنِ شَقيقٍ، قال : سمِعْتُ أبى يقولُ: أخْبَرنا
الحسينُ بنُّ واقدٍ ، قال: ثنى ثابتٌ الثنائيُ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، أن رسولَ اللَّهِ عَمِ
كان جالسًا فى أصلِ شجرةٍ بالحديبيةِ، وعلى ظهرِهِ غصنٌ مِن أغصان الشجرةِ ،
فرفَعْتُها عن ظهرِهِ، وعلىُّ بن أبى طالبٍ رضِى اللَّهُ عنه بينَ يديه، وسهيلُ بنُ عمرو،
وهو صاحبُ المشركين، فقال رسولُ اللَّهِ مَّمِ لعلىّ: ((اكْتُبْ: بسم اللّهِ الرحمنِ
الرحيم)). فأمْسَك سهيلٌ بيدِه فقال: ما نَعْرِفُ الرحمنَ، اكْتُبْ فى قضيتِنا ما
نَعْرِفُ. / فقال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((اكْتُبْ: باسمِك اللهمَّ)). فكتَب، فقال: ((هذا
٩٤/٢٦

٢٨٩
سورة الفتح : الآية ٢٤
ما صالَح محمدٌ رسولُ اللَّهِ أهل مكةَ)). فأمْسَك سهيلٌ بيدِه فقال: لقد ظلَعْناك إن
كنتَ رسولاً، اكْتُبْ فى قضيتِنا ما نَعْرِفُ. قال: ((اكْتُبْ: هذا ما صالَح عليه
محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلبٍ . وأنا رسولُ اللَّهِ)). فخرَج علينا ثلاثون شابًّا
عليهم السلامح، فثاروا فى وُجوهِنا، فدعا عليهم رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ، فأخَذ اللَّهُ
بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخَذْناهم، فقال لهم رسولُ اللَّهِ مَ ◌ّهِ: «هل خرَجْتُم فى
أمانٍ أحدٍ؟)). " فقالوا: لا١). قال: فخلَّى عنهم. قال: فأَنْزَل اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِى
كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبْنِ مَّةً مِنْ بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمَّ﴾(١).
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا یحیی بنُ واضحٍ، قال : ثنا الحسینُ بنُ واقدٍ ، عن
ثابتٍ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، قال: كنا مع النبيِّ عَه بالحديبيةِ فى أصلِ الشجرةِ
التى قال اللّهُ فى القرآنِ، وكان غصنٌّ مِن أغصانِ تلك الشجرةِ على ظهرِ النبىِّ عَّهِ،
فرفعتُه عن ظهره. ثم ذكر نحوَ حدیثِ محمدِ بنِ علىٍّ ، عن أبيه .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاقَ ، قال : ثنى مَن لا
أنَّهِمُ، عن [٨٣٩/٢و] عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍٍ، أن قريشًا كانوا بعثوا أربعين رجلاً
منهم أو خمسين، وأمَروهم أن يُطِيفوا بعسكرِ رسولِ اللَّهِ مَّه؛ ليُصِيبوا لهم من
أصحابِهِ أحدًا، فأُخِذوا أخْذًا، فأُتِى بهم رسولُ اللَّهِ يٍَّ، فعفا عنهم، وخلَّى
سبيلَهم، وقد كانوا رمَوْا فى عسكرِ رسولِ اللهِ عَه بالحجارةِ والتَّبْلِ.
قال ابنُ حميدٍ : قال سلمةُ : قال ابنُ إسحاقَ: ففى ذلك قال: ﴿ وَهُوَ الَّذِى
(١ - ١) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) أخرجه الحاكم ٢ / ٤٦٠، ٤٦١ - وعنه البيهقى ٣١٩/٦ - من طريق على بن الحسن بن شقيق،
وأخرجه أحمد ٣٥٤/٢٧ (١٦٨٠٠)، والنسائى فى الكبرى (١١٥١١) من طريق الحسين بن واقد به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٦ إلى أبى نعيم فى الدلائل وابن مردويه .
(٣) سقط من: م.
( تفسير الطبرى ١٩/٢١ )

٢٩٠
سورة الفتح : الآية ٢٤
كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَّكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ،
قال: أقْبَل معتمرًا نبىُ اللَّهِ مَ الَهِ، فأخَذ أصحابُه ناسًا من أهلِ الحرمِ غافِلين، فأرْسَلَهم
النبىُّ عَِّ، فذلك الإظفارُ ببطنٍ مكةً(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانِ القَزَّازُ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عائشةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ
سلمةً، عن ثابتٍ ، عن أنس بن مالك ، أن ثمانين رجلاً من أهل مكةَ هبطوا على
رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ وأصحابِهِ مِن جبلِ التنعيم، عندَ صلاةِ الفجرِ لَيَقْتُلوهم، فأخَذَهم
رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ فأعْتَقَهم، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَبْدِيَّكُمْ
عَنْهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(٢).
