Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سورة الشورى : الآية ٢٣
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال: قال الحسنُ فى
قوله: ﴿قُل لََّ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىّ﴾. قل: لا أَسْأَلُكم على ما
جئتُكم به ، وعلى هذا الكتابِ أجرًا، ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىُّ﴾: إلا أن تَوَدَّدُوا (١) إلى
اللهِ بما يُقَرِّبُكم إليه، وعملٍ بطاعتِه .
قال بشرٌ: قال يزيدُ: وحدَّثنيه يونُسُ ، عن الحسنِ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قوله: ﴿ قُل
لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىُّ﴾. " قال: قال الحسنُ: قل لا أسألكم عليه
أجرًا " إلا أن تَوَدَّدُوا إلى اللهِ فيما يُقَرِّبُكم إليه (١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إلا أن تَصِلوا قرابتَكم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا (* ابنُ بشارٍُ) ، قال ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُوَّةُ، عن عبدِ اللهِ بنِ القاسم فى
قوله: ﴿ إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِىُ﴾. قال: أَمِرتَ أن تصلَ قرابتَك .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ، وأشبهُها بظاهرِ التنزيلِ قولُ مَن قال :
معناه: قل لا أسألكم عليه أجرًا يا معشر قريشٍ، إلا أن تودُّونى فى قرابتى منكم،
وتَصِلوا الرحمَ التی بینی وبینكم.
(١) فى الأصل: ((تودوا)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩١/٢ عن معمر به .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((بشر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٧/١٨.

٥٠٢
سورة الشورى : الآية ٢٣
وإنما قلتُ: هذا القولُ (١) أولى بتأويل هذه الآيةِ؛ لدخولِ ((فى )) فى قوله:
﴿ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىّ﴾. ولو كان معنى ذلك على ما قاله مَن قال: إلا أن تَوَدُّوا
قَرابتى. أو على ما قاله من قال: إلا أن تَودَّدُوا وَتَقرّبوا إلى اللَّهِ). لم يَكُنْ لدخولِ
((فى)) فى الكلامِ فى هذا الموضع وجةٌ معروفٌ، ولَكان التنزيلُ: ((إلا مودةَ
القربى)). إن ◌ُنِى به الأمرُ بمودةٍ قَرابةِ رسولِ اللهِ عَ لَه. أو: ((إلا المودةَ بالقربَى))،
أو: ((و(٣) القرتَى)). إن عُنِى به التودُّدُ بالتقرُّبِ(٤) إِلى اللَّهِ جلَّ وعزَّ بصالحٍ
الأعمالِ ، أَو عُنى به : إلا التودُّد والتقُّبُ) .
وفى دخولٍ ((فى)) فى الكلام أوضحُ الدليل على أن معناه: إلا مودَّتى فى
قَرابتِى منكم. وأن الألفَ واللامَ فى ﴿ الْمَوَدَّةَ﴾ أَدْخِلتَا بدلًا مِن الإضافةِ، كما
قيل: ﴿فَإِنَ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. وقوله: ﴿إِلَّا﴾ فى هذا الموضعِ
استثناءٌ منقطٌ. ومعنى الكلام: قل لا أسْألُكم عليه أجرًا ، لكنى أَسْأَلُكم المودةَ فى
القربى . فالمودةُ منصوبٌ على المعنى [٣٠/٤٤ظ] الذى ذكَرْتُ . وقد كان بعضُ نحوِی
البصرةِ يقولُ : هى منصوبةٌ بمضمرٍ مِن الفعلِ، بمعنى: إلا أن أُذْكُرَ مودةَ قرابتِى .
وقولُه: ﴿ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةُ نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنَاً﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: ومَن يعمَلْ
حسنةً - وذلك أن يَعمَلَ عملًا يُطِيعُ اللهَ فيه - من المؤمنين ﴿فَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ .
يقولُ جلَّ وعزَّ: نُضاعِفْ عملَه ذلك الحسنَ، فَتَجْعَلْ له مكانَ الواحدِ عشرًا إلى
ما شئْنا مِن الجزاءِ والثوابٍ .
(١) فى ص، م: ((التأويل)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت٢، ت٣: ((أو تقربوا إلى الله)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((ذا)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((والتقرب)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.

٥٠٣
سورة الشورى : الآيتان ٢٣، ٢٤
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، فى قولِ اللهِ :
﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ﴾. قال: يَعْمَلْ حسَنةً .
/ حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَن ٢٧/٢٥
يَقْتِفْ حَسَنَةُ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنَاً﴾. قال: مَن يَعْمَلْ خيرًا نَزِدْ له . الاقترافُ العملُ.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ ﴾ . يقول : إن الله غفورٌ لذنوب عباده ، شکورٌ
لحسناتِهم وطاعتهم إياه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ﴾: للذنوبِ، ﴿شَكُورُ﴾: للحسناتِ يُضاعِفُها(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ شَكُورُ﴾. قال: غفَر لهم الذنوبَ، وشكر لهم نعمًا هو أعْطاهم إياها وجَعَلها
فيهم .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا فَإِن يَشَاٍ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى
قَلِكٌ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَتُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهٍّ: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
٢٤
يقولُ جلَّ وعزَّ: أم يقولُ هؤلاء المشركون باللهِ : اقْتَرى محمدٌ على اللهِ كذبًا ،
فجاء بهذا الذى يَتْلُوه علينا اخْتِلاقًا من قِبَلِ نفْسِه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

