Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة الأحقاف : الآيتان ١٥، ١٦ وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى به يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿أَوَزِعْنِيّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ﴾ . قال: اجعَلْنى أشكرُ نعمتك . وهذا الذى قاله ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ رَبِّ أَوَزِعْنِىّ﴾ . وإن کان یَغُولُ إلیه معنی الكلمةِ ، فليس بمعنى الإيزاعِ على الصحةِ . وقولُه: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنْهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أوزِعْنى أن أعملَ صالحاً مِن الأعمالِ التى تَرْضاها؛ وذلك العملُ بطاعتِهِ وطاعةِ رسولِه عَّاتِهِ . وقولُه: ﴿وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِيٌَِّ﴾. يقولُ: وأصلِحْ لى أُمُورى فى ذُرِّيتى الذين وُهِبْتُهم بأن تجعلَهم هُدَاةً للإِيمانِ بك ، واتِباعِ مَرْضاتِك، والعملِ بطاعتِك. فوصَفه جلّ ثناؤُه بالبِرّ بالآباء والأمهاتِ والبنينَ والبناتِ. وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت فى أبى بكر الصديقِ رضِى اللَّهُ عنه(١). وقولُه: ﴿ إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . يقول تعالی ذکرُه مخبرًا عن قيلِ هذا الإنسانِ: ﴿إِنِ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: تُبْتُ مِن ذُنُوبى التى سَلَفَت منى فى سالفٍ أيامى، إليك، ﴿ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وإنى من الخاضِعِين لك بالطاعةِ ، المُسْتَسْلِمِين لأمرِك ونَهْيِك، المُقادِين لحُكْمِك . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أُوْلَكَ اَلَّذِينَ تَتَقَبَّلُ(١) عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَيِلُواْ وَنَجَاوَزُ(١) عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيَ أَصْحَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤١/٦ إلى ابن مردويه عن ابن عباس، وذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٨٤. (٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يتقبل)). هما قراءتان كما سيأتى. (٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( يتجاوز)). هما قراءتان كما سيأتى. ١٤٢ سورة الأحقاف : الآية ١٦ ١٨/٢٦ / يقولُ تعالى ذكره : هؤلاء الذين هذه الصفةُ صفتُهم، هم الذين نَتَقبَّلُ عنهم أحسنَ ما عمِلوا فى الدنيا مِن صالحاتِ الأعمالِ ، فتُجازِيهم به، ونُثِئُهم عليه ، ﴿ وَنَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. يقولُ: ونَصفحُ لهم عن سيئاتِ أعمالِهم التى عمِلوها [٨١٦/٢ظ] فى الدنيا، فلا نُعاقِبُهم عليها، ﴿فِيَ أَصْحَبِ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: نفعلُ ذلك بهم فعلَنا مثلَ ذلك فى أصحابِ الجنةِ وأهلِها الذين هم أهلُها . كما حدَّثنی يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، عن الحكمِ بنِ أبانٍ، عن الغِطْريفِ، عن جابرِ بنِ زيدٍ ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ عَّه ، عن الروحِ الأمين، قال: ((يُؤْتَى بحَسَناتِ العبدِ وسيئاتِهِ ، فَيُقتصُّ بعضُها ببعضٍ، فإن بَقِيَتْ حَسَنةٌ وَسَّع اللَّهُ له فى الجنةِ)). قال: فدخلتُ على يزدادَ، فحدَّث بمثلٍ هذا الحديثِ، قال: قلتُ: فإن ذهَبَت الحسنةُ؟ قال: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الآية (١). حدّثنا ابنُ محُمَیدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن ليث ، عن مجاهدٍ ، قال : دَعا أبو بكرٍ عمرَ رضِى اللَّهُ عنهما، فقال له: إنّى أُوصِيك بوصيةٍ أن تحفظَها؛ إن للَّهِ فى الليلِ حقًّا لا يقبلُه بالنهارِ، وبالنهارٍ حقًّا لا يقبلُه بالليلِ، إنه ليس لأحدٍ نافلةٌ حتى يؤدِّىَ الفريضةَ ، إنه إنما ثَقُلت موازينُ مَن ثَقُلَت مَوازينُه يومَ القيامةِ باتباعِهم الحقَّ فى الدنيا وثِقَلِ ذلك عليهم ، وحُقَّ لميزانٍ لا يوضعُ فيه إلا الحقُّ أن يَثْقُلَ، وخَفَّت موازينُ مَن خَقَّت موازينُه يومَ القيامةِ ، لاتِباعِهم الباطلَ فى الدنيا وخِفَّتِهِ عليهم ، وحُقَّ لميزانٍ لا يوضعُ فيه إلا الباطلُ أن يَخِفَّ؛ ألم تَرَأن اللَّهَ ذكَر أهلَ الجنةِ بأحسنٍ أعمالِهم، (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٥/٧ عن المصنف ، وأخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٢٦٥/٧، ٢٦٦ - والطبرانى (١٢٨٣٢)، والحاكم ٢٥٢/٤ من طريق المعتمر به، وأخرجه عبد بن حميد (٦٦٠)، والحاكم ٢٥٢/٤ من طريق الحكم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤١/٦ إلى ابن المنذر. ١٤٣ سورة الأحقاف : الآية ١٦ فيقولُ قائلٌ: أين يبلغُ عملى مِن عملٍ هؤلاء! وذلك أن اللَّهَ عز وجل تَجاوزَ عن أشْوَأُ أعمالِهم فلم يُئِدِهِ ، ألم تَرَأن اللَّهَ ذكرَ أهلَ النارِ بأسوأ أعمالِهم، حتى يقولَ قائلٌ: أنا خيرٌ عملًا مِن هؤلاء. وذلك بأن اللَّهَ رَدَّ عليهم أحسنَ أعمالِهم، ألم تَرَ أن اللَّهَ عَزَّ وجلَّ أَنزَل آيةَ الشِّدَّةِ عندَ آيةِ الرخاءِ، وآيةَ الرخاءِ عندَ آيةِ الشدةِ ، ليكونَ المؤمنُ راغبًا راهبًا ؛ لئلا يُلْقِىَ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ ، ولا يَتَمَنَّى على اللَّهِ أَمنيةٌ يَتَمنَّى على اللَّهِ فيها غيرَ الحقِّ(١). واختلفَت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿نَثَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَجَاوَزُ﴾؛ فَقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ : ( يُتَقَبَّلُ)، (وَيُتَجاوَزُ) بِضَمِّ الياءِ منهما على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ورفع: (أحْسَنُ)(٢). وقَرأ ذلك عامةُ قرأةٍ الكوفةِ: ﴿ نَتَقَبَّلُ﴾، ﴿ وَنَجَاوَزُ﴾ بالنونِ وفتحِها، ونصبٍ ﴿أَحْسَنَ﴾(١). على معنى إخبارِ اللَّهِ جل ثناؤه عن نفسِه أنه يفعلُ ذلك بهم ، وردًّا للكلامِ على قوله : ﴿ وَوَصَّيْنَا اُلْإِنْسَنَ﴾، ونحن نتقبلُ منهم أحسنَ ما عمِلوا ونتجاوزُ. وهما قراءتان مَعْروفتان صَحيحتا المعنى ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُّ فمُصيبٌ . وقولُه: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُؤْعَدُونَ﴾. يقولُ: وعَدهم اللَّهُ هذا الوعدَ ، وَعْدَ الحقِّ، لاشكَّ فيه أنه مُوفٍ لهم به، الذى كانوا إياه فى الدنيا يَعِدُهم اللَّهُ تعالى . ونُصب قولُه: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾؛ لأنه مصدرٌ خارجٌ مِن قوله: ﴿تَنَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَشَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم﴾. وإنما أخرج / مِن هذا الكلام مصدرُ: وَعَد ١٩/٢٦ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤١/٦ إلى المصنف. (٢) قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم . ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٧. (٣) قرأ بها حفص عن عاصم وحمزة والكسائى. المصدر السابق. ١٤٤ سورة الأحقاف : الآيتان ١٧،١٦ وَعْدًا؛ لأن قولَه: ﴿نَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾، ﴿وَنَنَجَاوَزُ﴾ وعدٌ مِن اللَّهِ لهم، فقال: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ﴾. على ذلك المعنى. القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَاَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُنٍ لَّكُمَا أَنْعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَيَقُولُ مَا هَذَا ١٧ إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ وهذا نَعْتُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه، نَعْتُ ضالٌّ؛ به كافرٌ وبوالدَيه عاقٌّ، وهما مُجتهدان فى نصيحتِهِ ودُعائِه إلى اللّهِ ، فلا يَزِيدُه دعاؤُهما إياه إلى الحقِّ ونصيحتُهما له إلا عُتُوًّا وَتَمَّدًا على اللَّهِ، وتَمادِيًا فى جهلِه، يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَلَّذِى قَالَ لِوَ لِدَيْهِ﴾؛ أنْ دَعَوَاه إلى الإيمانِ باللَّهِ، والإقرارِ يبَغْثِ اللَّهِ خلقَه مِن قُبُورِهم، ومُجازاتِهِ إِيَّاهم بأعمالهم: ﴿أُفٍ لَّكُمَا﴾. يقولُ: قَذَرًا لكما ونَتْنَا، ﴿أَتَعِدَانِىّ أَنْ أُخرج﴾ . يقولُ : أتعدانِنِی أن أُخرَج مِن قَبْری مِن بعدِ فَنائی وبلائی فيه ، حيًّا ! كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ أَتَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ﴾: أن أُبعَثَ بعدَ الموتِ . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ فى قوله : أَتَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ﴾. قال: يعنى البعثَ بعدَ الموتِ(١). حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أنی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَاَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُنِّ لَّكُمَآ أَتْعِّدَانِىّ﴾ إلى آخرٍ الآيةِ. قال: الذى قال [٨١٧/٢ و] هذا ابنٌ لأبى بكرِ رضِى اللَّهُ عنه، قال: ﴿ أَتَعِدَانِيّ (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٧/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٦ إلى ابن المنذر. ١٤٥ سورة الأحقاف : الآيات ١٧ - ١٩ أَنْ أُخْرَجَ﴾: أَتَعِدَانِى أن أُبعثَ بعدَ الموتِ(١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ فى قولِه : ﴿ وَاَلَّذِىِ قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُنّ لَّكُمَا أَتِعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ﴾. قال: هو الكافرُ الفاجرُ، العاقُّ لوالدَيه ، المكذِّبُ بالبعثِ(٢). حدَّثنا بشرٌّ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، قال: ثم نعَت عبدَ سُوءٍ عاقًّا لوالدَيه فاجرًا، فقال: ﴿ وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أَنٍّ لَّكُمَا﴾. إلى قولِه: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾(١). وقولُه: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِيِ﴾. يقولُ: أَتَعِدانِنى أن أُبعَثَ وقد مضَت قرونٌ مِن الأُمم قَبْلِى فَهَلَكوا، فلم يَبْعَثْ منهم أحدًا؟! ولو كنتُ مَبْعوثًا بعدَ وَفاتى كما تقولان، لكان قد بُعِث مَن هلَك قَبْلى مِن القرونِ. ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وَوَالدَاه يَشْتَصْرِ خان اللَّهَ عليه ويَسْتَغِيثانه عليه أن يؤمن باللهِ وَيُقِرَّ بالبعثِ، ويقولان له: ﴿ وَيْلَكَ ءَامِنْ﴾. أى: صدِّقْ بوعدِ اللَّهِ ، وأقِرَّ أنك مبعوثٌ مِن بعدٍ وفاتِك، إنَّ وعَد اللهِ الذى وعَد خلقَه أنه باعثُهم مِن قُبُورِهم ، ومُخْرِجُهم منها إلى موقفِ الحسابِ ، لمُجازاتِهم بأعمالِهم، حقٌّ لاشكَّ فيه. فيقولُ عدوُ اللَّهِ مُجِيبًا لوالدَيه ورَدًّا عليهما نصيحتَهما، وتكذيبًا بوَعْدٍ /اللَّهِ: ما هذا الذى تقولان لى وتَدْعُوانى إليه؛ مِن التصديقِ بأنى مبعوثٌ مِن بعدٍ ٢٠/٢٦ وَفَاتَى مِن قَبْرِى، إلا ما سَطَرِه الأُوَّلون مِن الناسِ مِن الأباطيلِ فَكَتَبوه ، فأُصَبْتُماه أنتما فصَدَّقتما . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَ أُثَرٍ قَدْ خَتْ (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٦/٦ عن العوفى به، وقال: وفى صحة هذا نظر، والله أعلم . (٢) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٢٦٧. ( تفسير الطبرى ١٠/٢١ ) ١٤٦ سورة الأحقاف : الآيتان ١٨، ١٩ وَلِكُلِّ دَرَحَتٌ مَِّّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ ١٩ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ يقولُ تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفةُ صفتُهم، الذین وجَب علیھم عذابُ اللَّهِ ، وحَلَّت بهم عقوبتُه وسَخَطُه ، فى من حلَّ به عذابُ اللَّهِ، علی مثل الذى حَلَّ بهؤلاء مِن الأمم الذين مَضَوا قبلَهم مِن الجنِّ والإنسِ، الذين كذَّبوا رُسُلَ اللَّهِ وعَتَوا عن أمرٍ ربِّهم . وقولُه: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوْ خَسِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنهم كانوا الْمَغْبُونين ببَيْعِهم الهُدى بالضلالِ والنعيمَ بالعقابِ . حدَّثنا محمدُ بنُّ بشارٍ ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ ، قال: ثنا أبى ، عن قتادةَ ، عن الحسنِ، قال: الجنُّ لا يموتون. قال قتادةُ: فقلتُ: ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَولُ فِيَ أُثُرِ قَدْ خَلَتْ﴾ الآية(١). وقولُه: ﴿ وَلِكُلِّ دَرَحَتُ فَِّا عَمِلُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُّه: ولكلِّ هؤلاء الفريقين ؛ فريقِ الإيمانِ باللَّهِ واليومِ الآخرِ والبرِّ بالوالدين، وفريقِ الكفرِ باللَّهِ واليوم الآخرِ وعقوقِ الوالدين، الذين وصَف صفتَهم ربُّنا عزَّ وجلَّ فى هذه الآياتِ - منازلُ ومراتبُ عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، ﴿مِّمَّا عَمِلُواْ﴾. يعنى: مِن عملهم الذى عمِلوه فى الدنيا؛ مِن صالحِ وحَسَنٍ وسَيِّئَّ، يُجازِيهم اللَّهُ به . وقد حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُّ زيدٍ فى قولِه : ﴿ وَلِكُلِّ دَرَحَتٌ مِّمَا عَمِلُواْ﴾. قال: دَرَجُ أهلِ النارِ يذهبُ سَفالاً، ودَرَجُ أهلِ الجنةِ يذهبُ عُلُؤًا . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٣ إلى عبد بن حميد. وينظر البحر المحيط ٦٢/٨. ٠ ١٤٧ سورة الأحقاف : الآيتان ١٩، ٢٠ ﴿ وَلِيُوَفِيهُمْ أَعْمَلَهُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤه : ولِيعطىَ جميعَهم أجورَ أعمالِهم التى عمِلوها فى الدنيا؛ المحسنَ منهم بإحسانِهِ، ما وعَد اللَّهُ مِن الكرامةِ، والمسىءَ منهم بإساءتِه، ما أعدَّه مِن الجزاءِ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: وجميعُهم لا يُظْلَمون؛ لا يُجازَى المسىءُ منهم إلا عقوبةً على ذنبِهِ، لا على ما لم يعملْ، ولا يُحمَلُ عليه ذنبُ غيرِهِ، ولا يُتْخَسُ المحسنُ منهم ثوابَ إحسانِه . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ ◌َِّبِگُرْ فِ حَيَاتِكُ الذُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا فَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ اَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبُونَ فِ الْأَرْضِ ◌ِغَيْرِ ٢٠ الحَّ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ /يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يُعْرَضُ الذين كَفَروا باللَّهِ على النارِ، يقالُ لهم: ٢١/٢٦ أذهبتم طيباتِكم فى حياتِكم الدنيا واسْتَمْتعتم بها فيها ؟! كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾. قَرأ يزيدُ حتى بلَغ: ﴿ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ﴾: تعلمون واللَّهِ إِن أقوامًا يَشْترِطون (١) حسناتِهِم! فاستَبْقَى رجلٌ طيباتِهِ إن استطاعَ ، ولا قوةَ إلا باللَّهِ ، ذُكر أن عمرَ بنَ الخطابِ كان يقولُ : لو شئتُ كنتُ أطيبَكم طعامًا وألينكم لباسًا، ولكنى أُسْتَثْقِى طَيّاتى. وذُكر تنا [٨١٧/٢ظ] أنه لمَّ قدِم الشامَ ، صُنِع له طعام لم يَرَ قبلَه مثلَه، قال: هذا لنا ! فما لفقراءِ المسلمين الذين ماتُوا وهم لا يشبعون مِن خبزِ الشعيرِ ؟ قال خالدُ بنُ الوليدِ: لهم الجنةُ . فَاغْرَوْرَقَت عينا عمرَ ، وقال: لئن كان حَظّنا فى الحُطامِ ، وذهبوا - قال أبو جعفرٍ: فيما أَرَى أنا - بالجنةِ ، لقد بايَنونا بَوْنًا بعيدًا(٢) . (١) سَرَطه واسترطه: بَلَعه. التاج (س ر ط). (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٧/٢ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٦ إلى عبد بن حميد . ١٤٨ سورة الأحقاف : الآ ية ٢٠ وذُكر لنا أن نبىَّ اللَّهِ عَظِّمِ دخَل على أهلِ الصُّفَّةِ - مكانًا يجتمعُ فيه فقراءُ المسلمین - وهم يرقَعون ثیابهم بالأدم ما یچدون لها ◌ِقاعًا، قال: ((أنتم الیوم خيرٌ، أو يومَ يَغْدُو أحدُكم فى محُلَّةٍ ويروحُ فى أُخرى، ويُغْدَى عليه بجَفْنةٍ ويُرامحُ عليه بأُخرى، ويُستَرُ بيتُه كما تُسترُ الكعبةُ؟)). قالوا: نحن يومَئذٍ خيرٌ. قال: (( بل أنتم اليومَ خيرٌ))(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدَّثنا صاحبٌ لنا عن أبى هريرةَ، قال: إنما كان طعامُنا مع النبيِّ عَّمِ الأسودَين؛ الماءَ والتمرّ، واللَّهِ ما كُنَّا نَرى سمراءَكم (١) هذه، ولا نَذْرى ما هى(). قال : ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبى بُرْدَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قيسِ الأُشْعَرىِّ، عن أبيه، قال: أى بنىٌّ لو شهِدْتَنا مع رسولِ اللَّهِ مَلِ ونحن مع نبيّنا، إذا أصابَتنا السماءُ حبسِبتَ أَن رِيحَنا ريحُ الضَّأْنِ ، إنما كان لباسُنا الصوفَ(٥) . (١) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٢٥، ٢٦، والبيهقى ٤٤٥/٢ من حديث طلحة النصرى - وليس هو ابن عبيد الله - مرفوعًا، وأخرجه الترمذى (٢٤٧٦)، وأبو يعلى (٥٠٢) من حديث على مرفوعًا، وأخرجه البيهقى فى الشعب (١٠٣٣٤) من حديث جابر مرفوعا، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ١/ ٣٤٠، والبيهقى فى الشعب (١٠٣٣٣) عن الحسن مرسلا . (٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((الأسودان)). (٣) السمراء: الحنطة . النهاية ٢/ ٣٩٩. (٤) أخرجه أحمد ٢٩٣/١٤ (٨٦٥٣) من طريق قتادة ، عن الحسن ، عن أبى هريرة، وأخرجه أحمد أيضا ٣٤٢/١٣ (٧٩٦٢)، وابن حبان (٦٨٣، ٥٨٠٥) وغيرهما من طريق داود بن فراهيج، عن أبى هريرة. (٥) أخرجه ابن سعد ٤ /١٠٨، وأحمد ٤١٩/٤ (الميمنية)، والبيهقى ٤١٩/٢ والخطيب ٣٢٣/٥ من طريق سعيد به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٤/٨، وأحمد ٤٠٧/٤، ٤١٩ (الميمنية)، وأبو داود (٤٠٣٣)، والترمدی (٢٤٧٩)، وابن ماجه (٣٥٦٢)، والبزار (٣١٣٥)، وأبو یعلی (٧٢٦٦)، والرویانی (٤٥٥)، وابن حبان (١٢٣٥)، والطبرانى فى الأوسط (١٩٤٦)، وابن عدى ٦/ ٢٢٦٥، والحاكم ٤/ ١٨٧، وأبو نعيم فى الحلية ٢٥٩/١، والبيهقى فى الشعب (٦١٥٩) من طرق عن قتادة به ، وأخرجه البزار (٣١٣٤) من طریق أبى بردة به . ١٤٩ سورة الأحقاف : الآية ٢٠ حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَتِبَنِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، ثم قرأ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ اُلْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فَِهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]. وقرّأْ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئٍِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ اُلُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ [الشورى: ٢٠]. وقرَأ: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تُرِيدُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [الإسراء: ١٨]. وقال: هؤلاء الذين أذهَبوا طَيِّاتِهم فی حیاتهم الدنيا . واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةٍ الأمصارِ: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ بغيرِ استفهامٍ، سِوى أبى جعفرِ القارئِّ، فإنه قرأه بالاستفهامُ . والعربُ تستفهمُ بالتوبيخ، وتتركُ الاستفهامَ فيه، فتقولُ: أَذَهَبْتَ ففعلتَ كذا وكذا؟ وذهَبتَ ففعلتَ وفعلتَ؟ وأعجبُ القراءتين إلىَّ تركُ الاستفهام فيه؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه، ولأنه أفصحُ اللغتين . / وقولُه: ﴿فَلْيَوْمَ تُّجْزَوَّنَ عَذَابَ أَلْهُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقال لهم: ٢٢/٢٦ فاليومَ أيُّها الكافرون الذين أذهَبوا طيباتِهم فى حياتِهم الدنيا، ﴿ تُجْزَوْنَ﴾ . أى: تُثابون ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾. يعنى عذابَ الهَوانِ ؛ وذلك عذابُ النارِ الذى يُهِینُهم . کما حدّثنا محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، وحدّثنی الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن (١) قرأه بغير استفهام - بهمزة واحدة ، على الخبر - نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائى وخلف ، وقرأه بالاستفهام - بهمزتين - ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢٨٥/١. ١٥٠ سورة الأحقاف : الآيتان ٢٠ ، ٢١ مجاهدٍ: ﴿عَذَابَ أَلْهُونِ﴾. قال: الهَوانُ(١) . بِمَا كُتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيِّ المِ﴾ . يقولُ : بما كنتُم تَتگتَّرون فى الدنيا على ظهرِ الأرضِ، على ربِّكم، فتَأْبُون أن تُخْلِصوا له العبادةَ، وأن تُذْعِنوا لأمرِهِ ونَهِْهِ، ﴿بِغَيْرِ الْحِ﴾. أى: بغيرِ ما أباعَ لكم ربُّكم، وأَذِن لكم به، ﴿ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ﴾. يقولُ: بما كنتُم فيها تُخالِفون طاعتَه فتَعْصُونه . وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّا اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عٍَّ: واذكرْيا محمدُ لقومِك الرّادِین عليك ما جئتَهم به مِن الحقِّ - هودًا أخا عادٍ ؛ فإن الله بعثك إليهم کالذی بعثه إلى عادٍ ، فخَوِّفهم أن يَحِلَّ بهم مِن نِقْمةِ اللَّهِ على كفرِهم ما حَلَّ بهم إذ كذَّبوا رسولَنَا هودًا إليهم ، إذ أنذَر قومَه عادًا بالأحقافِ . والأحقافُ جمعُ حِقْفٍ، وهو مِن الرملِ ما استطالَ ولم يبلُغْ أن يكونَ جبلاً، وإياه عتَى الأعشى(١): خَرِيقُ شَمالٍ يَتْرُكُ الوَجْهَ أَقْتَما فَبَاتَ إِلى أَرْطاةِ حِقْفٍ تَلُفُّه واختلف أهلُ التأويلِ فى الموضع الذى به هذه الأحقافُ ؛ فقال بعضُهم: هى جبلٌ بالشامِ . ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن (١) تفسير مجاهد ص ٦٠٢. (٢) ديوانه ص ٢٩٥. ١٥١ سورة الأحقاف : الآية ٢١ أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُمْ بِالْأَحْقَافِ﴾. قال: الأحقافُ جبلٌ بالشام (١) . حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ ، قال : سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: جبلٌ يُسَمَّى الأحقافَ(٢). وقال آخرون: بل هى وادٍ بينَ عُمانَ ومَهَرَةً(٣) . ٢٣/٢٦ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : [٨١٨/٢ر] ثنی أیی ، قال: ثنی عمى ، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَذْكُرُ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِلْأَحْقَافِ﴾. قال : فقال: الأحقافُ الذى أنذَر هودٌ قومَه، وادٍ بينَ عُمانَ ومَهَرَةَ(٤). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال : كانت منازلُ عادٍ وجماعتهم حيثُ بعَث اللَّهُ إليهم هودًا، الأحقافَ؛ الرملَ فيما بينَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوتَ، فاليمنِ كلِّه، وكانوا مع ذلك قد فَشَوا فى الأرضِ كلِّها ، قهَروا أهلَها بفضلٍ قوَّتِهم التى آتاهم اللَّهُ(٥) . وقال آخرون : هى أرضٌ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٦ إلى المصنف وابن أبى حاتم . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٦ إلى المصنف. (٣) يرويه عامة الناس بتسكين الهاء والصواب التحريك. وهى قبيلة، وهى مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ، وباليمن لهم مخلاف بينه وبين عمان نحو شهر، وكذلك بينه وبين حضرموت . ينظر معجم البلدان ٤/ ٧٠٠. (٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٢٦٢. (٥) تقدم فى ٢٦٩/١٠. ١٥٢ سورة الأحقاف : الآية ٢١ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ ، قال : الأحقافُ الأرضُ(١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾. قال: حِشَافٌ. أو كلمةٌ تُشْبِهُها . قال أبو موسى: يقولون : مُسْتَخْشِفٌ . حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيحِ (٢)(٣) عن مجاهدٍ: ﴿ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: حِشَافٌ مِن حِسْمَی وقال آخرون: هى رمالٌ مُشْرِفَةٌ على البحرِ بالشّخرِ(٤). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُم بِالْأَحْقَافِ﴾: ذُكر لنا أن عادًا كانوا حيًّا باليمنِ أهلَ رملٍ مُشْرِفِين على البحرِ ، بأرضٍ يقال لها : الشِّخرُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةً فى قولِه : ﴿ وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾. قال: بلَغَنا أنهم كانوا على أرضٍ يقالُ (١) تفسیر سفيان ص ٢٧٧. (٢) الحشاف : الحجارة فى الموضع السهل. والحسمى : اسم أرض بالبادية فيها جبال شواهق ملس الجوانب لا يكاد القتام - الغبار الأسود - يفارقها. معجم ما استعجم ١١٩/١، وينظر تفسير القرطبى ٢٠٤/١٦. (٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٣. (٤) الشحر: ساحل اليمن، وهو ممتد بينها وبين عمان. معجم ما استعجم ٤/ ٧٨٣. ١٥٣ سورة الأحقاف : الآية ٢١ لها : الشِّخْرُ. مُشْرِفين على البحرِ، وكانوا أهلَ رمٍ(١). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنا عمرُو بنُ الحارثِ ، عن سعيدِ بنِ أبى هلالٍ ، عن عمرو بنِ عبدِ اللَّهِ ، عن قتادةً أنه قال: كان مساکنُ عادٍ بالشّخرِ . وأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقال : إن اللَّهَ تبارك وتعالى أخبر أن عادًا أَنذَرهم أخوهم هودٌ بالأحقافِ، والأحقافُ ما وصَفتُ مِن الرمالِ المستطيلةِ المشرفةِ، كما قال العَتَّاجُ(٢) : باتَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ أحْقَفا /وكما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ٢٤/٢٦ وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾. قال: الأحقافُ الرملُ الذى يكونُ كهيئةِ الجبلِ ، تَدْعُوه العربُ الحِقْفَ، ولا يكونُ أَحْقافًا إلا مِن الرملِ. قال: وأخو عادٍ هودٌ(٣). وجائزٌ أن يكونَ ذلك جبلًا بالشام. وجائزٌ أن يكونَ واديًا بينَ عُمانَ وحَضْرَموتَ. وجائزٌ أن يكونَ الشِّخْرَ. وليس فى العلم به أداءُ فرضٍ ، ولا فى الجهلِ به تَضْبِيعُ واجبٍ، وأين كان فصفتُه ما وصَفنا؛ من أنهم كانوا قومًا منازلُهم الرمالُ الْمُسْتَئِيَةُ المستطيلةُ . وقولُه: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، أَلَّا تَعْبُدُوَّأْ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكره : وقد مَضَت الرسلُ بإنذارِ أَمَمِها ، ﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾. يعنى : مِن (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٧/٢ عن معمر به . (٢) ديوانه ص ٤٩٨. (٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٢٦٢. ١٥٤ سورة الأحقاف : الآيتان ٢٢،٢١ قَبلِ هُودٍ، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ . يعنى : ومِن بعدِ هودٍ. وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ : ( وقد خلتِ النُّذُرُ مِن بین یدئه ومِن (١) بَعْدِهِ)(١). ﴿أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّا اللَّهَ ﴾. يقولُ: لا تُشْرِكوا مع اللهِ شيئًا فى عبادتكم إِيَّاه ، ولكن أخْلِصوا له العبادةَ، وأُفْرِدوا له الألوهةَ؛ إنه لا إلهَ غيرُه. وكانوا، فيما ذُكِرَ، أهلَ أوثانٍ يعبدونها مِن دونِ اللهِ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسين ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبِيَدٌ ، قال : سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّهَ﴾. قال: لن يَبْعَثَ اللهُ رسولًا إلا بأن يُعبدَ اللهُ(٢). وقولُه: ﴿ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ . يقول تعالی ذکرُه مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه : إنى أخافُ عليكم أيُّها القومُ بعبادتِكم غيرَ اللهِ عذابَ اللهِ فى يومٍ عظيمٍ، وذلك يومٌ يَعْظُمُ هَوْلُه، وهو يومُ القيامةِ. القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَاِتِنَا فَأْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ٢٢ يقولُ تعالى ذكره : قالت عادٌ لهودٍ إذ قال لهم: لا تعبدوا إلا اللهَ إنى أخافُ (١) ينظر تفسير القرطبى ١٦/ ٢٠٤. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٦ إلى المصنف . ١٥٥ سورة الأحقاف : الآيات ٢٢ - ٢٤ عليكم عذابَ يومٍ عظيم : أجئتَنا يا هودُ لتَصْرِفَنا عن عبادة آلهتِنا إلى عبادةِ ما تَدْعُونا إليه ، وإلى اتِّباعِك على قولِك ؟ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَجِئْتَنَا ٢٥/٢٦ ◌ِتَأْفِكَنَا عَنْ / ءَاِتْنَا﴾. قال: لِتُزِيلَنا. وقرأ: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاً أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ﴾ [الفرقان: ٤٢]. قال: يُضِلَّنا ويُزِيلُنا ويَأْفِكُنَا (١). ﴿ فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: مِن العذابِ على عبادتِنا ما نعبدُ مِن الآلهةِ ، إن كنتَ مِن أهلِ الصدقِ فى قولِه وعِدَاتِه . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَلْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَيَلِفُكُم مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِىّ أَرَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ٢٣ يقولُ تعالى ذكرُه : قال هودٌ لقومِه عادٍ : إنّما العِلمُ بوقتٍ مجىءٍ ما أعِدُ كم به مِن عذابِ اللهِ على كفرِكم به - عندَ اللهِ، لا أُعْلمُ مِن ذلك إلا ما علَّمَنى، ﴿ وَأَبْلِّفُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. يقولُ: وإنما أنا رسولٌ إليكم مِن اللهِ، مُبَلِّغْ أُبُلّغُكم عنه ما أرسَلنى به مِن الرسالةِ، ﴿ وَلَكِنِّيَّ أَرَكُمْ فَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ مواضِعَ حظوظِ أنفسكم ، فلا تعرفون ما عليها مِن المَضَرَّةِ بعبادتِكم غيرَ اللهِ ، وفى استعجالٍ عذابِهِ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِمْ قَالُواْ هَذَا (٢٤ عَارِضٌ مُطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُمْ بِهِّ رِيحُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمُ (١) بعده فى الدر المنثور: ((واحد)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٦ إلى المصنف. ١٥٦ سورة الأحقاف : الآية ٢٤ يقولُ تعالى ذكره: فلمَّا جاءَهم عذابُ اللهِ الذى استعجلوه، فرأوه سحابًا عارضًا فى ناحيةٍ مِن نَواحِى السماءِ مُستَقبِلَ أوديتِهم، والعربُ تُسَمِّى السحابَ الذى يُرَى فى بعضٍ أقطارِ السماءِ عَشِيًّا ثم يصبحُ مِن الغدِ قد استَوى وحَبًا(١) بعضُه إلى بعضٍ - عارِضًا؛ وذلك لعرضِه فى بعضٍ أرجاءِ السماءِ حينَ نشَأ، كما قال الأعشى(٢): كأنما البَرْقُ فى حَافَاتِهِ الشُّعَلُ يا مَنْ يَرَى عارِضًا قد بِتُّ أَرْمُقُه - ﴿ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ تُمْطِرُنَا﴾. ظنًا منهم برؤيتهم إِيَّاه أن غَيْئًا قد أتاهم يَخْيَون به ، فقالوا : هذا الذى كان هودٌ يَعِدُنا، وهو الغيثُ . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنه (١) مُبِس عنهم المطرُ زمانًا، فلمَّا رَأَوا العذابَ مُقْبِلًا، ﴿ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ مُطِرُنَا﴾. وذُكر لنا أنهم قالوا: كذَب هودٌ، كذَب هودٌ. فلما خرَج نبىُّ اللهِ عَلَّهِ فَشَامَهُ)، قال: ﴿بَلَ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهِّ رِيعُ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ . حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: ساقَ اللهُ السحابةَ ٢٦/٢٦ السوداءَ التى اختارَ قَيْلُ / بنُ عنزِ بما فيها مِن النِّقْمةِ إلى عادٍ، حتى تخرُجَ عليهم مِن وادٍ لهم يقالُ له: المُغِيثُ، فلما رَأَوها اسْتَبْشَروا وقالُوا: هذا عارِضٌ مُمِطِرُنا. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُمْ بِهِمْ رِيحُ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(٥). (١) حبا السحاب : تراكم. اللسان (ح ب ی). (٢) ديوانه ص ٥٧. (٣) فى م: (( أنهم )) . (٤) شام السحابَ والبرقَ شيما: نظر إليه أين يقصد وأين يُمطر. اللسان (ش ی م). (٥) تقدم فى ٢٦٩/١٠ وما بعدها مطولًا . ١٥٧ سورة الأحقاف : الآية ٢٤ وقولُه: ﴿بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِهٌِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخيِرًا عن قيلِ نبيّه عَ لِ هودٍ لقومِه - لمَّا قالوا له عندَ رؤيتهم عارضَ العذابِ قد عرَض لهم فى السماءِ: هذا عارضٌ مُمْطِرُنا نَحْيا به - : ما هو بعارضٍ غيثٍ ، ولكنه عارضُ عذابٍ لكم، بل هو ما استعجَلْتم به. أى: هو العذابُ الذى استَعْجَلْتم به فقلتُم: ﴿فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾. ﴿رِيحُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. والريح مكررةٌ على ﴿مَا﴾ فى قولِهِ: ﴿هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِهٌِ﴾. كأنه قيل: بل هو ريح فيها عذابٌ أليم . وبنحو الذی قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنی، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، قال : کان هودٌ جلْدًا فی قومِه ، وإنه كان قاعدًا فى قومِه فجاء سحابٌ مُكْفَهِرٌ، فقالُوا: ﴿هَذَا عَارِضُ مُمْطِرُنَا﴾. فقال هودٌ: ﴿ بَلَ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُمْ بِهٌِ رِيعُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: فجاءت ريحٌ، فجعَلَتْ تُلْقِى الفسطاطَ ، وتجىءُ بالرجلِ الغائبِ فتُلْقِيهُ(١). حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ ، قال : ثنى أبى، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال سليمانُ : ثنا أبو إسحاقَ ، عن عمرٍو بنٍ ميمونٍ ، قال: لقد كانت الريح تحمِلُ الظعينةَ فترفَعُها حتى تُرَى كأنها جرادةٌ . حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا ◌ُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. (١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥١/١١ عن محمد بن جعفر به ، وهو فى تفسير سفيان ص٢٧٧ عن أبى إسحاق به . ١٥٨ سورة الأحقاف : الآيتان ٢٤ ، ٢٥ قال: هى الريحُ إذا أثارَت سحابًا. قالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ تُمْطِرُنَا﴾ . فقال نبيّهم: بل ريح فيها عذابٌ أليمٌ(١). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَى إِلَّا ٢٥ مَسَكِّنْهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِنَ وقولُه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تُخَرَّبُ كلَّ شىءٍ، وتَرْمِى بعضَه على بعضٍ فتُهْلِكَه، كما قال جريرٌ(): وكان لكم كَبكْرٍ ثَموذَ لَّ رَغا ظُهْرًا فَدَمَّرَهُمْ دَمارا / يعنى بقوله : دمَّرهم: ألقَى بعضهم على بعضِ صَرْعَى هَلْكَى. ٢٧/٢٦ وإنما عَنَى بقولِه: ﴿ تُدَمِّرُ كُلّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ مما أُرسِلَتْ بهلاكِه؛ لأنها لم تدمِّرْ هودًا ومَن كان آمَن به . حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال : ثنا طَلْقٌ ، عن زائدةَ، عن الأعمش ، عن المنهالِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما أرسَل اللهُ على عادٍ مِن الريحِ إلا قدْرَ خاتمى هذا. فنزَع خاتمه(٢) . وقولُه: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَبِىّ إِلَّا مَسَكِّنْهُمْ﴾. يقولُ: فأصبَح قوم هودٍ وقد هَلَكُوا وَفَنَوْا، فلا يُرَى فى بلادِهم شىءٌ إلا مساكنُهم التى كانوا يسكنونها . واختلفَت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلََّ مَسَكِنُهُمْ﴾؛ فقرَ أ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (لا تَرى إلَّا مَساكنَهم) بالتاءِ نصبًا (*) . بمعنى: فأصبحوا (١) عزاه الحافظ فى الفتح ٥٧٨/٨ إلى المصنف. (٢) البيت للفرزدق، كما تقدم فى ٥٣٣/١٤ . (٣) أخرجه الحاكم ٤٥٥/٢ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٦ إلى عبد بن حميد. (٤) هى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى عمرو والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٨. ١٥٩ سورة الأحقاف : الآية ٢٥ لا تَرَى أنت يا محمدُ إلا مساكنَهم . وقرَأُ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿لَا يُرَىَ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ بالياءِ فِى: ﴿يُرَى﴾، ورفعِ ((المساكنِ)) (١). بمعنى ما وصَفتُ قبلُ أنه لا يُرَى فى بلادِهم شىءٌ إلا مساكنُهم. ورَوى الحسنُ البصرىُّ: (لا تُرَى ) بالتاءِ(١) . وبأىِّ القراءتين اللتين ذكّرتُ مِن قراءةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ قرَأُ ذلك القارئُ فمصيبٌ، وهو القراءةُ برفع ((المساكنِ)) إذا قُرئ قوله: ﴿يُرَى﴾ بالياءِ وضمِّها، وبنصبِ ((المساكنِ)) إذا قُرئ قولُه: (تَرَى ) بالتاءِ وفتحِها . وأما التى حُكيت عن الحسنِ فهى قبيحةٌ فى العربيةِ، وإن كانت جائزةً، وإنما قبُحَت لأن العربَ تُذَكِّرُ الأفعالَ التى قبلَ ((إلَّا)) وإن كانت الأسماءُ التى بعدَها أسماءَ إناثٍ ، فتقولُ: ما قامَ إلا أختُك، ما جاءَنى إلا جاريتُك . ولا يكادون يقولون: ما جاءتْنى إلا جاريتُك. وذلك أن المحذوفَ قبلَ ((إلّا)): ((أحدٌ)) أو ((شىءٌ))، و((أحدٌ)) و((شىءٌ)) تُذَكِّرُ فعلَهما (٢) العربُ وإِن عُنِى بهما المؤنثُ ، فتقولُ : إن جاءك منهنَّ أحدٌ فأكرِمْه. ولا يقولون: إن جاءتْك. وكان الفَرّاءُ(٤) يجيزُها على الاستكراهِ، ويذكرُ أن المفضَّلَ أَنشَده: قد عَلِمَت ذاكَ مَعَدٌّ أْرَمَا ونارُنا لم تُرَ نارًا مِثْلُها فأنَّث فعلَ ((مِثل))؛ لأنه للنارِ. قال: وأجودُ الكلام أن تقولَ: ما رُئِى مثلُها . وقولُه : ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما جَزَينا عادًا بكفرِهم باللهِ مِن العقابِ فى عاجلِ الدنيا ، فأهلكناهم بعذابِنا ، كذلك نَجْزِى القومَ الكافرين باللهِ مِن خلقِنا ، إذا تَمادَوا فى غَيِّهم، وطَغَوا على ربِّهم . (١) وهى قراءة عاصم وحمزة . السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٨. (٢) وهى قراءة شاذة ، ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢٤٢. (٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((فعلها)). (٤) معانى القرآن ٣/ ٥٥. ١٦٠ سورة الأحقاف : الآية ٢٦ ٢٨/٢٦ / القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَنَّهُمْ فِيمَا إِن تَكَّنَّكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمّعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةٌ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ ٢٦ يقولُ تعالى ذكرُه لكفارٍ قريش: ولقد مَكّنَّا أَيُّها القومُ عادًا الذين أهلكناهم بكفرِهم، فيما لم نُمكّنْكم فيه مِن الدنيا ، وأعطَيناهم منها الذى لم نُعْطِكم منها ؛ مِن كثرة الأموالِ ، وبسطةِ الأجسام، وشدةِ الأبدانِ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنی علىّ ، قال : ثنی أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن ◌َّكَّتَكُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: لم نُمَكِّتكم (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّتَّكُمْ فِيهِ﴾: أنتَأكم أنه أُعطَى القومَ ما لم يُعْطِكم . وقولُه: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا﴾ يسمَعون به مواعظَ ربِّهم، ﴿ وَأَبْصَرًا﴾ يُصِرون بها مُحُجَجَ اللهِ ، ﴿وَأَفْئِدَةٌ﴾ يَعقِلون بها ما يضرُّهم وينفعُهم، ﴿ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآَ أَبْصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ ﴾ . يقولُ: فلم ينفعهم ما أعطاهم مِن السمع والبصرِ والفؤادِ ؛ إذ لم يستعمِلوها فيما أَعْطُوها له، ولم يُعْمِلوها فيما يُنَجِّيهم مِن عقابِ اللهِ، ولكنهم استعمَلوها فيما يُقَرّبُهم مِن سَخَطِه ؛ ﴿ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بَايَتِ اَللَّهِ﴾. يقولُ: إذ كانوا يُكذِّبون بحُجَج اللهِ، وهم رُسُلُه، ويُنْكِرون نبؤَّتَهم، ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: وعادَ عليهم ما (١) أخرجه ابن أبى حاتم - کما فی الإتقان ٤٢/٢ - من طريق أبی صالح به.