Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة ص : الآيتان ٦، ٧
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُّ مِنْهُمْ أَنِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَّ ◌َالِهَتِّكُمْ إِنَّ
هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهِذَا فِى الْعِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا أَخْتِلَقُ
٧
يقولُ تعالى ذكره : وانطلَق الأشرافُ من هؤلاء الكافرين من قريشٍ ، القائلين:
◌ْأَجَعَلَ الْأَلِهَةَ إِلَهَا وَحِدًّا﴾ بأن امضُوا فاصبروا على دينِكم وعبادةِ آلهتكم
فـ ﴿أَنِ﴾ من قولِه: ﴿أَنِ آَمْشُواْ ﴾ فى موضعِ نصبٍ ، بتعلقِ انطلقوا بها ، كأنه قيل :
انطلقوا مشيًا، ومُضيًّا على دينِكم. وذُكِر أن ذلك فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ: (وانطَلَق الملأ
منهم يَمِشُون ، أنِ اصبروا على آلهتكم)(١).
وذكِر أن قائلَ ذلك كان عُقْبةَ ابنَ أبى مُعَيْطٍ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن إبراهيمَ بنِ
مهاجرٍ، عن مجاهدٍ : ﴿ وَأَنَطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾. قال: عقبةُ بنُ أبى مُعَيْطٍ (١).
وقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾. أى: إن هذا القولَ الذى يقولُ محمدٌ ،
ويدعونا إليه، من قولٍ: لا إله إلا اللَّهُ. شىءٌ يريدُه منا محمدٌ ، يطلبُ به الاستعلاءَ
علينا، وأن نكونَ له فيه أتباعًا ، ولسنا مُجيبِيه إلى ذلك .
وقولُه: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الْعِلَّةِ اُلْآَخِرَةِ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِه؛
فقال بعضُهم : معناه : ما سمِعنا بهذا الذى يدعونا إليه محمدٌ ؛ من البراءةِ من جميعِ
الآلهةِ [٧٠٢/٢ظ] إلا من اللَّهِ تعالى ذكرُه، وبهذا الكتابِ الذى جاء به - فى الملَّةِ
النصرانيةِ . قالوا: وهى الملةُ الآخرةُ .
(١) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
(٢) تفسير سفيان ص ٢٥٦. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٦، ٢٩٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٢٢
سورة ص : الآيتان ٦ ، ٧
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهذَا فِىِ آلْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: النصرانية(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾: يعنى: النصرانيةِ،
فقالوا: لو كان هذا القرآنُ حقًّا، أخبَرَتْنا به النصارى(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنا يحيى بنُّ معينٍ ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن
ابنِ أبى لبيدٍ، عن القُرَظِيِّ فى قوله: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الْعِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾. قال: ملةٍ
(٣)
عیسی ".
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الْعِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ (٤): النصرانيةِ(٥).
/ وقال آخرون: بل عَنَوا بذلك: ما سمعنا بهذا فى ديننا ؛ دينٍ قريشٍ.
١٢٧/٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكامٌ، عن عنبسةً ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ ،
عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِ الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾.
قال : ملةٍ قریشٍ .
(١) ذكره الحافظ فى الفتح ٥٤٥/٨ عن على بن أبى طلحة به وعزاه إلى المصنف .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧/٧ عن العوفى به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) بعده فى ت ٢: ((والملة الآخرة)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧/٧، والحافظ فى الفتح ٥٤٥/٨.

٢٣
سورة ص : الآيتان ٦ ، ٧
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِه: ﴿فِ الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾. قال: ملةٍ قريشٍ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ
اْأَخِرَةِ﴾. أى: فى دينِنا هذا، ولا فى زمانِنا قطُّ(٢).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ مَا سَمِعْنَا
◌ِهَذَا فِى الْمِلَّةِ الْأَخِرَةِ﴾(١): الدينِ الآخِرِ. قال: والملهُ الدينُ.
وقيل : إن الملأّ الذين انطلقوا نفرٌ من مشيخةٍ قريشٍ ؛ منهم أبو جهلٍ، والعاصُ
ابنُ وائلٍ، والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: أن ناسًا من قُرَيشِ اجتمعوا؛ فيهم أبو جهلٍ بنُ هشامٍ ، والعاصُ بنُ وائلٍ،
والأسودُ بنُ المطلبِ، والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ، فى نفرٍ من مشيخةٍ قريشٍ ، فقال
بعضُهم لبعضٍ : انطلقوا بنا إلى أبى طالبٍ، فْنكلِّمْه فيه، فلْيُنصِفْنا منه، فيأمرَه
فَلْيَكُفَّ عن شتم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهَه الذى يَعْبُدُ ، فإنا نخافُ أن يموتَ هذا الشيخُ،
فيكونَ مِنَّا شىءٌ، فَتُعَيَِّنا العربُ ؛ يقولون: تَرَكوه حتى إذا مات عُّه تَنَاولُوه . قال :
فبعثوا رجلًا منهم يُدعَى المطّلبَ، فاستأذَن لهم على أبى طالبٍ ، فقال: هؤلاء
(١) تفسير مجاهد ص ٥٧٢، ومن طريقه الفريابى، كما فى الفتح ٥٤٥/٨ .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦٠/٢ عن معمر عن قتادة بلفظ: هو الدين الذى نحن عليه . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى عبد بن حميد.