٥٠٤
سورة الشورى : الآية ٢٤
وقولُه: ﴿ فَإِن يَشٍَ اَللَّهُ يَخْتَّمْ عَلَى قَلْيِكُ﴾. يقولُ جل ثناؤه لنبيّه محمدٍ ، عليه
السلامُ فإن يشأ اللّهُ" يا محمدُ يَطْبَعْ على قلبِك، فتَنْسَى هذا القرآنَ الذى أُنزِل(٢) إليك.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ.
ذکرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى
الَّهِ كَذِبَّ فَإِنِ يَشَِ الَّهُ بَخْ عَلَى قَلِكُ﴾، فَيُنْسِيَك القرآنَ(٣) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ، فى قوله :
﴿فَإِن كَشٍَ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلِكُ﴾. قال: إن شاءٍ(٤) أنْساك ما قد آتاك(٥).
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿فَإِن
يَشَكٍ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْيِكٌ﴾ . قال : يَطبَعْ .
وقولُه: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾. يقولُ: ويذهَبُ اللهُ بالباطلِ فِيَمْحَقُه، ﴿وَيُّ الْحَقِّ
بِكَلِمَتِهِّ﴾، التى أَنزَلها إليك يا محمدُ فيثْتُه .
وقولُه : ﴿وَيَمْحُ اُللّهُ ﴾ . فی موضع رفع بالابتداء ، ولكنه مُذِفَت منه الواوُفى
المصحفِ، كما حُذِفَت من قولِه: ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، ومن قولِه :
﴿ وَيَدْعُ الْإِنِسَنُ بِالشَّرِّ دُعَلَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]. وليس يُجزَمُ على العطفِ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ٣٦.
(٢) فى الأصل: ((أنزلت)).
(٣) ينظر تفسير البغوى ١٩٢/٧.
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( يشأ)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩١/٢ عن معمر به .
(٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((بجزم)).

٥٠٥
سورة الشورى : الآيتان ٢٤ ، ٢٥
على ﴿يَخْتِمْ﴾.
وقولُه: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : إن الله ذو علمٍ بما
فى صدورِ خلْقِه، وما / تَنْطَوِى عليه ضمائرُهم، لا يَخْفَى عليه مِن أمورِهم شىءٌ. ٢٨/٢٥
يقولُ لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: لوحدَّثْتَ نفسَك أن تَفْتَرِىَ علىَّ كذبًا، لطَبَعْتُ على
قلبِك، وأَذْهَبْتُ الذى [٣١/٤٤و] آتيتُك مِن وحيٍى؛ لأنى أمْحُو الباطلَ فَأَذْهِبُه،
وأُحِقُّ الحقَّ . وإنما هذا إخبارٌ مِن اللهِ الكافرين به، الزاعمين أن محمدًا اقْتَرَى هذا
القرآنَ مِن قِبَلِ نفسِه، فأخْبَرهم أنه لو فعَل ذلك (١) لفَعَل به ما أُخْبَر فى هذه الآيةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ
(٢)
السَِّّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ
٢٥
.
يقولُ تعالى ذكره: واللهُ الذى يَقْبَلُ مُراجعةَ العبدِ إذا راجَعُ ) توحيدَ اللهِ
وطاعتَه مِن بعدِ كفرِهِ، ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾. يقولُ: ويَعْفُو له أن يُعاقِبَه على
سيئاتِه مِن الأعمالِ ؛ وهى معاصيه التى قد تاب منها .
( ويعلَمُ ما يَفْعَلُونَ ). اختَلفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ
والبصرةِ : ( يَفْعَلون) بالياءِ ، بمعنى: ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُ عبادُه. وقَرَأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ :
نَفْعَلُونَ﴾ بالتاءِ ، على وجهِ الخطابِ(٤) .
والصوابُ مِن القول فى ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان فى قرأة الأمصارِ ،
(١) سقط من: م.
(٢) هنا وفيما سيأتى فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يفعلون)). وهى القراءة التى اختارها المصنف،
وسنثبتها بالياء فيما يأتى بعد إن شاء الله .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رجع)).
(٤) قرأ حمزة والكسائى وخلف وحفص عن عاصم بالتاء، والباقون بالياء . النشر ٢٧٥/٢ .

