Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سورة الصافات : الآية ٤٩
بیاضِه وصفائِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿كَأَنْهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾. يقولُ: اللؤلؤُ المكنونُ(١) .
وأولی الأقوال فى ذلك بالصوابِ عندِی : قول من قال : شُبّهن فی بیاضِهن،
وأنهن لم يَمَسَّهن قبلَ أزواجِهن إنس ولا جانٌّ - ببياضِ البَيْضِ الذى هو داخلَ
القشرِ، وذلك هو "الجلدةُ الْمُلْتَسة٢ُ) المُعَ(٣)، قبلَ أن تَشَّه يَدٌ أو شىءٌ غيرَها(4) ،
وذلك لاشكَّ هو المكنونُ؛ فأما القشرةُ العليا فإن الطائرَ يَمَشُها والأيدى تُباشِرُها
والعُشُّ(٥) يَلْقاها. والعربُ تقولُ لكلِّ مَصونٍ: مكنونٌ. ما كان ذلك الشىءُ؛ لؤلؤًا
كان أو بيضًا أو متاعًا، كما قال أبو دَهْبَلِ:
اوَهْى زهراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغَوَّ اصٍ مِيزَت من جَوْهرٍ مكنونٍ ٥٨/٢٣
وتقولُ لكلِّ شىءٍ أَضْمَرَتْه الصدورُ: أكثَّته، فهو مُكَرٍّ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ عَّهِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٣٩/٢، وتغليق التعليق ٢٩٣/٤ -، والبيهقى فى البعث والنشور
(٣٧٧) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٤/٥ إلى ابن المنذر.
(٢ - ٢) فى ت١: ((الجلد الملبسته)).
(٣) المح: صفرة البيض، أو ما فى البيض كله من أصفر وأبيض. وقيل: المحة : الصفراء، والغِزْقِئُ : البياض
الذى يؤكل . ينظر التاج (م ح ح).
(٤) فى ت١: ((أو غيرها)).
(٥) فى ت١: ((العس)).
(٦) فى ت١: ((الشاعر))، والبيت فى ديوان أبى دهبل الجمحى ص ٦٩ .

٥٤٢
سورة الصافات : الآيات ٤٩ - ٥٣
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصدفئُّ
الدِّمياطئُ، عن عمرو بنِ هاشمٍ، عن ابنٍ أبى كريمةَ، عن هشامٍ ، عن الحسنِ، عن
أمّه، عن أمّ سلمةَ: قلت: يا رسولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنى عن قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ
مَّكْنُونٌ﴾. قال: ((رِقَّتُهن(١) كرِقَّةِ الجلدةِ التى رأيتِها فى داخلِ البيضةِ التى تلى
القِشْرَ، وهى الغِرْقِىُّ)).
وقولُه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فأقْبَل
بعضُ أهلِ الجنةِ على بعضٍ يتساءلون؛ يقولُ(٣) : يَشْأَلُ بعضُهم بعضًا .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ
عَلَى بَعْضِ يََّّسَاءَ لُونَ﴾: أهلُ الجنةِ(٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَأَقْبَلَ
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَّسَآءَلُونَ﴾ . قال : أهلُ الجنةِ .
يَقُولُ أَِنَّكَ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ قَآَيِلٌ مِّنْهُمْ إِنِ كَانَ لِ قَرِينٌ
لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٧) أَهِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَمِنَّا لَمَدِينُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : قال قائلٌ من أهلِ الجنةِ، إذ أقبَل بعضُهم على بعضٍ
يَتَساءَلون: ﴿ إِنِّى كَانَ لِ قَرِينٌ﴾. واختلف أهلُ التأويل فى القرین الذی ذُكِر فی
(١) فى ت١: ((رقهن)).
(٢) فى ت١: ((العوقا)). وتقدم تخريجه ص ٥٣٩.
(٣ - ٣) سقط من : ت١ .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٥/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٥٤٣
سورة الصافات : الآيتان ٥١، ٥٢
هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك القرينُ شيطانًا، وهو الذى كان يقولُ:
﴿ أَِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعثِ بعدَ المماتِ ؟
٥٩/٢٣
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِ كَانَ لِ قَرِينٌ﴾. قال: شيطانٌ(١).
وقال آخرون : كان ذلك القرينُ شريكًا كان له من بنى آدمَ ، أو صاحبًا .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
يَقُولُ أَمِنَّكَ لَمِنَ
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ قََّبِلٌ مِنْهُمْ إِنِى كَانَ لِ قَرِينٌ
اَلْمُصَدِّقِينَ﴾. قال: هو الرجلُ المشرِكُ يكونُ له الصاحبُ فى الدنيا من أهلِ
الإيمانِ، فيقولُ له المشركُ : إنك لتُصَدِّقُ بأنك مبعوثٌ من بعدِ الموتِ ، أئذا
كنا ترابًا؟! فلما صاروا إلى الآخرة، وأُدخِل المؤمنُ الجنةَ، وأُدخِل المشركُ
النارَ، فاطّلَع المؤمنُ فرأى صاحبه فى سَواءِ الجحيم قال: ﴿تَللَّهِ إِن كِدتَ
لَتُّدِينِ﴾(٢).
حدّ ثنی إسحاقُ بنُ إبراهيم بن حبیپٍ بنِ الشھیدِ ، قال : حدثنا عتَّابُ(٣) بُ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٦٨، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٩٣/٤ - وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٧٥/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢/٧ مختصرًا .
(٣) فى ت١: ((غياث)). ينظر تهذيب الكمال ٢٨٦/١٩.

