Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
سورة الأحقاف : الآيات ٢٦ - ٢٨
استَهْزَءوا به ، ونزَل بهم ما سَخِروا به فاستَعْجَلوا به مِن العذابِ . وهذا وعيدٌ مِن اللهِ
جلَّ ثناؤه لقريشٍ، يقولُ لهم: فاحْذَروا أن يَحِلَّ بكم مِن العذابِ على كفرٍكم باللهِ
وتَكْذِيِكم رُسُلَه - ما حَلَّ بعادٍ ، وبادِروا بالتوبةِ قبلَ النِّقْمةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ اُلْقُرَى وَصَرَّفْنَا
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا ءَ إِهَذَّ بَلْ
٢٧
اُلْأَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (®
٢٨
ضَلُواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفُْهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لكفارٍ قريشٍ، مُحذِّرَهم بأسَه وسَطْوتَه أن يَحِلَّ بهم على
كفرِهم: ولقد أَهْلَكْنا/ أيُّها القومُ مِن القُرَى ما حولَ قريتِكم، كحِجْرِ ثمودَ، ٢٩/٢٦
وأرضٍ سَدُومَ، ومأرِبَ، ونحوِها، فأنذَرْنا أهلَها بالمَثُلاتِ، وخَرَّبنا ديارَها ،
فجعَلناها خاويةً على عروشِها .
وقولُه: ﴿ وَصَرَّفْنَا اُلَْبَتِ﴾. يقول: ووَعَظْناهم بأنواع العِظاتِ، وذكّوْناهم
بضُرُوبٍ مِن الذِّكْرِ والحُجَجِ، وبَيِّنًا لهم ذلك.
كما حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَصَرَّفْنَا الْأَبَتِ﴾. قال: بَيَّناها .
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. يقولَ: ليرجِعوا عما كانوا عليه مُقِيمين، مِن الكفرِ باللهِ
وآياتِه . وفى الكلام متروكٌ، تُرِك ذكرُه استغناءً بدلالةِ الكلام عليه، وهو: فأبوا إلا
الإقامةَ على كفرِهم ، والتمادى فى غَيِّهم ، فأهلَكْناهم ، فلن ينصرَهم مِنَّا ناصرٌ.
يقولُ جلَّ ثناؤه: فلولا نصَر هؤلاء الذين أهلكناهم مِن الأمم الخاليةِ قبلَهم أوثانُهم
وآلهتُهم التى اتَّخَذوا عبادتَها قُرْبانًا يتقرَّبون بها، فيما زعموا، إلى ربِّهم -
مِنَّا، إذ جاءهم بأسنا، فتُنْقِذَهم مِن عذابِنا إن كانت تشفعُ لهم عندَ ربِّهم كما
( تفسير الطبرى ١١/٢١ )
١٦٢
سورة الأحقاف : الآية ٢٨
يزعُمُون .
وهذا احتجاجٌ مِن اللهِ لنبيِّه محمدٍ عَ لَلِ على مُشركى قومِه، يقولُ لهم: لو
کانت آلهتكم التی تعبدون من دونِ اللهِ تُغْنِی عنکم شيئًا ، أو تنفعكم عندَ اللهِ، کما
تزعمُون أنكم إنما تعبُدونها لتُقَرَّبَكم إلى اللهِ زُلْفَى - لأُغْنَت عمن كان قبلكم مِن
الأمم التى أهلكتُها بعبادتِهم إيَّاها، فدَفَعَت عنها العذابَ إذا نزَل، أو لشفَعَت لهم
عندَ ربِّهم، فقد كانوا مِن عبادتِها على مثلِ الذى عليه أنتم، ولكنها ضَرَّتْهم ولم
تنفعهم. يقولُ تعالى ذكره: ﴿بَلَ ضَلُّواْ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: بل تركَتهم آلهتُهم التى
كانوا يعبدونها، فأخَذَت غيرَ طريقهم ؛ لأنَّ عَبَدَتَها هلَكت ، وكانت هى حجارةً
أو نُحاسًا، فلم يُصِبْها ما أصابَهم ، ودَعَوها فلم تُحِبْهم ، ولم تُفِتْهم ، وذلك ضلالُها
عنهم، ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾. يقولُ عزَّ وجلَّ: هذه الآلهةُ التى ضَلَّت عن هؤلاءِ
الذين كانوا يعبدونها مِن دونِ اللهِ ، عندَ نُزُولِ بأسِ اللهِ بهم، وفى حالٍ طمعھم فیھا
أن تُغِيثَهم، فخَذَلَتْهم - هو ﴿إِفَكُهُمْ﴾ . يقولُ: هو كذِبُهم الذى كانوا يَكذِبون
ويقولون: هؤلاء آلهتنا. ﴿ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وهو الذى كانوا يَفْتَرون
فيقولون : هى تُقَرَّبُنا إلى اللهِ زُلْفى، وهى شفعاؤنا عندَ اللهِ. وأخرج الكلامُ مُخرج
الفعلِ، والمَعْنىُّ المفعولُ به، فقيل: وذلك إِفْكُهم. والمَعَنِىُّ فيه: المأفُوكُ به؛ لأنَّ
الإفكَ إنما هو فعلُ الآفِكِ، والآلهةُ مأفوكٌ بها . وقد مضَى البيانُ عن نظائرِ ذلك قبلُ .
قال: وكذلك قولُه: ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾.
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةٍ
الأمصارِ: ﴿ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ بكسرِ الأَلفِ، وسكونِ الفاءِ، وضمِّ الكافِ،
بالمعنى الذى بَيّنًّا .
١٦٣
سورة الأحقاف : الآ يتان ٢٨ ، ٢٩
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ رضِى اللهُ عنه فى ذلك ما حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ ،
قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ،
أنه كان يقرَؤُها: (وذلك أفَكَهُمْ ). يعنى: بفتح الألفِ والكافٍ، وقال:
(١)
أضَلَّهم (١) .
فمَن قرأ القراءةَ الأولى التى عليها قرَأَةُ الأمصارِ، فالهاءُ والميمُ فى موضعٍ خفضٍ .
