Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
سورة الزمر : الآيتان ١٤، ١٥
قومِك: الله أعبدُ(١) مُفرِدًا له طاعتى وعبادتى ، لا أجعلُ له فى ذلك شريكًا ، ولكنى
أَفْرِدُه بالألوهةِ ، وأَبْرَأُ مما سِواه مِن الأندادِ والآلهةِ ، فاعبدوا أنتم أيُّها القومُ ، ما شئتم
مِن الأوثانِ والأصنامِ وغيرِ ذلك مما تعبدون مِن سائرٍ خلقِه، فستعلَمون وَبَالَ عاقبةٍ
عبادتكم ذلك إذا لقیثُم ربَّم .
وقولُه : ﴿قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ . يقول تعالى ذكره : قل يا
محمدُ لهم: إن الهالكِين الذين غَبَنوا أنفسَهم، وهلَكت بعذابِ اللهِ أهْلُوهم مع
أنفسِهم ، فلم يَكُنْ لهم إذ دخَلوا النارَ فيها أهلٌ، وقد كان لهم فى الدنيا أهلون .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ذكرُ مَن قال ذلك
٢٠٥/٢٣
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه : ﴿قُلْ إِنَّ الْخَسِنَ الَّذِينَ خَسِيرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: هم الكفارُ
الذين خلَقهم اللهُ للنارٍ وخلق النارَلهم ، فزالت عنهم الدنيا ، وحُرّمت عليهم الجنةُ ،
قال اللهُ: ﴿خَسِرَ(٢) الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ [الحج: ١١](١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ
الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: هؤلاء أهلُ النارِ، خسِروا أنفسَهم فى
الدنيا، وخسِروا الأهلين، فلم يجدوا فى النارِ أهْلًا، وقد كان لهم فى الدنيا أهلٌ .
حُدِّثتُ عن ابنٍ أبى زائدةً، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ ، قال : غُبِنوا أنفسَهم
(١) بعده فى م، ت٣: ((مخلصا))، وبعده فى ت٢: ((مخلصا له)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( خسروا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٥ إلى المصنف.
١٨٢
سورة الزمر : الآيات ١٥ - ١٨
وأَهْلِيهم. قال: يخسرون أهْلِيهم ، فلا يكونُ لهم أهلٌ يرجعون إليهم ، ويخسرون
أنفسَهم، فيَهْلِكون فى النارِ، فَيَمُوتون وهم أحياءٌ، فيخسَرونها(١) .
وقولُه: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألَّا إن خُشْرانَ
هؤلاء المشركين أنفسَهم وأهْلِيهم يومَ القيامةِ، وذلك هَلَاكُها، ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ
اُلْمُبِينُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو الهلاكُ الذى يَبِينُ(١) لمن عاينه وعلمه أنه
الخسرانُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ لَم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُظَلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن نَّحْنِهِمْ تُظَلٌ ذَلِكَ
وَالَّذِينَ أُجْتَبُواْ الَّهُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ
يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَاتَّقُونِ
لَهُمُ الْبُشْرَِّ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؟ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
١٨
هَدَئُهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
يقولُ تعالى ذكرُه : لهؤلاء الخاسرين يومَ القيامةِ فى جهنمَ ﴿مِّنِ فَوْقِهِمْ تُطَلَلٌ
مِّنَ النَّارِ ﴾؛ وذلك كهيئةِ الظُّلَلِ المبنيةِ مِن النارِ، ﴿وَمِن تَحْنِهِمْ ظَلَلٌ﴾. يقولُ:
ومن تحتِهم مِن النارِ ما يَعْلوهم، حتى يصيرَ ما يَغْلُوهم منها مِن تحتِهم ظُلَّلًا، وذلك
نظيرُ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَهُمْ مِن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشِ﴾ [الأعراف: ٤١].
يَغْشاهم مما هو تحتَهم فيها مِن المِهادِ .
وقولُه: ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِء ◌ِبَادَهُ يَعِبَادٍ فَأَتَّقُونِ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : هذا
الذى أخبرتُكم أيُّها الناسُ به ، مما للخاسرِين يومَ القيامةِ مِن العذابِ ، تخويفٌ مِن
ربِّكم لكم ؛ يخوِّفُكم به لتَخْذروه ، فتَجْتَنِبوا معاصيه ، وتُنِيبوا مِن كفرٍ كم إلى الإيمانِ
(١) فى م: ((فيخسرونهما)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٥ إلى المصنف وعبد ابن حميد وابن
المنذر .
(٢) فى ت ١: ((تبين))، وفى ت ٢، ت ٣: (( بين).
١٨٣
سورة الزمر : الآيات ١٦ - ١٨
به وتَصْدِيقِ رسولِه، واتباع أمرِهِ ونَهْيِهِ، فتَنْجُوا مِن عذابِهِ فى الآخرةِ، ﴿ فَتَّقُونِ﴾ .
يقولُ: فَاتَّقُونِ بأداءِ فَرائضى عليكم، واجتنابٍ معاصىٍّ، لتَنْجُوا مِن عذابى
وسخَطِی .
/وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَبُواْ الطَّاغُونَ﴾. أى: اجْتَنَبوا عبادةَ كلِّ ما عُبد مِن ٢٠٦/٢٣
دونِ اللهِ مِن شىءٍ . وقد بَيَّنًا معنى الطاغوتِ فيما مضى قبلُ بشواهد ذلك ، وذكرنا
اختلافَ أَهلِ التأويلِ فيه ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع(١)، وذكرنا أنه فى هذا
الموضع الشيطانُ، وهو فى هذا الموضعِ وغيرِه بمعنّى واحدٍ عندَنا .
ذكرُ مَن قال ما ذكرنا فى هذا الموضعِ
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَالَّذِينَ أُجْتَبُواْ الَّاغُوتَ ﴾. قال: الشيطانَ(٣) .
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدىِّ: ﴿ وَالَّذِينَ
اجْتَبُواْ الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. قال: الشيطانَ(٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ
اجْتَبُواْ الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. قال: الشيطانَ، هو هلهنا واحدٌ وهى جماعةٌ (٥).
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) تقدم فى ٥٥٥/٤ وما بعدها ، ١٨٩/٧ وما بعدها .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٥ إلى عبد بن حميد.
(٤) تقدم تخريجه فى ٥٥٧/٤ .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
١٨٤
سورة الزمر : الآيات ١٦ - ١٨
والطاغوتُ على قولِ ابنِ زيدٍ هذا واحدٌ مؤنثٌ، ولذلك قيل: ﴿أَنْ
يَعْبُدُوهَا﴾. وقيل: إنما أُنَّثت؛ لأنها فى معنى جماعةٍ .
وقولُه: ﴿ وَنَبُواْ إِلَى الَّهِ﴾. يقولُ: وتابوا إلى اللهِ، ورجعوا إلى الإقرارِ
بتوحيدِه، والعملِ بطاعتِه، والبراءةِ مما سِواه مِن الآلهةِ والأندادِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال [٧٢٥/٢و] أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَنَبُواْ إِلَى
اللَّهِ ﴾: وأقبَلوا إلى الله(١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُدىِّ قوله: ﴿وَأَنَبُواْ
إِلَ اللَّهِ﴾. قال : أجابُوا إليه .
وقولُه: ﴿لَمُ الْبُشْرَىَّ﴾. يقولُ: لهم البُشْرَى فى الدنيا بالجنةِ فى الآخرةِ ،
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ سَّهِ: فَبَشِّرْ
﴿فَبَشِرْ عِبَادٌ لَّـ
يا محمدُ عبادىَ الذين يَسْتَمِعون القولَ مِن القائلين، فيَتَّبِعون أرشدَه وأهْدَاه إلى
الحقِّ، وأدلَّه على توحيدِ اللهِ والعملِ بطاعته، ويتركون ما سوى ذلك مِن القولِ
الذی لا یدُلُّ علی رشادٍ ، ولا یَهْدی إلی سَدادٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
١٨٥
سورة الزمر : الآيات ١٦ - ١٨
أَحْسَنَهُ﴾: وأحسنُه طاعةُ اللهِ(١) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى قوله :
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾﴾. قال: أحسنَ ما يؤمَرون به فيعمَلون به(٢).
وقولُه ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: والذين يَستمعون
القولَ فيَتَبِّعون أحسنَه /، ﴿الَّذِينَ هَدَنَهُمُ اللّهُ﴾. يقولُ: وفَّقَهم اللهُ للرشادِ وإصابةٍ ٢٠٧/٢٣
الصوابِ ، لا الذين يُعْرِضون عن سماعِ الحقِّ، ويعبدون ما لا يضُرُّ ولا ينفعُ .
وقولُه: ﴿ وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ﴾. يعنى: أولو العقولِ والحِجا.
وذكر أن هذه الآيةَ نزلَت فى رَهْطِ معروفين وخَّدوا اللهَ ، وبَرِئوا مِن عبادةِ كلِّ
ما دونَ اللهِ ، قبلَ أن يُتْعَثَ نبىُ اللهِ ، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ على نبيِّه يمدحُهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ
اجْتَبُواْ الطَّغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ الآيتين، حدَّثنى أبى أن هاتين الآيتين نزلتا فى ثلاثة نفرٍ
كانوا فى الجاهليةِ يقولون لا إلهَ إلا اللهُ ؛ زيدِ بنِ عمرٍو، وأبى ذرِّ الغِفارىِّ، وسلمانَ
الفارسىِّ، نزَل فيهم: ﴿ وَالَّذِينَ أَجْتَبُواْ الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ فى جاهليتهم،
﴿ وَأَبُوْاْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَّ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ﴾؛ لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ بغيرِ كتابٍ ولا نبيِّ ،
وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ١١٣/٧.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
١٨٦
سورة الزمر : الآيتان ١٩، ٢٠
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنُقِذُ مَنْ فِى
النَّارِ شَـ
) لَكِنِ الَّذِينَ آَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّيْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرِّ
٢٠٦
وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ الْمِيعَادَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: أفمَن وجَبَت
عليه كلمةُ العذابِ فی سابقِ علمٍ ربِّك يا محمدُ بكفرِه به .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ
عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ : بِكُفْرِهِ.
وقولُه : ﴿ أَفَنَتَ تُنْقِذُ مَن فِ النَّارِ﴾ . يقول تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ ټٹٍّ:
أفأنت تنقذُّ يا محمدُ مَن هو فى النارِ ؛ مَن حقَّ عليه كلمةُ العذابِ ، فأنت تُنقِذُه .
فاستُغنِى بقولِه: ﴿ تُنقِذُ مَن فِ النَّارِ﴾ عن هذا .
وكان بعضُ نحوبّى الكوفةِ يقولُ: هذا مما يرادُ به استفهامٌ واحدٌ ، فَيَسْبِقُ
الاستفهامَ إلى غيرِ موضعِه، فيُرَدُّ الاستفهامُ إلى موضعِه الذى هو له. وإنما المعنى،
واللهُ أعلمُ ، أفأنت تنقذُ مَن فى النارِ؛ مَن حقَّتْ عليه كلمةُ العذابِ . قال : ومثلُه مِن
غيرِ الاستفهامِ: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾
[المؤمنون: ٣٥] فَرَدَّد ﴿أَنَّكُمْ﴾ مرَّتين. والمعنى، واللهُ أعلمُ، أيعِدُكم أنكم مُخرَجون
إذا مِتُمْ ، ومثلُه قولُه: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ
يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨].
وكان بعضُهم يستخطئُّ القولَ الذى حكَيناه عن البصريِّين، ويقولُ : لا
تكونُ ﴿مَن﴾ فى قولِه ﴿أَفَنْتَ تُقِذُ مَن فِ النَّارِ﴾ كنايةً عمَّن تقدَّم، لا يقالُ:
١٨٧
سورة الزمر : الآيتان ٢٠ ، ٢١
القومُ ضربتُ مَن قام. يقولُ /: المعنى التقريرُ(١): أفأنت تُنقذُ مَن فى النارِ منهم. وإنما ٢٠٨/٢٣
معنى الكلمةِ: أفأنت تَهْدِى يا محمدُ مَن قد سبق له فى علم اللهِ أنه مِن أهلِ النارِ إلى
الإيمانِ ، فتُنْقِذَه مِن النارِ بالإِيمانِ ؟ لستَ على ذلك بقادرٍ .
وقولُه: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾ . يقولُ
تعالى ذكرُه : لكن الذين اتَّقَوا ربَّهم بأداءِ فرائضِه واجتنابٍ محارمِه، لهم فى الجنةِ
غُرِفٌ مِن فوقِها غرفٌ مبنيةٌ، عَلَاليَّ بعضُها فوقَ بعضٍ، ﴿َّجْرِى مِن تَّخِهَا
الْأَنْهٌَ﴾. يقولُ تعالى ذكره : تَجْرَى مِن تحتِ أشجارِها(٢)؛ جَنَّاتِها الأنهارُ.
وقولُه: ﴿ وَعْدَ اللهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وعَدْنا هذه الغُرَفَ التى مِن فوقِها
غرفٌ مبنيةٌ فى الجنةِ، هؤلاء المُتَّقِين، ﴿ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه:
واللهُ لا يُخلفُهم وعدَه ، ولكنه يُوفِى بوعدِه .
[٧٢٥/٢ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَلَمّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ
فَسَلَكَهُ, يَبِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تُخْتَلِفًا أَلْوَنُ، ثُمَّ يَهِيِجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًّا
٢١٦
ثُمَّ يَجْعَلُ خُطَمًاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لَه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ، ﴿ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ
مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ ﴾ وهو المطرُ، ﴿فَسَلَكَهُ يَنَبِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فأجْراه عيونا
فى الأرضِ، واحدُها يَنبويٌ، وهو ما جاشَ(١) مِن الأرضِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى النسخ: ((التجرية))، ولعله تصحيف. ينظر تفسير القرطبى ٢٤٤/١٥، ٢٤٥، والبحر المحيط ٤٢١/٧.
(٢) فى م: ((أشجار)، ولعل: ((جناتها)) بدلًا من: ((أشجارها)).
(٣) جاش الماء: تَدَفْق وجرى. الوسيط (ج ی ش).
١٨٨
سورة الزمر : الآية ٢١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال : ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ ، عن الشعبىِّ فى
قوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَبِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾. قال: كلُّ (ندّى وماءٍ) فى الأرضِ مِن
السماءِ نزَل(٢).
قال : ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ بنِ مسلم بنٍ يَنَّاقَ (١).
قال: ثم يُنبِت (٤) بذلك الماءِ الذى أُنزَله مِن السماءِ، فجعَله فى الأرضِ عُونًا -
﴿زَرْعًا تُخْتَلِفَا أَلْوَنُهُ﴾. يعنى: أنواعًا مختلفةً ؛ مِن بين حِنْطٍ وشعيرٍ وسمسٍ وأُرزٍ،
ونحو ذلك مِن الأنواعِ المختلفةِ، ﴿ثُمَّ يَهِجُ فَتَهُ مُصْفَرًّا﴾. يقولُ: ثم يَتْتَسُ
ذلك الزرعُ مِن بعدِ خُضْرتِه، يقالُ للأرضِ إِذا يَبِس ما فيها مِن الخَضِرِ وذَوَى (١) :
هاجَت الأرضُ. و: هاجَ الزرعُ.
وقولُه: ﴿فَتَرَهُ مُصْفَرًا﴾. يقولُ: فَتَراه مِن بعدِ خُضْرتِه ورطوبته قد
◌َيَس فصار أصفرَ، وكذلك الزرعُ إذا بِس اصفرّ، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُ حُطَمَا﴾،
والحُطامُ : فُتَاتُ التِّبْنِ والحشيشِ، يقولُ: ثم يجعلُ ذلك الزرعَ بعدَ ما صار يبَسَا فُتَاتًا
مُتکّرًا .
(١ - ١) فى ص: ((ند وماء))، وفى ت ١: ((بذر ماء))، وفى كتاب العظمة: (( بذر وماء))، وفی ت ٢،
ت ٣: ((بدو ماء)).
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٣٨) من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٥ إلى
الخرائطى فى مكارم الأخلاق .
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((بيان))، وينظر تهذيب الكمال ٣٢٥/٦، ولعل هنا سقطت تكملة الأثر.
(٤) فى م: ((أنبت)) .
(٥) فى ت١، ت٢، ت٣: ((ذرى))، وذرى: طار فى الهواء وتفرق. وأما: ((ذوى)): ييس وضعف. ينظر
الوسيط (ذرى، ذوى ).
١٨٩
سورة الزمر : الآيتان ٢٢،٢١
وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾. يقولُ تعالى ذكره : إن فى
فعلِ اللهِ ذلك - كالذى وصَف - لتذكرةٌ وموعظةً لأهلِ العقولِ والحِجا ، يتذكَّرون
به ، فيعلمون أن مَن فعَل ذلك فلن يَتعذَّرَ عليه إحداثُ ما شاء مِن الأشياءِ، وإنشاءُ ما
أرادَ مِن الأجسام والأغراضِ، وإحياءُ مَن هلَك مِن خلقِه مِن بعدِ مماتِه، وإعادته / مِن ٢٠٩/٢٣
بعدِ فَنَائِه كهيئتِه قبلَ فَنَائِه، كالذى فُعل بالأرضِ التى أَنزَل عليها مِن بعدِ موتِها الماءَ،
فأنْبَت بها الزرعَ المختلفَ الألوانِ بِقُدْرتِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَاِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن
رَّيِّهِ، فَوَيْلٌ لِّلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَكَ فِ ضَلَلِ مُِّينٍ
٢٢
يقولُ تعالى ذكره : أَفمَن فَسَح اللهُ قلبَه لمعرفتِهِ والإقرارِ بوحدانيتِه والإذْعانِ
الربوبيته والخضوع لطاعتِه، ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ،﴾. يقولُ: فهو على بصيرةٍ مما
هو عليه ويقينٍ؛ بتَنْويرِ الحقِّ فى قلبِه، فهو لذلك لأمرِ اللهِ مُشَبعٌ، وعما نَهاه عنه
مُنْتَهٍ، فيما يُرْضِيه - كمَن أقسَى اللهُ قلبَه وأخْلَاه مِن ذكرِهِ وضيَّقَه عن استماعٍ
الحقِّ واتباعِ الهُدى والعملِ بالصوابِ. وترَك ذكرَ الذى أقسَى اللهُ قلبه، وجوابَ
الاستفهام، اجتزاءً بمعرفةِ السامعِين المرادَ مِن الكلام، إذ ذكَر أحدَ الصنفَين،
وجعَل مكانَ ذكرِ الصنفِ الآخرِ الخبرَ عنه، بقولِه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم ◌ِّن
ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ،﴾: يعنى كتابَ اللهِ، هو المُؤمِنُ، به يأخُذُ ،
١٩٠
سورة الزمر: الآيتان ٢٢، ٢٣
(١)
وإلیه ینتھی
٠
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدئِّ قولَه: ﴿أَفَمَنْ
شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. قال: وسَع صدرَه للإسلامِ، والنورُ الهُدَى(١).
حُدِّثْتُ عن ابنِ أبى زائدةً، عن ابنٍ مجرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾. قال: ليس المنشرح صدرُه مثلَ القاسِى قلبُه(٢).
قولُه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فويلٌ
للذين جَفَت قلوبُهم ونَأَتْ عن ذكرِ اللهِ وأعرضَت ، يعنى عن القرآنِ الذى أنزله تعالى
ذ کره، مُذكِّرًا به عباده - فلم يؤمن به، ولم يُصدّقْ بما فيه . وقيل : ﴿مِّن ذِكْرِ
اللَّهِ﴾. والمعنى: عن ذكرِ اللهِ، فوُضِعت ((مِن)) مكانَ ((عن))، كما يقالُ فى
الكلام: أنَّخَمْتُ مِن طعامِ أكلتُه، و: عن طعام أكلتُه . بمعنّى واحدٍ .
وقولُه: ﴿أُوْلَِّكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره: هؤلاء القاسيةُ
قلوبُهم مِن ذكرِ اللهِ فى ضلالٍ مُبينٍ، لَمَّن تأمَّله وتدبَّره بفَهْم ، أنه ضلالٌ عن الحقِّ
جائرٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ
٢١٠/٢٣ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ / ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ
٢٣
ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
[٧٢٦/٢,] يقول تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا﴾ . يعنى به
القرآنَ، ﴿ مُّتَشَبِهًا﴾. يقولُ: يُشبهُ بعضُه بعضًا، لا اختلافَ فيه ولا تضادَّ .
(١) تقدم تخريجه ٥٣٥/٩، ٥٣٦.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
١٩١
سورة الزمر : الآية ٢٣
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اَللَّهُ
نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُتَشَكِهَا﴾: الآيةُ تُشبهُ الآيَةَ، والحرفُ يُشبهُ
الحرفَ(١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشدىّ: ﴿كِنَبًا
◌ُتَشَبِهًا﴾. قال : المتشابهُ يُشبهُ بعضُه بعضًا .
حدّثنا ابنُ حُمَیدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبيرٍ
فى قوله: ﴿ كِتَبًا مُتَشَِهًا﴾. قال: يُشبهُ بعضُه بعضًا، ويُصَدِّقُ بعضُه بعضًا ،
ويدلُّ بعضُه على بعضٍ(٢).
وقولُه: ﴿مَّثَانِىَ﴾. يقولُ: تُثْنَى فيه الأنباءُ والأخبارُ والقضاءُ والأحكام
والحُججُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ فى
قولِه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ﴾. قال: ثَنَّى اللهُ فيه
القضاءَ، تكونُ السورةُ فيها الآيةُ فى سورةٍ أخرى آيَةٌ تُشْبِهُها) . وسُئِل عنها
ي (٤)
عكرمةُ(٤) .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٢/٢ عن معمر عن قتادة .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد. وينظر ما تقدم فى ١١٨/١٤.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٥ إلى عبد بن حميد عن أبى رجاء.
١٩٢
سورة الزمر : الآية ٢٣
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿ كِتَبًا مُتَشَبِهًا مَثَانِىَ﴾. قال: فى القرآنِ كلِّه(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَّثَانِىَ﴾ . قال: ثنَّی
اللهُ فيه الفرائضَ والقضاءَ والحدودَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿مَّثَانِىَ﴾. قال: كتابُ اللهِ مَثانى، ثَنَّى فيه الأمرَ
مِرارًا(٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشدىِّ فى قولِه :
مَّثَانِىَ﴾. قال: كتابُ اللهِ مَثانى، ثنَّى فيه الأمرَ مرارًا .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشّدىِّ فى قولِه:
مَّثَانِىَ﴾ : ثَنَّى فى غيرِ مكانٍ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
مَّثَانِىَ﴾: مُرَدَّدٌ؛ رُدِّد موسى فى القرآنِ وصالحٌ وهودٌ والأنبياءُ فى أمكنةٍ
(٤)
كثيرة
.
/وقولُه: ﴿نَقْشَعُِّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
تقشعرُّ مِن سَماعِه إذا تُلِى عليهم، جلودُ الذين يخافُون ربَّهم، ﴿ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ
٢١١/٢٣
(١) تقدم تخريجه فى ١٢٠/١٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٢/٢ عن معمر عن قتادة به .
(٣) تقدم تخريجه ١٢٠/١٤، ١٢١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٥ إلى المصنف وابن مردويه.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٨٤.
١٩٣
سورة الزمر : الآية ٢٣
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . يعنى إلى العملِ بما فى كتابِ اللهِ والتصديقٍ به .
وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ عَِّ مِن أجلِ أن أصحابَه سألوه
الحدیثَ .
ذكر الرواية بذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِىُّ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن أيوبَ بنِ
موسى، عن عمرٍو الملائِىِّ(١) ، عن ابنِ عباسٍ، قالوا: يا رسولَ اللهِ لو حدَّثْتَنا؟ قال :
فنزلَت: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا حكّامٌ ، عن أيوبَ بنِ سيَّرِ أبى عبدِ الرحمنِ، عن
عمرو بنٍ قيسٍ ، قال : قالوا : يا نبيَّ اللهِ . فذكر مثله .
﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: هذا الذى
يصيبُ هؤلاء القومَ الذين وصفتُ صفتَهم عندَ سماعِهم القرآنَ ؛ مِن اقشعرارِ
جلودِهم، ثم لِينِها ولِينٍ قلوبهم إلى ذكرِ اللهِ مِن بعدِ ذلك - ﴿هُدَى اَللَّهِ﴾.
يعنى : توفيقُ اللهِ إِيَّاهم، وفَّقَهم له، ﴿يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ . يقولُ : يَهْدِی
تبارك وتعالى بالقرآنِ مَن يشاءُ مِن عبادِه .
وقد يتوجّهُ معنى قولِه: ﴿ ذَلِكَ هُدَى﴾ إلى أن يكونَ ﴿ ذَلِكَ﴾ مِن ذکرِ
القرآنِ ، فيكونَ معنى الكلام : هذا القرآنُ بيانُ اللهِ يَهْدِى به مَن يشاءُ ؛ يوفِّقُ للإِيمانِ
به من يشاءُ .
وقولُه: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَخْذُلْه
(١) فى م: ((الملئى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠٠/٢٢.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٥ إلى المصنف.
( تفسير الطبرى ١٣/٢٠ )
١٩٤
سورة الزمر : الآيات ٢٣ - ٢٥
اللهُ عن الإيمانِ بهذا القرآنِ والتصديقِ بما فيه، فيُضِلَّه عنه - ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
يقولُ : فما له مِن مُوفِّقٍ له، ومسدِّدٍ يُسَدِّدُه فى اتِّباعِه.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَنَّقِى بِوَجْهِهِ، سُوّءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَذَهُمُ الْعَذَابُ
٢٤
وَقِيلَ لِّلِينَ ذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْسِبُونَ
٢٥
مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
اختلف أهلُ التأويلِ فى صفةِ اتِّقاءِ هذا الضالُ بوجهِه سُوءَ العذابِ ؛ فقال
بعضُهم: هو أن يُؤْمَى به فى جهنمَ مَكْبوبًا على وجهِه ، فذلك اتِّقَاؤُه إِيَّاه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى
قوله: ﴿أَفَمَنْ يَنَّقِى بِوَجْهِهِ، سُوّءَ الْعَذَابِ﴾. قال: يَخِرُّ على وَجْهِهِ فى النارِ ، يقولُ:
هو مِثْلُ: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِىِ النَّارِ خَيْرُّ أَم ◌َن يَأِْىّ ءَامِنَّا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾(١) [فصلت:
٢١٢/٢٣
/وقال آخرون: هو أن يُنْطَلَقَ به إلى النارِ مَكْتوفًا، ثم يُْمَى به فيها ، فأوَّلُ ما تَمَشُ
النارُ وجهُه. وهذا قولٌ يُذكرُ عن ابنِ عباسٍ مِن وجهٍ كرهتُ ذِكرَه؛ لضعفٍ
سَنَدِهِ(١) ، وهذا أيضًا مما تُرِك جوابُه، استغناءً بدلالةٍ ما ذُكِر مِن الكلام عليه عنه . ومعنى
الكلامِ: أفمَن يَتَّقِى بوجهِه سُوءَ العذابِ يومَ القيامةِ خيرٌ، أم مَن ينعَمُ فى الجنانِ ؟
وقولُه: [٧٢٦/٢ظ] ﴿وَقِيلَ لِلَّلِينَ ذُوقُواْ مَا كُ تَكْسِبُونَ﴾. يقولُ : ويقالُ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٧٨، ومن طريقه الفريابى - كما فى التغليق ٢٩٧/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٢٦/٥ إلی عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٥ إلى المصنف.
١٩٥
سورة الزمر : الآيات ٢٥ - ٢٨
يومَئذٍ للظالمين أنفسَهم بإكسابِهِم (١) إِيَّاها سَخَطَ اللهِ: ذُوقوا اليومَ أيُّها القومُ وَبالَ ما
کنتم فی الدنیا تَکسِبون مِن معاصی اللهِ .
وقولُه: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾. یقولُ تعالی ذکرُه: گذَّب الذین مِن
قبلٍ هؤلاء المشركين مِن قُريشٍ، مِن الأمم الذين مَضَوا فى الدهورِ الخاليةِ - رُسُلَهم،
﴿ فَأَنَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . يقولُ: فجاءهم عذابُ اللهِ مِن
الموضعِ الذى لا يشعرون ؛ أى لا يعلمون بمَجِيئِه منه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْىَ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّاً وَلَعَذَابٌ
اُلْآَخِرَةِ أَكْبَرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
٢٦
يقولُ تعالى ذكره: فعجّل اللهُ لهؤلاء الأمم الذين كذَّبوا رُسُلَهم الهوانَ فى
الدنيا والعذابَ قبلَ الآخرةِ، ولم يُنْظِرْهم إذ ◌َتَوا عن أمرِ ربِّهم، ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ
أَكْبٌ﴾. يقولُ: ولعذابُ اللهِ إيّاهم فى الآخرةِ إذا أدخَلهم النارَ، فعذَّبهم بها - أكبرُ
مِن العذابِ الذى عذِّبهم به فى الدنيا، ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ . يقولُ : لو علم هؤلاء
المشركون مِن قريشٍ ذلك .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِىِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ
٢٧
لَعَلَّهُمْ يَنَذَكْرُونَ
٢٨١
قُرْءَانًا عَرَبِبًّا غَيْرَ ذِى عَوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
يقولُ تعالى ذكره : ولقد مَثَّلنا لهؤلاء المشركين باللهِ مِن كلِّ مَثَلٍ مِن أمثالٍ
القُرونِ(٢) الخاليةِ؛ تخويفًا مِنَّا لهم وتحذيرًا، ﴿لَّعَلَّهُمْ يَنَذَّكَّرُونَ﴾. يقولُ: ليتذكّروا
فيَتْزَجِروا عما هم عليه مُقِيمون مِن الكفرِ باللهِ .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( باكتسابهم)).
(٢) بعده فى ص، م: ((للأمم))، وفى ت ١: ((والأمم)).
١٩٦
سورة الزمر: الآيتان ٢٨، ٢٩
وقولُه: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد ضرَبْنا للناسِ فى هذا
القرآنِ مِن كلِّ مثلٍ قرآنًا عربيًّا، ﴿غَيْرَ ذِى عَوَجٍ﴾. يعنى(١) : ذى لَمْسٍ.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجِ﴾: غيرَ ذى لَْسٍ (١).
ونُصِب قولُه: ﴿قُرْءَانًا﴾ على الحالِ مِن قولِه (١): ﴿ هَذَا الْقُرْءَانِ﴾؛ لأن
القرآنَ معرفةٌ ، وقولُه: ﴿ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا ﴾ نكرةٌ .
٢١٣/٢٣
/وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾. يقولُ: جعَلنا قرآنًا عربيًا، إذ كانوا عَرَبًا ،
ليفهَموا ما فيه مِن المواعظِ ، حتى يَتَّقوا ما حَذَّرهم اللهُ فيه مِن بأسِه وسَطْوتِه ، فيُنِيبوا
إلى عباديِه ، وإفرادِ الألوهةِ له، ويَتَبِرَّءُوا مِن الأَنْدادِ والآلهةِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآهُ مُتَشَكِسُونَ
وَرَجُلًا سَلَمًا (٤) لِرَعُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٢٩
يقولُ تعالى ذكرُه : مَثَّل اللهُ مثلًا للكافرِ باللهِ ، الذى يعبدُ آلهةً شَتَّى، ويطيعُ
جماعةٌ مِن الشياطين، والمؤمنِ الذى لا يعبدُ إلا اللهَ الواحدَ. يقولُ تعالى ذكرُه :
﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا﴾ لهذا الكافرِ، ﴿ رَّجُلًاً فِيهِ شُرَّكَآءُ ﴾ . يقولُ : هو بينَ جماعةٍ
مالِكِينَ متشاكسين، يعنى مختلفين مُتنازِعين، سيئةً أخلاقُهم، مِن قولِهم : رجلٌ
شَكِسٌ . إذا كان سِّئَّ الخُلُقِ، وكلُّ واحدٍ منهم يستخدمُه بقَدْرٍ نصيبِه ومِلْكِه فيه ،
وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾. يقولُ: ورجلًا خُلُوصًا لرجلٍ، يعنى المؤمنَ المُوحِّدَ، الذى
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ذى عوج)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٨ ومن طريقه الفريابى - كما فى التغلق ٢٩٧/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٢٦/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((قولهم)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سالما))، وهى قراءة كما سيأتى.
١٩٧
سورة الزمر : الآية ٢٩
أخلَص عبادتَه للهِ لا يعبدُ غيرَه، ولا يدينُ لشىءٍ سِواه بالربوبيةِ .
واختلَفَت القرّأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَرَجُلًا سَلَمَا﴾ ؛ فقَرأْ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ
مكةَ والبصرةِ: (وَرَجُلًا سالمً لرجلٍ)(١)، وتأؤَّلوه بمعنى: رجلًا خالصًا لرجلٍ . وقد
رُوِی ذلك أيضًا عن ابن عباسٍ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال : ثنا القاسمُ ، قال : ثنا حجاجٌ، عن هارونَ ، عن
جريرِ بنِ حازمٍ، عن محمَيدٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قَرأها: (سالماً
لرَجُل). يعنى بالألفِ، وقال: ليس فيه لأحدٍ شىءٌ (١).
وقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿ وَرَجُلًا سَلَمَا لِّرَجُلٍ﴾ (٢) بمعنى: صُلْحًا.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان مَعْروفتان، قد قَرأ بكلِّ
واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ ، مُتقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فهو مصيبٌ ،
وذلك أن السَّلَمَ مصدرٌ، مِن قولِ القائلِ: سَلِمَ فلانٌ للهِ سَلَمًا. بمعنى: خَلَص له
خُلُوصًا. تقولُ العربُ: ربح فلانٌ فى تجارتِه رِبْحًا ورَبَحًا. وسَلِمَ سِلْمًا وسَلَمًّا
وسلامةٌ ، وأن السالمَ مِن صفةِ الرجلِ ، وسَلَمّ مصدرٌ مِن ذلك. وأما الذى تَوَّمهمن
رغِب عن قراءةِ ذلك ﴿سَلَمًا﴾ مِن أن معناه صُلْحًا، فلا وجه للصُّلحِ فى هذا
الموضع؛ لأن الذى تقدَّم مِن صفةِ الآخرِ، إنما تقدَّم / بالخبرِ عن اشتراكِ جماعةٍ ٢١٤/٢٣
فيه دونَ الخبرِ عن حربِه بشىءٍ مِن الأشياءِ، فالواجبُ أن يكونَ الخبرُ [٧٢٧/٢ و]
عن مخالفِه بخلوصِه لواحدٍ لا شريكَ له، ولا موضعَ للخبرِ عن الحربِ والصُّلْحِ
(١) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. ينظر السبعة ص ٥٦٢، والتيسير ص ١٣٥.
(٢) أخرجه الفراء فى معانى القرآن ٤١٩/٢ من طريق إبراهيم التيمى عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٧/٥ إلى ابن أبى حاتم .
(٣) هى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. ينظر السبعة ص ٥٦٢. والتيسير ص ١٣٥.
١٩٨
سورة الزمر : الآية ٢٩
فى هذا الموضعِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله : (رجُلًا فِيهِ شُرَ كَاءُ مُتَشاكِسونَ وَرَجُلًا سالمًاً لِرَ جُلٍ). قال : هذا مَثَلُ إلهِ
الباطلِ وإليهِ الحقِّ(١).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَّةُ مُتَشَكِسُونَ﴾. قال: هذا المُشْرِكُ تتنازعُه الشياطينُ، لا يُقِرُّ به بعضُهم
لبعضٍ، (ورَجُلًا سالمً لِرَجُلٍ). قال: هو المؤمنُ، أخلَص الدعوةَ للهِ والعبادةَ(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ ﴾ إِلى
قولِه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: الشركاءُ المتشاكِسون: الرجلُ الذى يعبدُ
آلهةً شَتَّى، كلَّ قوم يعبدون إلهًا يرضَونه ، ويكفرون بما سِواه مِن الآلهةِ، فضرَب اللهُ
هذا المثلَ لهم، وضرَب لنفسِه مثلًا ، يقولُ. رمجُلٌ(٣) سَلَمْ لرجلٍ. يقولُ : يعبدون إلهًا
واحدًا لا يختلفون فيه(٤).
(١) تفسير مجاهد ص ٥٧٩، ومن طريقه الفريابى - كما فى التغليق ٢٩٨/٤، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٧/٥ إلی عبد بن حميد .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٢/٢ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٥
إلی عبد بن حميد .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رجلًا)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
١٩٩
سورة الزمر : الآية ٢٩
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدىِّ فى قولِه:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ﴾. قال: مَثَلٌ لأوثانِهم التى كانوا
يعبدون(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: (ضَرَبَ
اللهُ مثَلًا رَبجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ متشاكِسُونَ ورَجُلًا سالما لِرَجُلٍ ). قال: أرأيتَ الرجلَ
الذى فيه شركاءُ مُتشاكِسون، كلَّهم سيِّئُ الخُلُقِ، ليس منهم واحدٌ ("يَلْقاه إلَّ أخَذ
بِطَرَفٍ مِن مالٍ - إلَّا استخدمه - أَسَواءٌ هم) والذى لا يملكُه إلا واحدٌ؟ فإنما هذا مَثَلّ
ضرّبه اللهُ لهؤلاء الذين يعبدون الآلهةَ، وجعلوا لها فى أعناقِهم حقوقًا ، فضرَبه اللهُ مثلًا
لهم، والذى يعبُدُه وحدَه، ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وفى قوله: ( ورَجُلًا سالما لرَجُلٍ). يقولُ: ليس معه شِرْكٌ(٢).
وقولُه: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : هل يَشْتوى مَثَلُ هذا
الذى يخدِمُ جماعةً شركاءَ سيئةً أخلاقُهم مختلفةٌ فيه لخدمتِهِ، مع مُنازعتِه شركاءَه
فيه، والذى يخدِمُ واحدًا لا ينازعُه فيه مُنازعٌ، إذا أطاعَه عرَف له موضعَ طاعتِه
وأكرمه، وإذا أخطأ صفَح له عن خَطَئِهِ . يقولُ: فأىُّ هذين أحسنُ حالًا، وأروح
جسمًا، وأقلُّ تَعَبًا ونَصَبًا .
کما حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: / ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا ٢١٥/٢٣
يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: مَن اخْتُلِف فيه خيرٌ، أم مَن لم يُخْتَلَفْ فيه ؟
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ٢٥.
(٢ - ٢) فى م: ((إلا تلقاه آخذا بطرف من مال لاستخدامه أسواؤهم)).
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٥/٩ بنحوه مختصرا.
٢٠٠
سورة الزمر : الآيات ٢٩ - ٣٢
وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾. يقولُ: الشكرُ الكاملُ، والحمدُ التام للهِ وحدَه،
دونَ كلِّ معبودٍ سِواه .
وقولُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وما يَشْتوى هذا
المُشْتَرَكُ فيه، والذى هو منفردٌ مِلْكَه لواحدٍ، بل أكثرُ هؤلاء المشركين باللهِ لا
يعلَمون أنهما لا يَشْتويان، فهُم بجهلِهم بذلك يعبدون آلهةً شئَّی مِن دونٍ
اللهِ. وقيل: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾. ولم يُقَلْ: مَثَلَين. لأنهما كليهما ضُرِبا
مثلًا واحدًا، فجرَى المثَّلُ فيهما بالتوحيدِ، كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَحَعَلْنَا أَبْنَ
مَنْيَمَ وَأَمَّهُرْ ءَايَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] إذ كان معناهما واحدًا فى الآيةِ. واللهُ
أعلمُ .
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ قَّبِّتُنَ
١/٢٤
٣١
اُلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ
(٣٢
بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَنْوَّى لِلْكَافِرِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: إنك يا محمدُ ميتٌ عن قليلٍ، وإن
هؤلاء المُكذِّيكَ مِن قومِك والمؤمنين منهم مَيّتون، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. يقولُ: ثم إن جميعَكم ؛ المؤمنين والكافرين يومَ القيامةِ
عندَ ربِّكم تختصِمون ، فيأخذُ للمظلومِ منكم مِن الظالمِ ، ويَفْصِلُ بينَ جميعِكم
بالحقِّ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به اختصامُ المؤمنين
والكافرين، واختصامُ المظلومِ بهُ والظالم .
(١)
(١) سقط من: م .