٥٤٤
سورة الصافات : الايتان ٥١، ٥٢
بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن فُراتٍ بن ثعلبةَ البَهْرانىٌّ فى قوله: ﴿إِ كَانَ لِ قَرِينٌ﴾ .
قال : إن رجلین کانا شریکین، فاجتمع لهما ثمانيةُ آلافٍ دینارٍ ، و كان أحدُهما له
حرفةٌ ، والآخرُ ليس له حرفةٌ ، فقال الذى له حرفةٌ للآخرِ: ليس عندَكُ(١) حرفةٌ ، ما
أُرانى إِلَّ مُغارِقَك ومقاسِمَك. فقاسمه وفارَقه ، ثم إن الرجلَ اشترى دارًا بألفِ دینارٍ ،
كانت لملكِ مات ، فدعا صاحبه فأراه(١) ، فقال: كيف ترى هذه الدارَ؟ ابتعتُها بألفٍ
دینارٍ. قال : ما أحسنها ! [ ٦٨٤/٢ظ] فلما خرج قال : اللهم إن صاحبی هذا قد ابتاع
هذه الدارَ بألفٍ دينارٍ ، وإنى أَسْأَلُك دارًا من دورِ الجنةِ. فتصدَّق بألفِ دينارٍ ، ثم
مكث ما شاء اللَّهُ أن يَمْكُثَ، ثم إنه تزوَّج امرأةً بألفٍ دينارٍ، فدعاه وصنَع له طعامًا ،
فلما أتاه قال: إنى تزوَّجت هذه المرأةَ بألفٍ دينارٍ (١) . قال: ما أحسنَ هذا ! فلما انصرف
قال: يا ربِّ، إن صاحبى تزوَّج امرأةً بألفٍ دينارٍ، وإنى أَسْأَ لُك امرأةً من الحورِ العِينِ.
فتصدَّق بألفٍ دينارٍ، ثم إنه مكث ما شاء اللَّهُ أن يَمْكُثَ، ثم اشترى بستانين بألفَى
دينارٍ ، ثم دعاه فأراه ، فقال : إنى ابتعت هذين البستانين . فقال: ما أحسنَ هذا ! فلما
خرَج قال: يا ربِّ، إن صاحبى قد اشترى بستانين بألفَى دينارٍ ، وإنى أَسْأَ لُك بستانين
من الجنة. فتصدَّقَ بألفى دينارٍ، ثم إن الملَكَ أتاهما فتوقَّهما، ثم انطلَق بهذا
المتصدِّقِ(٤) فَأَدْخَله دارًا تُعْجِبُه، فإذا امرأةٌ تَطْلِعُ يُضىءُ ما تحتَها من حُسْنِها ، ثم أَدْخَله
بستانين وشيئًا اللَّهُ به عليم، فقال عندَ ذلك: ما أشبه هذا برجلٍ كان من أمرِه كذا
وكذا ! قال: فإنه ذاك، ولك هذا المنزلُ والبستانان والمرأةُ . قال: فإنه كان لى صاحبٌ
(١) فى م: (( لك)).
(٢) فى ت١: (( فأتاه )) .
(٣ - ٣) سقط من: ت١.
(٤) فى ت١: ((المصدق)).

٥٤٥
سورة الصافات : الآيتان ٥٢، ٥٣
يقولُ: ﴿أَنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾؟! قيل له: ( فإنه فى الجحيم. قال: فهل أنتم
مُطَّلِعون؟ فاطّلَع فرآه فى سواءِ الجحيم ، فقال (٢ ١ عندَ ذلك": ﴿ ثَلَّهِ إِن كِدتَ لَتُدِينِ
وَلَلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ الآياتُ(٣).
وهذا التأويلُ الذى تأوَّله فراتُ بنُ ثعلبةَ يُقَوِّى قراءةَ مَن قرأ: (إنك لمن
المصَّدِّقين). بتشديدِ الصادِ بمعنى: لمن المتصدِّقين؛ لأنه يَذْكُرُ أن اللَّهَ تعالى ذِكْرُّهِ إِنما
أعطاه ما أعطاه على الصدقةِ لا على التصديقِ(٤) . وقراءةُ قرأةِ الأمصارِ على خلافٍ
ذلك ، بل قراءتُها بتخفيفِ الصادِ وتشديدِ الدالِ ، بمعنى إنكارٍ قرينه عليه التصديقَ
أنه بعدَ الموتِ مبعوثٌ. كأنه قال: أَتُصَدِّقُ بأنك مبعوثٌ بعدَ مماتِك وتُجْزَى بعملِك
وتُحاسَبُ ؟! يَدُلُّ على ذلك قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أَِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَيِنَا
لَمَدِينُونَ﴾. وهى القراءةُ الصحيحةُ عندَنا، التى لا يجوزُ خلافُها؛ لإجماعِ الحُبَّةِ
من القرأةِ عليها .
/وقولُه: ﴿أَنَّا لَمَدِينُونَ﴾. يقولُ: أننا لمحاسَبون ومَجزِيُّون، بعدَ مصيرنا ٦٠/٢٣
عظامًا ولحومِنا ترابًا ؟!
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ أَمِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. يقولُ: أننا لمجازَوْن بالعملِ؟! كما
(١ - ١) سقط من ت١ .
(٢ - ٢) فى ت٢، ت٣: ((عبد الله)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٥/٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور.
(٤) البحر المحيط ٣٦٠/٧ .
(٥) فى ت١ : ((مخرجون)).
( تفسير الطبرى ٣٥/١٩ )