ومَن قرأ هذه القراءةَ التى ذكرناها عن ابنِ عباسٍ ، فالهاءُ والميمُ فى موضعِ نصبٍ ؛ وذلك
أن معنى الكلام على ذلك : وذلك صَرَفَهم عن الإيمانِ باللهِ .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا القراءةُ التى عليها قرَأُ الأمصارِ؛ لإجماعِ
الحُجّة عليها .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٣٠/٢٦
اَلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ
٢٩
يقولُ تعالى ذكرُه مُقَرِّعًا كفارَ قريشٍ بكفرِهم بما آمَنت به الجنُّ: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا
إِلَيَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾. ذُكِر أنهم صُرِفوا إلى
رسولِ اللهِ صَ لَه بالحادثِ الذى حدَث من رجْمِهم بالشُّهُبِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةً، عن زيادٍ ، عن سعيدِ بنِ مُبِیٍ ،
قال: كانت الجنُّ تَسْتَمِعُ، فلما رُجِموا قالوا: إنَّ هذا الذى حدث فى السماءِ لِشىءٍ
حدَثَ فى الأرضِ، فذهَبوا يَطْلُبون، حتى رأوا النبيَّ عَظِلّهِ خارجًا من سوقٍ عكاظٍ
يُصلِّى بأصحابِهِ الفجرَ، فذهبوا إلى قومِهم.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٦ إلى المصنف، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٠.
١٦٤
سورة الأحقاف : الآية ٢٩
حذَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ ، عن
سعيدِ بنِ مُجُبَيرٍ، قال: لما بُعِث النبيُّ عَظ ◌ِّ حُرِسَت السماءُ، فقال الشيطانُ: ما
مُرِسَت إلا لأمرٍ قد حدث فى الأرضِ، فبعَث سراياه فى الأرضِ، فوجدوا
النبىَّ عَّ ◌َه قائمًا يُصَلِّى صلاةَ الفجرِ بأصحابِهِ بنَخْلَةَ(١) وهو يَقْرَأُ، فاستمعوا حتى إذا
فرَغْ ﴿وَلَّوْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ إلى
آخرِ الآيةِ. قال: لم تَكُنِ السماءُ تُحْرَسُ فى الفترةِ بينَ عيسى ومحمدٍ صلَّى اللهُ
عليهما، وكانوا يَفْعُدون مقاعِدَ للسمع، فلمَّا بعث اللهُ محمدًا عَلَّه محرِست
السماءُ حَرَسًا شديدًا ورُجِمت الشياطينُ، فأنكروا ذلك، وقالوا: ﴿لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ
أُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. فقال إبليسُ: لقد حدث فى
الأرضِ حدَثْ . واجتمعت إليه الجنّ، فقال: تفرَّقوا فى الأرضِ، فأخْبِرُونى ما هذا
الخبرُ الذى حدث فى السماءِ. وكان أولَ بغْثِ ركْبٌ من أهلِ نَصِيبِينَ(٢)، وهى
أشرافُ الجنِّ وساداتُهم، فبعثهم اللهُ إلى تِهامةَ فاندفَعوا حتى بلغوا الوادِىَ؛ وادىَ
نخلةَ، فوجَدوا نبيَّ اللهِ عِلَّه يُصَلِّى صلاةَ الغداةِ ببطنٍ نخلةَ، فاستمعوا، فلما سمِعوه
يتلو القرآنَ قالوا: ﴿أَنْصِتُواْ﴾، ولم يَكُنْ نبِىُّ اللهِ عَّهِ عِلِم أنهم استمَعوا إليه وهو
يَقْرَأُ القرآنَ، ﴿ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِمِ مُنذِرِينَ﴾(٤).
واختلف أهلُ التأويلِ فى مبلغ عددِ النفَرِ الذين قال اللهُ: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا
مِّنَ الْجِنِّ﴾؛ فقال بعضُهم: كانوا سبعةَ نفَرٍ .
(١) نخلة: موضع على ليلة من مكة. معجم ما استعجم ٤/ ١٣٠٤.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٨/٢ عن معمر به .
(٣) نصيبين: مدينة من بلاد الجزيرة فى الطريق من الموصل إلى الشام. معجم البلدان ٧٨٧/٤ .
(٤) ذكره الحافظ فى الفتح ٨/ ٦٧٢.
١٦٥
سورة الأحقاف : الآية ٢٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ ، قال: ثنا النضرُ بنُ عربى" ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: / ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِنَّكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ ﴾ الآية.
٣١/٢٦
قال: كانوا سبعةَ نَفَرٍ مِن أهلِ نَصِيبينَ، فجعَلهم رسولُ اللهِ عَِّ رُسُلًا إلى قومهم(١).
وقال آخرون : بل كانوا تسعةَ نفَرٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن عاصم، عن زِرٍّ: ﴿وَإِذْ
صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾. قال: كانوا تسعةَ نفَرٍ، فيهم زَؤْبعةٌ(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ، عن عاصم، عن زِرِّ بنِ
حُبَيْشٍ، قال: أُنزِل على النبيِّ عَّهِ وهو يبطنِ نخلةَ، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾. قال:
كانوا تسعةٌ، أحدُهم زَوْبَعَةٌ(٤) .
وقولُه: ﴿فَلَمَا حَضَرُوهُ﴾. يقولُ: فلمَّا حضَر هؤلاء النفَرُ مِن الجنِّ الذين
صرَّفهم اللهُ إلى رسولِه نبيِّ اللهِ متبله .
(١ - ١) كذا فى النسخ، وفى مصدرى التخريج: ((النضر أبى عمر)).
(٢) أخرجه الطبرانى (١١٦٦٠)، وابن عدى فى الكامل ٢٤٨٨/٧ من طريق أبي كريب به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٤٤/٦ إلى ابن مردويه، وعند الطيرانى والسيوطى بلفظ: ((تسعة)) بدلا من: ((سبعة)).
(٣) أخرجه أبو نعيم فى الدلائل (٢٥٣) من طريق يحيى بن يمان به .