(٣) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: ((قال: الملة الآخرة)).

٢٤
سورة ص : الآيتان ٦ ، ٧
مشيخةُ قومِك وسَرَواتُهم يستأذِنون عليك . قال : أدخِلْهم . فلما أُدخِلوا عليه قالوا :
يا أبا طالبٍ ، أنت كبيرُنا وسيدُنا، فأنصِفْنا من ابنٍ أخيك، فمُرْه فليكُفَّ عن شتم
آلهتِنا، ونَدَعَه وإلهَه. قال: فبعث إليه أبو طالبٍ ؛ فلما دخَل عليه رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ
قال: يا بنَّ أخرى ، هؤلاء مشيخةُ قومِك وسَرَواتُهم، وقد سأَلوك النَّصَفَ ؛ أن تكُفَّ
عن شتمٍ آلهتهم، ويَدَعُوكُ وإِلهَك. قال: فقال: ((أىْ عَمِّ ، أَوَ لا أدعُوهم إلى ما هو
خيرٌ لهم منها؟)). قال: وإلامَ تدْعُوهم؟ قال: ((أدْعُوهم إلى أن يتكلَّمُوا بكلمةٍ
تَدينُ لهم بها العربُ ، ويملِكون بها العَجَمَ )) . قال : فقال أبو جهلٍ من بين القومٍ : ما
هى وأبيك؟ لتُعطِينَّكَها وعشرَ أمثالِها. قال: ((تقولون: لا إله إلا اللَّهُ)). قال:
فنفَروا وقالوا: سَلْنا غيرَ هذه. قال: ((لو جئتُمونی بالشمس حتى تضعُوها فى يدى،
ما سأَلْتُكم غيرَها)). قال: فغضِبوا، وقاموا من عندِهِ غِضابًا، وقالوا: واللَّهِ لمشتُمَنَّك
وَإِلهَك (١) الذى يأمرك بهذا. ﴿ وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا
◌َشَىْءٌ يُرَادُ ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَخِلَقُ﴾ . وأقبَل على عمِّه، فقال له عمُّه: يا بنَ
١٢٨/٢٣ أخى، ما شطَطْتَ عليهم. فأقبَل على عمّه /، فدعاه فقال: ((قلْ كلمةٌ أَشهَدُ لك
بها يومَ القيامةِ ، تقولُ: لا إلهَ إلا اللَّهُ)). فقال: لولا أن تعيَكم بها العربُ، يقولون :
جزِع من الموتِ لأعطَيتُكها، ولكن على ملةِ الأشياخ. قال: فنزلت هذه الآيةُ:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٍ﴾(٢)
[ القصص : ٥٦] .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَّ ◌َالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا
لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴾. قال: نزَلت حينَ انطَلَق أشرافُ قريشٍ إلى أبى طالبٍ ، فكلّموه فى
(١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٢) ذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٥/٥ إلى قوله: ﴿إلا اختلاق﴾. وعزاه إلى المصنف وابن أبى حاتم .

٢٥
سورة ص : الآيتان ٦، ٧
النبىّ عَّعٍ(١).
وقولُه: ﴿ إِنْ هَذَآ إِلَّا اخْتِلَقُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلٍ هؤلاء المشركين
فى القرآنِ : ما هذا القرآنُ إِلا اختلاقٌ . أى: كذبٌ اختلَقه محمدٌ وتخرّصه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿إِنْ هَذَآَ[٧٠٣/٢ ٥] إِلَّا أَخْلَقُ﴾. يقولُ: تخريصٌ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخْلَقُ﴾. قال: كذبٌ (٣).
حدّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكام، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن القاسم بنِ أبى بَزَّةً، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخْتِلَقُ﴾. يقولُ: كذبٌ .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا
أُخِلَقُ﴾: إلا شىءٌ تَخَلَقَه(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى المصنف وابن مردويه.
(٢) تخريص: يقال: تخرص عليه فلان. إذا افترى وتكذب بالباطل. واخترص القول. إذا افتعله واختلقه.
ينظر تاج العروس واللسان (خ رص)، والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤٠/٢ - من
طريق أبى صالح به . وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧/٧.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٢ ومن طريقه الفريابى، كما فى الفتح ٥٤٥/٨.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٦
سورة ص : الآيات ٧ - ١١
السدىِّ: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا أُخْتِلَقُ﴾ اختلقه محمدٌ عَِّ .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِنْ هَذَآ
إِلَّا أَخْتِلَقُ﴾: قالوا: إن هذا إلا كذبٌ .
القولُ فی تأويل قوله تعالى : ﴿ آءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بِنْنَا بَلْ هُمْ فِی سٍَمِّن ذِكْرِى بَل
لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَبِنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ
٩
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلٍ هؤلاء المشركين من قريشٍ: أَنزلَ على محمدٍ
الذكرُ من بيننا، فخُصَّ به، وليس بأشرفَ منا حسبًا ؟!
وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّن ذِكْرِىٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين
ألّ یکونوا أهلَ علم بأن محمدًا صادقٌ ، ولكنهم فى شك من وحینا إليه، وفى هذا
القرآنِ الذى أَنزَلناه إليه أنه مِن عندِنا، ﴿ بَل لَّمَا يَذُوقُواْ عَذَابٍ ﴾. يقولُ: بل لم ينزِلْ
بهم بأسُنا ، فيَذوقوا وبالَ تكذيِهم محمدًا، وشكّهم فى تنزيلِنا هذا القرآنَ عليه ،
ولو ذاقوا العذابَ على ذلك علِموا وأيقنوا حقيقةً ما هم به / مكذِّبون، حينَ لا
ينفعُهم علمُهم .
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَرَابِنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ اَلْعَزِيزِ الْوَضَّابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم عندَ
هؤلاء المشركين المنكرين وحىّ اللَّهِ إلى محمدٍ ﴿خَزَآئِنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ﴾ . يعنى : مفاتيح
رحمةِ ربِّك يا محمدُ، ﴿ اُلْعَزِيزِ﴾ فى سلطانِه، ﴿اَلْوَهَّابِ﴾ لمن يشاءُ من خلقِه ما
يشاءُ، من مُلكٍ وسلطانٍ ونبوةٍ - فيَمنَعوك يا محمدُ ما منَّ اللَّهُ به عليك من الكرامةِ ،
وفضَّلك به من الرسالةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْتَهُمَّا فَلْيَتَّقُواْ
١٠
جُندُ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ
فِى الْأَسْبَبِ
١١
١٢٩/٢٣

٢٧
سورة ص : الآيتان ١٠، ١١
يقولُ تعالى ذكره: أم لهؤلاء المشركين الذين هم فى عِزةٍ وشقاقٍ ﴿مُلَكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فإنه لا يُعازُّنِى ويُشاقّنى (إلا مَن (٢ كان له٢) ذلك.
يقولُ: ليس ذلك لأحدٍ غيرى، فكيف يُعازُّنى ويشاقّنى ) مَن كان فى مُلكى
وسلطانی !
وقولُه: ﴿ فَلْيَتَّقُواْ فِىِ الْأَسْبَابِ﴾. يقولُ: وإن كان لهم مُلكُ السماواتِ
والأرضِ وما بينَهما، فلْيَصْعدوا فى أبوابِ السماءِ وطُرقِها ، فإنَّ مَن كان له مُلكُ
شىءٍ، لم يتعذَّرْ عليه الإشرافُ عليه وتفقُّدُه وتعهُّدُه .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى الأسبابِ التى ذكرها اللَّهُ فى هذا الموضعِ ؛ فقال
بعضُهم: عُنِى بها أبوابُ السماءِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿فَلْيَتَّقُواْ فِى الْأَسْبَابِ﴾. قال: طُرقِ السماءِ وأبوابِها(١) .
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ فَلْيَتَّقُواْ فِى
اُلْأَسْبَبِ﴾. يقولُ: فى أبوابِ السماءِ(٤) .
(١ - ١) سقط من: م.
(٢ - ٢) فى ت ١: ((كان كذلك له))، وفى ت ٢، ت ٣: ((كان له ملك)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٢. ومن طريقه الفريابى، كما فى تغليق التعليق ٢٩٦/٤. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩٧/٥ إلى عبد بن حميد .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦٠/٢ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى
عبد بن حميد .

٢٨
سورة ص : الآيتان ١٠، ١١
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىُ: أمَّا قولُه: ﴿فِى الْأَسْبَابِ﴾. قال: أسبابِ السماواتِ .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَلْيَرْتَّقُواْ
فِي الْأَسْبَابِ﴾ . قال: طُرقِ السماواتِ .
حُدِّثْتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَييرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَمْ لَهُم مُلْكُ السَّمَوَتِ.
وَاْأَرْضِ﴾. يقولُ: إن كان لهم ملكُ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، ﴿فَلْيَّقُواْ فِى
اَلْأَسْبَبِ﴾. يقولُ: فليرتقُوا إلى السماءِ السابعةِ(١).
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿فَلْيَتَّقُواْ فِى الْأَسْبَابِ﴾. يقولُ: فى السماءِ(١).
١٣٠/٢٣
/ وذُکِر عن الربيع بن أنس فى ذلك ما حدِّثْتُ عن المسیبِ بن شریك ، عن أبى
جعفرٍ الرازىِّ، عن الربيع بنٍ أنسٍ، قال: الأسبابُ أدقُّ من الشعرٍ، وأشدُّ من
الحديدِ، وهو بكلِّ مكانٍ غيرَ أنه لا يُرَى (١).
وأصلُ السببِ عندَ العربِ كلُّ ما تسبَّب به إلى الوصولِ إلى المطلوبِ ؛ من
حبلٍ، أو وسيلةٍ، أو رَحِم، أو قرابةٍ ، أو طريقٍ، أو محَّةٍ، وغيرِ ذلك.
وقولُه: ﴿جُنَّدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُوٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. يقول تعالى ذكرُه : هم
جُنْدٌ﴾. يعنى الذين فى عزةٍ وشقاقٍ، ﴿هُنَالِكَ﴾. يعنى: ببدرٍ
ـ مد
مَهْزُومٌ ﴾ .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٨/٧.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤٠/٢ - من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى ابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى المصنف.

٢٩
سورة ص: الآيتان ١٠، ١١
وقولُه: ﴿ هُنَالِكَ﴾ [٧٠٣/٢ظ] من صلةٍ ﴿مَهْزُومٌ﴾ .
وقولُه: ﴿مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. يعنى: من أحزابٍ إِبليسَ وأتباعه، الذين مضوا
قبلَهم فأهلكهم اللَّهُ بذنوبهم .
و﴿مِّنَ﴾ من قوله: ﴿مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. من صلةِ قوله: ﴿جُنْدٌ﴾.
ومعنى الكلام: هم جندٌ من الأحزابِ مهزومٌ هنالِك. و﴿مَّا﴾ فى قوله :
جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ ﴾ صلةٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿جُنَّدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُوُ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: قريشٌ، ﴿مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال :
.(١)
القرونِ الماضيةِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ
مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: وعَده اللَّهُ وهو بمكةَ يومَئذٍ أنه سيهزمُ جندًا من
المشركين، فجاء تأويلُها يومَ بدٍ(٢) .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يتأوَّلُ ذلك: ﴿جُنَّدٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: مغلوبٌ عن أن
يصعدَ إلى السماءِ .
(١) تقدم أوله فی ص ٢٧.
(٢) ذكره الحافظ فى الفتح ٥٤٥/٨ عن سعيد به وعزاه إلى المصنف، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦١/٢
عن معمر عن قتادة بنحوه . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٣٠
سورة ص : الآيات ١٢ - ١٤
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ
إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ
وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَيْكَةٍ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ
١٤
الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ
يقولُ تعالى ذكره: كذَّبت قبلَ هؤلاء المشركين مِن قريشٍ ، القائلين: أجعَل
الآلهةَ إِلهَا واحدًا . رسلَها - قومُ نوحٍ، وعادٌ، وفرعونُ ذو الأوتادِ .
واختلف أهلُ العلم فى السببِ الذى من أجلِه قيل لفرعونَ: ﴿ذُو الْأَوْثَادِ﴾
فقال بعضُهم : قيل ذلك له؛ لأنه كانت له ملاعبُ من أوتادٍ ، يُلْعَبُ له عليها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن علىٍّ بن الهيثم ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ﴾. قال: كانت ملاعبُ يُلعبُ له
(١)
تحتَها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه : ﴿ وَفِرْعَوْنُ ذُو
اُلْأَوْنَادِ﴾. قال: كان له أوتادٌ وأرسانٌ(٢)، وملاعبُ يُلعبُ له عليها(٣).
١٣١/٢٣
/ وقال آخرون : بل قيل ذلك له كذلك ؛ لتعذيبِه الناس بالأوتادٍ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٣٤٨، إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد بنحوه. وذكره القرطبى
فى تفسيره ١٥/ ١٥٤.
(٢) الأرسان : جمع رَسَن، وهو الحبل الذی یقاد به البعير وغيره. اللسان (ر س ن).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧١/٢ عن معمر عن قتادة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٣١
سورة ص : الآيات ١٢ - ١٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قولَه: ﴿ذُو الْأَوْنَادِ﴾. قال: كان يعذِّبُ الناسَ بالأوتادِ، يعذِّبُهم بأربعةِ
أوتادٍ ، ثم يرفعُ صخرةً ثُمَدُّ بالجبالِ، ثم تُلْقَى عليه فتشدَخُه(١).