٥٤٦
سورة الصافات : الآيات ٥٣ - ٥٧
تَدِينُ تُدَانُ .
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ أَمِنَّا لَمَدِينُونَ﴾:
أثنا لمحاسبون(١)؟!
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ أَمِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: محاسَبون(٢).
فَأَطَلَعَ فَرَاهُ فِى سَوَآءِ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ هَلْ أَنْتُم مُّطَّلِعُونَ (9َ)
الْجَحِيمِ
٥٥
قَالَ تَّهِ إِن كِدتَّ لَتُدِينِ
٥٦
وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِ لَكُنتُ مِنَ
اُلْمُحْضَرِينَ
يقولُ تعالى ذكره : قال هذا المؤمنُ الذى أُدخِل الجنةَ لأصحابِه : هل أنتم
مُطَّلِعون فى النارِ، لعلِّى أَرَى قرينىَ الذى كان يقولُ لى: إنك لمن المصدِّقين بأنا
مَبْعوثون بعدَ المماتِ !
وقولُه: ﴿فَلَحَ فَرَاهُ فِى سَوَِّ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: فاطٌّلِع فى النارِ فرَآه فى
وسَطِ الجحيمِ. وفى الكلامِ متروك استُغنى بدلالةِ الكلام عليه من ذكرِه، وهو:
فقالوا : نعمْ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿فَطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةً ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣/٧ .

٥٤٧
سورة الصافات : الآية ٥٥
قولَه : ﴿فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: فى وسَطِ الجحيم ).
(٢ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فِ سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾. يعنى: فى وسَطِ الجحيم .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ ، عن الحسنِ
فى قوله: ﴿فِي سَوَءَ الْجَحِيمِ﴾. قال: وسَطِ الجحيمِ(١) .
(٢ حدَّثنا ابنُ سِنانٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا عبَادُ بنُ راشدٍ ، قال :
سمِعتُ الحسنَ، فذكَر مثلَه ٢) .
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال : ثنا أبو هلالٍ ، قال : ثنا
قتادةُ فى قولِه: ﴿سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: وسَطِها(4).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿هَلْ أَنْتُ
◌َُّلِعُونَ﴾؟ قال: سأَل ربَّه أن يُطْلِعَه. قال: ﴿فَطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِىِ سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ .
أى : فى وسَطِ الجحيمِ .
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن خُلَيْدِ العَصَرىِّ، ٦١/٢٣
قال: لولا أن اللَّهَ عرّفه إياه ما عَرفه، لقد تغيَّر حِبرُه وسِبرُهُ بعدَه، وذُكِر لنا أنه اطَّلَع
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٣٩/٢ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٧٧/٥ إلى ابن المنذر .
(٢ - ٢) سقط من : ت ١.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣/٧.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٥ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن
أبی حاتم .
(٥) حبره وسبره : لونه وهيئته. التاج (ح ب ر).