٥٠٦
سورة الشورى : الآيتان ٢٥، ٢٦
مُتَقَارٍبتا المعنى ، فبأيِتِهما قرَأ القارئُ فَمُصيبٌ، غيرَ أن الياءً أعجبُ إِلىَّ؛ لأن الكلامَ من
قَبْلِ ذلك جرَى على الخبرِ، وذلك قولُه: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ،﴾ . ويعنى
جلَّ ثناؤُه بقوله: ( ويعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ ): ويَعْلَمُ ربُّكم أيُّها الناسُ ما تَفْعَلون مِن خيرٍ
وشرّ، لا يَحْفَى عليه من ذلك شىءٌ، وهو مُجازِيكم على كلِّ ذلك جزاءَه، فاتَّقوا
اللهَ فى أنفسكم، واحْذَروا أن تَرْكَبوا ما تَسْتَحِقُون به منه العقوبةَ .
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ ، عن شَريكٍ، عن
إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ، عن همامِ بنِ الحارثِ قال: أتَينا عبدَ اللهِ
نَسْأَلُه عن هذه الآيةِ : ( وهو الذى يَقبلُ التوبةَ عن عبادِه ويعفو عن السيئاتِ ، ویعْلَمُ
ما يُفْعَلونَ). قال: فوجَدْنا عندَه أناسًا أو رجالًا يَشْأَلونه عن رجلٍ أصاب مِن امرأةٍ
حَرامًا ثم تزَوَّجُها ، فتلا هذه الآيةَ: ( وهو الذی یقبلُ التوبة عن عباده ويعفو عن
السيئاتِ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلونَ)(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّنِ
٢٦
فَضْلِهِ، وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
يقولُ تعالى ذكره: ويُجِيبُ اللهُ(١) الذين آمنوا باللهِ ورسوله، وعمِلوا بما أمرهم
اللهُ به وانْتَهَوْا عما نهاهم عنه، لبعضِهم دعاءً بعضٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ١٩٢/٧ - من طريق شريك به ، وأخرجه البيهقى ١٥٦/٧
من طريق إبراهيم بن مهاجر بنحوه ، وأخرجه عبد الرزاق (١٢٧٩٨ - ١٢٨٠٠)، وسعيد بن منصور فى سننه
(٩٠٢، ٩٠٣)، وابن أبى شيبة ٤ /٢٤٩، والطبرانى (٩٦٧٠) من طرق عن عبد الله بن مسعود بنحوه ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن سعد .
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.

٥٠٧
سورة الشورى : الآية ٢٦
٢٩/٢٥
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثناعَثَّامٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن شَقيقِ بنِ سَلَمةَ ، عن
سَلَمَةَ بنِ سَبْرةَ ، قال: خطَبتا معاذٌ فقال: أنتم المؤمنون ، وأنتم أهلُ الجنةِ ، واللهِ إنى
لَأَوْ مجو أن مَن تُصِيبون مِن فارسَ والرومِ يَدْخُلون [٣١/٤٤ظ] الجنةَ؛ ذلك بأن أحدَهم
إذا عمِل لأحدِ كم العملَ قال: أحسنتَ رحِمك اللهُ، أُحْسَنتَ غفَر اللهُ لك. ثم قرأ:
﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيِدُهُم مِّنِ فَضْلِ،﴾ (١).
وقولُه: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ الذين آمنوا وعملوا
الصالحاتِ - مع إجابته إياهم دعاءَهم ، وإعطائِه إياهم مسألتَهم - من فضلِه، على
مسألتهم إياه ؛ بأن يُعْطِيّهم ما لم يَسْأَلوه .
وقيل : إن ذلك الفضلَ الذى ضمِن جلَّ ثناؤه أن يَزِيدَ هموه، هو أن يُشَفِّعَهم
فى إخوانِ إخوانِهم إذا هم شُفِّعوا فى إخوانِهم، فشَفَعوا فيهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدِ الفِرْيائِىُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سَلَمةَ ، عن سعيدِ بنِ
بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن أبى إبراهيمَ اللخمىّ)، فى قولِ اللهِ: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾. قال: يُشَفَّعون فى إخوانِهم، ﴿ وَيَزِيدُهُ مِّنِ فَضْلِهِ،ٍ﴾ . قال :
يُشَفَّعون فى إخوانِ إخوانهم (١) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ١٩٣/٧، والحاكم ٤٤٤/٢ من طريق الأعمش به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٦ إلى ابن المنذر.
(٢ - ٢) فى م: ((إبراهيم النخعى))، وفى ت ٢، ت ٣: ((ابن أبى إبراهيم)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٦ إلى المصنف.

٥٠٨
سورة الشورى : الآية ٢٦
وقولُه: ﴿وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: والكافرون باللهِ
لهم يومَ القيامةِ عذابٌ شديدٌ على كفرهم به .
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى معنى قوله: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الصَّلِحَتِ﴾. فقال بعضُ نحوِّى البصرةِ: ويَستجيبُ الذين آمنوا): أى:
استجابوا(١) . فجعَلَهم هم الفاعلين، فـ﴿الَّذِينَ﴾ فى قولِه رفعٌ، والفعلُ لهم . وتأويلُ
الكلامِ على هذا المذهبِ : واسْتَجاب الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ لربِّهم إلى
الإيمانِ به، والعملِ بطاعتِه إذ دعاهم إلى ذلك .
وقال آخرُ منهم : بل معنى ذلك : ويُجيبُ الذين آمنوا . وهذا القولُ يَحْتَمِلُ
وجهين؛ أحدُهما النَّصب١ُ ، بمعنى: ويُجِيبُ الله الذين آمنوا. والآخر ما قاله
صاحبُ القول الذی ذكّرناه .
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ ): ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. يكونُ ﴿ الَّذِينَ﴾
فى موضعٍ نصبٍ بمعنى: ويُجِيبُ اللهُ الذين آمنوا. وقد جاء فى التنزيل:
﴿ فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [ آل عمران: ١٩٥]، والمعنى، واللَّهُ أعلمُ: فأجابهمْ)
ربُّهم ، إلا أنك إذا قلتَ: استجاب. أدْخَلْتَ اللامَ فى المفعولِ ، وإذا قلتَ : أجاب.
حذَفْتَ اللامَ، ويكونُ ((اسْتَجابهم)) بمعنى: اسْتَجاب لهم. كما قال: ﴿ وَإِذَا
كَالُوُهُمْ أَو وَزَنُهُمْ﴾ [المطففين: ٣]. والمعنى، واللهُ أعلمُ: وإذا كالوا لهم أو وزَنوا لهم
يُخْسِرُون. قال: ويكونُ ﴿ الَّذِينَ﴾ فى موضعِ رفعٍ إِن يُجْعَلِ الفعلُ لهم، أى:
(١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((بعضهم)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((استجاب)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الرفع)).
(٤) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٤/٣.
(٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فأجاب لهم)).

٥٠٩
سورة الشورى : الآيتان ٢٦، ٢٧
الذين آمنوا يَسْتَجِيبون للهِ ، ويزيدُهم على إجابتهم والتصديقِ من فضلِه. وقد بيَّنا أن
الصوابَ فى ذلك مِن القولِ على ما تأوَّله معاذٌ ومَن ذكَرْنا قولَه فيه .
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الْرِزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ الْأَرْضِ وَلَكِن ٣٠/٢٥
٢٧
يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ
ذُكِرِ أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت مِن أجلٍ قومٍ مِن أهلِ الفاقَةِ مِن المسلمين تمنَّوْا سَعَةً
الدنيا والغنى ، فقال جلَّ ثناؤُه: ولو بسَط اللهُ الرزقَ لهم(١) فوسَّعه وكثَّرِه عندَهم
لبَغَوْا ، فتجاوزوا احدَّ الذى حدَّه اللهُ لهم إلی غیرِ الذى حدَّه لهم فى بلاده ، بر كوپھم
فى الأرضِ ما حظَره عليهم، ولكنه [٥٣٢/٤٤] يُنَزِّلُ رزقَهم بقَدَرٍ لكفايتِهم الذى
يشاءُ منه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال أبو هانيٌّ: سمعتُ عمرو بنَ
حُرَيثٍ وغيرَه يقولون: إنما أَنزلت هذه الآيةُ فى أصحابِ الصَّفَّةِ: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ
الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾. ذلك بأنهم قالوا : لو أن
لنا ! فتمَنَّوًا الدنيا(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانِ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ ، قال : ثنا
حَيْوةُ ، قال: أخبرنى أبو هانئٌّ، أنه سمِع عمرو بنَ حُرَيْثٍ يقولُ: إِنما نزَلَت هذه
الآيةُ. ثم ذكَّر مثلَهُ(٢).
(١) فى م، ت ٣: ((لعباده)).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٣. والأثر أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٣٨/١ من طريق ابن وهب به.
(٣) أخرجه البيهقى فى الشعب (١٠٣٣٢) من طريق أبى عبد الرحمن المقرئ به. وأخرجه ابن المبارك فى
الزهد (٥٥٤)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٨١، وأبو نعيم فى الحلية ٣٣٨/١ من طريق حيوة به .=

٥١٠
سورة الشورى : الآية ٢٧
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ
اُلِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ الآيَةَ. قال: كان يقالُ: خيرُ الرزقِ ما لا يُطْغِيك ولا
يُلْهِيك. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ عَِّلَّمِ قال: «أخوفُ ما أخافُ على أمتى زهرةُ الدنيا
وكثرتُها)). فقال له قائلٌ: يانبيَّ اللهِ، هل يأتى الخيرُ بالشرِّ؟ فقال النبيُّ عَ له: ((هل
يأتى الخير بالشرّ؟ )) فأنزل اللهُ عليه عند ذلك ، و كان إذا نزَل عليه كُرِب لذلك وترَبَّد
وجهُه، حتى إذا سُرِّى عن نبيِّ اللهِ عَلَّه قال: ((هل يأتى الخيرُ بالشرٌّ؟)) . يقولُها
ثلاثًا ، ((إِن الخيرَ لا يأتى إلا بالخيرِ)). يقولُها ثلاثًا، وكان عُ لّه وَتِرَ الكلام - « ولكنه
واللهِ ما كان رَبِيعٌ قطُّ إِلا أَحْبَط أو أَلَهَّ(١) ؛ فأما عبدٌ أعطاه اللهُ مالًا ، فوضَعَه فى سبيلِ
اللهِ التى افْتَرَض وارْتَضَى، فذلك عبدٌ أَرِيد به خيرٌ، وعُزِم له على الخيرِ؛ وأما عبدٌ أعطاه
اللهُ مالًا فوضَعه فى شَهَواتِهِ ولَذَّاتِهِ، وعدَله(٢) عن حقِّ اللهِ عليه، فذلك عبدٌ أُرِيد به
شرٌّ، وُزِم له على شرٍ))(٢).
وقولُه: ﴿ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : إن الله بما يُصْلِحُ
عبادَه ويُفْسِدُهم؛ مِن غنىٌ وفقرٍ، وسَعَةٍ وإقتارٍ، وغيرِ ذلك مِن مصالحهم
ومضارِهم، ذو خبرةٍ وعلم، بصيرٌ بتدبيرِهم وصرفِهم فيما فيه صلاحُهم .
= وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٦ إلى سعيد ابن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والطبرانى وابن
مردويه .
(١) الربيع: الجدول، وهو النهر الصغير. وأحبط: من حبطت الدابة خبّطًا، إذا أصابت مرعى طيبًا فأمعنت
فى الأكل حتى تنتفخ فتموت. وألم: قارب الهلاك. فتح البارى ٢٤٧/١١ بتصرف .
(٢) فى م: «عدل )) .
(٣) عزاه الزيلعى فى تخريج أحاديث الكشاف ٢٤٠/٣، والسيوطى فى الدر المنثور ٨/٦ إلى المصنف.
والحديث المرفوع أخرجه أحمد ٨٣/١٧، ٨٥، ٢٤٨، ٢٤٩، ٣٧٢،٣٧١/١٨ (١١٠٣٥، ١١١٥٧،
(١١٨٦٥، ١١٨٦٦)، والبخارى (١٤٦٥، ٦٤٢٧،٢٨٤٢)، ومسلم (١٠٥٢) وغيرهم من حديث أبى
سعيد الخدرى بنحوه .

٥١١
سورة الشورى : الآية ٢٨
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ ٣١/٢٥
ج
٢٨
رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ
يقولُ تعالى ذكره : واللهُ الذى يُنزِّلُ المطرَ مِن السماءِ فَيُغِيثُكم به أيُّها الناسُ،
﴿ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما يَئِس الناسُ من نزولِه ومجيئِه،
ج
﴿ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ . يقولُ: ويَنْشُرُ فى خلقِه رحمته. ويعنى بالرحمةِ الغيثَ الذى
يُنزِّلُهُ مِن السماءِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٣٢/٤٤ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثَورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادة أنه قيل لعمرَ بنِ
الخطابِ رضِى اللهُ عنه: أجْدَبَت الأرضُ وقتَطَ الناسُ. قال: مُطِروا إذن (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾. قال: يئِسوا(٣) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: ذُكِر لنا أن رجلًا
أَتَّى عمرَ بنَ الخطابِ ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، فحط المطرُ وقتَط الناسُ. قال: مُطِرْتُم،
ج
﴿ وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا فَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ .
وقولُه: ﴿وَهُوَ اُلْوَلِىُّ الْحَمِيدُ﴾. يقولُ: وهو الذى يَلِيكم أيها الناسُ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩١/٢ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٥١٢
سورة الشورى : الآيات ٢٨ - ٣١
بإحسانِه وفضلِه، الحميدُ بأيادِيه عندَكم، ونعمِه عليكم فى خلقِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَمِنْ ◌َايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَ فِيهِمَا
٢٩
مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ
یقولُ تعالی ذکرُه : ومِن ◌ُجچِہ علیکم أيُّها الناسُ بأنه القادرُ علی إِحیائِکم
بعدَ فَنَائِكم، وبعثِكم مِن قبورِ كم مِن بعدٍ بِلائكم - خلقُه السماواتِ والأرضَ،
﴿ وَمَا بَثَ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾. يعنى: وما فرَّق فى السماواتِ والأرضِ مِن دابةٍ.
کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثناعیسی ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَمَا بَثَ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ﴾. قال: الناسُ والملائكةُ(١) .
﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ . يقولُ: وهو على جمع ما بثَّ فيهما
مِن دابةٍ إذا يشاءُ جمعَه ذو قدرةٍ ، لا يَتَعَذَّرُ عليه، كما لم يَتَعذَّرْ عليه خلقُه وتفريقُه .
يقولُ : فكذلك هو القادرُ على جمع خلقِه لحشرٍ يومِ القيامةِ بعدَ تفرّقٍ أوصالِهم
فى القبور .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَيِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ ٣٢/٢٥
وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِّ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ
وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرِ (٣٥
٣١١
وَلَا نَصِيرٍ
يقولُ تعالى ذكره: وما يُصِيبُكم أيُّها الناسُ مِن مصيبةٍ فى الدنيا فى أنفسكم أو
أهليكم أو أموالكم، [٣٣/٤٤ ] ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾. يقولُ: فإِنما يُصِيبُكم
(١) تفسير مجاهد ص ٥٩٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ص، م، ت ٢: ((بحشر))، وفى ت١: ((يحشرهم)).

٥١٣
سورة الشورى : الآية ٣٠
ذلك عقوبةٌ من اللهِ لكم بما اجْتَرَمْتُم مِن الآثامِ فيما بينكم وبينَ ربِّكم، ويَعْفُو لكم
ربُّكم عن كثيرٍ مِن إجرامِكم، ولا يُعاقِئُكم بها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا ابنُ عليةً ، قال : ثنا أيوبُ ، قال : قرأْتُ فى
ج وَمَن
كتابٍ أبى قِلابةَ قال: نزَلَت: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وأبو بكرٍ يَأْكُّلُ، فأمْسَك
فقال: يا رسولَ اللهِ ، إنى لَراءٍ ما عمِلتُ مِن خيرٍ أو شرّ؟ فقال: ((أرأيتَ ما رأيتَ مما
تَكْرَهُ، فهو مِن مَثاقيل ذرّ(١) الشرّ، وتُدَّخَرُ مثاقيلُ الخيرِ حتى تُغطاهُ(١) يومَ القيامةِ)) .
قال: قال أبو إدريسَ: فأَرَى مِصْداقَها فى كتابِ اللهِ. قال: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن
تُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾(١).
قال أبو جعفرٍ: وحدَّث بهذا الحديثِ الھیثمُ بنُ الربيع؛ فقال فیہ : أیوبُ ، عن
أبى قِلابةَ، عن أنسٍ، أن أبا بكرٍ كان جالسًا عندَ النبيِّ عَّهِ. فذكَر الحديثَ، وهو
غلطٌّ ، والصوابُ عن أبى إدريسَ(*).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ
مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ عَ لٍ كان يقولُ: ((لا
(١) فى ت ٢: ((ذل))، فى ت ٣: ((ذاك)).
(٢) فى ت١، ت٢، ت٣: ((يعطاه)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩٥/٧ عن المصنف، وذكر بعضه الدارقطنى فى علله ٢٢٧/١.
(٤) أخرجه العقيلى ٤/ ٣٥٣، والطبرانى فى الأوسط (٨٤٠٧)، والبيهقى فى الشعب (٩٨٠٨) من طريق
الهيثم عن سماك بن عطية عن أيوب به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨٠/٦ إلى الحاكم وابن مردويه.
وسيأتى فى تفسير سورة الزلزلة .
( تفسير الطبرى ٣٣/٢٠ )

٥١٤
سورة الشورى : الآيتان ٣٠، ٣١
يُصِيبُ ابنَ آدمَ خَدْشُ عُودٍ ، ولا عَثْرَةُ قدَمٍ ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ، إِلا بذنْبٍ، وما يَعْقُو
عنه أکثر))(١).
(١)
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ
وَيَعْفُوا عَن کثیرٍ ﴾ . قال: تُعبّلُ للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم ()فى الدنيا) ، ولا
يُؤاخذون بها فى الآخرةِ .
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك : وما عُوقِبْتُم به فى الدنيا مِن عقوبةٍ ، بحدٍّ
حُدِدْعُوه على ذنبٍ اسْتَوْجَبْتُموه عليه، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾. يقولُ: فبما
عمِلْتُم مِن معصيةِ اللهِ، ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾، فلا يُوجِبُ عليكم فيها حدًّا .
ذكرُ مَن قال ذلك
٣٣/٢٥
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿ وَمَآ
أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾. /قال : هذا فى
الحدودِ . وقال قتادةُ : بلَغَنا أنه ما مِن رجلٍ تُصيبُه عَثْرةُ قَدمٍ ، ولا خَدْشُ عودٍ أو كذا أو
كذا، إلا بذنبٍ ، أو يَعْفُو، [٣٣/٢٤] وما يَعْفُو أكثرُ(١).
وقولُه: ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِىِ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: وما أنتم أيُّها الناسُ
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٩٨١٥) من طريق آخر عن قتادة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٦
إلى عبد ابن حميد وابن المنذر .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م ..
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٢/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .

٥١٥
سورة الشورى : الآيات ٣١ - ٣٣
بمُفِيتِى ) ربِّكم بأنفسكم إذا أراد عقوبتكم على ذنوبكم التى أَذْنَبْتُموها،
ومعصيتكم إياه التى ركِبْتُموها ؛ هربًا فى الأرضِ، فمُعْجِزِيه حتى لا يَقْدِرَ عليكم ،
ولكنكم حيث كنتم فى سلطانِه وقبضتِه، جاريةٌ فيكم مشيئته، ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن
دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ﴾: يَلِيكم بالدفاع عنكم إذا أراد عقوبتكم على معصيتكم إياه،
﴿ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: ولا لكم مِن دونِه نصيرٌ يَنْصُرُ كم إذا هو عاقَبَكُم، فيَنْتَصِرَ
لكم منه. يقولُ(١): فاحْذَروا أيُّها الناسُ معاصيّه، واتقوه أن تُخالِفوه فيما أمَرَ كم أو
نها كم، فإنه لا دافعَ لعقوبته عمن أحلَّها به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَِ (
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ
٣٢
الْرِيحَ() فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَّةٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
(٣٣
يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجِ اللهِ أَيُّها الناسُ عليكم بأنه القادرُ على كلِّ ما
يَشاءُ، وأنه لا يَتعَذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ أراده - السفنُ الجاريةُ فى البحرِ . والجَوَارِى
جمعُ جاريةٍ ، وهى السائرةُ فى البحرِ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿اَلْجَوَارِ (٤) فِ الْبَحْرِ﴾. قال: السفنُ(٥).
(١) فى ت ٢: ((بمعيبى))، وفى ت ٣: ((بمعيين)).
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٣) فى الأصل: ((الرياح))، وهى قراءة نافع وأبى جعفر، والمثبت قراءة الباقين. ينظر النشر ٢٧٥/٢،
والإتحاف ص٢٣٧.
(٤) فى الأصل: ((الجوارى))، وهى من ياءات الزوائد . وأثبت الياء فيها وصلًا نافع وأبو عمرو وأبو جعفر،
وفى الحالين ابن كثير ويعقوب، والباقون بالحذف فى الحالين. ينظر النشر ١٣٧/٢، والإتحاف ص ٢٣٧.
(٥) تفسير مجاهد ص ٥٩٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٥١٦
سورة الشورى: الآيتان ٣٢ ، ٣٣
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ
الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ﴾. قال: الجوارى: السفنُ(١).
وقولُه: ﴿كَالْأَعْلَِ ﴾: يعنى: كالجبالِ. واحدُها عَلَمٌ، ومنه قولُ الشاعرٍ (٢):
كأنه عَلَمٌ فى رأسِه نارٌ
(٣ وإِنَّ صخرًا لتأْتُمُّ الهُدَاةُ به".
يعنى : جبلٌ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
كَالْأَعْلَمِ﴾. قال : كالجبالِ (٤) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: الأعلامُ:
ء(٥)
الجبالُ(٥).
٣٤/٢٥
/ وقولُه: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَّةٍ﴾ . يقولُ تعالى
ذكرُه: إِن يَشَأُ اللهُ الذى جرَتْ(١) [٣٤/٤٤و] هذه السفنُ فى البحرِ بقدرتِهِ(٧) أن لا
تَجْرِىَ فيه، أسْكَن الريحَ التى تَجْرِى بها فيه، فثبَثْنَ(٨) فى موضعٍ واحدٍ ووقَفْنَ على
(١) ينظر التبيان ٩/ ١٦٤.
(٢) هى الخنساء . وينظر أنيس الجلساء فى ملخص ديوان الخنساء ص ٤٢.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣. وفى مصدر التخريج: (( * أغر أبلج تأتم الهداة به)))).
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٩٠ . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) ينظر التبيان ١٦٤/٩ .
(٦) فى ص، م: (( قد أجرى )).
(٧) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٨) فى ت ٢، ت ٣: ((فيسكن)).

٥١٧
سورة الشورى : الآيات ٣٣ - ٣٦
ظهرِ الماءِ، لا تَجْرِى فتقَدَّمَ ولا تتَأَخَّرَ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِ
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَّةٍ﴾ :
٣٢
اُلْجَوَارِ فِىِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَمِ
سفنُ هذا البحرِ تَجْرِى بالريح، فإذا أُمْسِكَت عنها الريحُ ركَدَت، قال اللهُ: ﴿إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُرٍ﴾(١).
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿إِن يَشَأْ
يُسْكِنِ الْرِيحَ فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾ : لا تَجْرِى .
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾(١). يقولُ: وقوقًا(٣).
وقولُه : ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ . يقولُ: إِن فى جزيٍ هذه
الجَوَارِى فى البحرِ بِقُدرةِ اللهِ ، لَعظةً وعبرةً وحجةً بينةً على قُدرةِ اللهِ على ما يَشاءُ،
لكلِّ ذى صبرٍ على طاعته، شكورٍ لنعمِه وأيادِيه عندَه .
وَيَعْلَمَ الَّذِينَ
٣٤
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ يُوِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ
◌َّآ أُوْتِيْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَعُ الحَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ
٣٥
يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَئِنَا مَا لَمُم مِّن نَجِصٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٦ إلى عبد بن حميد والمصنف.
(٢) بعده فى ت ٣: ((لا تجرى)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ركودا)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٤٢/٢ - من
طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٦ إلى ابن المنذر.

٥١٨
سورة الشورى : الآية ٣٤
٣٦
خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَّوَّكَُّونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: أو يُوبِقْ هذه الجوارىَ فى البحرِ؛ بما كسَبَتْ رُكْبَانُها مِن
الذنوبِ، واْتَرَموا مِن الآثامِ. وجزَم ﴿ يُوبِقْهُنَّ﴾، عطفًا على ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾.
ومعنى الكلامِ : إن يَشَأْ يُشْكِنِ الريحَ فيَظْلَلنَ رَواكدَ على ظهرِهِ، ﴿أَوْ يُوِفْهُنَّ﴾ .
ويعنى بقوله: ﴿أَوَ يُوبِقْهُنَّ﴾. أو يُهْلِكْهن بالغرقِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله : ﴿أَوْ يُوِفْهُنَّ﴾ . يقولُ : يُقْلِكُهن(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله : ﴿أَوْ يُوِقْهُنَ ﴾ . أو يُهْلِكْهن(٢) .
/ حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿أَوْ
يُوِقْهُنَّ﴾. قال: يُغْرِقْهن(٣) بما كسبوا(٤).
٣٥/٢٥
وبنحوِ الذى قلنا فى قوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾. قالوا أيضًا .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤٢/٢ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٠/٦ إلى ابن المنذر .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) فى ت ٣: ((يعوقهن)).
(٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ١٦٤.

٥١٩
سورة الشورى : الآيتان ٣٤ ، ٣٥
ذكرُ مَن قال ذلك
[٣٤/٤٤ظ] حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿أَوْ
يُوِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ﴾. أى : بذنوبِ أهلِها .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ
بِمَا كَسَبُواْ﴾. قال: بذنوبِ أهلِها(١) .
حدَّثنى يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿أَوَ
يُوِقهُنَّ پِمَا کسُواْ ﴾. قال : يُوبِقْهن بما كسب أصحابُهن.
وقولُه: ﴿ وَيَعْفُ(٢) عَنْ كَثِيرٍ﴾. يقولُ: ويَصْفَخْ تعالى ذكرُه عن كثيرٍ من
ذنوبِكم ، فلا يُعاقِبْ عليها .
وقولُه: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَِنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ويَعْلَمَ اللَّهُ الذين
يُخاصِمون رسولَه محمدًا عَ لَه مِن المشركين فى آياتِه وعبرِه وأدلتِه على توحيدِه .
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءتِه، فقرأَتَه عامةُ قرأةِ المدينةِ : ( ويعْلَمُ الذين). رفعًا على
الاستئنافِ، كما قال فى سورةِ ((براءة)): ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ [التوبة: ١٥].
وقرأَته عامةُ قرأةٍ الكوفة والبصرةِ: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾. نصبًا، كما قيلَ فى سورةِ
((آل عمرانَ)): ﴿وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢ ] على الصرفِ (١) ، وكما قال
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٢/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) قال القرطبى فى تفسيره ٣٣/١٦: ((قال القشيرى: والقراءة الفاشية: ﴿ويعفُ﴾ بالجزم ، وفيها
إشكال؛ لأن المعنى إن يشاء يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكد ويهلكها بذنوب أهلها . فلا يحسن عطف
﴿يعف﴾ على هذا؛ لأنه يصير المعنى: إن يشأ يعف. وليس المعنى ذلك، بل المعنى الإخبار عن العفو من غير
شرط المشيئة ، فهو إذا عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى . وقد قرأ قوم ( ويعفو ) بالرفع
وهى جيدة فى المعنى . اهـ .
(٣) قرأ نافع وابن عامر: ( ويعلمُ الذين) بالرفع على الاستئناف، وقرأ الباقون: ﴿ويعلمَ الذين﴾ بالنصب
على الصرف . الكشف ٢٥١/٢، ٢٥٢.

٥٢٠
سورة الشورى : الآيتان ٣٥ ، ٣٦
النابغةُ الذُّبيانيّ(١) :
رَبِيعُ الناسِ والشهرُ الحرامُ
فإن يَهْلِكْ أبو (٢) قابُوسَ يَهْلِكْ
أَجَبِّ الظَّهْرِ ليس له سَنامُ
(٣)
ونُْسِكُ بعدَہ بذِنابٍ عَنْسٍ
ويُروَى: ((عيش))".
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان معروفتان
مُتَقارِبتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
(٥)
وقولُه : ﴿ مَا لَمُم مِّن نَجِیصٍ ﴾ . يقول تعالى ذكره : ما لهم مِن محید عن
عقابِ اللهِ ، إذا عاقَتَهم على ذنوبهم وكفرِهم به، ولا لهم منه ملجأً .
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٣٦/٢٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿مَا لَهُم
مِن تَحِصٍ﴾. قال: ما لهم مِن مَلْجأُ(٦).
وقولُه: ﴿فَمَآ أُوْتِلْتُم مِّنْ شَىْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فما أَعْطِيتُم أيُّها الناسُ مِن
شىءٍ مِن رِياشِ الدنيا، من المالِ والبنينَ ﴿ فَعُ الحَيَوَةِ الدُّيّاً﴾. يقولُ: فهو متاح
(١) ديوانه ص ٢٣١، ٢٣٢.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أبا)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، والديوان: ((عيش)). وعَنْس: الناقة القوية شبهت بالصخرة، وهى
العَنس ؛ لصلابتها . التاج (ع ن س).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣ .
(٥) فى م: ((من)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٦ إلى المصنف.