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا به بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ،
عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَبْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية . قال: بطنُ
مكةَ الحديبيةُ، (٤ذُكِر لنا أن رجلاً من أصحابٍ رسولِ اللهِ مَهُ" يقالُ له: زُنَهُمْ(٥).
اطَّلَع الثنيةَ مِن الحديبيةِ، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسولُ اللَّهِ صَاحِ
خيلاً، فَأَتَوْه باثنَىْ عشَرَ فارسًا مِن الكفارِ، فقال لهم نبىُّ اللَّهِ سَله: ((هل لكم علىَّ
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٦٣١/٢ عن ابن حميد به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٧.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ٤٩٢، ٤٩٣، وأحمد ٢٥٨/١٩ (١٢٢٢٧)، وعبد بن حميد (١٢٠٦ -
منتخب)، ومسلم (١٨٠٨)، وأبو داود (٢٦٨٨)، والترمذى (٣٢٦٤)، والنسائى فى الكبرى
(١١٥١٠)، والبيهقى ٣١٨/٦، وفى الدلائل ١٤١/٤، والبغوى فى تفسيره ٣١٣/٧ من طريق حماد
ابن سلمة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٤ - ٤) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج .
(٥) فى م: ((رهم)).

٢٩١
سورة الفتح : الآية ٢٤
عهدٌ؟ هل / لكم علىَّ ذمةٌ؟)) قالوا: لا. فأرْسَلَهم، فأنْزَل اللَّهُ فى ذلك القرآنَ: ٩٥/٢٦
﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ
(١)
بَصِيرًا﴾(١).
وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ القُمِّئُّ ، عن
جعفرٍ، عن ابنِ أبْزَى، قال: لمّ خرَج النبيُّ عَِّ بالهَدْيِ وانْتَهَى إلى ذى الحُلَيفةِ ،
قال له عمرُ: يا نبيَّ اللَّهِ، تَدْخُلُ على قومٍ لك حربٌ بغيرِ سلاحٍ ولا يُراعٍ(٢)؟ قال :
فبعَثْ إلى المدينةِ ، فلم يَدَعْ بها كُراعًا ولا سلاحًا إلا حمَله، فلمَّا دنا من مكةَ منَعوه أن
يَدْخُلَ، فسار حتى أتَى مِنَّى، فنزَل بمنَّى ، فأتاه عَيْنُه أن عكرمةَ بنَ أبی جهلٍ قد خرّج
عليك(٢) فى خمسمائةٍ، فقال لخالدِ بنِ الوليدِ: (( يا خالدُ ، هذا ابنُ عمِّك قد أتاك فى
الخيلِ)). فقال خالدٌ: أنا سيفُ اللَّهِ وسيفُ رسولِه - فيومَئذٍ سُمِّى سيفَ اللَّهِ - یا
رسولَ اللَّهِ ، ازْمٍ بى حيث شئتَ . فبعثه على خيلٍ ، فلقِى عكرمةً فى الشِّعْبِ ، فهزَمه
حتى أَدْخَله حِيطانَ مكةً ، ثم عاد فى الثانيةِ ، فهزَمه حتى أدْخَله حيطانَ مكةً ، ثم عاد
فى الثالثةِ، فهزَمه (٤) حتى أدْخَله حيطانَ مكةً، فأنْزَل اللّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ
عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال: فكفَّ اللَّهُ النبىّ عنهم مِن
بعدِ أن أظْفَره عليهم ؛ لبقايا مِن المسلمين كانوا بَقُوا فيها مِن بعدِ أن أظْفَره عليهم ،
كراهيةً أن تَطَأَهم الخيلُ بغيرِ علم(٧).
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٣٠. وأخرجه عبد بن حميد - كما فى الإصابة ٥٧٠/٢ - من طريق
شيبان عن قتادة .
(٢) الكُراع: اسم يجمع الخيل والسلاح. الوسيط (ك رع).
(٣) فى م: ((علينا)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٢٢، ٦٢٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .

٢٩٢
سورة الفتح : الآيتان ٢٤، ٢٥
وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وكان اللَّهُ
بأعمالِكم وأعمالِهِم بصيرًا، لا يَخْفَى عليه منها شىءٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ وَالْهَدِىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَتٌّ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ
تَطَُّوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُم مَّعَزَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٌ لَيُدْخِلَ اَللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَُّوا
٢٥
لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
يقولُ تعالى ذكره : هؤلاء المشركون مِن قريشٍ هم الذين جحدوا توحيد
اللَّهِ ، وصدُّوكم أيُّها المؤمنون باللهِ عن دخولِ المسجدِ الحرام، وصدُّوا الهَدْىَ
﴿مَعْكُوْنَا﴾. يقولُ: محبوسًا عن أن يَبْلُغَ مَحِلَّه. فموضعُ ((أن)) نصبٌ؛ لتعلُّقِه إن
شئتَ بـ ((معكوفٍ))، وإن شئتَ بـ ((صَدوا)). وكان بعضُ نحوبى البصرة يقولُ فى
ذلك: وصدُّوا الهدىَ معكوفًا، كراهيةً أن يَبْلُغَ مَحِلَّه.
وُنِى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مِلَّمْ﴾: أن يَبْلُغَ مَحِلَّ نحرِه. وذلك
دخولُ الحرم، والموضعُ الذى إذا(١) صار إليه حَلَّ نحرُه، وكان رسولُ اللَّهِ عَ الفتحِ
ساق معه حينَ خرَج إلى مكةً فى سَفْرتِه تلك سبعين بدنةٌ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال : ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن محمد
ابنِ مسلم الزهرىِّ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ ومَزْوانَ بنِ الحكمِ ،
أنهما حدَّثاه قالا : خرَّج رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه/ وسلم عامَ الحديبيةِ يُرِيدُ زيارةَ
[٨٣٩/٢ظ] البيتِ، لا يُرِيدُ قتالاً، وساق(١) معه سبعين بَدَنةً، وكان الناسُ سبعمائةٍ
٩٦/٢٦
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) بعده فى م: ((الهدى )).

٢٩٣
سورة الفتح : الآية ٢٥
رجلٍ، فكانت كلُّ بدنةٍ عن عشرةٍ(١).
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
اَلْحَرَامِ وَالْحَدِىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّمْ﴾ . قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا﴾. أى: محبوسًا ﴿أَن يَبْلُغَ
مِلَّمْ﴾. وأقْبَل نبىُ اللّهِ عَه وأصحابُه معتمرين فى ذى القَعْدةِ، ومعهم الهدىُ،
حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صدَّهم المشركون، فصالَهم نبىُ اللَّهِ عَ لَّهِ على أن
يَرْجِعَ مِن عامِه ذلك، ثم يَرْجِعَ مِن العامِ المُقْبِلِ، فيكونَ بمكةَ ثلاثَ ليالٍ ، ولا
يَدْخُلَها إِلا بسلاحِ الراكبِ ، ولا يَخْرُجَ بأحدٍ مِن أهلِها، فنحَروا الهدىَ، وحلَقوا ،
وقصَّروا، حتى إذا كان من العامِ المُقْبِلِ، أقْبَل نبىُّ اللَّهِ مَ لَه وأصحابُه، حتى دخَلوا
مكةَ معتمرين فى ذى القَعْدةِ ، فأقام بها ثلاثَ ليالٍ ، وكان المشركون قد فخَروا (١)
علیه حینَ رَدُّوه ، فأقَصَّه اللّهُ منهم فأدخله مکةً فی ذلك الشهر الذی کانوا رڈُّوه فيه ،
فَأَنْزَل اللّهُ: ﴿ الشَّهُ الْحَرَّمُ بِالشَّهْرِ الْحَامِ وَالْحُرُمَتُ قِصَاصٌُ﴾ [البقرة: ١٩٤].
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأُسدىُّ وأحمدُ بنُ منصورِ الرَّمادىُّ، واللفظُ لابنِ
عُمارةَ ، قالا : حدَّثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال: أخْبَرنا موسى بنُ عُبيدةَ ، عن إياسٍ
ابنِ سلمةَ بنِ الأكوع، عن أبيه، قال: بعَثَت قريشٌ سُهَيْلَ بنَ عمرٍو، وحُوَيْطِبَ بنَ
عبدِ العُزَّى، وحفصَ بنَ فلانٍ، إلى النبيِّ مَّهِ ليُصالحِوه، فلما رآهم رسولُ اللَّهِ عَلَّم.
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٦٢٠/٢، وتقدم جزء من هذا الحديث فى ٣٦٢/٣، ٣٦٣.
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((فجروا))، وغير منقوطة فى ص. والمثبت مما تقدم فى ٣٠٦/٣.
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٠٦/٣.