٥٤٨
سورة الصافات : الآيات ٥٥ - ٥٧
فرأَى جماجمَ القوم تَغْلى ، فقال: ﴿َللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُدِينِ
٥٦
وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِ
لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا إبراهيمُ بنُّ أبى الوزيرِ ، قال : ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ ، عن
سعيدِ بنِ أبى عروبةً، عن قتادةَ ، عن مطرّفِ بنِ عبدِ اللهِ فى قوله: ﴿فَأَطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِىِ
(٣)
سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾. قال: واللَّهِ لولا أنه عرَّفه ما عرَفه، لقد غيَّرتِ النارُ حِبرَه وسِبرَهُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قولَه: ﴿هَلْ أَنْتُم مُّطَلِعُونَ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يَقْرَؤُها: (هَلْ أَنْتُمْ
مُطْلِعِونِ (٤) ، فَأَطْلِعَ [٥٦٨٥/٢] فَرَآهُ فِى سَوَّاءِ الْجَحيمِ ) ) . قال: فى وسَطِ الجحيمِ .
وهذه القراءةُ التى ذكرها السدىُّ عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يَقْرَأُ فى :
مُطَّلِعُونَ ﴾، إن كانت محفوظةً عنه، فإنها من شواذٌّ الحروفِ ، وذلك أن العربَ
لا تُؤثِرُ فى المَكْنِىِّ من الأسماءِ إذا اتصل بفاعلٍ على الإضافةِ ، فى جمع أو توحيدٍ ،
لا يكادون أن يقولوا(١): أنت مُكَلِّمِى. ولا أنتما مُكَلِّمانى. ولا أنتم مُكَلِّمونی.
ولا: مُكَلِّموننى. وإنما يقولون: أنت مُكَلِّمِی. وأنتما مُكَلِّمایَ(٧). وأنتم مُكلمِیَّ.
(١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣. وينظر مصدرا التخريج.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٩/٢ عن معمر عن قتادة عن خليد العصرى، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٧٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٠١/٢ من طريق سفيان به .
(٤) فى م: ((مطلعونى)). وضبطناه بكسر النون - وإن كانت الرواية بفتحها - لمناسبة ما سيأتى من كلام
المصنف والظاهر أن الرواية عنده بالكسر. جاء فى البحر المحيط ٧/ ٣٦١: وقرأ أبو عمرو فى رواية الجعفى
(مطْلعونَ) بإسكان الطاء وفتح النون. قال: وهى قراءة ابن عباس وابن محيصن وعمار بن أبى عمار وأبى
سراج. قال: وقرأ أبو البرهسم وعمار بن أبى عمار فيما ذكره خلف عن عمار: (مطلعون) بتخفيف الطاء
وكسر النون. قال: ورد هذه القراءة أبو حاتم وغيره. وينظر المحتسب ٢/ ٢٢٠.
(٥) ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٢٨، والمحتسب ٢١٩/٢، ٢٢٠، والبحر المحيط ٧/ ٣٦١.
(٦) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( يقولون)).
(٧) فى ت ١: ((مكلمانی)).

٥٤٩
سورة الصافات : الآيتان ٥٥ ، ٥٦
وإن قال قائلٌ منهم ذلك، قاله على وجهِ الغَلَطِ ؛ توهمًا به: أنت تُكَلِّمُنى. و: أنتما
تُكَلِّمَانَنى. و: أنتم تُكَلِّمونَنى. كما قال الشاعرُ(١) :
وما أَذْرِى وظَنِّى كلَّ ظرٍّ أَمُسْلِمُنى إلى قومى شَراحى
فقال: أُمُسْلِمُنى. وليس(٢) ذلك وجهَ الكلامِ ، بل وجهُ الكلامِ: أَمُشْلِمی .
فأما إذا كان الاسمُ(٣) ظاهرًا ولم يَكُنْ متصلًا بالفاعلِ، فإنهم ربما أضافوا ، وربما لم
يُضيفوا، فيقال: هذا مكلِّم أخاك ومُكلِّمُ أخيك. و: هذان مُكَلِّما أخيك ومُكلِّمان
أخاك. و: هؤلاء مُكَلِّمو أخيك. و: مُكَلِّمون أخاك. وإنما تُختارُ الإضافةُ فى
المكنىّ المتصلِ بفاعلٍ ؛ لمصيرِ الحرفين باتصالِ أحدِهما بصاحبِهِ كالحرفِ الواحدِ .
وقولُه: ﴿قَالَّهِ إِن كِدَتَ لَتُدِينٍ﴾. يقولُ: فلما رأى قرينَه فى النارِ قال : تاللَّهِ
إن كدتَ فى الدنيا لَتُهْلِكُنى بصدِّك إياى عن الإيمانِ بالبعثِ والثوابِ والعقابِ .
/وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٦٢/٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ
قولَه: ﴿إِن كِدَتَّ لَتُدِينٍ﴾. قال: لَتُهْلِكُنى .
يقالُ منه: أردَى فلانٌ فلانًا . إِذا أهلَكه، و: ردِى فلانٌ . إذا هلك، كما قال
الأَغْشَى(٤) :
(١) هو يزيد بن محمد الحارثى كما فى الدرر اللوامع ٤٣/١. والبيت بلا نسبة فى المحتسب ٢/ ٢٢، ومعانى
الفراء ٣٨٦/٢.
(٢) فى ت ١: ((لم يقل)).
(٣) فى م: ((الكلام)).
(٤) ديوانه ص ٤١.