(٤) أخرجه البزار (١٨٤٦) من طريق أبى أحمد به بلفظ: سبعة. وينظر علل الدارقطنى ٥/ ٥٤ وأخرجه ابن
أبى شيبة - كما فى تفسير ابن كثير ٢٧٣/٧ - ومن طريقه الحاكم ٤٥٦/٢، والبيهقى فى الدلائل ٢٢٨/٢،
وأحمد بن منيع فى مسنده - كما فى الدر المنثور ٤٤/٦ ومن طريقه الدار قطنى فى العلل ٥٥/٥ من طريق أبى
أحمد عن سفيان عن عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٦ إلى ابن
مردويه وأبى نعيم فى الدلائل .
١٦٦
سورة الأحقاف : الآ ية ٢٩
واختلف أهلُ العلم فى صفةِ حُضُورِهمِ كان(١) رسولَ اللهِ مَ اتَّ؛ فقال
بعضُهم: حضَروا رسولَ اللهِ عَ لِّ يَتعرَّفون الأمرَ الذى حدَث مِن قِبَلِه ما حدَث
فی السماءِ، ورسولُ اللهِ ٹے لا یشْعُرُ بمکانھم، کما قد ذكرنا عن ابنِ عباسٍ
قبلُ .
وكما حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثناهَوْذَةُ ، قال : ثنا عوفٌ ، عن الحسنِ فی قولِه :
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ آلْجِنِ ﴾. قال: ما شعَر بهم رسولُ اللهِ ێ حتى جاءوا ،
فأوحَى اللهُ عزَّ وجلَّ إليه فيهم، وأخبر عنهم .
وقال آخرون: بل أُمِر نبىُ اللهِ عَّمِ أن يَقْرَأْ عليهم القرآنَ، وأنما جُمِعوا له بعدَ
أن تقدَّمَ اللهُ إليه بإنذارِهم، وأمَره بقراءةِ القرآنِ عليهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ صَرَفْئَآ
إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾. قال: ذُكِر لنا أنهم صُرِفوا إليه من
نِينَوَى. قال: فإن نبيَّ اللهِ عٍَّ قال: ((إنى أَدِرتُ أن أَقرَأَ القرآنَ على الجنّ ، فأيُّكم
يَتْبَعُنى؟)) فأطرَقوا، ثم استتبَعَهم فأطرَقوا، ثم استتبعهم الثالثةَ فأطرَقوا، فقال
رجلٌ: يا رسولَ اللهِ " إنك لذو بَدِيئةٍ). فاتَّبِعَه عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، فدخَل رسولُ
اللهِ وَّهِ شِعْبًا يُقالُ له شِعبُ الحَجُونِ. قال: وخَطَّ نبىُ اللهِ عَمِ على عبدِ اللهِ خَطًّا
ليُثْتَهُ به . قال: فجعَلتْ تهوِى بى، وأَرى أمثالَ النُّسورِ تَمْشِى فى دُفوفِها ، وسمِعتُ
(١) سقط من: م، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((مكان)).
(٢ - ٢) فى م: ((بدئة))، وكذا رسمت فى ص، ت١، ت٢، ت٣، والمثبت موافق لما فى مخطوطة ابن
كثير ففيه: ((إن ذاك لذو بدأة))، وإنك لذو بديئة: أى لك أن تبدأ قبل غيرك . ينظر اللسان ( ب د أ).
(٣) أثبت فلانًا : حبسه . اللسان (ث ب ت) .
:
١٦٧
سورة الأحقاف : الآية ٢٩
لَغَطًا شديدًا، حتى خِفْتُ على نبيِّ اللهِ مَِّ، ثم تلا القرآنَ، فلما رجَع نبىُّ اللهِ قلتُ:
يا نبيَّ اللهِ، ما اللغَطُ الذى سمِعتُ؟ قال: ((اجتمَعوا إلىَّ فى قتيلٍ كان بينَهم)).
فَقَضَى بينهم بالحقِّ(١).
ذُكِر لنا (٢) أن ابن مسعودٍ لما قدِمِ الكوفةَ رأى شيوخًا شُغطًا من الزُّطُّ فراعُوهَ (٣)،
قال: مَن هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نفرٌ مِن الأعاجم، قال: ما رأيتُ لِلَّذين قرأ عليهم
النبيُّ عَلَّهِ الإسلامَ من الجنِّ شَبَهًا أدنى من هؤلاء.
/ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أن نبيَّ اللهِ عَ التنمِ ٣٢/٢٦
ذهَب وابنُ مسعودٍ ليلةَ دعا الجنَّ، فخطَّ النبيُّ عَ لَِّ على ابن مسعودٍ خطًّا، ثم قال
له: ((لا تَخْرُجْ منه)). ثم ذهَب النبىُّ ◌َّم إلى الجنِّ، فقرَأ عليهم القرآنَ، ثم رجع إلى
ابنِ مسعودٍ فقال: ((هل رأَيْتَ شيئًا؟)). قال: سمِعتُ لَغَطًا شديدًا. قال: ((إن
الجنَّ تدارَأت فى قتيلِ قُتِل بينَها)). فقَضَى بينهم بالحقِّ، وسألوه الزادَ، فقال: (( كلُّ
عَظم لكم عَرْقٌ، وكلَّ رَوْثٍ لكم خَضِرةٌ)). قالوا: يا رسولَ اللهِ تُقَذِّرها الناسُ
علينا . فنهَى النبىُّ عَّهِ أَن يُسْتَنْجَى بأحدِهما. فلمَّا قدِم ابنُ مسعودِ الكوفةَ رأى
الزُّطَّ، وهم قومٌ طِوالٌ سودٌ، فأفرَعوه، فقال: أَظَهَروا؟! فقيل له : إن هؤلاء قوم من
الرُّطِّ. فقال: ما أشبههم بالنفرِ الذين صُرِفوا إلى النبيِّ معَةٍ().
قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمر ، عن یحیی بن أبی کثیرٍ ، عن عبد الله بن عمرو بنٍ
غَيلانَ الثقفىِّ، أنه قال لابنِ مسعودٍ: حُدِّثتُ أنك كنتَ مع رسولِ اللهِ مَّهِ ليلةَ وفْدٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٢٧٩/٧ من طريق سعيد به .