٢٩٤
سورة الفتح : الآية ٢٥
فيهم سُهَيْلُ بنُ عمرو، قال: ((قد سهَّل اللَّهُ لكم مِن أمرٍكم، القومُ ماتُّون إليكم
بأرحامِهم وسائلوكم الصلحَ، فابعثوا الهَدْىَ، وأظْهِروا التلبيةَ، لعل ذلك يُلِينُ
قلوبَهم )). فلبّوا من نَواحى العسكرِ حتى ارْتَجْت أصواتُهم بالتلبيةِ . قال : فجاءوا
فسألوه الصلحَ. قال: فبينما الناسُ قد تَوادَعوا، وفى المسلمين ناسٌ مِن
المشركين، وفى المشركين ناسٌ من المسلمين١). قال: ففتك(٢) به أبو سفيانَ .
قال : فإذا الوادى يَسِيلُ بالرجالِ. قال: قال إياسٌ: قال سلمةُ: فجئتُ بستةٍ مِن
المشركين مُتَسَلِّحين أَسُوقُهم، ما يَمْلِكون لأنفسِهم نفعًا ولا ضرًّا، فَأَتَّيْتُ بهم
النبىَّ ◌ٍَّ، فلم يَسْلُبْ ولم يَقْتُلْ، وعَفا. قال: فشدَدْنا على مَن فى أيدى
المشركين منا، فما ترَكْنا فى أيديهم منا رجلاً إلا اسْتَنْقَذْناه. قال: وغلَبنا على مَن
فى أيدينا منهم، ثم إن قريشًا بعَثُوا سُهَيْلَ بنَ عمرٍو، وحُوَيْطِبًا، فَلُوا صلحهم،
وبعَث النبىُّ ◌َ ◌ِّ عليًّا فى صلحِه، فكتَب علىّ بينَهم: بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ،
هذا ما صالَح عليه محمدٌ رسولُ اللَّهِ مَّهِ قريشًا، صالَحَهم على أنه " لا إِغلالَ ولا
إسلالَ)، وعلى أنه مَن قدِم مكةً مِن أصحابٍ محمدٍ عَ لِ حاتّجًا أو معتمرًا أو يَبْتَغِى
مِن فضلِ اللَّهِ ، فهو آمِنٌ على دمِه ومالِه ، ومَن قدِم المدينةَ مِن قريشِ مُجْتازًا إلى مصرَ
أو إلى الشامِ يَبْتَغِى مِن فضلِ اللَّهِ، فهو آمنٌ على دمِه ومالِه، وعلى أنه مَن جاء
٩٧/٢٦ محمدًا عَ لَّهِ مِن قريشِ فهو / إليهم رَدٌّ ، ومَن جاءَهم مِن أصحابٍ محمدٍ فهو لهم،
فاشْتَدَّ ذلك على المسلمين، فقال رسولُ اللَّهِ عَه: «مَن جاءَهم منا فأبْعَدَه اللَّهُ،
(١ - ١) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.
(٢) فى م، ت٢: ((فقيل)).
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ٢: ((لا إهلال ولا امتلال))، وفى ت ٣: ((لا إهلاك ولا امتلال)). والإغلال: الخيانة
أو السرقة الخفية . والإسلال: السرقة الخفية. قيل: الإغلال والإسلال: الغارة الظاهرة. وقيل: الإغلال: لبس
الدروع، والإسلال: سل السيوف. ينظر النهاية ٢/ ٣٩٢، ٣/ ٣٨٠. واللسان (س ل ل، غ ل ل).

٢٩٥
سورة الفتح : الآية ٢٥
ومَن جاءَنا منهم فَرَدَدْناه إليهم، فعلِم اللَّهُ الإسلامَ مِن نفسِه، جعَل له مخرجًا)).
فصالحوه على أنه يَعْتَمِرُ فى عامٍ قابلٍ فى هذا الشهرِ ، لا يَدْخُلُ علينا بخيلٍ ولا سلاحٍ
إلا ما يَحمِلُ المسافُ فی قِرابِهِ ، يَغْوِی فینا ثلاث ليالٍ ، وعلی أن هذا الهدىَ حيثما
حبَسناه مَحِلُّهُ(١) لا يُقْدِمُه علينا. فقال لهم رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((نحن نَسُوقُه، وأنتم
تَرُّدُّون وُجوهَه)). فسار رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ مع الهدي، وسار الناسُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ ، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا موسى ،
قال : أخبرنى أبو مُرّةَ مولى أمّ هانئٍّ، عن ابنِ عمرَ ، قال: كان الهدىُ دونَ الجبالِ التى
تَطْلُغُ على وادى الثنية، عرَض له المشركون، فردُوا وجوهَه. قال: فنحَر النبيُّ عَلّه
الهدىَ حينَ حبَسوه، وهى الحديبيةُ، وحَلَق، وتأَشَى به أُناسٌ حينَ رأَوْه حلَق،
وترَبَّص آخرون فقالوا: لعلنا نَطوفُ بالبيتِ، فقال رسولُ اللَّهِ مَهِ: ((رحِم اللَّهُ
المُحَلِّقين)). قيل: والمُقَصِّرين. قال: ((رحِم اللَّهُ المُحَلِّقين)). قيل:
والمُقَصِّرين. قال: ((والمُقَصِّرِين)) (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ ذَرٌّ [٨٤٠/٢و]
الهَمْدانىُ، عن مجاهدٍ ، أن النبيَّ عَّ ◌َهِ اعْتَمَر ثلاثَ عُمَرٍ، كلُّها فى ذى القَعْدةِ،
يَرْجِعُ فى كلِّها إلى المدينةِ ، منها العمرةُ التى صُدَّ فيها الهدىُ، فنحَره فى محِلُّه عندَ
الشجرةِ ، وشارَطوه أن يَأْتِىَ فى العامِ المقبلِ معتمرًا فيَدْخُلَ مكةً ، فيَطوفَ بالبيتِ
ثلاثةَ أيامٍ ثم يَخْرُجَ ، ولا يَخْبِسون عنه أحدًا قَدِم معه ، ولا يَخْرُجَ مِن مكةً بأحدٍ كان
فيها قبلَ قدومِه مِن المسلمين ، فلما كان مِن العام المقبلِ دخَل مكةً ، فأقام بها ثلاثًا
يَطوفُ بالبيتِ ، فلما كان اليومُ الثالثُ قريبًا مِن الظهرِ أرْسَلوا إليه: إن قومَك قد
(١) بعده فى ت ١: ((لا يكفكفه)) .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٦٢٩/٢، ٦٣٠.
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٦٢/٣.

٢٩٦
سورة الفتح : الآية ٢٥
آذاهم مُقامُك. فنُودِى فى الناس: لا تَغْرُبُ الشمسُ وفيها أحدٌ مِن المسلمين قدِم
مع رسولِ اللَّهِ عَ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ
ابنِ الزبيرِ، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ، قال: خرَج النبىُّ ◌َ لَّه زمنَ الحديبية فى بضعَ
عشْرةَ مائةً مِن أصحابِهِ، حتى إذا كانوا بذى الحُلَيْفةِ قلَّد الهدىَ وأَشْعَره، وأُخْرَم
بالعمرةٍ ، وبعَث بينَ يديه عينًا له مِن خُزاعةً يُخْبِرُه عن قريشٍ، وسار النبيُّ سَائعٍ ، حتى
إذا كان بغَديرِ الأشْطاطِ قريبًا مِن عُشْفَانَ(٢) أتاه عينُه الخُراعىُّ، فقال: إنى ترَكْتُ
كعبَ بنَ لُؤَىِّ وعامرَ بنَ لُؤَىِّ قد جمَعوا لك الأحابيشَ، وجمَعوا لك ◌ُموعًا، وهم
مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيتِ. فقال رسولُ اللَّهِ وَهِ: (( أَشِيروا علىٍّ، أَتَّرَوْن أَن تَمِيلَ
على ذَرارىٌّ هؤلاء الذين أعانوهم فتُصِيبَهم، فإن قعَدوا فعَدوا مَوْتُورين مَخروبِين (٢) ،
وإن نجوا(٩" تَكُنْ عُنُقًا قطَعَها اللَّهُ؟ أم تَرَوْن أنا نَؤُمُّ البيتَ، فمَن صدَّنا عنه قاتَلْنا؟)) فقام
أبو بكرٍ فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، إنا لم نَأْتِ لقتالِ أحدٍ ، ولكنْ مَن حال بيننا وبينَ البيتِ
قاتَلْناه. فقال النبيُّ عَّهِ: ((فرُوحوا إذن)) - وكان أبو هريرةَ يقولُ: ما رأيتُ أحدًا
قطُّ كان أكثرَ / مشاورةً لأصحابِهِ مِن النبيِّ ◌ِلِّ - فراحوا حتى إذا كانوا ببعضٍ
الطريقِ قال النبىُّ عَِّ: ((إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَميم فى خيلٍ لقريشٍ طَليعةً ، فخُذوا
ذاتَ اليَمينِ )). فواللَّهِ ما شعَر بهم خالدٌ حتى إذا هو بقَتَرةِ الجيشِ، فَانْطَلَقِ يَرْكُضُ
نذيرًا لقريشٍ، وسار النبىُّ عَ لَم حتى إذا كان بالشَِّيَّةِ التى يُهْبَطُ عليهم منها برَكَت به
٩٨/٢٦
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٢٠. وأخرجه البيهقى ٢١٧/٥ من طريق عمر بن ذر به.
(٢) فى م: ((قعيقعان))، وفى ت ١: ((عقيعان)) .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مخزيين))، وفى م: ((محزونين)). ومحروبين: مسلوبين منهوبين.
النهاية ٣٥٨/١.
(٤) فى م: ((لحوا)).

٢٩٧
سورة الفتح : الآية ٢٥
راحلتُه، فقال الناسُ: حَلْ حَلْ (١). فقال: (( ما حَلْ؟)). فقالوا: خَلأَتِ (١) القَضْواءُ.
فقال النبيُّ عَّهِ: (( ما خَلأَتْ، وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكنها حبسَها حابسُ الفيلِ)).
ثم قال: ((والذى نفسى بيدِه لا يَسْأَلُونى خُطَّةٌ يُعَظِّمون بها حرماتِ اللَّهِ إِلا
أعْطَيْتُهم إياها)). ثم زُجِرَتْ فوثَبَتْ، فعدَل عنهم ، حتى نزَل بأقصى الحديبيةِ،
على ثَمَدٍ (١) قليلِ الماءِ، إنما يَتَبَّرَّضُه الناسُ قَبُّضًا(٤)، فلم يُلْيِه(٥) الناسُ(٦) أن نزَحوه،
فشُكِى إلى رسولِ اللَّهِ مَ ◌ِّ العطشُ، فنزَع سهمًا مِن كِنانتِه، ثم أمَرَهم أن يَجْعَلوه
فيه ، فواللهِ ما زال يَجِيشُ لهم بالرّىِّ حتى صدَروا عنه ، فبينا هم كذلك جاء بُدَئِلُ بنُ
وَرْقَاءَ الحُراعىُّ فى نفرٍ مِن خُزاعةً. وكانوا عَيْبةَ نُصحِ رسولِ اللَّهِ عَ مِن أهلِ تِهامةً -
فقال: إنى ترَكْتُ كعبَ بنَ لُؤَىِّ، وعامرَ بنَ لؤيٍّ، قد نزَلوا أعدادَ(١) مياهٍ
الحديبيةِ، معهم العُوذُ المَطافيلُ(١)، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيتِ . فقال
النبيُّ عَّهِ: ((إنا لم نَأْتِ لقتالٍ أحدٍ، ولكنا جِئْنَا مُعْتَمِرين، وإن قريشًا قد نهِكَتْهم
٥
الحربُ وأَضَرَّت بهم، فإن شاءوا مادَدْناهم مدةً ، ويُخَلَّوا بينى وبينَ الناسِ ، فإِن
أَظْهَرْ فإن شاءوا أن يَدْخَلوا فيما دخَل فيه الناسُ فعَلوا، وإلا فقد جَمُّواً ، وإن هم
(١) حل: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. فتح البارى ٥/ ٣٣٥. وينظر اللسان (ح ل و).
(٢) خلات: وقفت عن السير. اللسان (خ ل أ).
(٣) النَّمَد والقَّعد: المكان يجتمع فيه الماء. الوسيط (ث مد).
(٤) تَبَرَّض الماءَ: اغترفه كلما اجتمع منه شىء. الوسيط (ب رض).
(٥) فى م: ((يلبث))، وفى ت ٢، ت ٣: (( ينتبه)).
(٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧) الأعداد بالفتح: جمع عِدِّ بالكسر والتشديد، وهو الماء الكثير الذى لا انقطاع له. فتح البارى ٣٣٨/٥.
(٨) العوذ: جمع عائذ، وهى الناقة ذات اللبن، والمطافيل: الأمهات اللاتى معها أطفالها ، يريد أنهم خرجوا
معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن
الأطفال . فتح البارى ٣٣٨/٥.
(٩) جموا: استراحوا وقووا. فتح البارى ٣٣٨/٥.

٢٩٨
سورة الفتح : الآية ٢٥
أَبَوْا ، فوالذى نفسى بيدِه لأقاتِلَنَّهم على أمرِى هذا حتى تَنْفَرِدَ سالِفَتى(١)، أو ليْفِذَنَّ
اللَّهُ أمرَه )). فقال بُدَيلٌ: سنُبُلِّغُهم ما تقولُ. فانْطَلَق حتى أتَى قريشًا، فقال: إنا قد
جئناكم مِن عندِ هذا الرجلِ، وسمِعْناه يقولُ قولًا، فإن شئتُم أن نَغْرِضَه عليكم فعَلْنا .
قال سفهاؤهم: لا حاجةً لنا فى أن تُحَدِّثَنَا عنه بشىءٍ . وقال ذَوُو الرأي منهم : هاتِ ما
سمِعْتَه يقولُ. قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال النبيُّ عَّهِ، فقام عروةُ
ابنُ مسعودٍ الثَّقَفىُ فقال: أْ قومٍ، ألستم بالوالدٍ (١)؟ قالوا: بلى. قال: أوَلستُ
بالولدٍ (١)؟ قالوا: بلى. قال: فهل تَتَّهِمونى؟ قالوا: لا. قال: ألستم تَعْلَمون أنى
اسْتَنْفَرتُ أهلَ عُكاظٍ ، فلما بَلَّحواء) علىَّ جئتكم بأهلى وولدى ومَن أطاعنى؟ قالوا:
بلى . قال : فإن هذا الرجلَ قد عرّض عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوها، ودَعُونى آتِه . فقالوا:
ائِه. فأتاه فجعَل يُكَلِّمُ النبىَّ ◌َّهِ، فقال النبىُّ ◌َّ نحوًا مِن مقالتِه لُدَيْلٍ، فقال
عروةُ عندَ ذلك: أىْ محمدُ ، أرأيتَ إن استأصَلتَ قومَك، فهل سمِعْتَ بأحدٍ
مِن العربِ اجْتاح أصلَه قبلَك؟ وإن تَكْنِ الأخرى، فواللَّهِ إِنى لَأَرَى وجوهًا
وأَشْوابًا (٥) مِن الناسِ خليقًا أن [٨٤٠/٢ ط] يَفِرُّوا ويَدَعُوك . فقال أبو بكرٍ : امْصصْ
بَظْرَ اللَّتِ(١) - واللاتُ طاغيةُ ثَقيفٍ التى (٢) كانوا يَعْبُدون - أَنحن نَفِرُّ ونَدَعُه؟
(١) السالفة: صفحة العنق، وكنى بذلك عن القتل؛ لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه. فتح البارى ٣٣٨/٥.
(٢) فى م: (( بالولد)).
(٣) فى م: ((بالوالد)).
(٤) بلحوا: بفتح الباء واللام وتشديدها: امتنعوا. فتح البارى ٣٣٩/٥.
(٥) فى م: ((أوباشا)). والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى. والأوباش: الأخلاط من السّفْلة، فالأوباش
أخص من الأشواب. فتح البارى ٥/ ٣٤٠. وقال ابن الأثير: الأشواب والأوباش والأوشاب: الأخلاط من
الناس والرعاع. النهاية ٢/ ١٨٧.
(٦) البظر: قطعة تبقى بعد الختان فى فرج المرأة ... وكانت عادة العرب الشتم بذلك ، لكن بلفظ الأم ، فأراد
أبو بكر المبالغة فى سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه. فتح البارى ٣٤٠/٥.
(٧) فى م: ((الذى))، وفى ت ٢، ت ٣: ((الذین)).

٢٩٩
سورة الفتح : الآية٢٥
فقال: مَن هذا؟ فقالوا: أبو بكرٍ. فقال: أما والذى نفسى بيدِه لولا يدٌ / كانت لك ٩٩/٢٦
عندى لم أَجْزِك بها لأنجَبتُك(٢) . وجعَل يُكَلِّمُ النبيَّ ◌َمِ، فكلما كلَّمه أخَذ بلحيتِهِ ،
والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأسِ النبيِّ عَلَّهِ، ومعه السيفُ وعليه المِغْفَرُ، فكلما
أُهْوَى عروةُ إلى لحيةِ رسولِ اللهِ وَمِ ضرَب يدَه بنَغْلٍ (٢) السيفِ وقال: أخِّرْيدَك عن
لحيته . فرفَع رأسَه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شعبةَ. قال: أىْ غُدَرُ، أوَ لستُ
أُسْعَى فى غَدْرتِك ! - وكان المغيرةُ بنُ شعبةً صحِب قومًا فى الجاهليةِ ، فقتلَهم وأخَذ
أموالَهم، ثم جاء فأسْلَم . فقال النبيُّ مَّهِ: ((أمَّ الإِسلامُ فقد قبِلْناه، وأمَّا المالُ فإنه
مالُ غَدْرٍ، لا حاجةَ لنا فيه)) - وإن عروةَ جعَل يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ عَلَّمِ بعينِهِ،
فواللهِ إن تنخَّمَ النبيُّ عَ لَّمِ نُخامةٌ إلا وقَعت فى كفِّ رجلٍ منهم ، فدلَك بها وجهَه
وجلدَه ، وإذا أمَرَهم ابْتَدَروا أمرَه، وإذا توَضَّأ كادوا يَقْتَتِلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّم
خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون النظرَ إليه تعظيمًا له، فرجَع عروةُ إلى أصحابِه
فقال: أىْ قوم ، واللَّهِ لقد وفَدْتُ على الملوكِ، ووفَدْتُ على قيصرَ وكِسْرى
والنجاشيّ ، واللَّهِ إِن رأَيْتُ ملِكًا قطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمدٍ
محمدًا، واللَّهِ إن تنَخَّم نُخامةً إلا وقَعَت فى كفِّ رجلٍ منهم، فدلك بها وجهَه
وجلدَه، وإذا أَمَرَهم ابْتَدَروا أمرَه، وإذا توَضَّأ كادوا يَقْتَتَلِون على وَضوئِه، وإذا
تكلّموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يُحِدُّون النظر إليه تعظيمًا له، وإنه قد عرض
عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْتُلُوها . فقال رجلٌ مِن كِنانةَ : دَعُونى آتِهِ. فقالوا : انْتِهِ . فلما
أَشْرَف على النبيِّ عَظِلّهِ وأصحابِهِ، قال النبيُّ ◌َه: ((هذا فلانٌ، وهو مِن قومٍ
يُعَظِّمون البُدْنَ، فابْعَثُوها له)). فبُعِثَت له، واسْتَقْبَله قومٌ يُلَكُون فلمَّا رأى ذلك قال :
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) وذلك أن عروة كان تحمّل بديةٍ فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن. فتح البارى ٣٤٠/٥.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بنصل)).