٥٥٠
سورة الصافات : الآيات ٥٦ - ٦١
أفى الطَّفِ خِفْتِ علىَّ الرَّدَى وكم مِن رَدٍ أهلَه لم يَرِمْ
یعنی بقوله : و کم من ردٍ. و کم من هالكِ .
وقولُه: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. يقولُ: ولولا أن اللَّهَ أَنْعَم
علىَّ بهدايتِه والتوفيقِ للإِيمانِ بالبعثِ بعدَ الموتِ ، لكنتُ من المحضرين معَك فى
عذابِ اللَّهِ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ
الْمُحْضَرِينَ﴾. أى: فى عذابِ اللَّهِ(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قوله: ﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: من المعذَّبين.
(٥٨) إِلَّا مَوْنَتَنَا الْأُوْلَى وَمَا نَحْنُ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَّتِينٌّ
٥٩
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ
بِمُعَذَّبِينَ
(٦١
لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ
٦٠
يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ هذا المؤمنِ الذى أعطاه اللَّهُ ما أعطاه من
﴿ إِلَّا مَوْنَتَنَا
كرامته فى جنتِه، سرورًا منه بما أعطاه فيها: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينٌّ
الْأُولَى﴾. يقولُ: أفما نحن بميّتين غيرَ مَؤْتَّتِنا الأولى فى الدنيا ﴿ وَمَا نَحْنُ
بِمُعَذَّبِينَ﴾ يقولُ: وما نحن بمعذَّبين بعدَ دخولِنا الجنةَ. ﴿إِنَّ هَذَا لَمُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: إن هذا الذى أعطاناه اللَّهُ من الكرامةِ فى الجنةِ؛ من(٢) أنَّا لا نُعذّبُ
ولا تَموتُ لهو النَّجاءُ العظيمُ مما كنا فى الدنيا نَحْذَرُ من عقابِ اللَّهِ ، وإدراكُ ما كنا
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٩/٢ عن معمر، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٧٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) سقط من : م.

٥٥١
سورة الصافات : الآيات ٥٨ - ٦٦
فيها نَأْمُلُ(١) بإيمانِنا وطاعتِنا ربَّنا .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَا نَحْنُ
بِمَيِّتِينٌ﴾ إلى قوله: ﴿ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قال: هذا قولُ أهلِ الجنةِ(٢).
وقولُه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَمِلُونَ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لمثلٍ هذا الذى
أعطَيْتُ هؤلاء المؤمنين من الكرامةِ فى الآخرةِ ، فليَعْمَلْ فى الدنيا لأنفسِهم العامِلون ؛
لُدْرِ كوا ما أدرَك هؤلاء بطاعةِ ربِّهم .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلُاْ أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ
٦٤
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِيَّ أَصْلِ الْجَحِيمِ
جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِلِظَّالِمِينَ
إِنَّا ٦٣/٢٣
٦٣
٦٦
فَإِنَّهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
رُهُوسُ الشَّيَطِینِ
يقولُ تعالى ذكره: أهذا الذى أَعْطَيْتُ هؤلاء المؤمنين، الذين وصَفْتُ
صفتَهم ، مِن كرامتى فى الجنةِ ، ورزَقْتُهم فيها مِن النعيم - خيرٌ، أو ما أَعْدَدْتُ لأهلِ
النارِ مِن الرَّقُومِ؟
وُنِى بالتّزُلِ : الفضلُ، وفيه لغتان ؛ نُزُلٌ ونُزْلٌ ، يقالُ للطعام الذى له رَبْعٌ : هو
طعامٌ له نُلٌ ونُزْلٌ . وقولُه: ﴿أَمْ شَجَرَةُ الَّقُومِ﴾. ذُكِر أن اللَّه تعالى لما أَنْزَل هذه
الآيةَ، قال المشركون : كيف يَنْبُتُ الشجرُ فى النارِ ، والنارُ تُحْرِقُ الشجرَ؟ فقال اللَّهُ:
﴿ إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِّلِظَلِمِينَ﴾ . يعنى: لهؤلاء المشركين الذين قالوا فى ذلك ما
قالوا، ثم أخْبَرهم بصفةٍ هذه الشجرةِ، فقال: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِىِّ أَصْلِ
اْجَحِيمِ﴾.
(١) فى م: ((نؤمل)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٥ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

٥٥٢
سورة الصافات : الآيات ٦٢ - ٦٤
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: [٦٨٥/٢ظ] ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ
ثُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ﴾؟ حتى بلَغ: ﴿فِيَّ أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. قال: لما ذكَر شجرةَ
الزَّقُّومِ افْتَتَن بها الظلمةُ ، فقالوا: يُنَبِّئُكم صاحبُكم هذا أن فى النارِ شجرةٌ ، والنارُ
تأكلُ الشجرَ. فَأَنْزَل اللَّهُ ما تَسْمَعون: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِّ أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾؛
غُذِّيَت بالنارِ ، ومنها خُلِقَت(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: قال أبو جهلٍ: لما نزَلَت: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ﴾
[ الدخان: ٤٣]. قال: تَعْرِفونها فى كلامِ العربِ؟ أنا آتِيكم بها. فدعا جاريةً ،
فقال : اثْتِينى بتمرٍ وزُبْدٍ . فقال: دونَكم تَزَقَّموا، فهذا الزَّقُّومُ الذى يُخَوِّفُكم به
) إِنَّا جَعَلْنَهَا
محمدٌ . فَأَنْزَل اللَّهُ تفسيرَها: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ قُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ
فِتْنَةٌ لِلِظَلِمِينَ﴾. قال: لأبى جهلٍ وأصحابِه .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْتَهَا فِتْنَةٌ لِلِظَّالِمِينَ﴾. قال: قولُ أبى جهلِ: إنما الزَّقُّومُ التمرُ والرُّبْدُ
أَزَقَّمُه(٢) .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٥٠/٢ عن معمر، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٧٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٢) تفسیر مجاهد ص ٥٦٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٥ إلى عبد بن حميد.