(٢) القائل هو قتادة. وينظر تفسير البغوى ٢٦٨/٧.
(٣) الشمَط: بياضُ شعر الرأس يخالط سواده. والزط: جيل من الناس، من السودان، وقيل: من الهند.
طوال مع نحافة ، وراعوه : أفزعوه. وينظر التاج (ش م ط ، ز ط ط ، ر وع).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٨/٢، ٢١٩ عن معمر به .
١٦٨
سورة الأحقاف : الآية ٢٩
الجنِّ. قال: أجَلْ. قال: فكيفَ كان؟ فذكَر الحديثَ كلَّه، وذكَر أن النبيَّ عَ له
خطَّ عليه خطًّا وقال: ((لا تَبْرَعْ منها)). فذكَر أن مثلَ العَجاجةِ() السوداءِ غْشِيَت
رسولَ اللهِ وَّهِ، فذُعِر ثلاثَ مَّاتٍ ، حتى إذا كان قريبًا من الصبح أتانى
النبيُّ عَّه، فقال: ((أَنِمْتَ؟)) قلتُ: لا واللهِ، ولقد هممتُ مِرارًا أن أُسْتَغيثَ
بالناسٍ، حتى سمِعتُك تَقْرَعُهم بعصاك، تقولُ: ((اجلِسوا)). قال: ((لو خرَجتَ لم
آمَنْ أن يتخطَّفَك(٢) بعضُهم)). ثم قال: ((هل رأَيْتَ شيئًا؟)). قال: نعمْ، رأيتُ
رجالاً سودًا مُسْتَغْفِرى (٢) ثيابٍ بياض. قال: ((أولئكِ جنُّ نَصِيبينَ، سألونى المتاعَ -
والمتاعُ الزادُ - فمتَّعتُهم بكلٌ عظْمِ حائلٍ(٤) أو بغرةٍ أو رَوْثةٍ)). فقلتُ: يا رسولَ اللهِ،
وما يُغْنى ذلك عنهم؟ قال: ((إنهم لا يجدون عَظْمًا إلَّ وجَدوا عليه لحمَه يومَ أُكِل،
ولَا رَؤْثَةٌ إلا وجَدوا فيها حَبَّها يومَ أَكِلتْ، فلا يَسْتَنِقِيَنَّ أحدٌ منكم إذا خرج من
الخلاءِ بعظُم ولا بَعْرةٍ ولا رَؤْثةٍ)) ).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : أخبرنا أبو زُرْعةً وهبُ اللهِ بنُ
راشدٍ، قال : قال يونسُ، قال ابنُ شهابٍ: أخبرنى أبو عثمانَ بنُ سَنَّةً (١) الخزاعى -
وكان من أهلِ الشامِ - أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّه لأصحابِه وهو بمكةً:
((من أحبَّ منكم أن يَحْضُرَ أَمرَ الجنِّ الليلةَ فليَفْعَلْ)). فلم يَحْضُرْ منهم أحدٌ غيرِى .
قال : فانطلَقْنا حتى إذا كنّا بأعلى مكةَ خطَّ لى برجله خطًّا، ثم أمَرنى أن أُجْلِسَ فيه،
(١) العجاج: الغبار، واحدته عجاجة. التاج ( ع ج ج).
(٢) فى م: ((يختطفك)).
(٣) فى م: ((مستشعرى)). والاستثمار: أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه كما يفعل الكلب بذنبه. النهاية ٢١٤/١.
(٤) الحائل: المتغير اللون من كل شىء. من حال لونُه، إذا تغير واسودَّ. التاج (ح و ل).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٧٦/٧ عن المصنف ، وأخرجه إسحاق بن راهويه فى مسنده - كما فى
المطالب العالية ٦٥/٩ - من طريق معمر به .
(٦) فى م: ((شبة))، وفى ت ١: ((شيئة)). وينظر المشتبه ٣٨٩/١.
١٦٩
سورة الأحقاف : الآ ية ٢٩
ثم انطلق حتى قامَ ، فافتتَح القرآنَ ، فغشِيتْه أَسْوِدَةٌ كثيرةٌ حالت بينى وبينَه حتى ما
أَسْمَعُ صوتَه. ثم طفِقُوا يَتَقَطِّعون مثلَ قِطع السحابِ ذاهبين، حتى بقِىَ منهم رهطٌ ،
ففرَغْ رسولُ اللهِ عَلِ مع الفجرِ، فانطلَق مُتَبرِّزًا، ثم أتانى فقال: ((ما فعَل الرَّهْطُ ؟))
قلتُ: هم أولئك يا رسولَ اللهِ. فأخَذ عظْمًا أوروْنًا أو حُمَمَةٌ (١٢) ، فأعطاهم إياه زادًا ،
ثم نهَى أَن يَشْتطِيبَ أحدٌ بعظم أو روثٍ(١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ ، قال : ثنا عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ ،
قال : أخبرنى يونسُ ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبى عثمانَ بنِ سَنَّةً الخزاعىِّ - وكان من
أهلِ الشامِ - أَن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ قال: قال رسولُ اللهِ عَّهِ. فذكَر مثلَه سواءً، إلا
أنه قال: فأعطاهم رَؤْنًا أو عظمًا زادًا. ولم يَذْكُرِ الْحُمَمَةَ(٥).
/ حدَّثنى أحمدُ بنُ عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنى عمى، قال: أخبرنى يونس، ٣٣/٢٦
عن الزهرىِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، أن ابنَ مسعودٍ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صَ لِّ
يقولُ: ((بِتُّ الليلةَ أقرأُ على الجنِّ رُبُعًا بالحَمُونِ)) (٩).
واختلفوا فى الموضع الذى تَلا عليهم رسولُ اللهِ مَّهِ فيه القرآنَ ؛ فقال عبدُ اللهِ
(١) فى م: ((كبيرة)). وأسودة: جمع سواد، وهو الشخص؛ لأنه يُرى من بعيد أسود. التاج (س ود).