حُدِّثتُ عن علىِّ بنِ الهيثم ، عن ابنِ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيع بنٍ أُنسٍ ،
قال : كان يعذبُ الناسَ بالأوتادِ .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ذو البنيانِ . قالوا : والبنيانُ هو الأوتادُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن المحاربيِّ ، عن مجُوَيبٍ، عن الضحاكِ: ﴿ذُو الْأَوْنَادِ ﴾ . قال : ذو
(٢)
البنيانِ(٢) .
وأشبهُ الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك الأوتادُ؛ إِما
لتعذيبِ الناسِ ، وإما للُعَبِ كان يُلْعَبُ له بها، وذلك أن ذلك هو المعروفُ من معنى
الأوتادِ .
﴿ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ ﴾ . وقد ذكَرْنا أخبارَ كلِّ هؤلاء فيما مضى قبلُ من کتابِنا
هذا، ﴿ وَأَصْحَبُ لْتَيْكَةٍ﴾ . يعنى: وأصحابُ الغَيْضةِ.
وكان أبو عمرو بنُ العلاءِ فيما حُدِّثتُ عن معمرٍ بن المثنى ، عن أبى عمرو ،
يقولُ : الأيكةُ الخَرجةُ من النبعِ والسّدرِ وهو الملتفُّ، ومنه قولُ الشاعر:
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٦ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٥٤/١٥.

٣٢
سورة ص : الآيات ١٢ - ١٤
يَرْفَضُّ دَمْتُكَ فوقَ ظهرِ المِحْمَلِ
أفمِن بكاءٍ حمامةٍ فى أَئِكَةٍ
يعنى مِحْمَلَ السيفِ (١).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويل .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَصْحَبُ لَيْكَةِ﴾
قال: كانوا أصحابَ شجرٍ. قال: وكان عامَّةُ شجرِهم الدَّوْمَ(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قوله: ﴿وَأَصْحَبُ لَيْكَةٍ﴾. قال: أصحابُ الغَيْضةِ(١).
وقولُه: ﴿أُوْلَبِكَ الْأَحْزَابُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : هؤلاء الجماعاتُ المجتمعةُ ،
والأحزابُ المتحزِّبةُ على معاصى اللَّهِ والكفرِ به ، الذين منهم يا محمدُ مشرٍ كو قومِك،
وهم مَسْلُوٌ بهم سبيلُهم، ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾. يقولُ: ما كلُّ هؤلاء
الأمم إلا كذَّب رسلَ اللّهِ . وهى فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ فيما ذُكِر لى: (إن كلٌّ لَا كذَّب
الرُّسِلَ)(٤)، ﴿فَحَقَّ عِقَابٍ﴾. يقولُ: فوجب عليهم عقابُ اللَّهِ إياهم(٥).
١٣٢/٢٣
/ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ
الرُّسُلَ فَحَقَّ ◌ِقَابٍ﴾. قال: هؤلاء كلَّهم قد كذَّبوا الرسلَ، فحقَّ عليهم العذابُ(١) .
(١) مجاز القرآن ٢/ ١٧٨.
(٢) تقدم تخريجه فى ١٤/ ١٠٠.
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٢٢/١٠، ٣٢٣.
(٤) كذا فى النسخ، وفى معانى القرآن ٤٠٠/٢، ومختصر الشواذ ص ١٣٠: (إن كلهم لما كذب الرسل)
وعلى كل فالقراءة شاذة .
(٥) ينظر معانى القرآن للفراء ٤٠٠/٢.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم. وتقدم ص ٢٩.

٣٣
سورة ص : الآيتان ١٦،١٥
١٥
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ
١٦
وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ﴾ المشرِكون باللّهِ من قُريشٍ، ﴿إِلَّا
صَيْحَةٌ وَحِدَةً﴾. يعنى بالصيحةِ الواحدةِ النفخةَ الأولى فى الصُّورِ، ﴿مَّا لَهَا مِن
فَوَاقٍ﴾. يقولُ: ما لتلك الصيحةِ(١) من فِيقةٍ. يعنى: من فتورٍ ولا انقطاعٍ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ
إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً﴾. يعنى: أمةُ محمدٍ عَلِ ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾(١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال : ثنا المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعٍ ، عن یزیدَ بنِ زيادٍ ،
عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظىّ ، عن أبى هريرةَ ، قال: قال
رسولُ اللَّهِ مََّهِ: ((إن اللَّهَ لَمَّا فرَغ من خلقِ السماواتِ والأرضِ، خَلَق الصُّورَ،
فأعطاه إسرافيلَ، فهو واضعُه على فِيهِ، شاخصٌ ببصرِه إلى العرشِ، يَنْتَظِرُ متى
يُؤْمرُ)). قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الصُّورُ؟ قال: ((قَرْنٌ)). قال: كيف هو ؟
قال: ((قَوْنٌ عظيمٌ ، يُنفَخُ فيه ثَلاثُ نفخاتٍ؛ نفخةُ الفزع الأولى، والثانيةُ نفخةٌ
الصَّعْقِ، والثالثةُ نفخةُ القيامِ لربِّ العالمين، يأمرُ اللَّهُ إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى،
فيقولُ : انفعْ نفخةَ الفزعِ. فَيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأرضِ إلا مَن شاء اللَّهُ،
ويأمرُه اللَّهُ فَيَدِيمُها ويُطَوِّلُها فلا يفتُرُ، وهى التى يقولُ اللَّهُ: ﴿ مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((النفخة)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
( تفسير الطبرى ٣/٢٠)

٣٤
سورة ص : الآيتان ١٦،١٥
صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾))(١).
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾؛ فقال بعضُهم:
يعنى بذلك : ما لتلك الصيحة من ارتدادٍ ولا رجوعٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ :
وَمَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾. يقولُ: مِن تَزْدادٍ(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾. يقولُ: ما لها من رجعةٍ (٢).
١٣٣/٢٣
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَقٍ﴾. قال: من رجوعٍ(٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾.
يعنى الساعةَ، ما لها من رجوع (°ولا مَثْنَويَّةٍ°) ولا ارتدادٍ(٦).
(١) تقدم تخريجه فى ٦١٣/٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٤٠/٢ - من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٧٢ . ومن طريقه الفريابى، كما فى تغليق التعليق ٢٩٦/٤. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩٧/٥ إلى عبد بن حميد .
(٥ - ٥) سقط من: م. ومثنوية: يقال: حلف فلان يمينا ليس فيها ثُنْيا ولا تَنْوَى ولا ثنيّة ولا مثنوية ولا
استثناء، كله واحد. وأصل هذا كله من الثنى والكف والرد . ينظر لسان العرب (ث ن ی).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦١/٢ عن معمر عن قتادة مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . وتقدم أوله ص ٢٩.

٣٥
سورة ص : الآيتان ١٥، ١٦
وقال آخرون : بل معنى ذلك: ما لهؤلاء المشركين بعدَ ذلك إفاقةٌ ، ولا رجوعٌ
إلى الدنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾. يقولُ: ليس لهم بعدَها إفاقةٌ ولا رجوعٌ إلى
الدنيا(١) .
وقال آخرون : الصيحةُ فى هذا الموضع العذابُ. ومعنى الكلام: ما ينتظرُ
هؤلاء المشركون إلا عذابًا يهلكُهم ، لا إفاقةً لهم منه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿مَّا لَهَا
مِن فَوَاقٍ﴾. قال: ما ينتظِرون إلا صيحةٌ واحدةٌ ما لها من فَواقٍ ، يالها من صيحةٍ لا
یُفیقُون فیھا کما یُفیقُ الذی یُغشّی علیه، و کما یفیقُ المریضُ - تهلگھم ، ليس لهم
فيها إفاقةٌ .
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ
الكوفةِ: ﴿ مِن فَوَاقٍ﴾. بفتح الفاءِ ، وقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ( مِن فُوَاقٍ ).
بضمِّ الفاءِ .
واختلف أهلُ العربيةِ فى معناها إذا قُرِئت بفتح الفاءِ، وضمِّها؛ فقال بعضُ
(١) عزاه الحافظ فى الفتح ٥٤٥/٨ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم . التيسير ص ١٥٢ .
(٣) هى قراءة حمزة والكسائى . المصدر السابق.

٣٦
سورة ص : الآيتان ١٦،١٥
البصريين منهم: معناها إذا فُتِحت الفاءُ: ما لها من راحةٍ . وإذا ضُمَّت جعَلها ( مِن
فُواقِ الناقةِ () : ما بينَ الحَلْبَتين .
وكان بعضُ الكوفيين منهم يقولُ: معنى الفتح والضمّ فيها واحدٌ ، وإنما هما
لغتانٍ مثلُ الشَّوَافِ(٢) والسُّوافِ، وجَمامِ المُكُوءِ(٢) ومجمامِهِ، وقَصاصِ الشَّعرِ
وقُصاصِه .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما لغتان ، وذلك أنَّا لم نجِدْ أحدًا من المتقدِّمين
على اختلافِهم فى قراءته يفرِّقون بينَ معنى الضمّ فيه والفتح ، ولو كان مختلِفَ المعنى
باختلافِ الفتح فيه والضمّ لقد كانوا فرَّقُوا بينَ ذلك فى المعنى. فإذا كان ذلك
كذلك، فبأىِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ . وأصلُ ذلك من قولهم: أفاقَت الناقةُ ،
فهى تُفِيقُ إفاقةٌ . وذلك إذا درَّت(٤) ما بينَ الرضعتين ولدَها إلى الرضعةِ الأخرى،
[٧٠٤/٢ظ] وذلك أن تَرَضَعَ البَهْمَةُ أَمَّها ، ثم تتركَها حتى ينزلَ شىءٌ من اللبنِ ، فتلك
الإفاقةُ ، يقالُ إذا اجتمع ذلك فى الضَّرْعِ: فِيقةٌ(٥). كما قال الأعشى(٩):
جاءت لتُرضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لو رضَعا
حتى إذا فِيقَةٌ فی ضَرْعِها اجتمعت
/ وقولُه: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّلِ لَنَا قِطَنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
وقال هؤلاء المشركون باللّهِ من قريش: يا ربَّنا عجّلْ لنا كُتُبُنا قبلَ يوم القيامةِ. والقِطُّ
١٣٤/٢٣
(١ - ١) فى ص، م، ت٢، ت٣: ((فواق ناقة)).
(٢) السواف : مرض أو وباء يصيب الإبل. ينظر الوسيط (س وف).
(٣) المكوك: مكيال معروف لأهل العراق، وجمامه: الكيل إلى رأسه وما علا رأسه فوق طفافه. لسان العرب
(م ك ك، ج م م).
(٤) فى م، ت٢، ت٣: ((ردت)).
(٥) ينظر معانى القرآن للفراء ٤٠٠/٢ .
(٦) ديوانه ص ١٠٥ .

٣٧
سورة ص : الآيتان ١٥، ١٦
فى كلامِ العربِ الصحيفةُ المكتوبةُ ، ومنه قولُ الأعشى(١):
ولا الملِكُ النُّعمانُ يومَ لقيتَه بنِعِمَتِه يُعْطِى القُطوطَ ويَأْفِقُ
يعنى بالقُطوطِ : جمعَ القِطْ ، وهى الكتبُ بالجوائزِ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى أراد هؤلاء المشركون بمسألتِهم ربَّهم
تعجيلَ القِطِّ لهم؛ فقال بعضُهم: إنما سألوا ربَّهم تعجيلَ حظّهم من العذابِ الذى
أُعِدَّ لهم فى الآخرةِ فى الدنيا، كما قال بعضُهم: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ
عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ آَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال: ٣٢].
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿عَجِلِ لَنَ قِطَّنَا﴾. يقولُ: العذابُ(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَقَالُواْ رَبََّا عَجِّلِ لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قال:
سأَلُوا اللَّهَ أن يعجلَ لهم العذابَ قبلَ يومِ القيامةِ(٣) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةً، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
عن القاسم بن أبى بَزَّةً، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿عَجِّل لَّنَ قِطَّنَا﴾. قال: عذابَنا .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
(١) دیوانه ص ٢١٩ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٤٠/٢ - من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٣٨
سورة ص : الآيتان ١٥، ١٦
قولَه: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾. قال: عذابَنا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَاَ
قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. أى: نصيبنا؛ حظّنا من العذابِ قبلَ يومِ القيامةِ. قال:
قد قال ذلك أبو جهل: اللهمّ إن كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الآية(٢).
/ وقال آخرون : بل إنما سألوا ربَّهم تعجيلَ أَنصِبائِهم ومنازلهم من الجنة حتى
يرَوها، فيعلَموا حقيقةً ما يَعِدُهم محمدٌ عَظَلِّ، فيؤمِنوا حينئذٍ به ويصدِّقوه .
١٣٥/٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قوله: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾. قالوا: أرِنا منازلَنا فى الجنةِ حتى نتابعَك(٤).
وقال آخرون : مسألتُهم نصيبهم من الجنةِ ، ولكنهم سألوا تعجيلَه لهم فى
الدنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ثابتٍ الحدَّادِ ،
قال : سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيٍ يقولُ فى قولِه: ﴿ عَجِّلِ لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٧٣ . ومن طريقه الفريابى، كما فى تغليق التعليق ٢٩٦/٤ ، وابن خزيمة فى التوحيد
ص ٦٧ . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٥ إلى عبد بن حميد .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦١/٢ عن معمر، عن قتادة، إلى قوله: ((من العذاب)). وقد تقدم أوله
فی ص ٢٩ .
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٥/ ١٥٧، والحافظ فى الفتح ٥٤٦/٨ وعزاه إلى المصنف.

٣٩
سورة ص : الآيتان ١٥، ١٦
قال : نصيبنا من الجنةِ (١).
وقال آخرون : بل سألوا ربَّهم تعجيلَ الرزقِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرَ بنِ علىٍّ ، قال : ثنا أشعتُ السِّجِسْتانُ، قال : ثنا شعبةُ ،
عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ فى قوله: ﴿عِلِ لََّا قِطَّنَا﴾. قال: رزقنا(٢).
وقال آخرون: "بل سأَلوا اللَّهُ) أن يعجلَ لهم كتبهم التى قال اللَّهُ: ﴿فَأَمَا مَنْ
أُوْقِى كِتَبَكُ بِمِينِهِ،﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوِىَ كِثَبَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]. فى
الدنيا ، لينظُرُوا بأيمانِهِم يُعْطَوْنها أم بشمائِلِهِم؟ ولينظُروا مِن أهلِ الجنةِ هم، أم مِن أَهلِ
النارِ، قبلَ يومِ القيامةِ ، استهزاءً منهم بالقرآنِ [٧٠٥/٢ و] وبوعدِ اللَّهِ .
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ : إن القومَ سأَلُوا ربَّهم تعجيلَ
صِكاكِهم بحظوظهم من الخيرِ أو الشرّ، الذى وعَد اللَّهُ عبادَه أن يؤتِيَهموها(*) فى
الآخرةِ ، قبلَ يومِ القيامةِ فى الدنيا ، استهزاءً بوعيدِ اللَّهِ .
وإنما قلنا : إن ذلك كذلك؛ لأن القِطَّ هو ما وصَفتُ من الكتبِ بالجوائزِ
والحظوظِ ، وقد أخبر اللَّهُ عن هؤلاء المشركين أنهم سألوه تعجيلَ ذلك لهم ، ثم أتبع
ذلك قولَه لنبيّه: ﴿ أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. فكان معلومًا بذلك أن مسألتَهم ما سأَلوا
النبىَّ ◌َ لَّهِ لو لم تكنْ على وجهِ الاستهزاءِ منهم، لم يكُنْ بالذى يُتَبِعُ(٥) الأمرَ بالصبرِ
(١) أخرجه ابن خزيمة فى التوحيد ص ٦٧ من طريق سفيان به .
(٢) أخرجه ابن خزيمة فى التوحيد ص٦٨ عن محمد بن عمر به .
(٣ - ٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((سألوا)).
(٤) فى ت ١: ((يريهموها)).
(٥) بعده فى ت ٢، ت ٣: ((ذلك)).

٤٠
سورة ص : الآيات ١٦ - ٢٠
عليه، ولكن لما كان ذلك استهزاءً، وكان فيه الرسولِ اللَّهِ مٍَّ أَذِّى، أمَره اللَّهُ بالصبرِ
عليه منهم، حتى يأتيَه قضاؤُه فيهم، ولما لم يكنْ فى قوله: ﴿عَجِّلِ أَنَا قِطَّنَا﴾ . بيانُ
أىِّ (١) القُطوطِ " أراد بهم١) لم يكنْ لنا توجيهُ ذلك إلى أنه معنىٌّ به القُطوطُ ، ببعضِ
معانى الخيرِ أو الشرّ؛ فلذلك قلنا: إن مسألتَهم كانت (١) بما ذكَرتُ من حظوظهم من
الخيرِ والشّرِّ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا
١٣٦/٢٣ الْأَبْدِّ إِنَّهُ، أَوَابُ
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَاْإِشْرَاقِ
وَاُلْطَيْرَ مَحْشُورَةٌ كُلٌّ لَّهُو أَوَابٌ
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَيَْهُ اُلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ
٢٠
آلِطَابِ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ لَّهِ: اصبر يا محمدُ، على ما يقولُ مُشْركو
قومِك لك مما تَكْرَهُ قِيلَهم لك، فإِنَّا ◌ُمْتُحِنوك بالمكارهِ، امْتِحانَنا سائرَرُسُلِنا قبلَك ،
ثم جاعِلو العُلُوِّ والرَّفْعَةِ والظَّفَرِ لك، على مَن كَذَّبك وشاقَّك، سُنَّتُنا فى الرسلِ
الذين أرْسَلْناهم إلى عبادِنا قبلَك ؛ فمنهم عبدُنا أيوبُ وداودُ بنُ إِیشًا فاذكُرْه ، ذا
الأيدِ ، ويَعْنى بقولِه: ﴿ذَا الْأَبْدِّ﴾: ذا القُوَّةِ والبَطْشِ الشديدِ فى ذاتِ اللهِ ، والصبرِ
على طاعته .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) فى ص: ((أن)).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إرادتهم)).
(٣) بعده فى ص: ((ما سألوا النبى معَّلِ التى كانت)).