٥٥٣
سورة الصافات : الآيتان ٦٤، ٦٥
وقولُه: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَُّ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كأن طَلْعَ
هذه الشجرةِ - يعنى شجرة الزقومِ - فى قُبْحِه وسَماجتِهُ ) رءوسُ الشياطينِ فى
قُبْحِها .
وذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إنها شجرةٌ نابتٌ فى أصلِ الجحيمِ) (١).
كما حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طَلْعُهَا
كَأَنَُّ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. قال: شبَّهه بذلك(٣).
/فإن قال قائلٌ: وما وجهُ تشبيهِه طَلْعَ هذه الشجرةِ برءوسٍ الشياطينِ فى ٦٤/٢٣
القُبْحِ ، ولا علمَ عندَنا بمبلغٍ قبحِ رءوسٍ الشياطين، وإنما يُمَثَّلُ الشىءُ بالشىءٍ ، تعريفًا
مِن الْمُمثِّلِ المُمثَّلَ له، قربَ (٤) اشتباهِ الممثَّلِ أحدِهما بصاحبِهِ، مع معرفةِ الْمُمَثَّلِ
له الشيئين كليهما، أو أحدَهما. ومعلومٌ أن الذين خُوطِبوا بهذه الآيةِ مِن المشركين،
لم يكونوا عارفين بشجرةِ الزَّقُّومِ ، ولا برءوس الشياطينِ، ولا كانوا رأَؤْهما ، ولا
واحدًا منهما؟
قيل له : أما شجرةُ الزُّقُّوم فقد وصَفَها اللَّهُ تعالى ذكرُه لهم وبيَّنها ، حتى عرَفوها
ما هى ، وما صفتُها، فقال لهم: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِّ أَصْلِ الْجَحِيمِ
٦٤
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾. فلم يَتْرُكُهم فى عَماءٍ منها . وأما فى تمثيلِه طلعَها
برءوس الشياطينِ، فأقوالٌ لكلِّ منها وجة مفهومٌ. أحدُها : أن يكونَ مثَّل ذلك
برءوسٍ الشياطين ، على نحوٍ ما قد جرَى به استعمالُ المخاطبين بالآيةِ بينَهم ، وذلك
(١) فى ت ٢: ((كأنه)) .
(٢) وهى قراءة شاذة .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٤) فى ت ١: ((أقرب)).
(٥ - ٥) سقط من: ت ١.

٥٥٤
سورة الصافات : الآيات ٦٥ - ٧٠
أن استعمالَ الناس قد جرَى بينَهم فى مبالغتِهم، إذا أراد المبالغةً فى تقبيح الشىءِ،
قالوا : فكأنه شيطانٌ ، فذلك أحدُ الأقوالِ . والثانى: أن يكونَ مُثِّل برأسٍ حيةٍ معروفةٍ
عندَ العربِ تُسمى شيطانًا، وهى حيةٌ له عُرْفٌ. فيما ذُكِر، قبيح الوجهِ - والمنظرِ ،
وإياه عنى الراجزُ بقولِه :
عَنْجَرِدُ (١) تَحْلِفُ حينَ أحْلِفُ
كمِثْلٍ شَيْطانِ الحَمَاطِ(٢) أَعْرِفُ(٣)
ويروى عُجيزٌ. والثالث : أن يكون مُثِّل نبت معروف برءوس الشياطين، ذُكِر
أنه قبيحُ الرأسِ(٤). ﴿فَإِنَّهُمْ لَ كُونَ مِنْهَا فَمَا لِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
فإن هؤلاء المشركين الذين جعَل اللَّهُ هذه الشجرةَ لهم فتنةً ، لآكلون من هذه الشجرةِ
التى هى شجرةُ الزَّقومِ ، فمالئون من زَقُّومِها بطونَهَم (٢) .
ثُمَّ إِنَّ
٦٧
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ خَمِيمٍ
٦٨
([® فَهُمْ عَلَى ءَاتَِّهِمْ
إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِينَ
مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الَْحِيمِ
يُهْرَعُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَِيمٍ ﴾. ثم إن لهؤلاء
المشركين على ما يَأْكُلون مِن هذه الشجرةِ ؛ شجرة الزقومِ - شَوْبًا، وهو الخَلْطُ ، مِن
قولِ العربِ : شاب فلانٌ طعامَه فهو يَشوبُه شَوْبًا وشِيابًا. ﴿مِّنْ حَمِيمٍ﴾ والحميمُ: الماءُ
(١) امرأة عنجرد : خبيثة سيئة الخلق . اللسان ( عنجرد) .
(٢) قال الأصمعى : العرب تقول لجنس من الحيات: شيطان الحماط. وقيل: الحماط بلغة هذيل شجر عظام
تنبت فى بلادهم تألفها الحيات . ينظر تهذيب اللغة ٤٠١/٤، ٤٠٢ .
(٣) البيتان فى معانى القرآن للفراء ٣٨٧/٢، واللسان (عنجرد، ح م ط ، ش ط ن).
(٤) فى ت ١: ((الرؤس)).
(٥) فى ت ١: ((البطون)).

٥٥٥
سورة الصافات : الآية ٦٧
المحمومُ، وهو الذى أُسْخِن فانْتَهَى حرُّه. وأصلُه مفعولٌ، صُرّف إلى فَعيلٍ.
/وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٦٥/٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًّاً مِّنْ حَمِيمٍ﴾. يقولُ: لَزْجًا (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ﴾. يعنى: شربَ
الحميمِ على الزقُومِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [٦٨٦/٢و] عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ إِنَّ
لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾. قال: مِزاجًا مِن حميمٍ().
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن
السدىِّ: ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾. قال: الشَّوبُ الخَلْطُ، وهو
(٤)
المَزْجُ) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ
لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾. قال: حَميمٌ يُشابُ لهم بغَسَّاقٍ مما تَغْسِقُ أعينُهم ،
وصديدٍ من قَيْحِهم ودمائهم، مما يَخْرُجُ مِن أجسادِهم.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٧/٧.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، وذكره ابن
رجب فى التخويف من النار ص ١٤٨.
(٤) فى ت ١: ((المزاج)). والأثر ذكره الحافظ فى الفتح ٦/ ٣٣٢، وعزاه إلى المصنف.

٥٥٦
سورة الصافات : الآيات ٦٨ - ٧٠
وقولُه: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْمَحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إن مآبَهم
ومصيرهم لإلى الجحيمِ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ إِنَّ
مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. فهم فى عَناءٍ وعذابٍ مِن نارٍ جهنمَ (١) . وتلا هذه الآيةَ:
﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ﴾ [ الرحمن: ٤٤].
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين ، قال : ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فی
قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. قال فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ: (ثمَّ إِنَّ مُثْقَلَبَهُمْ
لإلى الجَحِيمِ)(١). وكان عبدُ اللَّهِ يقولُ: والذى نفسى بيدِه لا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يومَ
القيامةِ حتى يَقِيلَ أهلُ الجنةِ فى الجنةِ ، وأهلُ النارِ فى النارِ، ثم قال: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [ الفرقان: ٢٤].
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ
مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. قال : موتَهم .
وقولُه: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِينَ﴾. يقولُ: إن هؤلاء المشركين الذين إذا
قيل لهم: قولوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرون، وجَدوا آباءَهم ضُلََّلًا عن قصدِ السبيلِ،
غيرَ سالكين مَحَجَّةَ الحقِّ. ﴿فَهُمْ عَلَىَ ءَثَرِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. يقولُ: فهؤلاء يُشْرَُ بهم
فى طريقهم؛ ليَقْتَقُوا آثارَهم وسُنَّتَهم . يقالُ منه: أَهْرِع فلانٌ: إذا سار سيرًا حثيثًا ،
فيه شَبَةٌ بالرِّعْدةِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) فى ت ١: ((حميم)).
(٢) وهى قراءة شاذة .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٥٥٧
سورة الصافات : الآيتان ٦٩، ٧٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُرْ ضَآلِّينَ﴾. أى: وجَدوا آباءَهم ضالِّين(١).
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ٦٦/٢٣
ءَابَآءَ هُمْ﴾. أى: وجَدوا آباءَهم (١).
وبنحوِ الذى قلنا فى ((يُهْرَعون)) - أيضًا - قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿فَهُمْ عَلَى ءَاثَرِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. قال: كهيئةِ الهَرْوَلَةِ (١) .
" حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ عَلَى ءَاتَّرِهِمْ
يُهْرَعُونَ﴾. أى: يُشْرِعون إسراعًا فى ذلك) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ فى قوله: ﴿ يُهْرَعُونَ﴾. قال: يُسرِعون .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يُهْرَعُونَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان - ٣٩/٢ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى ابن المنذر .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٦٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٤ - ٤) سقط من: ت ١.