(٢) فى م: ((جمجمة)). والحممة: الفحمة، جمعها حمم. النهاية ١/ ٤٤٤.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٧٥/٧ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٥٠٣/٢، والبيهقى فى الدلائل ٢٣٠/٢ من
طريق يونس به، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١١١٤)، وأبو نعيم فى الدلائل (٢٦٣) من طريق ابن شهاب به.
(٤) فى م: ((شبة)).
(٥) فى م: ((الجمجمة)).
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٧٥/٧ عن المصنف ، وأخرجه النسائى (٣٩)، والطحاوى فى شرح
المعانى ١٢٣/١ من طريق ابن وهب به مختصرا .
(٦) الحجون : موضع بمكة عند المُحَصَّب . ويقال: مقبرة أهل مكة ، تجاه دار أبى موسى الأشعرى. معجم
ما استعجم ٢/ ٤٢٨.
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٧٥/٧ عن المصنف، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١١١٦) من =
١٧٠
سورة الأحقاف : الآية ٢٩
ابنُ مسعودٍ : قرَأ عليهم بالحَجُونِ . وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه بذلك .
وقال آخرون: قرَأْ عليهم بنَخلةَ. وقد ذكَّرْنا بعضَ مَن قال ذلك ، ونَذْكُرُ مَن لم
نَذْكُرْه .
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا خلادٌ ، عن زهيرِ بنِ معاويةً ، عن جابرِ الجُعْفىِ ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، أن النَّفَرَ الذين أتوا رسولَ اللهِ مَظَلّه من جنٍّ نَصِيبينَ أَتَوه وهو
.(١)
بنخلةً(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ :
﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾. قال: لِقِيَهم بنَخلةَ ليلتَئذٍ (١).
وقولُه: ﴿فَلَمَا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا حضَروا
القرآنَ ورسولُ اللهِ عَّهِ يَقْرَأُ، قال بعضُهم لبعضٍ: أَنْصِتوا لتَشْتَمِعَ القرآنَ.
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن عاصم، عن زِرًّ :
على
﴿ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ . قالوا: صَهٍ() .
قال : ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصم، عن زرِ بنِ حُبَيْشٍ مثلَه(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ
قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾: قد علِيم القومُ أنهم لن يَعْقِلوا حتى يُنْصِتوا .
وقولُه: ﴿فَلَمَّا قُضِىَ﴾. يقولُ: فلما فرغ رسولُ اللهِ عَظَه من القراءةِ وتلاوةِ القرآنِ .
= طريق ابن شهاب به .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٦ إلى المصنف وابن المنذر وأبى نعيم فى الدلائل.
(٢) تفسیر مجاهد ص ٦٠٣.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ١٦٥.
١٧١
سورة الأحقاف : الآيتان ٢٩، ٣٠
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا قُضِىَ﴾. يقولُ: فلما فرغ من الصلاةِ، ﴿ وَلَّوْا إِلَى
قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ﴾ .
وقولُه: ﴿ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ﴾. يقولُ: انصرَفُوا مُنذِرِين عذابَ اللهِ
علی الکفر به .
وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أَنَّ رسولَ اللهِ عَلِ جعَلهم رُسُلًا إلى قومِهم.
حدَّثنا بذلك أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانُ، قال: ثنا النضرُ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ .
وهذا القولُ خلافُ القولِ الذى رُوِى عنه أنه قال: لم يَكُنْ نبىُ اللهِ مَاهِ علِم
أنهم استمَعوا إليه وهو يَقْرَأُ القرآنَ(٢). لأَنَّه محالٌ أن يُرْسِلَهم إلى آخرِين إلا بعدَ علمِه
بمكانِهم . إلا أن يُقالَ: لم يَعْلَمْ / بمكانِهم فى حالِ استماعِهم للقرآنِ، ثم علِم بعدُ ٣٤/٢٦
قبلَ انصرافِهم إلى قومِهم ، فأرسَلهم رُسُلًا حينَئذٍ إلى قومِهم ، وليس ذلك فى الخبرِ
الذی ژوِى .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدٍ
مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيّهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيٍ
٣٠
یقولُ تعالی ذکژه مُخیرًا عن قیلٍ هؤلاء الذين صُرِفوا إلى رسولِ اللهِ پاتلم من
الجنِّ لقومِهم لمَّا انصرَفوا إليهم من عندِ رسولِ اللهِ مَّهِ: يا قومَنا من الجنِّ، إنَّا
(١) تقدم تخريجه فى ص ١٦٥ .
(٢) ينظر الأثر المتقدم فى ص ١٦٤.
١٧٢
سورة الأحقاف : الآيات ٣٠ - ٣٢
سمِعْنا كتابًا أُنزِل من بعدِ كتابٍ موسى، ﴿ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: يُصَدِّقُ
ما قبلَه من كتبِ اللهِ التى أنزلها على رُسُلِه .
وقولُه: ﴿يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾. يقولُ: يُرْشِدُ إلى الصوابِ ويَدُلُّ على ما فيه
للهِ رضًا، ﴿ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: وإلى طريقٍ لا اعْوجاجَ فيه، وهو
الإسلام .
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ أنه قرَأَ: ﴿ قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا حِكِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ
يَدَيِّهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقِ مُسْتَقِيمٍ﴾. فقال: ما أُسرَعَ ما عقَل القوم ! ذُكِر لنا
أَنَّهم صُرِفوا إليه من نِينَوَى(١).
القولُ فى تأويلٍ قولهِ تعالى: ﴿يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ
وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اُللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ
٣١
لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (
فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءُ أُوْلَكَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ
٣٢
يقولُ تعالى ذكرُهُ مُخبِرًا عن قيلٍ هؤلاء النَّفَرِ من الجنِّ لقومِهم: ياقومَنا من
الجنِّ، ﴿ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ﴾. قالوا: أُجِيبوا رسولَ اللهِ محمدًا إلى ما يَدْعوكم إليه
من طاعةِ اللهِ، ﴿ وَءَامِنُواْ بِهِ﴾. يقولُ: وصَدِّقوه فيما جاءكم به وقومَه من أمرِ اللهِ
ونهيِهِ وغيرِ ذلك مما دعاكم إلى التصديقٍ به، ﴿يَغْفِرْ لَكُم﴾. يقولُ: يَتَغَمَّدْ
لكم ربُّكم من ذنوبِكم فيَشْتُؤُها عليكم(١) ولا يَفْضَحُكم بها فى الآخرةِ ، بعقوبته إيَّاكم
عليها، ﴿ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: ويُعِذْكم(١) من عذابٍ موجعٍ إذا أنتم
(١) تقدم تخريجه فى ص ١٦٦، ١٦٧.
