Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
سورة الشورى : الآيات ٣٦ - ٣٨
لكم تتمتعون به فى الحياةِ الدنيا ، وليس مِن دارِ الآخرةِ ، ولا مما يَنْفَعُكم فى مَعادِ كم .
﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذى عندَ اللهِ لأهلِ طاعتِه
والإيمانِ به فى الآخرةِ، خيرٌ مما أُوتِيتُوه فى الدنيا مِن متاعِها وأَبْقَى ؛ لأن ما أُوتِيتُموه
فى الدنيا فانٍ نافٌ ، وما عندَ اللهِ مِن النعيم فى جِنانِه لأهلِ طاعتِه باقٍ غیرُ نافدٍ ،
وْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. يقولُ: وما عندَ اللهِ للذين آمنوا به، وعليه يتوكلون فى
أمورِهم ، وإليه يُفَوِّضون (١) أسبابَهم، وبه يَثِقون - خيرٌ وأبقى مما أُوتِيتُموه مِن متاعٍ
الحياة الدنيا .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَبِرَ آلْإِثِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ
وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُوا لِرَبِهِمْ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا
٣٧
[٣٥/٤٤ و] هُمْ يَغْفِرُونَ
٣٨
رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ
يقولُ تعالى ذكره: وما عندَ اللهِ للذين آمنوا، وللذين يجتَنْبُونَ كَبَائِرَ الإثمِ .
وكبائرُ(١) الإثم قد بيَّنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيها ، وبيَّنَا الصوابَ مِن القولِ عندَنا فيها
فى سورةِ ((النساءِ)) (١٢)، فأغْنَى ذلك عن إعادته هلهنا. ﴿ وَاُلْفَوَحِشَ﴾. قيل: إنها
الزنى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ :
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((يقومون))، وفى م: ((يقومون فى)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت ٣: ((الذين)).
(٣) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فواحش)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٦٤٠/٦ - ٦٦٠ .

٥٢٢
سورة الشورى : الآيتان ٣٧، ٣٨
وَاُلْفَوَحِشَ﴾. قال: الفَواحِشُ الزنى(١).
واختلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ كَبَيْرَ آلْإِنْ﴾. فقرَأَتَه عامةُ قرأةِ المدينةِ :
كَبَرَ﴾(٢) على الجماعِ، وكذلك التى فى ((النجم ))(٢)، وقرأته عامةُ قرأةٍ
الكوفةِ : ( كبيرَ الإثم) على التوحيدِ فيهما جميعًا()، وكأن مَن قرأ ذلك كذلك
عنَى بكبيرِ الإثم الشركَ. و(٥) كان الفراءُ يقولُ: كأنى أَسْتَحِبُ لمن قرأ ﴿كَبَِّرَ
اُلْإِثْ﴾ أن يَخْفِضَ ((الفواحشَ))؛ لتكونَ الكبائرُ مضافةً إلى مجموع إذ كانت
جمعًا. قال: وما سمِعتُ أحدًا مِن القرأةِ خفَض ((الفواحشَ))(٦).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَى أنهما قراءتان قد قرَأ بكلٍ واحدةٍ منهما
علماءُ مِن القرأةِ ، على تقارُبٍ معنييهما، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وإذا ما غضِبوا
على مَن اجْتَرَم إليهم جُزْمًا ، هم يَغفِرون لمن اجتَرم إليهم ذنبَه، ويَصْفَحون عنه عقوبةً
ذنبه .
/ وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُوا لِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
وللذين أجابوا لربِّهم حينَ دعاهم إلى توحيدِه، والإقرارِ بوحدانيته ، والبراءةِ مِن
٣٧/٢٥
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ١٩٧، والقرطبى فى تفسيره ٣٥/١٦.
(٢) سقط من: م.
(٣) يعنى قوله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم﴾ [النجم: ٣٢].
(٤) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب: ﴿كبائر﴾، وقراءة حمزة
والكسائى وخلف : ( كبير). ينظر النشر ٢٧٥/٢، والإتحاف ص٢٣٧.
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((كما)).
(٦) ينظر معانى الفراء ٢٥/٣.

٥٢٣
سورة الشورى : الآيات ٣٨ - ٤٠
عبادةِ كلِّ ما يُعْبَدُ مِن دونِهِ، وأقامُوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها فى أوقاتِها،
﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: وإذا حزَبهم أمرٌ تشاوَرُوا بينَهم، ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ
يُفِقُونَ﴾. يقولُ: ومِن الأموالِ التى رزَقْناهم يُنْفِقون فى سبيلِ اللهِ ، ويُؤَدُّون ما
فرَض اللَّهُ عليهم فيها(١) مِن الحقوقِ لأهلِها؛ من زكاةٍ ونفقةٍ على من يَجِبُ عليه
نفقتُه. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ: عُنِى بقولِه: ﴿ وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ﴾ الآية:
الأنصار.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وقرَأ: ﴿وَالَّذِينَ
يَحْنَفِبُونَ كَبَِّرَ الْإِثِمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. قال: فبدَأ بهم
وَاُلَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ﴾: الأنصارُ، ﴿ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ ﴾: وليس فيهم رسولُ
اللهِ عَلٍ، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: ليس فيهم رسولُ اللهِ عَّمِ أيضًا .
وَجَزَّاؤُاْ سِبْئَةٍ
٣٩
القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ
سَِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الَِّمِينَ
٤٠
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا بغَى عليهم باغٍ واعْتَدَى عليهم هم يَنْتَصِرون .
*
ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ فى الباغى الذى حمِد تعالى ذكرُه المنتصرَ منه بعدَ بغيه
عليه ؛ فقال بعضُهم : هو المشرِكُ إذا بغَى على المسلمِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب قال: قال ابنُ زيدٍ: ذكَر المهاجرين
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
* من هنا خرم فى مخطوطة الأصل المرموز لها بـ ( ق) ، ينتهى فى ص ٥٢٩ .