٥٥٨
سورة الصافات : الآيات ٧٠ - ٧٤
إِلَيْهِ ﴾. قال : يَسْتَعچِلون إليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَلِينَ ﴿ وَلَقَدْ
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ
أَرْسَلْنَا فِيهِم ◌ُنذِرِينَ
٧٤
الْمُخْلَصِينَ
يقولُ تعالى ذكره: ولقد ضَلَّ يا محمدُ عن قصدِ السبيلِ ومَحَجَّةِ الحقِّ قبلَ
مُشْركى قومِك مِن قريش - أكثرُ الأمم الخاليةِ مِن قبلِهم: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم
تُنْذِرِينَ﴾، يقولُ: ولقد أرْسَلْنا فى الأمم التى خلَت مِن قبلِ أمَّتِك ، ومِن قبلٍ قومِك
المكذِّبِيك، مُنْذِرين يُنذرونهم بأسَنا على كفرِهم بنا، فكذَّبوهم، ولم يَقْبَلوا منهم
نصائحَهم، فأَحْلَلْنا بهم بأسَنا وعقوبتنا ﴿ فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اَلْمُنذَرِينَ﴾. يقولُ: فتَأَمَّلْ وتبَيَّنْ كيف كان غِبُّ أمرِ الذين أَنْذَرَتهم أنبياؤُنا ،
وإلامَ صار أمرهم؟ وما الذى أعْقَبهم كفرُهم باللَّهِ؟ ألم نُهْلِكُهم فتُصَيِّرَهم للعبادِ
عِبْرةً؟ ولمن بعدَهم عِظَةٌ؟
وقولُه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فانْظُرْ كيف كان
عاقبةُ المُذَرِين ، إلا عبادَ اللَّهِ الذين أَخْلَصْناهم للإِيمانِ باللّهِ وبرسلِه. واسْتَثْنَى عبادَ اللهِ
مِن المنذَرِين؛ لأن معنى الكلام: فانْظُرْ كيف أهْلَكْنا المنذَرِين إلا عبادَ اللَّهِ المؤمنين،
فلذلك حسن استثناؤُهم منهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى قولِه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
٦٧/٢٣
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا
أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال : الذين
(١) فى ت ١: ((إلا ما)).

٥٥٩
سورة الصافات : الآيات ٧٤ - ٧٧
اسْتَخْلَصَهم اللَّهُ(١) .
[٦٨٦/٢ ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَمَنَا نُوحُ فَلَنِعْمَ
٧٦
٧٥
الْمُجِيبُونَ
وَجَعَلْنَا ذُرِّيََّهُ هُمُ
وَخَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
VV
الْبَاقِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : ولقد نادانا نوعٌ بمسألتِه إيانا هلاكَ قومِه ، فقال : ﴿ رَبِّ إِی
دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًّا (﴿ فَلَمْ يَزِدْهُرْ دُعَلِىّ إِلَّ فِرَارًا﴾. "إلى قولِه": ﴿رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى
اُلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٥- ٢٦].
وقولُه: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. يقولُ: فلَنعم المجيبون كنا له إِذ دعانا ، فأُجَهْنا
له دعاءَه، فأهْلَكْنا قومَه. ﴿ وَفَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ ﴾. يعنى: أهلَ نوح الذين ركبوا معه
السفينةَ. وقد ذكرناهم فيما مضَى قبلُ، وبيَّنا اختلافَ العلماءِ فى عددِهم.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَقَدْ نَادَلَنَا نُوحُ
فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. قال: أجابه اللَّهُ(٤) .
وقولُه: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: مِن الأذى والمكروهِ الذى كان فيه
مِن الكافرين ، ومِن كربِ الطَّفانِ والغرقِ الذى هلَك به قومُ نوحٍ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢٦٣/١٠، و٤٠٩/١٢ - ٤١٣.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٥٦٠
سورة الصافات : الآيتان ٧٦، ٧٧
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُّ المُفَضَّلِ، قال: ثنا
أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَنََّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. قال: مِن
الغرقِ(١).
وقولُه: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُ الْبَاقِينَ﴾. يقولُ: وجعَلَنا ذريةَ نوح هم الذين بقُوا
فى الأرضِ بعدَ مَهْلِكِ قومِه. وذلك أن الناسَ كلَّهم مِن بعدِ مَهْلِكِ قومِ(١) نوحٍ إلى
اليومٍ ، إنما هم ذريةُ نوحٍ، فالعَجَمُ والعربُ أولادُ سامٍ بنِ نوح، والتّركُ والصَّقالِيةُ
والخَزَّرُ أولادُ يافثَ بنِ نوحٍ، والسودان أولادُ حامٍ بنِ نوحٍ. وبذلك جاءتِ الآثارُ،
وقالتِ العلماءُ.
(٣ ذكرُ مَن قال ذلك"
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ عَثْمةً، قال: ثنا سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن
قتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ، عن النبيِّ عَِّ فى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ
الْبَاقِينَ﴾. قال: ((سامٌ، وحاتمٌ، ويافثُ))(٤) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَجَعَلْنَا
ذُرِيََُّ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. قال: فالناسُ كلُّهم مِن ذريةِ نوحٍ(٥).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) سقط من: م، ت ٢.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١.
(٤) أخرجه الترمذى (٣٢٣٠) من طريق ابن عثمة به، وأخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير
١٩/٧ - من طريق سعيد بن بشير به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى ابن مردويه.
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩/٧ عن سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٨/٥ إلى المصنف
وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .