Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة الزمر : الآيات ٣٠ - ٣٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ فى قولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. يقولُ:
يُخاصِمُ [٧٢٧/٢ظ] الصادقُ الكاذبَ، والمظلومُ الظالمَ، والمُهْتدى الضالَّ،
والضعيفُ المستكبرَ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ثُمَّ
إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْنَصِمُونَ﴾. قال : أهلُ الإسلامِ وأهلُ الكفرِ(٣) .
حدَّثنا ابنُ البَرْقِيّ، قال: ثنا ابنُ أبى مريمَ ، قال: ثنا ابنُ الدَّراوَرْدِىِّ، قال: ثنى
محمدُ بنُ عمرٍو ، عن يحيى بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ،
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ عِنْدَ
٣٠
قال: لمَّ نزلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَهُم ◌َّيِّتُونَ
رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. قال الزبيرُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَيُكَوَّرُ(١) / علينا ما كان بينَنا فى ٢/٢٤
الدنيا مع خَواصِ الذنوبِ؟ فقال النبىُّ عَلِّ: ((نَعَمْ، حتى يُؤْدَّى إلى كلِّ ذی حَقِّ
(٤)
حَقُّه)) (٤) .
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك اختصامُ أهلِ الإسلامِ.
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٨/٧ عن على بن أبى طلحة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى المصنف.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٩/٧ .
(٣) فى م: ((أينكر))، وفى ت ٣: ((أنكر))، وفى ت١، ت٢، ص: ((ابكر)) غير منقوطة، والمثبت من
مصادر التخريج .
(٤) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٩١/١ من طريق الدراوردى به، وأخرجه الحميدى (٦٠)، وأحمد (١٤٠٥،
١٤٣٤)، والترمذى (٣٢٣٦)، والبزار (٩٦٤، ٩٦٥)، وأبو يعلى (٦٦٨)، وابن أبى حاتم - كما فى
تفسير ابن كثير ٨٧/٧ - والطبرانى فى الكبير (قطعة من الجزء ١٣) (٣٠٣)، وأبو نعيم فى الحلية ٣٣٧/١،
والحاكم ٤٣٥/٢ وغيرهم من طريق محمد بن عمرو به .

٢٠٢
سورة الزمر : الآيات ٣٠ - ٣٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ ، عن ابنِ عمرَ،
قال : نزلَت علينا هذه الآيةُ وما ندرى ما تفسيرُها، حتى وقَعت الفتنةُ، فقلنا : هذا
الذى وَعَدَنا ربُّنا أن نخْتَصِمَ فيه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ
تَخْنَصِمُونَ﴾(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن إبراهيمَ،
ثُمَّ إِنَّكُمْ ﴾ الآية ، قالوا : ما
٣٠
قال: لَّ نزلَت: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
خُصومتنا بينَنا " ونحن إخوانٌ)؟ قال: فلما قُتِل عثمانُ بنُ عفانَ ، قالوا : هذه
خصومتنا بيننا(٣).
حُدِّثْتُ عن ابنٍ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية فى
قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَّخْتَصِمُونَ﴾. قال: هُم أهلُ القبليةِ(٤).
وأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن یقالَ: عُنِى بذلك: إنك يا محمدُ
ستموتُ ، وإنكم أيُّها الناسُ ستَموتون ، ثم إن جميعَكم أيُّها الناسُ تَخْتَصِمون عندَ
ربِّكم؛ مؤمنُكم وكافركم، ومُحِقُّوكم ومُبْطِلُوكم، وظالمُوكم ومظلومُوكم،
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٤٤٧)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٨٩/٧ - وأبو عمرو
الدانى فى السنن الواردة فى الفتن (١٨) من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٥ إلى
عبد بن حميد وابن مردويه .
(٢ - ٢) فى ص، ت١: ((وبين إخوان))، وفى ت٢، ت٣: ((وبين إخواننا)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٧٢/٢ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق (ترجمة عثمان بن عفان) ص
٥٠٢ - من طريق إسماعيل بن عبد الله بن الحارث عن ابن عون به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٥
إلی عبد بن حميد .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٩/٧ .

٢٠٣
سورة الزمر : الآيات ٣٠ - ٣٢
حتى يؤخذَ لكلِّ (من كلِّ منكم) ممن لصاحبِهِ قِبَلَه حَقٌّ - حقُّه .
وإنما قلنا هذا القولَ أُولى بالصوابٍ ؛ لأن اللَّهَ عمَّ بقولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ
الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ خطابَ جميعِ عبادِه، فلم يَخْصُصْ بذلك منهم
بعضًا دونَ بعضٍ ، فذلك على عمومِه على ما عَمَّه اللَّهُ به ، وقد تنزلُ الآيَةُ فى معنًى ،
ثم يكونُ داخلًا فى حكمها كلُّ ما كان فى حكمٍ(٢) معنى ما(٢) نزلَت به .
وقولُه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ؟
يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن مِن خلقِ اللَّهِ أعظمُ فِرِيةً ممن كذب على اللَّهِ، فادَّعَى أن له
ولدًا وصاحبةٌ، أو أنه حرَّم ما لم يُحَرِّمْه مِن المطاعم، ﴿ وَكَّذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ
جَآءَهٌ﴾ يقولُ: وكذَّب بكتابِ اللَّهِ إذ أنزله على محمدٍ ، وابتَعَته اللَّهُ به رسولًا ،
وأنكر قولَ لا إلهَ إلا اللَّهُ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ
إِذْ جَآءَهُ﴾. أى: بالقرآنِ(٤).
وقولُه: ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَافِرِينَ﴾. يقول تبارك وتعالى : أليس
فى النارِ مأوى ومسكنٌ لَن كفَر باللَّهِ، وامتنع مِن تَصْديقِ محمدٍ عَلَه، واتِباعِه على
(١ - ١) فى م، ت١: ((منكم))، وفى ت٢: ((منكم من كل))، وفى ت٣: ((منكم من كل لما)).
(٢) سقط من: ص، م، ت٢ ، ت٣ .
(٣) فى ت٢، ت٣: ((بما)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم .

٢٠٤
سورة الزمر : الآيات ٣٢ - ٣٤
ما يَدْعوه إليه، مما أتاه به مِن عندِ اللَّهِ مِن التوحيدِ ، وحكم القرآنِ .
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بٌِّ أُوْلَكَ هُمُ
٣/٢٤
٣٤
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
٣٣
اُلْمُتَّقُونَ
اختلف أهلُ التأويلِ فى الذى جاء بالصدقِ وصدَّق به، وما ذلك؟ فقال
بعضُهم: الذى جاء بالصدقِ رسولُ اللَّهِ يَ زِلَهِ. قالوا: والصدقُ الذى جاء به: لا إِلهَ
إِلا اللَّهُ، والذى صدَّق به أيضًا، هو رسولُ اللَّهِ عَهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾. يقولُ: مَن جاء بـ((لا إلهَ إلا اللَّهُ))، ﴿وَصَدَقَ
بٌِ﴾. يعنى رسولَه(١).
وقال آخرون : الذى جاء بالصدقِ رسولُ اللَّهِ عَلّهِ ، والذى صدَّق به أبو بكرٍ
رضِى اللهُ عنه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أحمدُ بنُ منصورٍ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُصعبٍ (٢) المَرْوَزِىُّ، قال : ثنا
عمرُ بنُ إبراهيمَ بنِ خالدٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، [٧٢٨/٢و] عن أَسِيدِ بنِ صفوانَ،
عن(٢) علىّ رضِى اللَّهُ عنه فى قوله: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾. قال: محمدٌ عَلَّهِ،
(١) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٢٠٦) من طريق أبى صالح به مطولا ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٨/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم ، وابن مردويه.
(٢) فى م: ((مصعد)). وينظر تهذيب الكمال ٤٩١/١، والثقات ٣٧/٨، ولسان الميزان ٣١١/١.
(٣) فى م، ت٢: ((على)).

٢٠٥
سورة الزمر : الآيتان ٣٣ ، ٣٤
﴿ وَصَدَّقَ بِّهٌ﴾. قال: أبو بكرِ رضِى اللَّهُ عنه (١).
وقال آخرون: الذى جاء بالصدقِ: رسولُ اللَّهِ مََّهِ، والصدقُ القرآنُ،
والمُصَدِّقون به المؤمنون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَّذِى جَآءَ
بِالصِّدْقِ﴾. قال: هذا رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ جاء بالقرآنِ، وصدَّق به المؤمنون(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَالَّذِى
جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾: رسولُ اللّهِ عَه، وصدَّق به المسلمون(٣) .
وقال آخرون : الذى جاء بالصدقِ جبريلُ ، والصدقُ : القرآنُ الذى جاء به مِن
عندِ اللَّهِ، وصدَّق به رسولُ اللَّهِ عَهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه:
وَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّفَ بِهٌ﴾: محمدٌ عٍَّ (٤).
وقال آخرون : الذى جاء بالصدقِ المؤمنون ، والصدقُ القرآنُ، وهم المُصدِّقون
به .
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٤٤٠/٣٠ من طريق أحمد بن منصور به، وفى ٤٣٨/٣٠ من طريق
عمر بن إبراهيم به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى الباوردى فى معرفة الصحابة .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٧٢/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى عبد بن
حميد وابن أبى حاتم .
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٥٦/١٥، وابن كثير فى تفسيره ٩٠/٧ .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى المصنف ، وابن أبى حاتم .

٢٠٦
سورة الزمر: الآيتان ٣٣ ، ٣٤
٤/٢٤
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ وَالَّذِى
جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌ﴾. قال : الذين يَجيئون بالقرآنِ يومَ القيامةِ ، فيقولون :
هذا الذى أعطيتُمونا، فاتَّبَعْنا ما فيه(١) .
قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ ﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهٌِّ﴾. قال: هم أهلُ القرآنِ ، يجيئُون به يومَ القيامةِ يقولون : هذا الذى
أعطيتُمونا ، فاتَّبَعْنا ما فيه .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكره عنَى بقولِه :
وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بٌِّ﴾. كلَّ مَن دَعا إلى توحيدِ اللَّهِ،
وتصديقٍ رسولِه، والعملِ بما ابتُعِث به رسولُهُ مَّه؛ مِن بين رسولٍ(٢) اللَّهِ
وأتباعِه والمؤمنين به، وأن يقالَ : الصدقُ هو القرآنُ، وشهادةُ أن لا إلهَ إلا
اللَّهُ، والمُصَدِّقُ به المؤمنون بالقرآنِ، مِن جميع خلقِ اللَّهِ كائنًا مَن كان
مِن نبيّ اللَّهِ وأتباعِه .
وإنما قلنا ذلك أَولى بالصوابِ؛ لأن قولَه تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهٌ﴾ عَقِيبَ قولِه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ
إِذْ جَآءَهٌ﴾، وذلك ذٌّ مِن اللَّهِ المُفْتَرِین علیه، المُكذّبین بتنزيله ووخیه، الجاحدِین
وحدانيته، فالواجبُ أن يكونَ عقيبَ ذلك مدخُ مَن كان بخلافٍ صفةٍ هؤلاء
(١) أخرجه ابن الضريس فى فضائل القرآن (١٠٤) من طريق جريربه، وابن المبارك فى الزهد (٨٠٥)، وابن عيينة
فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٩٨/٤ - وعبد الرزاق فى تفسيره ١٧٣/٢، وأبو نعيم فى الحلية ٢٨١/٣
من طريق منصور به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ت٢، ت٣: ((رسل)).

٢٠٧
سورة الزمر: الآيتان ٣٣ ، ٣٤
المذْمومِين، وهم الذين دَعَوهم إلى توحيدِ اللَّهِ، ووصَفه بالصفةِ التى هو بها ،
وتصديقهم بتنزيلِ اللَّهِ ووَحْيِهِ ، والذين هم كانوا كذلك يومَ نزلَت هذه الآيةُ؛
رسولُ اللَّهِ عَلِ وأصحابُه ومَن بعدَهم، القائمون فى كلِّ عصرٍ وزمانٍ بالدعاءِ إلى
توحيدِ اللَّهِ ، وحكم كتابِه؛ لأن اللَّه تعالى ذكره، لم يَخُصَّ وصفَه بهذه الصفة التى
فى هذه الآيةِ، على أشخاص بعينهم (١) ، ولا على أهلِ زمانٍ دونَ غيرِهم، وإنما
وصفهم بصفةٍ ، ثم مدحهم بها ، وهى المجىء بالصدقِ والتصديق به ، فكلِّ مَن كان
ذلك وصفَه، فهو داخلٌ فى جملةِ هذه الآيةِ ، إذا كان مِن بنى آدمَ .
ومن الدليل على صحة ما قلنا، أن ذلك كذلك فى قراءةِ ابنٍ مسعودٍ :
(وَالَّذِى(٢) جاءُوا بالصِّدْقِ وصدَّقُوا به)(٢)، فقد بُيِّن ذلك مِن قراءته، أن ((الذى))
مِن قوله: ﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ لم يُعْنَ بها واحدٌ بعينِهِ، وأنه مرادٌ بها جِمائٌ،
ذلك صفتُهم، ولكنها أُخرجت بلفظِ الواحدِ، إذ لم تَكُنْ موقَّةٌ(٤) ، وقد زعم بعضُ
أهلِ العربيةِ مِن البصريِّين، أن ((الذى)) فى هذا الموضع، جُعِل فى معنى جماعةٍ ،
بمنزلةٍ ((مَن))، ومما يؤيدُ ما قلنا أيضًا قولُه: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُثَّقُونَ﴾ فَجُعِل الخبرُ
عن ((الذى)) جماعًا؛ لأنها فى معنى جماع، وأما الذين قالوا: عُنِى بقولِه:
﴿ وَصَدَّقَ بٌِّ﴾. غيرُ ((الذى جاء بالصدقِ))، فقولٌ بعيدٌ مِن المفهوم ؛ لأن ذلك
لو كان كما قالوا ، لكان التنزيلُ: والذى جاء بالصدقِ، والذى صدَّق به ، أولئك
هم المُتَّقُون ، فكانت تكونُ ((الذى)) مكررةً مع التصديقٍ، ليكونَ المصدَّقُ غيرَ
(١) فى ص، م، ت١: ((بأعيانهم)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٣: (( والذين)).
(٣) ينظر البحر المحيط ٤٢٨/٧، وقد ورد القراءة فى مختصر الشواذ ص ١٣٢: ((والذى جاء))، وفى البغوى
١٢٠/٧: ((والذين جاءوا)).
(٤) أى محددة . ينظر تاج العروس (وق ت) .
.

٢٠٨
سورة الزمر: الآيتان ٣٤ ، ٣٥
المصدِّقِ ، فأما إذا لم يُكَرَّرْ، فإن المفهومَ مِن الكلام ، أن التصديقَ مِن صفةِ الذى جاء
بالصدقِ لا وجه للكلام غيرُ ذلك(١).
[٧٢٨/٢ظ] وإذا كان ذلك كذلك، وكانت ((الذى)) فى معنى الجماع، بما قد
بَيَّنًّا، كان الصوابُ مِن القولِ فى تأويلِه ما بَيْنَّا .
٥/٢٤
/ وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُثَّقُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: هؤلاء الذين هذه
صفتُهم، هم الذين اتَّقَوا اللَّهَ، بتوحيدِه والبراءةِ مِن الأوثانِ والأندادِ ، وأداءِ فرائضِه،
واجتنابٍ معاصِیه ، فخافوا عقابه .
كما حدَّثنى علىٍّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنٍ
عباسٍ: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾. يقولُ: اتَّقَوا الشركَ(٢).
وقولُه: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ مِنْدَ رَبِهِمَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لهم عندَ ربِّهم
يومَ القيامةِ، ما تَشْتَهِيه أنفسُهم، وتَلَذُّه أعينُهم، ﴿ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ
تعالى ذكره : هذا الذى لهم عندَ ربِّهم ، جزاءُ مَن أحسنَ فى الدنيا ، فأطاعَ اللَّهَ فيها ،
واْتَمَر لأمرٍه ، وانتَهى عما نَهاه فيها عنه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٣٥
يقولُ تعالى ذكره : وجَزَى هؤلاء المحسنين ربُّهم بإحسانِهم، کی يكفِّرَ عنهم
أسوأَ الذى عمِلوا فى الدنيا مِن الأعمالِ ، فيما بينهم وبينَ ربِّهم ، بما كان منهم فيها
مِن توبةٍ، وإنابةٍ مما اجتَرَحوا مِن السيئاتِ فيها: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُ﴾. يقولُ:
(١) ينظر معانى القرآن ٤١٩/٢، والبحر المحيط ٤٢٨/٧.
(٢) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٢٠٦) من طريق أبى صالح به، وتقدم أوله فى ص ٢٠٤ ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .

٢٠٩
سورة الزمر : الآيات ٣٥ - ٣٧
ويُثِيبُهم ثوابَهم، ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فى الدنيا مما يُوْضِى اللَّهَ
عنهم، دونَ أسوئِها .
كما حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّفَ بِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ﴾: ألهم (١) ذنوبٌ ؟ أى
ربِّ نَعَمْ: ﴿لَهُمْ﴾ فيها ﴿مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
٣٤
لِيُكَفِرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَخْرَهُ بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾. وقَرَأ: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ حتى بلَغ:
وَمَغْفِرَةٌ﴾ [الأنفال: ٢- ٤]؛ لئلا يَيْأْسَ مَن لهم الذنوبُ ألّا يكونوا منهم،
﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وقَرَأ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى آخرٍ
الآية .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٍ وَيُحَوْفُونَكَ بِالَّذِينَ
وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَا لَهُ مِن مُضِلٍ
٣٦
مِن دُونِهِ، وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
(٣٧
أَلَيَّسَ اَللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى أَنْشِقَامٍ
اختلفَت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ أَلَيَسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ
قرأةٍ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: (أليس اللهُ بكافٍ عبادَه) على الجماع (١ ، بمعنى: أليس
اللَّهُ بكافٍ محمدًا وأنبياءَه مِن قبلِه ما خوَّفَتْهم أممهم، مِن أن تنالَهم آلهتُهم بسُوءٍ .
وقرّأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿بِكَافٍ
عَبْدَهُ﴾. على التوحيدِ ، بمعنى: أليس اللَّهُ بكافٍ عبده محمدًا .
(١) فى م: ((أى ولهم)) .
(٢) هى قراءة أبى جعفر وحمزة والكسائى وخلف. ينظر النشر ٢٧١/٢.
( تفسير الطبرى ١٤/٢٠ )

٢١٠
سورة الزمر : الآيتان ٣٦، ٣٧
/والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قِراءتان مَشْهورتان فى قرأةِ الأمصارِ ،
فبأيَّتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ ؛ لصحةٍ معنيَيهما، واستفاضةِ القراءةِ بهما فى قرأةٍ
الأمصارِ .
٦/٢٤
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ
بِكَافٍ عَبْدَةٍ﴾. يقولُ: محمدًا عَلَّه (١).
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ أَلَيْسَ
اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ﴾. قال: بلى، واللَّهِ لِيَكْفِيَنَّه اللَّهُ، ويُعِزُّه وينصُرُه كما وعَدهُ(١).
وقولُه: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِلَّذِينَ مِن دُونِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه
محمدٍ عَلَه: ويُخوِّفُك هؤلاء المشركون يا محمدُ ، بالذين مِن دونِ اللَّهِ مِن الأوثانِ
والآلهةِ، أن تُصِيبَك بسُوءٍ، ببراءتِك منها، وعيبِك لها ، واللَّهُ كافِيك ذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ
مِن دُونِهِ،﴾: الآلهةِ، قال: بعث رسولُ اللَّهِ مَهِ خالدَ بنَ الوليدِ إلى شِعبٍ
بشقَامِ " ليكسِرَ العُزَّى، فقال سادِنُها(٤)، وهو قَيِّمُها: يا خالدُ، إنى أَحَذِّرُكَها ، إن لها
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٨/٩.
(٣) سقام: واد بالحجاز. معجم ما استعجم ٧٤١/٣.
(٤) فى ت٢: ((ساداتها))، وفى ت٣: ((ساديها)).

٢١١
سورة الزمر : الآيتان ٣٧، ٣٨
شدّةً لا يقومُ إليها شىءٌ. فمشَى إليها خالدٌ بالفأسِ، فَهَشَّم أنفَها (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّئِ: ﴿ وَيُخَوِفُونَكَ
بِلَّذِينَ مِن دُونِ،﴾. يقولُ: بآلهتهم التى كانوا يعبدون(٢).
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال [ ٧٢٩/٢و] ابنُ زيدٍ فی قولِه :
﴿ وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾. قال: يُخوّفونك بآلهتهم التى مِن دونِه (١) .
وقولُه: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن
يَخْذُلْه اللَّهُ، فيُضِلَّه عن طريقِ الحقِّ وسبيلِ الرشدِ، فما له سِواه مِن مُرشدٍ ومُسَدِّدٍ إلى
طريقِ الحقِّ ، ومُوَفِّقٍ للإِيمانِ باللّهِ، وتصديقِ رسولِه، والعملِ بطاعتِه، ﴿ وَمَن يَهْدِ
اللَّهُ هَا لَهُ مِن مُضِلٍ﴾. ( يقولُ: ومَن يوفِّقْه اللَّهُ للإيمانِ به والعملِ بكتابِهِ، ﴿فَا لَهُ
مِن ◌ُضِلٍ﴾ ٢. يقولُ: فما له مِن مُزِيغ تُزِيغُه عن الحقِّ الذى هو عليه إلى الارتدادِ إلى
الكفرِ، ﴿ أَيْسَ اَللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى أَنِقَاءٍ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: أليس اللَّهُ يا محمدُ
بعزيزِ فى انتقامِهِ مِن كَفَرةِ خلقِه، ذى انتقامِ مِن أعدائِه، الجاحدِين وحدانيته .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرََّيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ / اُللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ ٧/٢٤
كَشِفَتُ ضُرٍِِّ أَوْ أَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُنْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اَللَّهُ عَلَيْهِ
يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَيُّونَ
.
٣٨
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَّهِ: ولئِن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المشركين،
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٣/٢ عن معمر عن قتادة بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٢٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٨/٩.
(٣ - ٣) سقط من: ت٢، ت٣ .

٢١٢
سورة الزمر : الآية ٣٨
العادلين باللَّهِ الأوثانَ والأصنامَ: مَن خلق السمواتِ والأرضَ؟ ليقولُنَّ: الذى
خلَقهنَّ اللَّهُ . فإذا قالوا ذلك ، فَقُلْ : أفرأيتُم أيُّها القومُ ، هذا الذى تعبدون مِن دونِ اللَّهِ
مِن الأصنامِ والآلهةِ، ﴿إِنْ أَرَادَبِيَ اللَّهُ بِضُرٍ﴾. يقولُ: بشدةٍ فى مَعِيشتى ، هل هنَّ
كاشفاتٌ عنِّى ما يُصِيبُنى به ربِّى مِن الضُّرِّ؟ ﴿ أَوْ أَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ﴾﴾. يقولُ: إن
أرادَنى ربِّى أَن يُصِيبَنى سَعَةٌ فى معيشتى، وكثرةُ مالى، ورخاء وعافيةٌ فى بَدَنى ، هل
هنَّ ممسكاتٌ عِّى ما أرادَ أن يُصِيبَنى به مِن تلك الرحمةِ؟ وترِك الجوابُ لاستغناءٍ
السامعِ بمعرفةِ ذلك، ودلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليه . والمعنى: فإنهم سيقولون: لا .
فقل: حسيِىَ اللهُ ممَّا سواه من الأشياءِ كلِّها، إِيَّاه أعبُدُ ، وإليه أفزَيُ فى أمورى، دونَ
كلِّ شيءٍ سِواه ، فإنه الكافى ، وبيدِه الضُّرُ والنفعُ، لا إلى الأصنام والأوثانِ التى لا
تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَّلُونَ﴾. يقولُ: على اللَّهِ يتوكلُ مَن هو
متوكلٌ، وبه فليَثِقْ لا بغيرِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
:
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم
مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ حتى بلَغ: ﴿كَشِفَتُ ضُرِّوَةٍ﴾.
يعنى الأصنامَ، ﴿أَوْ أَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ،﴾(١).
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ: ﴿كَشِفَتُ ضُرٍِّ﴾ و: ﴿ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهٍ﴾؛
("فقرأه بعضُهم٢) بالإضافةِ، وخفضِ الضُّرِّ والرحمةِ(١) . وقرَأَه بعضُ قرأةِ المدينةِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) هى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. التيسير ص١٥٤.

٢١٣
سورة الزمر : الايات ٣٨ - ٤٠
وعامةُ قرأةِ البصرةِ بالتنوينٍ، ونصبِ الضُّرِّ والرحمةِ (١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندنا أنهما قِراءتان مَشْهورتان، مُتقاربتا المعنى ،
فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وهو نظيرُ قولِه: ﴿مُومِنُ كَيْدِ اَلْكَفِرِينَ﴾
[ الأنفال: ١٨]. فى حالِ الإضافةِ والتنوينِ".
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِنِّىِ عَمِلُ
مَن يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْزِيِهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمُ
٣٩
فَسَوْفَ تَعْلَمُونٌ (
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَه: قُلْ يا محمدُ لُشْركى قومِك، الذين
أَتَّخَذوا الأوثانَ والأصنامَ آلهة يعبدونها مِن دونِ اللَّهِ : اعملوا أيُّها القومُ علی تمكَّنِکم
مِن العملِ الذى تعمَلون ومنازلكم .
كما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثناعيسى ، وحدّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. قال: على / ناحيتِكم(٤).
٨/٢٤
﴿إِنِّ عَمِلٌ﴾ كذلك على تُؤَدَةٍ ، على عملٍ مَن سلَف مِن أنبياءِ اللَّهِ قبلى ،
فَسَوْفَ تَعْلَمُونٌ﴾ إذا جاءكم بأسُ اللَّهِ، مَن المحِقُّ مِنَّا مِن المُتْطِلِ، والرشيدُ مِن
الغَوِىِّ .
وقولُه: ﴿مَن يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْزِيِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَنْ يأْتِيه
عَذابٌ يُخْزِيه ما أتاه مِن ذلك العذابِ ، يعنى يُذِلُّه ويُهِينُه، ﴿ وَيَحِلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ
(١) هى قراءة أبى عمرو . ينظر التيسير ص١٥٤.
(٢) سقط من : النسخ . والمثبت من معانى القرآن .
(٣) ينظر معانى القرآن ٤٢٠/٢.
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٧٩ .

٢١٤
سورة الزمر : الآيتان ٤٠، ٤١
◌ُقِيمُ﴾ . يقولُ: ويَنْزِلُ عليه عذابٌ دائمٌ لا يُغارِقُه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِنَبَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنٍ
٤١
اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبِّه محمدٍ عَلَّهِ: إنا أنزلنا عليك يا محمدُ الكتابَ تِئْيانًا
للناسِ بالحقِّ، ﴿فَمَنِ أَهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فمَن عمِل بما فى الكتاب
الذى أنزلناه إليك واتَّبَعه، ﴿فَلِنَفْسِهٌِ﴾، يقولُ: فإنما عمِل بذلك لنفسِه، وإياها
بغَى الخيرَ لا غيرَها؛ لأنه أكسبها [٧٢٩/٢ظ] رضا اللَّهِ والفوزَ بالجنةِ، والنجاةَ مِن
النارِ، ﴿ وَمَن ضَلَّ﴾. يقولُ: ومَن جار عن الكتابِ الذى أنزلناه إليك ، والبيانِ
الذى بَناه لك، فضَلَّ عن قصدِ المَحَجَّةِ (١) ، وزال عن سَواءِ السبيلِ، فإنما يجورُ
على نفسِه ، وإليها يسوقُ العَطَبَ والهلاكَ؛ لأنه يُكْسِبُها سَخَطَ اللَّهِ، وأليمَ عقابِهِ،
والخِزْىَ الدائمَ، ﴿ وَمَّآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ . يقول تعالى ذكره: وما أنت يا
محمدُ على مَن أرسلتُك إليه مِن الناسِ ، برقيبٍ تَرقُبُ أعمالَهم، وتحفَظُ عليهم(٢)
أفعالَهم، إنما أنت رسولٌ، وإنما عليك البلاُ، وعلينا الحسابُ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَآ أَنْتَ
عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾. أى: بحفيظٍ (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ فى قولِه: ﴿ وَمَآ
أَنْتَ عَلَهِم بِوَكِيلٍ﴾ قال: بحفيظٍ(٤) .
(١) فى ت٢، ت٣: ((الحجة)).
(٢) فى ت٢، ت٣: ((إليهم)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٩٣/٦ من طريق أحمد بن المفضل به .

٢١٥
سورة الزمر : الآية ٤٢
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِىِ لَمْ تَمُتْ
فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأَخْرَىّ إِلَى أَجَلِ تُسَمَّىَّ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
(٤٢
يقولُ تعالى ذكره : ومِن الدلالةِ على أن الألوهةَ للَّهِ الواحدِ القهارِ خالصةٌ،
دونَ كلِّ ما سِواه - أنه يُمِيتُ ويُحْيِى ، ويفعَلُ ما يشاءُ، ولا يقدِرُ على شىءٍ من
ذلك١) سواه. فجعَل ذلك خبرًا يُنَّهُهم به على عظيم قُدْرتِه، فقال: ﴿ اَللَّهُ يَتَوَفَّى
اُلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ فَيَقْبِضُها عندَ فناءِ أجلِها ، وانقضاءٍ مدةٍ حياتِها ، ويَتَوَّی
أيضًا التى لم تُمُتْ فى منامِها ، كما التى ماتَت عندَ مماتِها ، ﴿ فَيُمْسِكُ الَِّى قَضَى
عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾. ذُكر أن / أرواحَ الأحياء والأمواتِ تلتقى فى المنام، فيتعارفُ ما ٩/٢٤
شاء اللَّهُ منها ، فإذا أراد جميعُها الرجوعَ إلى أجسادِها، أمسَك اللَّهُ أرواحَ الأمواتِ
عندَه وحبَسها ، وأرسَل أرواحَ الأحياءِ حتى ترجِعَ إلى أجسادِها ، إلى أجلٍ مسمَّى،
وذلك إلى انقضاء مدةٍ حياتِها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ ، عن جعفرٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ فى قوله :
﴿ اَللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية. قال: يَجمعُ بينَ أرواح الأحياءِ
وأرواح الأمواتِ ، فيتعارفُ منها ما شاء اللَّهُ أن يتعارفَ، فيُمسِكُ التى قضَى عليها
الموتَ ، ويُرسِلُ الأخرى إلى أجسادِها(٢).
(١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢: (( ذلك شىء)).
(٢) أخرجه بقى بن مخلد - كما فى التمهيد ٢٤١/٥ - وأبو الشيخ فى العظمة (٤٣١) من طريق يعقوب به.

٢١٦
سورة الزمر : الآيات ٤٢ - ٤٤
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ فى قولِه: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾. قال: تُقْبَضُ الأرواحُ عندَ
نيامِ النائمِ، فَيَقبِضُ روحَه فى منامِه، فيَلقَى الأرواحُ بعضُها بعضًا؛ أرواح الموتى
وأروائح النيام، فتَلتقِى فتَساءَلُ. قال: فَيُخلَّى عن أرواح الأحياءِ، فترجعُ إلى
أجسادِها، وتريدُ الأخرى أن ترجِعَ، فيَحبِسُ التى قضَى عليها الموتَ، ﴿وَيُرْسِلُ
الْأُخْرَىَ إِلَ أَجَلٍ مُسَمَّىَّ﴾. قال: إلى بقيةِ آجالِها(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿اللَّهُ
يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً﴾. قال: فالنومُ وفاةٌ ،
﴿ فَيُمْسِكُ اَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىَ﴾ التى لم يَقبِضْها، ﴿إِلَى
أَجَلٍ تُسَمَّىَّ﴾ (١).
وقولُه: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن
فی قبضِ اللَّهِ نفسَ النائم والميتِ ، وإرسالِه بعدُ نفسَ هذا ترجعُ إلی جسمِها ، وحبسِه
لغيرِها عن جسمِها - لعبرةٌ وعظةً لمن تفكّر وتدبّر، وبيانًا له أن اللَّهَ يُحيى مَن يشاءُ من
خلقِه إذا شاء، ويُمِيتُ مَن شاء إذا شاءٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمِ أُمَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ
قُل لِلّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًاً لَّهُ مُلْكُ
كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ
٤٤
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرَجَعُونَ
يقولُ تعالى ذكره: أَتَّخَذ هؤلاء المشركون باللّهِ مِن دونه آلهتهم التى يعبدونها
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٢/٩، وذكر آخره ابن كثير فى تفسيره ٩٣/٧.
(٢) تفسير القرطبى ٢٦١/١٥.

٢١٧
سورة الزمر : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
شفعاءَ تشفعُ لهم عندَ اللَّهِ فى حاجاتِهم ؟!
وقولُه: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّ اله: قل يا محمدُ لهم: أتتخذون هذه الآلهةَ شفعاءَ كما
تزعُمون ، ولو كانوا لا يملِكُون لكم نفعًا ولا ضرًا ولا يعقِلون شيئا؟! قل لهم: إن
تكونوا تعبُدونها لذلك، وتشفَعُ لكم عندَ اللَّهِ ، فأخلِصوا عبادتكم للَّهِ، وأفردوه
بالألوهةِ ؛ فإن الشفاعةً جميعًا له، لا يشفَعُ عندَه إلا مَن أذِن له، ورضِى له / قولًا، ١٠/٢٤
وأنتم متى أخلَصتم له العبادةَ فدَعوتموه، شفَّعَكم. [٥٧٣٠/٢] ﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ﴾. يقولُ: للَّهِ سلطانُ السماواتِ والأرضِ ومُلكُها، وما تعبُدون أيُّها
المشرِكون من دونِهِ مِلْكٌ له . يقولُ: فاعبدوا المَلِكَ لا المملوكَ الذى لا يملِكُ شيئًا ،
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرَجَعُونَ﴾. يقولُ: ثم إلى اللَّهِ مصيركم، وهو معاقِئُكم على
إشراکِکم به إن مُتُم علی شرککم .
ومعنى الكلام: للَّهِ الشفاعةُ جميعًا، له مُلكُ السماواتِ والأرضِ، فاعتدوا
المالكَ الذى له مُلكُ السماواتِ والأرضِ ، الذى يقدِرُ على نفعِكم فى الدنيا ، وعلى
ضرِّكم فيها، وعندَ مَرجعِكم إليه بعدَ مماتِكم ، فإنكم إليه تُرجَعون .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ
اللَّهِ شُفَعَاءٌ﴾: الآلهةَ، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾: الشفاعةَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(١) تفسير عبد الرزاق ١٧٤/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٩/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢١٨
سورة الزمر : الآيتان ٤٤، ٤٥
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿قُل لِلّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا﴾. قال: لا يشفعُ عندَه أحدٌ إلا بإذنه(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا
٤٥
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وإذا أُفْرِدِ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بالذكرِ، فدُعِى وحده، وقيل:
لا إلهَ إلا اللَّهُ. اشمَأَرَّت قلوبُ الذين لا يؤمنون بالمعادِ والبعثِ بعدَ المماتِ . وعُنِى
بقولِه: ﴿ أَشْمَأَزَّتْ﴾: نفَرَت من توحيدِ اللَّهِ، ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾﴾ .
يقولُ: وإذا ذُكِر الآلهةُ التى يدْعُونها من دونِ اللَّهِ مع اللَّهِ، فقيل: تلك الغرانيقُ
العُلَى، وإن شفاعتَها لتُوْتَجَى(١) - إذا الذين لا يؤمنون بالآخرة، يستبشِرون بذلك
ويفرحون .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذَا
ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِّ﴾. أى: كَفَرَت(٢)
قلوبُهم واستكبرت، ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ﴾﴾: الآلهةُ، ﴿إِذَا هُمْ
يَسْتَبْشِرُونَ﴾(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٧٩، ومن طريقه البيهقى فى البعث والنشور (٣)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٢٩/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) فى ت١، ت٢، ت٣: ((لترجى)).
(٣) فى م: (( نفرت)). والمثبت موافق لما فى مصدرى التخريج.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٤/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٠/٥ إلى
عبد بن حميد .

٢١٩
سورة الزمر : الآيتان ٤٥ ، ٤٦
قولَه: ﴿أَشْمَأَزَّتْ﴾. قال: انقبَضت. قال: وذلك يومَ قرَأَ عليهم ((النجم))،
عندَ بابِ الكعبةِ ().
/حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ١١/٢٤
﴿ أَشْمَأَزَّتْ﴾. قال: نفَرَت، ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اُلَّذِينَ مِن دُونِ»﴾: أوثانُهم(٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرَضِ عَلِمَ
الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَّحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِىِ مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٤٦
يقولُ تعالى ذكرُه لنبِّه محمدٍ سَّهِ: قلْ يا محمدُ: اللهمَّ ١ خالق السماواتِ
والأرضِ ﴿عَلِمَ اٌلْغَيْبِ﴾، الذى لا تراه الأبصارُ، ولا تُحِشُّه العيونُ،
﴿ وَالشَّهَدَةِ﴾: الذى تشهَدُه أبصارُ خلقِه، وتراه أعينُهم، ﴿ أَنْتَ تَحْكُ بَيْنَ
عِبَادِكَ ﴾ فتفصِلُ بينهم بالحقِّ یوم تجمعهم لفصلِ القضاءِ بینھم فیما كانُوا فيه فى
الدنيا يختلفون من القولِ فيك وفى عظمتك وسلطانِك ، وغير ذلك من اختلافِهم
بينَهم، فتقضِى يومَئذٍ بينَنا وبينَ هؤلاء المشركين، الذين إذا ذُكِرْتَ وحدَك
اشمأزَّت قلوبُهم ، وإذا ذُكِر مَن دونَك استبشروا - بالحقِّ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه:
﴿ فَاطِرَ﴾. قال: خالقَ(٤). وفى قولِه: ﴿عَلِمَ اُلْغَيْبِ﴾. قال: ما غاب عن
(١) تفسير مجاهد ص ٥٧٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٩/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٣/٧ .
(٣) فى النسخ: ((الله)). والمثبت هو الصواب.
(٤) تقدم تخريجه فى ١٧٦/٩ .

٢٢٠
سورة الزمر : الآيات ٤٦ - ٤٩
العبادِ، فهو يعلمُه، ﴿ وَالشَّهَدَةِ﴾: ما عرَف العبادُ وشهِدوا، فهو يعلمُه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
وَثْلَهُ مَعَهُ لَأَفْتَدَوْ بِهِ، مِن سُوْءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ
يَحْتَسِبُونَ
٤٧١
يقولُ تعالى ذكره : ولو أن لهؤلاء المشركين باللّهِ يومَ القيامةِ، وهم الذين ظلموا
أنفسَهم، ﴿مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فى الدنيا من أموالِها وزينتِها، ﴿ وَمَثْلَهُ مَعَهُ﴾
مضاعفًا، فقُبِل ذلك منهم عوضًا من أنفسِهم، لفَدَوا بذلك كلِّه أنفسَهم ◌ِوضًا
منها ؛ لينجُوا من سوءٍ عذابِ اللَّهِ، الذى هو معذِّبُهم به يومَئذٍ، ﴿ وَبَدَا لَهُم مِّنَ
اللَّهِ ﴾. يقولُ: وظهَر لهم يومَئذٍ من أمرِ اللَّهِ وعذابِه، الذى كان أعدَّه لهم، ﴿مَا لَمْ
يَكُونُواْ﴾ قبلَ ذلك ﴿ يَحْتَسِبُونَ﴾ أنه أعدَّه لهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا
كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
٤٨
١٢/٢٤
[٧٣٠/٢ظ] / يقول تعالى ذكره: وظهَر لهؤلاءِ المشركين يومَ القيامةِ ﴿سَيِّئَاتٌ
مَا كَسَبُوا﴾ من الأعمالِ فى الدنيا، إذ أَعطُوا كتبَهم بشمائلِهم، ﴿ وَحَاقَ بِهِم
مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ووجَب عليهم حينئذٍ، فلزِمهم ، عذابُ اللَّهِ الذى كان
نبىُّ اللَّهِ عََّلَّهِ فى الدنيا يعِدُهم على كفرِهم بربِّهم، فكانوا به يسخَرون ؛ إنكارًا أن
يصيبهم ذلك أو ينالَهم ؛ تكذيبًا منهم به ، وأحاط ذلك بهم.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنِسَنَ ضُرٌ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً
مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِتُّهُ عَلَى عِلْيِّ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٤٩
يقولُ تعالى ذكره : فإذا أصاب الإنسانَ بؤسٌ وشدَّةٌ دعانا مستغيثًا بنا من جهةٍ