٥٢٤
سورة الشورى : الآيتان ٣٩، ٤٠
صِنْفين؛ صنْفًا عفا، وصنْفًا انْتَصَر. وقرَأ: ﴿ وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ
وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. قال: فبدَأ بهم: ﴿ وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ﴾ إلى قولِه :
﴿ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾: وهم الأنصارُ. ثم ذكَر الصنفَ الثالثَ فقال: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا
أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمَّ يَنْنَصِرُونَ﴾ مِن المشركين(١).
وقال آخرون : بل هو كلَّ باغ بغَى ، فحمِد المنتصرَ منه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ
إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ﴾. قال: ينتَصِرون ممن بغَى عليهم مِن غيرِ أن يَعْتَدُوا(١) .
وهذا القولُ الثانى أولى فى ذلك بالصوابِ ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ لم يَخْصُصْ مِن
ذلك معنّى دون معنًى ، بل حمِد كلَّ منتصِرٍ بحقِّ مَمَن بغَى عليه .
/فإن قال قائلٌ: وما فى الانتصارِ مِن المدحِ؟ قيل: إن فى إقامةِ الظالم على
سبيلِ الحقِّ وعقويتِه بما هو له أهلٌ تقويمًا (١) له، وفى ذلك أعظمُ المدحِ .
٣٨/٢٥
وقولُه: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَفِئَةٌ مِّثْلُهَا﴾. وقد بيَنَّا فيما مضَى معنى ذلك (٤)،
وأن معناه : وجزاءُ سيئةِ المسىءٍ عقوبتُه بما أوْجَبه اللهُ عليه ، فهى وإن كانت عقوبةً مِن
اللهِ أَوْ جَبها عليه فهى مَساءةٌ له . والسيّئةُ إنما هى الفَعْلةُ مِن السُّوءِ، وذلك نظيرُ قولٍ
اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٩٧/٧، والقرطبى فى تفسيره ٣٦/١٦.
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((يبغوا))، والأثر ذكره النحاس فى ناسخه ص ٦٥٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١/٦ إلى المصنف.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((تقويم)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٣١٤/١ .
٠

٥٢٥
سورة الشورى : الآية ٤٠
وقد قيل : إن معنى ذلك : أن يُجابَ القائلُ الكلمةَ القَزِعةً(١) بمثلها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: قال لى أبو بشرٍ: سمِعتُ ابنَ أبِى نَجَيح يقولُ فى
قولِه: ﴿ وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَا﴾. قال: يقولُ: أَخْزاه اللهُ. فيقولُ: أخْزاه
اللهُ(٢) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى قولِه :
وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. قال: إذا شتَمَك بشَتِيمةٍ فاشْتُمْه مثلَها ، مِن غيرِ أن
(٣)
تَعْتَدِیَ(٢).
وكان ابنُّ زيدٍ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنی یونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال :
قال ابنُ زيدٍ فى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ﴾ مِن المشركين، ﴿وَجَزَّوُاْ
سَيْئَةٍ سَيَِّةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا﴾ الآية: ليس أمَرَكم أن تَعْفُوا عنهم لأنه أحَبَّهم ،
﴿ وَلَمَنِ أُنْتَصَرَ بَعْدَ ◌ُلْمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾، ثم نسَخ هذا كلّه، وأمَرَه
(٤)
بالجهاد (*) .
فعلى قولِ ابنِ زيدٍ هذا تأويلُ الكلامِ : وجزاءُ سيئةٍ مِن المشركين إليكم سيئةٌ
مثلُها منكم إليهم ، وإن عفَوتُم وأصْلَحْتُم فى العفوِ، فأجرُكم فى عفوِكم عنهم إلى
(١) فى ت ٢: ((القديمة)) وأقزع له فى المنطق: تعدى فى القول. الوسيط (ق زع).
(٢) أخرجه النحاس فى ناسخه ص ٦٥٩، ٦٦٠ من طريق إسماعيل ابن علية أبى بشر به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١١/٦ إلى المصنف .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٦ إلى المصنف.
(٤) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٦٦٠، ونواسخ القرآن لابن الجوزى ص ٤٥٢.

٥٢٦
سورة الشورى : الآيات ٤٠ - ٤٢
اللهِ، إنه لا يُحِبُّ الظالمين. وهذا على قولِه كقولِ اللهِ عز وجل: ﴿فَمَنِ أُعْتَدَى
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ ﴾ [ البقرة: ١٩٤]. وللذى قال مِن
ذلك وجة. غيرَ أن الصوابَ عندَنا أن تُحمَّلَ (٢) الآيةُ على الظاهرِ ما لم يَنْقُلْه إلى الباطنِ
ما يَجِبُّ التسليمُ له، وأن لا يُحْكَمَ بحكم(١) فى آيةٍ بالنسخ إلا بخبرٍ يَقْطَعُ العذرَ ، أو
حجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها ، ولم تَثْبُتْ حجةٌ فى قوله: ﴿وَحَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾،
أنه مرادٌ به المشركون دونَ المسلمين، ولا بأنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ، فتُسلِّمَ لها بأنَّ
ذلك كذلك .
وقولُه: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن عفا عمن
أساء إليه إساءتَه إليه ، فغفرَها له ولم يُعاقِبْه بها ، وهو على عقوبتِه عليها قادرٌ، ابتغاءَ
وجهِ اللهِ ، فأجرُ عفوِه ذلك على اللهِ ، واللهُ تعالى مُثِيتُه عليه ثوابَه .
﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ اُلَّكِمِينَ﴾. يقولُ: إن اللهَ لا يُحِبُّ أَهلَ الظلم الذين يَتَعدَّوْن
على الناسِ، فيُسِيئون إليهم بغيرِ ما أذِن اللهُ لهم فيه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ نُلْمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمِ مِنِ سَبِيلٍ
٤١
إِنَّمَا السَِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ
٤٢
٣٩/٢٥
/ يقولُ تعالى ذكره: وَلَن انتصَرَ مَّن ظلمَه مِن بعدِ ظلمِه إياه، ﴿فَأُوْلَئِكَ مَا
عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾. يقول: فأولئك المُتَصِرون منهم، لا سبيلَ للمُنْتَصَرِ منهم عليهم
بعقوبةٍ ولا أذىّ ؛ لأنهم انْتَصَروا منهم بحقّ ، ومَن أخذ حقُّه ممن وجب ذلك له.
-
(١) فى ص، م، ت ١: ((الكافرین )).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: (( نحكم)).
(٣) فى م: ((لحكم)).

٥٢٧
سورة الشورى : الآية ٤١
عليه، ١ فلم يَتَعدَّ ولم يَظلِمْ() ، فيكونَ عليه سبيلٌ.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىّ بذلك ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به كلَّ مُنْتَصِرٍ
ممن أساء إليه، مسلمًا كان المسىءُ أو كافرا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيع، قال: ثنا معاذٌ ، قال: ثنا ابنُ عونٍ ، قال:
كنتُ أَسألُ عن الانتصارِ ، ﴿ وَلَمَنِ أُنْتَصَرَ بَعْدَ تُظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فحدَّثنى علىُّ بنُ زیدِ
ابنِ جُدْعانَ ، عن أمِّ محمدٍ امرأةٍ أبيه (٢) - قال ابنُ عونٍ: زعموا أنها كانت تدْخُلُ على
أمّ المؤمنين - قالت: قالت أمّ المؤمنين: دخَل علينا(٢) رسولُ اللهِ عٍَّ وعندَنا زينبُ بنتُ
جَحْشٍ، فجعَل يَصْنَعُ بيدِه شيئًا، ولم يَفْطَنْ لها، فقلتُ بيدِه حتى فطَّْتُه لها،
فَأَمْسَك، وأَقْبَلَت زينبُ تَقَخَّمُ(٤) لعائشةَ، فنهاها فَأَبَتْ أن تَنْتَهِىَ، فقال لعائشةً:
(( سُبِّيها))، فسبَّتْها فغلَبَتها، وانْطَلَقَتْ زينبُ فَأَتَت عليًّا، فقالت: إن عائشةَ تَقَعُ بكم وتَفْعَلُ
بكم . فجاءت فاطمةُ ، فقال لها: ((إنها حِبَّةُ أبيك وربّ الكعبةِ)). فانْصَرَفَت وقالت لعلىٍّ:
إنى قلتُ له كذا وكذا، فقال كذا وكذا. قال: وجاء عليٍّ إلى النبيِّ ◌ٍَّ فَكلَّمه فى ذلك(٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَمَنِ أُنْتَصَرَ
(١ - ١) فى م: ((ولم يتعد لم يظلم)).
(٢) فى ت ١: ((ابنه)).
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢ .
(٤) أى تتعرض لشتمها . ينظر النهاية ١٩/٤.
(٥) أخرجه أبو داود (٤٨٩٨) من طريق معاذ به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩٩/٧ عن المصنف ، وقال :
هكذا ورد هذا السياق ، وعلى بن زيد بن جدعان يأتى فى رواياته بالمنكرات غالبًا ، وهذا فيه نكارة ، والحديث
الصحيح خلاف هذا السياق . ثم أورد حديثا من طريق خالد بن سلمة الفأفاء، أخرجه أحمد ٩٣/٦ (ميمنية)،
والبخارى فى الأدب المفرد (٥٥٨)، وابن ماجه (١٩٨١)، والنسائى فى الكبرى (٨٩١٤، ٨٩١٥،
١١٤٧٦) .