(٢) فى م: ((لكم)).
(٣) فى م: ((ينقذ كم)).
١٧٣
سورة الأحقاف : الآيات ٣١ - ٣٣
تُبْتُم من ذنوبِكم ، وأنّبتم من كفرٍكم إلى الإيمانِ باللهِ وبداعِيه .
وقولُه: ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اُللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِ الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُهِ مخبِرًا عن قيلِ هؤلاء النَّفَرِ لقومِهم: ومَن لا يُجِبْ أيُّها القومُ رسولَ اللهِ عَ الفتحِ
محمدًا وداعيّه إلى ما بعَثه بالدعاءِ / إليه ؛ من توحيدِه والعملِ بطاعتِه، ﴿فَلَيْسَ ٣٥/٢٦
بِمُعْجِزٍ فِ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فليس بمعجِزِ ربَّه بهريه ، إذا أراد عقوبته على تكذيبِه
داعیه وتزکە تصديقه ، وإن ذهب فى الأرض هاربًا ؛ لأنه حيثُ كان فهو فى سلطانِه
وقبضتِه ، ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءٌ ﴾ . يقولُ: وليس لمن لم يُجِبْ داعىَ اللهِ من
دونٍ ربِّه نُصراءُ يَنْصُرونه من اللهِ ، إذا عاقبَه ربُّه على كفرِه به وتكذيبِه داعيه .
وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ فِ ضَلَالٍ تُبِينٍ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين لا يُجِيبون" داعىَ
اللهِ فَيُصَدِّقوا به وبما دعاهم إليه من توحيدِ اللهِ والعملِ بطاعتِه - فى جَوْرٍ عن قصد
السبيلِ، وأخذٍ على غيرِ استقامةٍ ، ﴿ُّبِينٍ﴾. يقولُ: يَبِينُ لمن تأمَّله أنه ضلالٌ وأخْذٌ
على غيرٍ قصدٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ اُلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحِىَ اٌلْمَوْقَى بَلَىَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
(٣٣
يقولُ تعالى ذكره : أو لم يَنْظُرْ هؤلاء المُنكِرون إحياءَ اللهِ خلقَه مِن بعدِ وفاتِهم،
وبعثَه إِيَّاهم من قبورهم بعدَ بِلاهم، القائلون لآبائهم وأمهاتهم: ﴿أُفٍ لَّكُمَا
أَتَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِ﴾ [الأحقاف: ١٧] فلم يُتْعَثُوا - بأبصارِ
قلوبِهم ، فيَرَوا ويَعْلَموا أنَّ اللهَ الذى خلق السماواتِ السبعَ والأُرضَ، فابتدَعهُنَّ من
غيرِ شىءٍ، ولم يَعْىَ بإنشائِهن فيَعْجِزَ عن اختراعِهن وإحداثِهن، ﴿بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ
(١ - ١) فى م: ((لم يجيبوا)).
١٧٤
سورة الأحقاف : الآية ٣٣
يُحِىَ الْمَوْنَى﴾ فیُخْرِجهم مِن بعدِ بِلاهم فى قبورهم أحياءً کھیئتِهم قبلَ وفاتهم .
واختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ الباءِ فى قوله: ﴿ بِقَدِرٍ ﴾ ؛ فقال بعضُ
نحوِّى البصرةِ: هذه الباءُ كالباءٍ فى قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [الرعد: ٤٣، الإسراء: ٩٦،
[المؤمنون: ٢٠] .
العنكبوت: ٥٢]. وهو مثلُ: ﴿ تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (١): دخلت هذه الباءُ لـ ((لَمْ)). قال والعربُ
تُدْخِلُها مع الجحودِ إذا كانت رافعةً لما قبلَها ، وتُدْخِلُها إذا وقَع عليها فعلٌ يَحْتَاجُ
إلى اسمين، مثلَ قولِك: ما أظنُّك بقائم، وما أظنُّ أنك بقائم، وما كنتَ بقائمٍ .
فإِذا خَلَعْت الباءَ نصَبْت الذى كانت تَعملُ فيه (" بما يَعملُ فيه٢١ من الفعلِ. قال:
ولو أَلْقِيت الباءُ من («قادرٍ)) فى هذا الموضعِ رُفِع؛ لأنه خبرٌ لـ ((أنَّ)). قال:
وأنشَدنى بعضُهم :
حَكِيمُ بنُّ المسيَّبِ مُنْتَهاها
فما رجعت بخائبةٍ() رِکابٌ
فأدخَل الباءَ فى فعلٍ لو أُلقيت منه نُصِب (٤) بالفعلِ لا بالباءِ، يُقاسُ على هذا ما
أشبهه .
٣٦/٢٦
/ وقال بعضُ مَن أنكَر قولَ البصرىِّ الذى ذكَوْنا قولَه: هذه الباءُ دخَلت
للجحدٍ؛ لأنَّ المجحودَ فى المعنى - وإن كان قد حال بينَهما بـ ((أَنَّ)) -: أوَلَمْ يَروا أنَّ
اللهَ قادرٌ على أنْ يُخْبِىَ المَوْتى. قال: فـ((أنَّ)) اسمُ ((يَرَوا))، وما بعدَها فى صلتِها،
ولا تَدْخُلُ فيه الباءُ، ولكنَّ معناه ◌َخْدٌ ، فدخَلت للمعنى .
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ٥٦/٣، ٥٧ .
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، وفى ص، ت ٢، ت ٣: (( تعمل)).
(٣) فى ت١، ت٢، ت٣: (( بجانية)).
(٤) فى ت ١: ((نصبته)، وفى ت ٢، ص: ((نصبت)).
١٧٥
سورة الأحقاف : الآية ٣٣
وحُكِى عن البصرىِّ أنه كان يَأْتَى إِدخالَ ((إلَّا))، وأنَّ النحويين من أهلِ الكوفةِ
يُجيزونه، ويقولون: ما ظننتُ أنَّ زيدًا إلَّا قائمًا، وما ظننتُ أنَّ زيدًا بعالم. ويُنْشِدُ:
ولستُ بحالفٍ لَوَلَدْتُ مِنهم على عمِّيَّةٍ إلّا زِيادا
قال: فأدخل ((إلَّا)) بعدَ جوابٍ اليمينِ. قال: فأمَّا: ﴿وَكَفَى بِلَّهِ ﴾ . فهذه لم
تَدْخُلْ إِلَّا لمعنَى صحيح، وهى للتعجّبِ، كما تقولُ: لظَرْفَ بزيدٍ. قال: وأمَّا :
تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. فأجمعوا على أنها صلةٌ .
وأشبهُ الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: دخَلت الباءُ فى قوله :
بِقَدِرٍ﴾ للجَحْدِ؛ لِا ذكَرْنا لقائلى ذلك من العِللِ .
واختلفت القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿بِقَدِرٍ﴾ ؛ فقرَأْ ذلك عامةُ قرَأةِ الأُمصارِ غيرَ
أبى إسحاقَ والجَحْدَرىِّ والأعرج: ﴿بِقَدِرٍ﴾. وهى الصحيحةُ عندَنا؛ لإجماع
قرَأةِ الأمصارِ عليها .
وأما الآخرون الذين ذكَرْتُهم فإنهم فيما ذُكِر عنهم كانوا يَقْرَؤُون ذلك :
( يقدِرُ) بالياء(١).
وقد ذُكِر أنه فى قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ : (أنَّ اللهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاواتِ
والأرْضَ قَادرٌ ) بغيرِ باءٍ (١) . ففى ذلك حجةٌ لمن قرَأَه: ﴿بِقَدِرٍ﴾ بالباءِ والألفِ.
وقولُه: ﴿بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: بلى، يَقْدِرُ
الذى خلق السماواتِ والأرضَ على إحياء الموتى . أى : الذى خلَق ذلك على كلٌ
شىءٍ شاء خلْقَه وأراد فعْلَه، ذو قدرةٍ لا يُعْجِزُه شىءٌ أرادَه، ولا يُغْيِيه شىءٌ أراد فِعْلَه
(١) وهى قراءة يعقوب من العشرة، وهى قراءة متواترة. النشر ٢٦٦/٢، وبها قرأ أيضا زيد بن على وعمرو بن
عبيد وعيسى . البحر المحيط ٨/ ٦٨.
(٢) ينظر تفسير القرطبى ٢١٩/١٦.
١٧٦
سورة الأحقاف : الآيات ٣٣ - ٣٥
فيُعييَه إنشاءُ الخلقِ بعدَ الفناءِ؛ لأن مَن عجَز عن ذلك فضعيفٌ ، فلا يَنْبَغي أن يكونَ
إلهًا من كان عمَّا أراد ضعيفًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا
٣٤
بِلْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَيِّنَأَ قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : ويومَ يُعْرَضُ هؤلاء المكذُّبون بالبعثِ وثوابِ اللهِ عبادَه على
أعمالِهم الصالحةِ، وعقابِه إياهم على أعمالِهِم السيئةِ - على النارِ، نارٍ جهنمَ، يُقالُ
لهم حينئذٍ : أليس هذا العذابُ الذى تُعذَّبونه اليومَ، وقد كنتم تُكَذِّبون به فى
الدنيا - بالحقِّ ؟ توبيخًا من اللهِ لهم على تكذيبِهم به كان فى الدنيا، ﴿ قَالُواْ بَلَ
وَرَيِّنَأْ﴾. يقولُ: فيُجِيبُ هؤلاء الكفرةُ من فورِهم بذلك ، بأن يقولوا : بلى ، هو
الحقُّ واللهِ ، ﴿ قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: فقال لهم المقرّرُ
بذلك : فذوقوا عذابَ النارِ الآنَ؛ بما كنتم تَجْحَدونه فى الدنيا وتُتْكِرُونه ، وتَأْبُون
الإقرارَ إذا دُعيتم إلى التصديقِ به .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا
تَسْتَعْجِلِ لَهُمْ كَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَغْ فَهَلْ يُهْلَكُ
٣٧/٢٦
٣٥
إِلَّا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ، مُثَبَّتَه على المُضِىِّ لما قلَّده من عِبْءٍ
الرسالةِ وثقلِ أحمالِ النبوّةِ عَِّ، وَآمِرَه بالائتساءِ فى العزم على النفوذِ لذلك بأُولِى
العزمِ من قبله من رسلِه الذين صبروا على عظيم ما لَقُوا فيه من قومِهم من المكارِهِ،
ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائدِ: ﴿فَأَصْبِرْ ﴾ يا محمدُ على ما أصابك فى اللهِ
من أذى مكذِّبيك من قومِك الذين أرسَلْناك إليهم بالإنذارِ، ﴿ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ
١٧٧
سورة الأحقاف : الآية ٣٥
اَلْعَزْمِ﴾ على القيام بأمرِ اللهِ، والانتهاءِ إلى طاعتِه، من رسلِه الذين لم يَنْهَهم عن
النفوذِ لأمرِهِ ما نالهم فيه من شدَّةٍ .
وقيل : إن أُولى العزم منهم كانوا الذين امتُحِنوا فى ذاتِ اللهِ فى الدنيا بالمحنِ،
فلم تَزِدْهم المحنُ إلا جِدًّا فى أمرِ اللهِ ، كنوحٍ وإبراهيمَ وموسى ومن أشبَهَهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى ثوابةُ بنُّ مسعودٍ ، عن عطاءٍ
الخراسانيّ أنه قال: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾: نوح وإبراهيمُ
وموسى وعيسى ومحمدٌ صلَّى اللَّهُ عليهم وسلَّم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ
أُؤْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾: كنا نحدَّثُ أنَّ إبراهيمَ كان منهم(١).