٣٠٠
سورة الفتح : الآية ٢٥
سبحانَ اللَّهِ ، ما يَنْبَغِى لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيتِ. فلما رجَع إلى أصحابِه قال :
رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَت وأُشْعِرت، فما أَرَى أن يُصَدُّوا عن البيتِ ١) . فقام رجلٌ منهم يقالُ
له : مِكْرَزُ بنُ حفصٍ. فقال: دعُونى آته. فقالوا: اثتِهِ. فلما أَشْرَف على النبيِّ عَله
وأصحابِهِ قال النبىُّ عَلَّهِ: ((هذا مِكْرَزُ بنُ حفصٍ، وهو رجلٌ فاجٌ)). فجاء فجعَل
يُكَلِّمُ النبىَّ ◌َمِ، فبينا هو يُكَلِّمُه إذ جاء سُهَيْلُ بنُ عمرو - قال أيوبُ : قال عكرمةُ :
إنه لما جاء سُهَيلٌ قال النبىُّ عَ لَهِ: ((قد سَهُل لكم مِن أمرٍ كم)) - قال الزهرىُّ: فجاء
سهيلُ بنُ عمرو فقال: هاتِ نَكْتُبْ بيتَنا وبينَك كتابًا. فدعا الكاتبَ . فقال
النبىُّ عََّهِ: ((اكْتُبْ: بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيم)). فقال: ما الرحمنُ؟ فواللَّهِ ما
أدْرِى ما هو ، ولكن اكتُبْ : باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبُ . فقال المسلمون :
واللَّهِ لا نَكْتُبُها إلا بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيم. فقال النبيُّ عَ لَه: ((اكتُبْ: باسمِك
اللهمَّ)). ثم قال: ((اكتُبْ: هذا ما قاضَى عليه محمدٌ رسولُ اللَّهِ)). فقال سهيلٌ:
واللَّهِ لو كنا نَعَلَمُ أنك رسولُ اللَّهِ ما صدَدْناك عن البيتِ ولا قاتَلْناك، ولكن اكتُبْ:
محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ. فقال النبىُّ عَ لّهِ: ((واللَّهِ إنى لَرسولُ اللَّهِ وإن كذَّبْتُمونى، ولكن
اكْتُبْ: محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ)). قال الزهرىُّ: وذلك لقوله: ((واللَّهِ لا يَسْأَلُونِى خُطَّةً
يُعَظّمون بها حُرُماتِ اللَّهِ إِلا أَغْطَيْتُهم إياها)). فقال النبىُّ عَه: ((على أن تُخَلُّوا بينَنَا
وبينَ البيتِ ، فنطوفَ به)). قال سهيلٌ: واللَّهِ لا تَتَحَدَّثُ العربُ أنا أُخِذْنا ضُغْطةٌ ، ولكن
لك من العامِ المُقْبِلِ . فَكتَب ، فقال سهيلٌ : وعلى أنه لا يَأْتيك منا رجلٌ، وإن كان على
١٠٠/٢٦ دينِك، إلا ردَدْتَه إِلينا. فقال المسلمون: سبحانَ اللَّهِ ! /وكيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد
جاءَ مسلمًا؟! فبيناهم كذلك، إذ جاء أبو جندلِ بنُّ سُهيلٍ بنِ عمرٍ و يرسُفُ فى قُودِه ،
قد خرَج مِن أسفلٍ مكةً ، حتى رمَى بنفسِه بينَ أَظْهُرِ المسلمین ، فقال سهيلٌ : هذا یا
(١ - ١) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.