٥٢٨
سورة الشورى : الآيتان ٤١، ٤٢
بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾. الآيةَ، قال: هذا فى الخَمْشِ(١) يكونُ بينَ الناسِ().
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ فى قولِه :
﴿ وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيَّهِم مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: هذا فيما يكونُ بينَ
الناسِ مِن القِصاصِ، فأما لو ظلَمَك رجلٌ لم يَحِلَّ لك أن تَظْلِمَهُ(٢) .
وقال آخرون: [٣٥/٤٤ظ] بل عُنِى به الانتصارُ مِن أهلِ الشركِ، وقال: هو
منسوخٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ وَلَمَنِ
أُنْتَصَرَ بَعْدَ فُلْمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ﴾. قال: لَمَنِ انْتَصَر بعدَ ظلمِه؛ من
المؤمنين انتَصَر مِن المشركين . قال: وهذا قد نُسِخ، وليس هذا فى أهلِ الإسلامِ،
ولكن فى أهلِ الإسلامِ الذى قال اللهُ: ﴿ آدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ
وَبَيْنَكُمُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيمٌ﴾ [ فصلت: ٣٤].
٤٠/٢٥
/ والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إنه معنىٌّ به كلُّ منتصرٍ مِن ظالمِهِ ،
وإن الآيةَ مُحْكَمَةٌ غيرُ مَنْسوخةٍ ؛ للعلةِ التى بيَّنْتُ فى الآيةِ قبلَها .
وقولُه: ﴿ إِنََّا اُلسَِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾. يقولُ تعالى ذكره : إنما
الطريقُ لكم أيُّها الناسُ على الذين يَتَعَدَّون على الناسِ ظلمًا وعُدْوانًا، بأن
(١) الخمش: الجراحات والجنايات. ينظر النهاية ٢ / ٨٠.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٣/٢ عن معمر به، والبيهقى فى الشعب (٨٠٩٨) من طريق آخر عن
قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٦ إلى عبد بن حميد .
(*) إلى هنا ينتهى السقط من مخطوطة الأصل والمشار إليه فى ص ٥٢٣.

٥٢٩
سورة الشورى : الآيات ٤٢ - ٤٤
تُعاقبوهم ١١ بظلمِهم، لا على مَن انتَصَر ممن ظلَمَه وأخَذ منه حقَّه .
وقولُه: ﴿ وَيَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيِّرِ الْحَقّ﴾. يقولُ: ويتَجاوَزون فى أرضِ اللهِ
الحدَّ الذى أباح لهم ربُّهم إلى ما لم يَأْذَنْ لهم فيه، فيُفْسِدون فيها بغيرِ الحقِّ،
أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: فهؤلاء الذين يَظْلِمون الناسَ ويَبْغُون فى
الأرضِ بغيرِ الحقِّ، لهم عذابٌ مِن اللهِ يومَ القيامةِ فى جهنمَ مُؤْلِمٌ مُوجٌ .
﴿ وَمَن
القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُرِ
يُضّلِيلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَرَى الظَّلِينَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى
٤٤
مَرٍَّ مِّنِ سَچِیٍ
يقولُ تعالى ذكره: ولمن صبر على إساءةِ مَن أساء إليه، وغفَر للمسىءٍ إليه
مُجْمَه إليه ، فلم يَنْتَصِرْ منه، وهو على الانتصارِ منه قادرٌ، ابتغاءَ وجهِ اللهِ وجزيلٍ
ثوابِه ، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اُلْأُمُورِ﴾. يقولُ: إن صبرَه ذلك وغفرانَه ذنبَ المسىءِ
إليه ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُرِ﴾. (٢ يقولُ: لمن الأمور٢ِ) التى ندَب إليها عبادَه، وعزَم عليهم
العملَ بها(٢)، ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّنْ بَعْدِه ﴾. يقولُ جل ثناؤه: ومَن
خذَله اللهُ عن الرَّشادِ ، فليس له مِن ولىِّ يَلِيه، فيَهْدِيَه لسبيلِ الصوابِ، ويُسَدِّدَه
لها مِن بعدِ إضلالِ اللهِ إياه، ﴿ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْأْ اُلْعَذَابَ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لَه: وتَرَى الكافرين باللهِ يا محمدُ يومَ القيامةِ لمّا عاينوا عذابَ
اللهِ يقولون لربِّهم: هَلْ لنا يا ربُّ إلى مرَدِّ "إلى الدنيا" مِنْ سبيل؟ وذلك كقوله :
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((يعاقبوهم)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( به).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت٢، ت٣.
( تفسير الطبرى ٣٤/٢٠)

٥٣٠
سورة الشورى : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
-
-
﴿ وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ فَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا
فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. اسْتَعتَب المساكينُ فى غيرِ
حين الاستعتابِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿هَلْ
إِلَى مَرَوٍّ مِّن سَبِيلٍ ﴾. يقولُ: إلى الدنيا(١) .
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولٍ ((إنَّ)) فى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ
اَلْأُرِ﴾، مع دخول اللامٍ فى قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾. فكان بعضُ(٢)
نحوىِّ أهلِ البصرةِ يقولُ فى ذلك: أما اللامُ التى فى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ فلامُ
الابتداءِ، وأمّا ﴿ إِنَّ ذَلِكَ ﴾ ، فمعناه واللهُ أعلمُ: إِنَّ ذلك منه مِن عزم الأمورِ. وقال :
قد تقولُ : [٥٣٦/٤٤] مرَرْتُ بالدارِ الذراعُ بدرهم. أى: الذراعُ منها بدرهم،
ومرَرْتُ بِيُرِّ قَفيزٌ بدرهم. أى: قفيزٌ منه بدرهم. / قال: وأما ابتداءُ ((إنَّ)) فى هذا
[الجمعة : ٨]،
الموضع فمثلُ: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ
٤١/٢٥
يجوزُ ابتداءُ الكلام، وهذا إذا طال الكلامُ فى هذا الموضعِ.
وكان بعضُهم يَسْتَخْطِئُ هذا القولَ، ويقولُ: إِنَّ العربَ إذا أَدْخَلَت اللامَ فى
أوائلِ الجزاءِ أجابَته بجواباتِ الأيمانِ؛ بـ ((ما))، و((لا))، و((إِنَّ))، و((اللامِ))،
قال: وهذا مِن ذاك، كما قال: ﴿لَيِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخُْعُونَ مَعَهُمْ وَلَيْن قُوْتِلُواْ لَا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٦ إلى المصنف.
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.

٥٣١
سورة الشورى : الآيات ٤٣ - ٤٥
يَنَصُرُونَهُمْ وَلَيِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنْبَّ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢]. فجاء
بـ((لا))، وبـ ((اللام)) جوابًا للامِ الأولى. قال: ولو قال: لئن قُمْتَ إنى لَقائمٌ. لجاز،
ولا حاجةَ به إلى العائدِ ؛ لأن الجوابَ فى اليمينِ قد يكونُ فيه العائدُ وقد لا يكونُ ، ألا
ترَى أنك تقولُ : لئن قمتَ لأَقُومَنَّ، و: لا أقومُ، و: إنى لَقَائِمٌ. فلا تَأْتِى بعائدٍ .
قال : وأما قولُهم: مرزتُ بدارِ الذرائعُ بدرهم، و: يُرِّ قَفِيزٌ بدرهم، فلابد مِن أن
يَتَّصِلَ بالأُولِ(١) بالعائدِ، وإنما يُحْذَفُ(٢) العائدُ فيه؛ لأن الثانىَ تبعيضٌ للأولِ؛
مرَرْتُ يٌُّ بعضّ(١٣) بدرهمٍ، و: بعضُه بدرهمٍ، فلما كان المعنىُّ التبعيضَ حذَف
العائدَ. قال: وأما ابتداءُ(إنّ)) فى كلِّ موضعٍ إذا طال الكلامُ، فلا يَجوزُ أن يُتَدأَ (٩ إلا
المعنى): ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ﴾، فإنه جوابٌ للجزاءِ، كأنه قال:
ما فرَرْتُم منه مِن الموتِ فهو مُلاقِيكم .
وهذا القولُ الثانى عندى أولى بالصوابِ فى ذلك ، للعلل التى قد ذكرناها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَتَرَئُهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن
طَرْفٍ خَفِيُّ وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ
٤٥
اُلْقِيَمَةُ أَلَّ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذَابٍ مُقِيمٍ
يقولُ تعالى ذكره: وتَرَى يا محمدُ الظالمين يُعْرَضون على النارِ، ﴿خَشِعِينَ
مِنَ الذُّلِّ﴾. يقولُ: خاضِعِين مُتَذَلِّين.
كما حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ : الخشوعُ:
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((الأول )).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يخاف)).
(٣) فى م: ((بعضه)).
(٤ - ٤) فى ص، م، ت١: ((إن بمعنى))، وفى ت٢، ت٣: ((إلا بمعنى)).

٥٣٢
سورة الشورى : الآية ٤٥
الخوفُ والخشيةُ للهِ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿لَمَّا رَأَوَأْ الْعَذَابَ﴾ إلى قوله: ﴿ خَشِعِينَ مِنَ
الذُّلِ﴾. قال: قد أذَلَّهم الخوفُ الذى نزَل بهم، وخشَعوا له(١) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى قولِه :
خَاشِعِينَ﴾ . قال : خاضِعِين من الذلِ.
وقولُه : ﴿ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾. يقولُ: يَنْظُرُ هؤلاء الظالمون إلى النارِ
حينَ يُعْرَضون عليها من طَرْفٍ خَفِيٍّ .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ ﴾؛ فقال بعضُهم:
معناه : مِن طوفٍ ذَليلٍ. وكأن معنى الكلام : مِن طَرْفٍ قد خَفِى مِن ذُلِّه.
٤٢/٢٥
/ [٣٦/٤٤ط] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿مِن طَرْفٍ
خَفِيٌّ﴾. يعنى بالخَفَىِّ : الذليلَ(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله : ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾. قال : ذليلٍ(٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم كانوا يُسارِقون النَّظَرَ.
(١) تقدم فى ١/ ٦٢٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٦ إلى المصنف.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٩١، ومن طريقه الفريابى كما فى تغليق التعليق ٤/ ٣٠٤، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٢/٦ إلى عبد بن حميد .

٥٣٣
سورة الشورى : الآية ٤٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَنْظُرُونَ مِن
طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾. قال: يُسارِقون النَّظرَ(١).
"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مِن
طَرْفٍ خَفِيَّ﴾. قال: يُسارِقون النظرَ ) .
واختَلَف أهلُ العربيةِ فى ذلك، فقال بعضُ نحوبى أهلِ البصرةِ فى ذلك :
جعَل الطرفَ العينَ، كأنه قال : ونظرُهم مِن عينٍ ضعيفةٍ . واللهُ أعلمُ . قال : وقال
يونُسُ(٢): إنَّ ﴿مِن طَرْفٍ﴾ مثلُ ((بطرفٍ))، كما تقولُ العربُ: ضرَبْتُه فى
السيفِ ، و: ضرَبْتُه بالسيفِ .
وقال آخرُ منهم : إنما قيل: ﴿ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾. لأنه لا يَفْتَحُ عينَه، إنما يَنْظُرُ
ببعضها .
وقال آخرون منهم : إنما قيل: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾. لأنهم ينْظُرون إلى النارِ
بقلوبهم؛ لأنهم يُخْشَرون عُمْيًا .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك القولُ الذى ذكَوْناه عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ ،
وهو أن معناه : أنهم يَنْظُرون إلى النارِ مِن طرفٍ ذليلٍ، وصَفه اللهُ جلَّ ثناؤُه بالخَفَاءِ ؛
للذلةِ التى قد ركِبَتهم، حتى كادت أعينُهم أن تَغورَ فَتَذْهَبَ .
وقولُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ الْخَسِرِ ينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢، ت ٣. والأثر ذكره القرطبى فى تفسيره ١٦/ ٤٥.
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((أبو نصير)).

٥٣٤
سورة الشورى : الآيات ٤٥ - ٤٧
يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين آمنوا باللهِ ورسولِه : إن المَغْبُونين
الذين غُبِنوا أنفسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ(١) الجنةً .
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿الَّذِينَ
خَبِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾. قال: غُبِنوا أنفسهم وأهليهم فى الجنةِ .
وقولُه: ﴿أَلََّ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذَابٍ ثُقِيمٍ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن
الكافرين يومَ القيامةِ فى عذابٍ لهم من اللهِ مُقيم عليهم ثابتٍ ، لا يَزُولُ عنهم ، ولا
يَبِيدُ ، ولا يَخِفُّ .
٤٣/٢٥
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَآءَ يَنْصُرُونَهُ مِّن دُونِ اللَّهُ
[٣٧/٤٤ و] أُسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمُ لَّا
٤٦
وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِن سَبِيلٍ
٤٧١
مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَيِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ
يقولُ تعالى ذكره : ولم يَكُنْ لهؤلاء الكافرين حينَ يُعَذِّبُهم اللهُ يومَ القيامةِ
أولياءُ يَمْنَعونهم مِن عذابِ اللهِ ، ولا يَنْتَصِرون لهم مِن ربِّهم على ما نالهم به مِن
العذابِ، مِن دونِ اللهِ، ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾. يقولُ: ومَن يَخْذُلْه
اللهُ عن١٢) طريقِ الحقِّ فما له من طريقٍ إلى الوصولِ إليه؛ لأن الهدايةَ والإضلالَ بيدِه
دونَ كلِّ أحدٍ سواه .
وقولُه: ﴿ أَسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للكافرين به : أَجِيبوا أيُّها
الناسُ داعىَ اللهِ وآمِنوا به ، واتَّبِعوه على ما جاءكم به من عندِ ربِّكم، ﴿ مِّنقَبْلِ أَن
يَأْتِىَ يَوْمُ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: لا شىءَ يَرُدُّ مجيئَه إذا جاء اللهُ به، وذلك
(١) بعده فى م: ((فى)).
(٢) فى الأصل: ((من)).

٥٣٥
سورة الشورى : الايتان ٤٧، ٤٨
يومَ القيامةِ، ﴿ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَيِذٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما لكم أيُّها الناسُ مِن
مَعقِلِ تَخْتَرزون فيه وتَلْجَئون إليه، فتَعْتَصِمون به مِن النازلِ بكم مِن عذابِ اللهِ ، على
كفرِكم به " فى الدنيا)، ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾. يقولُ: ولا أنتم تَقْدِرون ◌َِ
يَحِلّ بكم مِن عقابِهِ يومَئذٍ على تغييرٍ ، ولا على انتصارٍ منه ، إذا عاقَبَكم بما عاقَتَكم
به .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَيِذٍ﴾. قال: مَحْرَزٍ. وقوله: ﴿مِّن
نَّكِيرٍ﴾. قال : ناصرٍ يَنْصُرُكم .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا لَكُمْ مِّن
مَّلْجٍَ يَوْمَيِذٍ﴾ تَلْجَئون إليه، ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾. يقولُ: مِن (٣ غَيْرٍ
تُغَيِّرون ).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّا
الْبَغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَمَتْ
أَيَدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَنَ كَفُورٌ
٤٨
(١ - ١) سقط من: ت١، وفى ص، م، ت٢، ت٣: ((كان فى الدنيا)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٩١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣ - ٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((عز تعتزون)).

٥٣٦
سورة الشورى : الآيات ٤٨ - ٥٠
يقولُ تعالى ذكره : فإن أَعْرَض هؤلاء المشركون يا محمدُ ، عما أتْتَهم به مِن
٤٤/٢٥ الحقِّ، ودعَوْتَهم إليه مِن / الرُّشْدِ، فلم يَسْتَجِيبوا لك، وأَبَوْا قَبَولَه منك - فَدَعْهم ؛
[٣٧/٤٤ظ] فإِنَّا لم١) نُوْسِلْك إليهم رقيبًا عليهم تحْفَظْ عليهم أعمالَهم وتُحْصِيها،
إِنْ عَلَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ﴾. يقولُ: ما عليك يا محمدُ إلا أن تُلِّغَهم ما أرْسَلْناك به
إليهم من الرسالةِ ، فإذا بلَّغْتَهم ذلك فقد قضَيْتَ ما عليك، ﴿ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا
اُلْإِنِسَنَ مِنَّا رَحْمَةٌ فَرِحَ بِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وإنا إذا أغْنَيْنا ابنَ آدمَ وَأَعْطَيْناه
مِن عندِنا سَعَةً - وذلك هو الرحمةُ التى ذكرها جلَّ ثناؤه - ﴿فَرِحَ بِهَا﴾. يقولُ:
سُرَّ بما أَعْطَيْناه مِن الغِنَى، ورزَقْناه مِن السَّعةِ وكثرةِ المالِ، ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ
سَيِّئَةٌ﴾ . يقولُ: وإن أصابتهم فاقةٌ وفقرٌ وضيقُ عيشٍ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ .
يقولُ : بما أسْلَفَ مِن معصيةِ اللهِ عقوبةً له على معصيتِه إياه - جحَد نِعَمَ اللهِ ، ويَئِسَ
مِن الخيرِ، ﴿فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن الإنسانَ جحودٌ نعمَ
ربِّه، يُعَدِّدُ المصائبَ، ويَْحَدُ النعَمَ. وإنما قال: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. فأخرَج
الهاءَ والميمَ مُخْرَجَ كنايةِ جمعِ الذكورِ، وقد ذكر الإنسانَ قبلَ ذلك بلفظٍ (١)
الواحدٍ ؛ لأنه بمعنى الجمعِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ
لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ (٨٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذَكْرَانًا وَإِنَشَأْ وَيَجْعَلُ
مَنْ يَشَآءُ عَقِيمَاْ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
يقولُ تعالى ذكرُه: للهِ سلطانُ السماواتِ السبعِ والأرضِ(٣)، يَفعَلُ فى
سلطانِهِ ما يَشاءُ، ويَخْلُقُ ما يُحِبُّ خلقَه، يَهَبُ لمن يشاءُ مِن خلقِه من الولدِ الإِناثَ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((لن)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((بمعنى).
(٣) فى م: ((الأرضين)).

٥٣٧
سورة الشورى : الآيتان ٤٩، ٥٠
دونَ الذكورِ ، بأن يَجْعَلَ كلَّ ما حَمَلتْ زوجتُه مِن حَمْلٍ منه أُنثَى، ﴿ وَيَهَبُ لِمَن
كَشَآءُ الذُّكُرَ ﴾. يقولُ: ويَهَبُ لمن يَشاءُ منهم الذكورَ، بأن يَجْعَلَ كلَّ حملٍ حَمَلتْه
امرأتُه ذكرًا لا أُنثَى فيهم. ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشَّاً﴾. يقولُ: أو يجعلُ له
ذُكرانًا وإناثًا؛ بأن يجعلَ حَمْلَ زوجتِهِ مرةً ذكرًا ومرةً أنثى، فذلك هو التزويجُ ،
﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾. يقولُ: ويجعلُ مَن يشَاءُ منهم لا لقاح له ولا ولدَ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ ، قال : ثنا صفوانُ بنُ عيسى ، قال ثناعوفٌ ، عن محمدٍ
ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةً فى قوله: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ
الذُّكُورَ﴾. قال: يَهَبُ لمن يشاءُ ذكورًا كلَّها لا إناثَ فيهم ، ويهبُ لَمن يشاء إناثًا لا
ذكورَ فيهم، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشَأْ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾. قال:
عقیمًا لا يولدُ له .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنی ابی ، قال : حدثنی عمی ، قال : حدثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا﴾. يقولُ: لا يولدُ له
[٣٨/٤٤ و] إلا الجوارى، ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُوُرَ﴾. يقولُ: لا يولدُ له إلا
الغلمانُ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشَآ﴾: يولدُ له الجوارى والغلمانُ فذلك
(٢)
تزويجهم
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن الحسنِ فى قولِه ) :
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ١٧٢/٩.

٥٣٨
سورة الشورى : الآيتان ٤٩ ، ٥٠
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا
٤٩
﴿ يَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ
(١
وَإِنَشَآَ﴾. قال: يهبُ لمن يشاءُ إناثًا فلا يكونُ له إلا أنثى، وولدُه كلَّهم إناثٌ ،
﴿ وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾ فلا يكونُ له إلا ذكورٌ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا
وَإِنَائًا﴾. يقولُ: يجمعُ لهم الذكرانَ والإناثَ، فيهبُ لمن يشاءُ ذُكرانًا وإناثًا ،
وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ لا يولدُ له(٢)١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشَآَ﴾. قال: يَخْلِطُ بينَهم. يقولُ: التزويجُ أَن تَلِدَ
المرأةُ غلامًا ثم تَلِدَ جاريةٌ، ثم تَلِدَ غلامًا ثم تَلِدَ جاريةٌ(٣) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ
إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُوُرَ﴾: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك؛ أن يَهَبَ
للرجلِ " ذكورًا ليست معهم أنثى، وأن يَهَبَ للرجلِ إناثًا ليس معهنَّ ذكورٌ ﴿أَوْ
يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشْشَأْ﴾ فيهَبُّ" للرجلِ ذُْرانًا وإناثًا، فَيَجْمَعُهم له جميعًا،
﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ له.
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، فى قولِ الله :
يَهَبُ لِمَن يَشَّةُ إِنَثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾: ليس معهم إناثٌ، ﴿أَوْ
يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: يَهَبُ لهم إناثًا وذكرانًا، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٣/٢ عن معمر به ، وذكره القرطبى فى تفسيره ٤٨/١٦.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٩١.
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((ذكور ليست معهم أنثى وأن يهب))، وفى ت١: ((إناثًا ليس فيهم
ذكرٌ، وذكرانًا ليس فيهم أنثى وأن تهب )» .

٥٣٩
سورة الشورى : الآيتان ٤٩، ٥٠
عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ له(١).
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾. يقولُ: لا يُلْقِحُ(١).
/ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ٤٥/٢٥
وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾: لا يلدُ واحدًا ولا اثنين.
حدِّثتُ عن الحسين ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا﴾. يقولُ: ليس فيهنَّ ذكَرٍ)،
﴿ وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾: ليست فيهم أنثى، ﴿أَوْ يُزَوِجُهُمْ ذُكْرَانًا
وَإِنَشَآَ﴾: تلدُ المرأةُ ذكرًا مرَّةً وأنثى مرَّةً، ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾: لا يُولَدُ
(٤)
له(٤) .
وقال ابنُ زيدٍ فى معنى قوله : ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾. ما حدَّثنی يونسُ، قال :
أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشَآَ﴾ .
قال: أو يجعَلُ فى البطنِ الواحدِ ذكرًا وأنثى توعَمًا، هذا قولُه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا
وَإِنَشَّاً﴾ (٥).
وقولُه: ﴿ إِنَُّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكره: إن اللهَ ذو علم بما يخلُقُ ،
وقُدرةٍ على خلقٍ ما يشاءُ، لا يعزُبُ عنه علمُ شىءٍ مِن خلقِه، ولا يُعجِزُه خَلْقُ شيءٍ
(١) ينظر التبيان ٩/ ١٧٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى التغليق ٣٠٤/٤ - من طريق أبى صالح به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت٢، ت٣.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٤٨/١٦ بشطره الأول فقط .
(٥) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ١٧٢.

٥٤٠
سورة الشورى : الآية ٥١
أراد خلْقَه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآمٍ
◌ِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِى حَكِيمُ(
٥١
يقولُ تعالى ذكرُه: وما ينبغى لبشرٍ مِن وَلَدِ آدمَ أن يكلمه ربُّه إلا وحيًا يُوحِی
إليه كيف شاء؛ إمّاً) إلهامًا، وإما غيرَه، ﴿أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾. يقولُ: أو
يكلِّمَه بحيث يسمَعُ كلامَه ولا يراه، كما كلَّم موسى نبيّه عليه السلامُ، ﴿أَوْ
يُرْسِلَ [٣٨/٤٤ظ] رَسُولًا﴾. يقولُ: أو يرسِلَ إليه مِن ملائكتِه رسولًا؛ إما جبريلَ،
ج
وإما غيرَه، ﴿فَيُوجِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: فيوحىَ ذلك الرسولُ(٢) المُرْسَلُ
ج
إليه بإذنٍ ربِّه الذى أرسلَه ﴿مَا يَشَآءُ﴾. يعنى: ما يشاءُ ربُّه أن يوحيّه إليه مِن أمرٍ
ونهي ، وغيرِ ذلك من الرسالة والوخي .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى قَولِ اللهِ :
﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا﴾: يُوحِى إليه، ﴿أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾:
موسى كلَّمه اللهُ مِن وراءِ حجابٍ، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ﴾
ج
قال : جبريلُ يأتى بالوحي .
واختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((أو)).
(٢) بعده فى م: (( إلى)).