وكان ابنُّ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنی به يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال :
قال ابنُ زيدٍ فى قولهِ: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال : كلّ الرسلِ
كانوا أولى عزمٍ، لم يَتَّخِذِ اللهُ رسولاً إلا كان ذا عزمٍ، فاصیِرْ كما صبَروا.
حدَّثنا ابنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، قال: ثنا إِسرائيلُ، عن
سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِهِ: ﴿فَأَصِّرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾.
قال : سمَّاه اللهُ من شدتِه العزمَ .
وقولُه: ﴿ وَلَا تَسْتَعْجِلِ لَّمْ﴾. يقولُ: ولا تَسْتَعْجِلْ عليهم العذابَ. يقولُ:
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٩/٢ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٦
إلی عبد بن حميد وابن المنذر .
( تفسير الطبرى ١٢/٢١ )
١٧٨
سورة الأحقاف : الآية ٣٥
لا تَعْجَلْ بمسألتِك ربَّك ذلك لهم، فإن ذلك نازلٌ بهم لا محالةَ، ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ
مَا يُوعَدُونَ لَ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَهَارٍ﴾. يقولُ: كأنهم يومَ يرون عذابَ اللهِ الذى
يَعِدُهم أنه منزلُه بهم ، لم يَلْبَثوا فى الدنيا إلا ساعةً من نهارٍ؛ لأنه يُنْسِيهم شدَّةُ ما يَنْزِلُ
بهم من عذابه قدر ما کانوا فی الدنیا لبثوا ، ومبلغَ ما فيها مكثوا من السنين والشهورِ ،
كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿قَلَ كُمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَ سِنِينَ (١٦) قَالُواْ لِئْنَا يَوْمَا أَوْ
بَّضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَآَدِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣].
٣٨/٢٦
/ وقولُه: ﴿ بَةٌ﴾. فيه وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: لم يَلْبَثوا إلا
ساعةً من نهارٍ ، ذلك لُبْثُ بلاغ. بمعنى : ذلك بلاعٌ لهم فى الدنيا إلى أجلهم . ثم
حُذِفت : ذلك لُبْثُ. وهى مرادةٌ فى الكلام؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِر من الكلام
عليها . والآخرُ: أن يكونَ معناه : هذا القرآنُ والتذكيرُ بلاٌ لهم وكفايةٌ إن فكّروا
واعتبروا فتذكَّروا .
وقولُه: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ اُلْفَسِقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهل يُهْلِكُ
اللهُ بعذابِهِ إِذا أَنزَله إلّ القومَ الذين خالفوا أمرَه، وخرَجوا عن طاعتِه وكفَروا به؟
ومعنى الكلام: وما يُهْلِكُ اللهُ إلا القومَ الفاسقين.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ
إِلَّا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ﴾: تَعَلَّموا، ما يَهْلِكُ على اللهِ إلا هالكٌ ولَّى الإسلامَ ظهرَه، أو
منافقٌ صدَّق بلسانِهِ وخالَف بعملِه (١). ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ عَاتٍ كان يقولُ: ((أيُّما
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
١٧٩
سورة الأحقاف : الآية ٣٥
عبدٍ من أمتى همَّ بحسنةٍ كُتِبت له واحدةً ، وإن عمِلها كُتِبت له عشرَ أمثالِها ، وأيُّما
عبدٍ همَّ بسيئةٍ لم تُكْتَبْ عليه، فإن عملها كُتِيت سيئةً واحدةً، ثم كان يُتْبِعُها
وَيَمْحُوها اللهُ، ولا يَهْلِكُ إِلَّ هالكٌ))(١).
آخرُ تفسير سورةِ ((الأحقافِ))
(١) أخرجه أحمد ٣١٥/٤ (٢٥١٩)، ومسلم (١٣١) من حديث ابن عباس.
١٨٠
سورة محمد : الآيتان ٢،١
تفسير سورة محمد بخ
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَْلَّ
أَعْمَلَهُمْ
وَاُلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ زَّيَهُمْ
)﴾.
كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ
قال أبو جعفرٍ : يقولُ تعالى ذكره : الذين جَحَدوا توحيدَ اللهِ وعبدوا غیرَه ،
وصدُّوا من أراد عبادتَه والإقرارَ بوحدانيته، وتصديقَ نبيّه محمدٍ عَظ ◌ّم عن الذى أراد
من الإسلامِ والإقرارِ والتصديقٍ، ﴿أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾. يقولُ: جعَل اللهُ أعمالَهم
ضلالاً على غيرِ هدّى وغيرٍ رشادٍ ؛ لأنها تُمِلت فى سبيلِ الشيطانِ ، وهى على غيرِ
استقامةٍ. ﴿ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين صدَّقوا
اللهَ، وعمِلوا بطاعتِهِ، واتَّبعوا أمرَه ونهيَه، ﴿ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾. يقولُ:
وصدَّقوا بالكتابِ الذى / أنزل اللَّهُ على محمدٍ، ﴿ وَهُوَ اُلْحَقُّ مِنْ زَيِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ
سَبْعَائِهِمْ﴾. يقولُ: محا اللَّهُ عنهم بفعلِهم ذلك سيّئَّ ما عمِلوا من الأعمالِ، فلم
يؤاخِذْهم به، ولم يعاقِيْهم عليه، ﴿ وَأَصْلَحَ بَلَمْ﴾ . يقولُ: وأصلَح شأنَهم وحالَهم
فى الدنيا عندَ أوليائه، وفى الآخرةِ بأن أورَثهم نعيمَ الأَبدِ والخلودَ الدائمَ فى جناتِه .
٣٩/٢٦
وذُكر أنه [٨٢٣/٢و] ثُنِى بقولِه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية، أهلُ مكةَ،
﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ الآية ، أهلُ المدينةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى إسحاقُ بنُ وهبِ الواسطىُّ ، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا