Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ سورة فاطر: الآيات ٢٤ - ٢٦ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ (١). يقولُ: وما مِن أمةٍ مِن الأمم الخاليةِ(٢) الدائنةِ بِلَّةٍ، إلا خَلا فيها مِن قبلِك "نذيرٌ، ينذرُهم) بأسَنا على كفرِهم باللّهِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ : كلُّ أمةٍ كان لها رسولٌ(٤). وقولُه: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه، مُسَلِّيًّا نبيَّه صلى [٧١/٣٦ظ] اللهُ عليه وسلم فيما يَلْقَى مِن مُشرِكى قومِهِ مِن التكذيبِ: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ﴾ يا محمدُ، مُشرِكو قومِك، ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَّلِهِمْ﴾ مِن الأممِ الذين(٥) ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ رسلُنا(٢)، ﴿بِالْبَيَِّتِ﴾. يقولُ: بحُجَجٍ مِن اللّهِ واضحةٍ، ﴿وَبِالزُّبْرِ﴾. يقولُ: وجاءتْهم بالكتبِ مِن عندِ اللَّهِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِالْبَيْنَتِ وَبِالزُّبُرِ ﴾ . أى : الكتبِ . وقولُه: ﴿ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ ﴾. يقولُ: وجاءهم مِن اللَّهِ الكتابُ المنيرُ لّن تأمَّله وتدبَّره ، أنه الحقُّ . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾: يُضَعِّفُ(٧) الشىءَ وهو واحدٌ . (١) ليس فى : الأصل . (٢) سقط من: م، ت ١. (٣ - ٣) فى الأصل: ((نذيرا تنذرهم)). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم . (٥) ليس فى : الأصل . (٦) فى م: (( رسلهم)). (٧) قوله : يضعف ، يريد التكرار، والله أعلم. وقد ذكر البغوى فى تفسيره أن تكرار الكتاب بعد الزبر على طريق التأكيد، وذكر القرطبى أنه تكرار لاختلاف اللفظين. البغوى ٦/ ٤١٨، القرطبى ١٤/ ٣٤١. ٣٦٢ سورة فاطر : الآيات ٢٦ - ٢٨ وقولُه: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرٍ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أَهْلَكْنا الذين جَحَدوا رسالةً(١) رُسُلِنا، وحقيقةً ما دعَوهم إليه مِن آياتِنا ، وأصرُّوا على مُجُودِهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرٍ﴾. يقولُ: فانظُرُ) يا محمدُ كيف كان تَغْيِيرى لهم(٢)، وحلولُ عُقوبتى بهم (٤). ١٣١/٢٢ /القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌأْ بِيِضُ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُهَا وَغَابِبُ وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآنِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُّ أَلْوَنُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا سُودٌ يَا ٢٨ يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ يقولُ تعالى ذكره: ألم تَرَيا محمدُ أن اللَّهَ أَنْزَل مِن السماءِ ﴿مَآءَ﴾(٥): غيئًا، فَأَخْرَجْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾. يقولُ: فسَقْيناه أشجارًا فى الأرضِ، فأخرَجْنا به مِن تلك الأشجارِ ثمراتٍ مختلفًا ألوانُها ؛ منها الأحمرُ، ومنها الأسودُ، والأصفر، وغير ذلك من ألوانِها. ﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدًا بِيِضٌ وَحُمْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : ومِن الجبالِ طَرائقُ، وهى الْجُدَدُ؛ وهى الخُطَطُ(١) تكونُ فى الجبالِ، بيضٌ وحمرٌ وسودٌ، كالطرقٍ ، واحدتُها جُدَّةٌ ، ومنه قولُ امرئِّ القيسِ() فى صفةٍ حمارٍ : (١) فى الأصل: ((رسالته))، وفى ت ١: ((آياتنا ورسالة)). (٢) فى الأصل: ((فانظروا)). (٣) فى م، ت ١: (( بهم). (٤) بعده فى ت ١: (( لا رب سواه )) . (٥) سقط من: م، ت ١. (٦) فى الأصل: ((الخلط))، وعنى بالخطط الجدد لا الطرائق. وينظر معانى القرآن للفراء ٣٦٩/٢. (٧) ديوانه ص ١٨١. ٣٦٣ سورة فاطر: الآيتان ٢٧، ٢٨ كَنَائِنُ يَجْرِى فَوْقَهُنَّ دَلِیصُ(١) كأنَّ سَرَّاتَهُ وَجِدَّةَ مَثْنِهِ يعنى بالجُدَّةِ: الخُطََّ السوداءَ تكونُ فى متنِ الحمارِ . وقولُه: ﴿تُخْتَلِفُّ أَلْوَتُهَا﴾. يعنى: مختلفٌ ألوانُ الجُدَدِ، ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ ، وذلك من المقدَّمِ الذى هو بمعنى التأخيرِ، وذلك أن العربَ تقولُ: هو أسودُ غِرْبِيبٌ . إذا وصَفوه بشدةِ السوادِ ، وجُعل هلهنا السوادُ صفةً للغرابيبِ . وقولُه : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآتِّ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُ " كَذَلِكََّ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ومِن الناسِ والدوابٌ والأنعامِ مختلفٌ ألوانُه ، كما مِن [٧٢/٣٦ظ] الثمراتٍ والجبالِ مختلِفٌ ألوانُه؛ بالحمرةِ والبياضِ والسوادِ والصفرةِ، وغيرِ ذلك. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً، فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾: أحمر وأخضرُ وأصفرُ، ﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضُ﴾: أى طرائقُ بيضٌ، ﴿وَحُمٌْ تُخْتَلِفُ أَلْوَانُهَا﴾: أى جبالٌ حمرٌ()، ﴿وَغَرَِبُ سُودٌ﴾: هو الأسودُ، يعنى لونَه، كما اختلَف ألوانُ هذه و(٤) اختلَف ألوانُ الناسِ والدوابٌّ والأنعامِ كذلك(٥). (١) سراته: ظهره، ومجدة ظهره: الخط الذى فى وسط ظهره، وكنائن، جمع كنانة، وهى الجعاب، ودليص : ذهب له بريق ؛ شبّه الخط الذى على ظهره بجعاب مذهبة . المصدر السابق. (٢ - ٢) سقط من: م، ت ١. (٣) بعده فى م: (( وبيص)). (٤) سقط من: م، ت ١. (٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٥/٢ عن معمر عن قتادة مختصرا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد . ٣٦٤ سورة فاطر: الآيتان ٢٨،٢٧ ١٣٢/٢٢ /حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيِضُ﴾: طرائقُ؛ بيضٌ وحمرٌ وسودٌ، وكذلك الناسُ مختلفٌ ألوانُهم . حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِىُّ(١)، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَثِيرٍ، عن الضحاكِ قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِضُ﴾. قال: هى طرائقُ؛ حمرٌ وسودٌ . وقولُه: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اٌلْعُلَمَوُاْ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يخافُ اللَّهَ فيَتَّقِى عقابَه بطاعتِه، العلماءُ؛ بقدرته على ما يشاءُ مِن شىءٍ ، وأنه يفعلُ ما يريدُ؛ لأن مَن علم ذلك ، أيقَن بعقابه على معصيته [٧٣/٣٦و]، فخافه ورهِبه ؛ خشيةً منه أن يُعاقِبُه . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىّ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾. قال: الذين يَعْلَمون أن اللَّهَ على كلِّ ج (٢) شیء قدیٌ . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾. قال: كان يقالُ: كفى بالرهبةِ علمًا (٣) . (١) فى الأصل: ((الابلى)). وقد تقدم فى ٥٠٠/٣ . (٢) أخرجه اللالكائى فى السنة (٩٤٥) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٠/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٣٥/٢ من طريق آخر عن قتادة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٥ إلی عبد بن حميد . ٣٦٥ سورة فاطر: الآيات ٢٨ - ٣٠ وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إِن اللَّهُ ﴿عَزِيزٌ﴾ فى انتقامِهِ ممن كفَر به، ﴿عَفُورُ﴾ لذنوبِ مَن آمَن به وأطاعَه . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ بِرًّا وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّنْ تَبُورَ لُِوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ: إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ يقولُ تعالى ذكرُه : إن الذين يقرءون كتابَ اللَّهِ الذى أنزله على محمدٍ عَلَه. ﴿ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾. [١٣/٣٦ظ] يقولُ: وأدَّوا) الصلاةَ المفروضةَ لمواقيتِها بحدودِها. وقال: ﴿ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾. بمعنى: ويقيمون(٢) الصلاةَ. وقولُه: ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ . يقولُ: وتصدَّقوا بما أعطيناهم من الأموالِ، ﴿سِرًّا﴾: فى خفاءٍ، ﴿ وَعَلَانِيَةٌ﴾: جهارًا. وإنما معنى ذلك أنهم يؤدُّون زكاةَ ذلك(١) المفروضةَ، ويتطوَّعون أيضًا بالصدقةِ منه بعد أداءٍ الفرضِ الواجبِ عليهم فيه. وقولُه: ﴿يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّنْ تَهُورَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : يرجون بفعلِهم(٤) ذلك تجارةً لن تبورَ. يعنى: لن تكْسُدَ ولن تَهلِكَ، من قولهم: بارتِ السوقُ. إذا كسَدتْ، وبار الطعامُ. وقولُه: ﴿تِحَرَةَ﴾. جوابٌ لأوَّلِ الكلامِ. وقولُهْ) ﴿ لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾. يقولُ: ويوفيهم اللَّهُ على فعلِهم ذلك، ثوابَ أعمالِهِم التى عمِلوها فى الدنيا ، ﴿ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾﴾ يقولُ: وكى يزيدَهم على الوفاءِ مِن فضلِهِ، ما هو له أهلٌ. وكان مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ (١) فى الأصل: ((وأقاموا أدوا))، وفى ت ١: ((وأداموا)). (٢) فى م: ((ويقيموا))، وبعده فى الأصل: ((الصلاة المفروضة لمواقيتها بحدودها)). (٣) سقط من: م. (٤) فى الأصل: (( بفعالهم )). (٥ - ٥) سقط من : الأصل. وينظر معانى القرآن للفراء ٣٦٩/٢. ٣٦٦ سورة فاطر: الآيتان ٣٠، ٣١ يقولُ : هذه آيةُ القراءِ. حدَّثنا محمدُ بنُّ بشارٍ ، قال : ثنا عمرُو بنُ عاصم، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه ، عن قتادةَ، قال: كان مطرفٌ إذا مرَّ بهذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ﴾. يقولُ: هذه آيةُ القراءٍ(١). ١٣٣/٢٢ /حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن یزیدَ ، عن مُطَرِّفٍ بنِ عبدِ اللهِ، أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال : هذه آيةُ القراءٍ (١) . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان [٧٤/٣٦ و] مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ يقولُ: هذه آيةُ القراءِ: ﴿لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ . وقولُه: ﴿ إِنَّهُ غَفُورُ شَكُورٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبِ هؤلاء القومِ الذين هذه صفتُهم ، شَكُورٌ لحسناتِهم . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورُ﴾ . إنه غفورٌ لذنوبِهم، شَكُورٌ لحسناتِهم(٢) . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ اُلْحَقُّ ٣١ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّدٍ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ. لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (١) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٧٩٤)، وأبو نعيم فى الحلية ٢٠٣/٢ من طريق آخر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/٥ إلى عبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٤٧٦، ٤٧٧، وأبو نعيم ٢٠٣/٢ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (٧٩٤) من طريق شعبة به . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم. ٣٦٧ سورة فاطر: الآيتان ٣١، ٣٢ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِنَبِ ﴾ يا محمدُ ، وهو هذا القرآنُ الذى أَنْزَله اللَّهُ عليه، ﴿هُوَ الْحَقُّ ﴾. يقولُ: هو الحقُّ، عليك وعلى أمتِك أَن تَعْمَلَ به، وتَتَّبَعَ ما فيه دونَ غيرِهِ مِن الكتبِ التى أُوحِيَت إلى غيرِك، مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيٍّ﴾. يقولُ: هو يُصَدِّقُ ما مضَى بينَ يديْه فصار أمامَه، من الكتبِ التى أَنْزَلْتُها إلى مَن قبلَك مِن الرسلِ . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّةٍ ﴾. للكتبِ التى خلَتْ قبلَه(١) . وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره : إن اللَّهُ بعبادِه لَذو علم وخبرةٍ [٧٤/٣٦ظ] بما يَعْمَلون، بصيرٌ بما يُصْلِحُهم مِن التدبير . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَّاً فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَهِ ذَلِكَ ٣٢ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى الكتابِ الذى ذكّر اللَّهُ فى هذه الآيةِ أنه أُوْرَثه الذين اصْطَفاهم مِن عبادِه، ومَن الْمُصْطَفَوْنَ(١) مِن عبادِه، والظالمُ لنفسِه؛ فقال بعضُهم : الكتابُ هو الكتبُ التى أَنْزَلها اللَّهُ مِن قبلِ الفُرقانِ ، والمصطَفَوْنَ مِن عبادِه أمةُ محمدٍ عَّهِ، والظالمُ لنفسِه أهلُ الإجرامِ منهم . (١) تقدم فى ١٨١/٥. (٢) فى الأصل، ت ١: ((المصطفين)). ٣٦٨ سورة فاطر : الآية ٣٢ ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنیمعاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ ١٣٤/٢٢ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَ الْكِنَبَ﴾ إلى قوله: ﴿اَلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. هم أمةُ محمدٍ عَظله، ورَّثهم اللَّهُ كلَّ كتابٍ أَنْزَله؛ فظالُهم يُغْفَرُ له، ومُقْتَصِدُهم يُحاسَبُ (١) حسابًا يسيرًا، وسابِقُهم يَدْخُلُ [٧٥/٣٦ و] الجنةً بغيرِ حسابٍ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عيسى، عن يزيدَ بنِ الحارثِ ، عن شَقيقٍ (٢) أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنه قال : هذه الأُمّةُ ثلاثةُ أثلاثٍ يومَ القيامةِ ؛ ثُلُثّ يَدْخُلون الجنةَ بغيرِ حسابٍ ، وثلُثّ يُحاسَبون حسابًا يسيرًا ، وتُلُثّ يَجِيئون بذنوبٍ عِظامٍ، حتى يقولَ : ما هؤلاء؟ وهو أعلمُ تبارك وتعالى ، فتقولُ الملائكةُ: هؤلاء جاءوا بذنوبٍ عِظامٍ، إلا أنهم لم يُشْرِكوا بك. فيقولُ الربُّ: أدْخِلوا هؤلاء فى سَعةِ رحمتى. وتلا عبدُ اللَّهِ هذه الآيةَ: ﴿ُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَاِنَّ﴾(٥). حدَّثنا (٢ محُميدُ بنُ مَسْعَدةً)، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثناعوفٌ (٢)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بنِ نوفلٍ، قال: ثنا كعبُ الأخبارِ أن الظالمَ لنفسِه مِن هذه الأمةِ ، (١ - ١) سقط من: الأصل. (٢) فى الأصل: ((يحاسبهم))، وفى ت ١: (( يحاسبه)). (٣) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٧٣) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/٥ إلی ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه . (٤) بعده فى م: ((عن))، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٤٨. (٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٣٤/٦ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/٥ إلى المصنف. (٦ - ٦) فى الأصل: ((محمد بن مسعود))، وينظر تهذيب الكمال ٣٩٥/٧. (٧) فى م: ((عون)). ٣٦٩ سورة فاطر: الآية ٣٢ والمُقْتَصِدَ، والسابقَ بالخيراتِ كلُّهم فى الجنةِ ، ألم تَرَ أن اللّهَ قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قولِه: ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾. حدَّثنى علىُ بنُ سعيدٍ (٢) الكِنْدُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ ، عن عوفٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ، قال: سمِعْتُ كعبًا يقولُ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: كلّهم فى [٧٥/٣٦ظ] الجنةِ. وتلا هذه الآية: ﴿ جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ . حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةً ، قال : ثنا مروانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ ، عن عوفٍ بنِ أبى جَميلةً(٣) ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بنِ نوفلٍ، قال: ثنا كعبٌ ، أن الظالمَ مِن هذه الأمةِ ، والمقتصدَ ، والسابقَ بالخيراتِ كلُّهم فى الجنةِ، ألم تَرَ أن اللَّهَ قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اُلْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قوله: ﴿لُغُوبٌ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾. قال: قال كعبٌ: فهؤلاء أهلُ النّارِ(٤). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةً، عن عوفٍ ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ الحارثِ يقولُ : قال كعبٌ : إن الظالمَ لنفسِه ، والمقتصدَ ، والسابقَ بالخيراتِ مِن هذه الأمةِ كلُّهم فى الجنةِ، ألم تَرَ أن اللَّهَ يقولُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَقْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾. حتى بلغ قوله: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهاَ﴾ . (١) أخرجه الحسين المروزى فى زوائده على زهد ابن المبارك (١٥٧١) عن يزيد بن زريع به . (٢) فى الأصل: ((مسعود))، وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٥٠. (٣) فى م: (( جبلة)). (٤) أخرجه البيهقى فى البعث (٧٠) من طريق مروان بن معاوية به ، وأخرجه الثورى فى تفسيره ص ٢٤٦، والبيهقى فى البعث (٧١) من طريق عوف به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٢/٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر . ( تفسير الطبرى ٢٤/١٩ ) ٣٧٠ سورة فاطر : الآية ٣٢ حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةً، قال: أخبرنا حميدٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ ، عن أبيه ، أن ابنَ عباسٍ سأل كعبًا عن قولِه تعالى : ◌ُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قوله: ﴿ بِإِذْنِ اللهِ﴾. فقال: تَماسَّتِ مناكبُهم وربّ الكعبةِ (١)، ثم أَعْطُوا الفضلَ بأعمالهم(١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن أبى إسحاقَ السَّبِيعِيِّ، فى هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ [٥٧٦/٣٦] أَصْطَفَيْنَا﴾. قال: قال أبو إسحاقَ: أَمَّا ما سمِعْتُ منذُ ستين سنةً، فكلُّهم (٣) ناچ). ١٣٥/٢٢ / ٢ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا الحكمُ" ، قال: ثنا عمرو، عن محمدِ ابنِ الحَنَفيةِ ، قال: إنها أُمَّةٌ مرحومةٌ ؛ الظالمُ مغفورٌ له، والمقتصدُ فى الجنانِ(٥) عندَ اللَّهِ، والسابقُ بالخيراتِ فى الدرجاتِ عندَ اللَّهِ(٢) . وقال آخرون : الكتابُ الذى أوْرَث هؤلاء القومَ، هو شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، والمُصْطَفَوْنَ هم أمةُ محمدٍ عَِّ ، والظالمُ لنفسِه منهم هو المنافقُ، وهو فى النارِ ، والمقتصدُ والسابقُ بالخيراتِ فى الجنةِ . (١) فى ت ١: ((كعب)). وهو لفظ رواية تفسير ابن كثير. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٣٥/٦ عن المصنف ، وأخرجه الحسين المروزى فى زوائده على زهد ابن المبارك (١٤١٣) من طريق حميد به، مطولا ، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٦/٢ من طريق عبد الله بن الحارث به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٣٥/٦ عن المصنف. (٤ - ٤) سقط من: م، ت ١. (٥) فى م: ((الجنات)). (٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٣٥/٦ عن المصنف، ورواه الثورى - كما فى تفسير ابن كثير ٥٣٦/٦ - من طريق ابن الحنفية به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم . ٣٧١ سورة فاطر: الآية ٣٢ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو عمارِ الحسينُ بنُ محُرَيْثٍ (١) المروزىُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن حسين بن واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾. قال : اثنان فى الجنةِ، وواحدٌ فى النارِ . حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: جعَل أهلَ الإِيمانِ على ثلاثةِ منازلَ، كقوله: ﴿ وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَبُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١]، ﴿ وَأَصْحَبُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ﴾ [ الواقعة: ٢٧]، ﴿ وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ ﴿ أَوْلَبِكَ الْمُقَرُّونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١]. فهم على هذا المثالِ". [٧٦/٣٦ظ] حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا الحسينُ، عن٢ يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌِّ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ الآية، قال: الاثنان فى الجنةِ، وواحدٌ فى النارِ، وهى بمنزلةِ التى فى الواقعةِ: ﴿وَأَصْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ الْيَمِينِ﴾، ﴿ وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَّا أَصْحَبُ الشِّمَالِ ﴾، ﴿وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ﴿ أُوْلَكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٤). حدَّثنا سهلُ بنُ موسى ، قال : ثنا عبدُ المجيدِ ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ فی قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ.﴾. (١) فى الأصل: ((الحارث))، وينظر تهذيب الكمال ٣٥٨/٦. (٢ - ٢) فى الأصل: ((هذه المنازل)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٢/٥ إلى المصنف وابن مردويه ، وأخرجه الثورى فى تفسيره ص٢٤٦ من طريق آخر عن ابن عباس . (٣ - ٣) فى الأصل: ((الحسن بن)). (٤) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٣١٣/٣. ٣٧٢ سورة فاطر: الآية ٣٢ قال: هم أصحابُ المَشْأَمةِ. ﴿وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾. قال: هم أصحابُ المَيْمَنةِ . وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾ . قال: هم السابقون مِن الناسِ كلِّهم. حدَّثنا الحسنُ(١) بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، قال: قال عوفٌ ، قال الحسنُ : أما الظالمُ لنفسِه فإنه هو المنافقُ ، سقَط هذا، وأما المقتصدُ والسابقُ بالخيراتِ فهما صاحبا الجنةِ () . حدَّثْنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عوفٍ ، قال: قال الحسنُ: الظالمُ و (٣) لنفسِه المنافقُ(٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اُلْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِناً﴾: شهادة أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لَّنَفْسِهِ،﴾: هذا المنافقُ - فى قولٍ قتادةً والحسنِ - ﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾. قال: هذا صاحبُ اليمينِ، ﴿ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾. قال: هذا الْمُقَرَّبُ . قال قتادةُ: كان الناسُ ثلاثةَ منازلَ فى الدنيا ، وثلاثةَ منازلَ عندَ الموتِ، وثلاثةَ [٧٧/٣٦ و] منازلَ فى الآخرةِ ، أما الدنيا ، فكانوا: مؤمنٌ، ومنافقٌ، ومشركٌ، وأما عندَ الموتِ ، فإِن اللَّهَ وَأَمَّ إِن كَانَ فَرَوْعُ وَرَتْجَانٌ وَحَثَّتُ نَعِيمٍ قال: ﴿ فَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَسَلَهٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبٍ / اُلْيَمِينِ ١٣٦/٢٢ مِنْ أَصْحَبِ آلْيَمِينِ وَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٩١ (٩) وَتَصْلِيَّةُ جَحِيمٍ ﴾ [ الواقعة: ٨٨- ٩٤]. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ اَلْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِينُّ ٨ وأما فى الآخرةِ فكانوا أزواجًا ثلاثة، ﴿ فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ (١) فى الأصل: ((الحسين))، وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٢٠١. (٢) أخرجه البيهقى فى البعث (٧٥) من طريق مروان بن معاوية به ، وأخرجه فى (٧٦) من طريق عوف به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٢/٥ إلى عبد بن حميد. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٥/٢ عن معمر عن الحسن. ٣٧٣ سورة فاطر : الآية ٣٢ وَأَصْحَبُ اٌلْشِئَعَةِ مَآ أَصْحَبُ اَلَْشَْمَةِ [ الواقعة : ٨ - ١١] . ٩ وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ١٠ (١ أُوْلَكَ الْمُقَرَبُونَ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أُصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِّمُ لِنَفْسِهِ﴾. قال: هم أصحابُ المشْأَمةِ، ﴿ وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾. قال: أصحابُ الميمنةِ. ﴿ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾. قال: فهم السابقون مِن الناسِ كلِّهم(٢) . حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا " قُرّةُ، عن الضحاكِ فى قولِه): ﴿ُثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَتَنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. قال: سقَط هذا. ﴿ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: سَبَق هذا بالخيراتِ، وهذا مُقْتَصِدٌ على أَثَرِهِ. وأولى الأقوالِ فى تأويلِ ذلك بالصوابِ: تأويلُ مَن قال: عُنى بقولِه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اُلْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾. الكَتُبُ التى أُنْزِلت مِن قَبْلِ القُرْقَانِ . فإن قال قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، وأمَّةُ محمدٍ عِلِ لا يَتْلُون غيرَ [٧٧/٣٦ظ] كتابِهم، ولا يَعمَلُون إلا بما فيه مِن الأحكامِ والشرائع؟ قيل: إن معنى ذلك على غيرِ الذى ذهبتَ إليه ، وإنما معناه: ثم أَوْرَثْنا الإيمانَ بالكتابِ ، الذین اصْطفَيْنا؛ فمنهم مؤمِنون بكلِّ كتابٍ أنزَله اللَّهُ مِن السماءِ قبلَ کتابِھم وعامِلون به ؛ (١) أخرج عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٥/٢ قوله: ((هذا منافق)) عن معمر عن الحسن وقتادة ، وعزاه - أى اللفظ المطول - السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٢/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم. (٣ - ٣) فى م: ((عيسى وحدثنى الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبى نجيح عن مجاهد)). ٣٧٤ سورة فاطر : الآية ٣٢ لأن كلَّ كتابٍ أُنْزِل مِن السماءِ قبلَ الفُرْقَانِ، فإنه يأْمرُ بالعملِ بالفُرْقانِ عندَ نُزُولِهِ، وباتِّباعِ مَن جاء به، وذلك عملُ مَن أقرَّ بمحمدٍ عَظله ، وبما جاء به، وعَمِل بما دعاه إليه ، بما فى الفرقانِ وبما فى غيرِهِ مِن الكُتُبِ التى أَنْزِلت قَبْلَه. وإنما قلنا(١): عُنى بقولِه: ﴿ثُمَّ أَوْرَقْنَا الْكِنَبَ﴾. الكُتُبُ التى ذَكَوْنا؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثَنَاؤُه قال لنبيُّه محمدٍ عَظَه: ﴿ وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِنَبِ هُوَ اٌلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْدٍ﴾. ثم أَتْبَع ذلك قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا﴾. فكان معلُومًا - إذ كان معنى الميراثِ إنما هو انْتِقالُ معنىٌ مِن قومٍ إلى آخرِين، ولم تكن أَمَّةٌ على عَهْدِ نبيِّنا مِِّ انْتَقل إليهم كتابٌ مِن قومٍ كان (١١ قَبْلَهم غيرَ أَمَّتِه - أن ذلك معناه. وإذا كان ذلك كذلك، فَبَيِّنٌّ أن المصطفَيْنَ مِن عبادِه هم مُؤمِنو أُمَّتِهِ، وأمَّا الظالمُ لنفْسِه، فإنه لَأن يكونَ مِن (٢) أهلِ الدُّنوبِ والمعاصِى ، التى هى دونَ النفاقِ والشِّرْكِ عندِى، أشبَهُ بمعنى الآيةِ ، مِن أن يكونَ المنافقَ أو الكافرَ، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكْرُه [٧٨/٣٦و) أَتْبَع هذه الآيةَ قولَه: ﴿ جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾. فعمَّ بدُخُولِ الجنَّةِ جميعَ الأصنافِ الثلاثةِ . فإن قال قائلٌ: فإن قولَه: ﴿ يَدْخُلُونَهَا﴾. إنما ◌ُنى به: المُقُتصدُ والسابقُ. قِيل له : وما يُرهانُك على أن ذلك كذلك مِن خبرٍ أو عقلٍ؟ فإن قال : قيامُ الحُجّةِ ، بأن ١٣٧/٢٢ الظالمَ مِن هذه الأمّةِ سيدخلُ(٤) النارَ، ولو لم يَدْخُلِ / النارَ من هذه الأصنافٍ الثلاثةِ أحدٌ ، وجَب ألا يكونَ لأهلِ الإِيمانِ وَعيدٌ . قيل: إنه ليس فى الآيةِ خبرٌ (١) فى م، ت١: ((قيل)). (٢) فى م: (( كانوا)). (٣) سقط من : الأصل . (٤) فى الأصل، ت ١: ((سيدخلون). ٣٧٥ سورة فاطر: الآية ٣٢ أنهم لا يَدْخُلون النارَ، وإنما فيها إخبارٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه، أنهم يَدْخُلون جناتٍ عَدْنٍ ، وجائزٌ أَن يَدْخُلَها الظالمُ لنفسِه بعدَ عقوبةِ اللَّهِ إياه على ذنوبِه التى أصابَها فى الدنيا ، وظلمِه نفسَه فيها ، بالنارِ ، أو بما شاء مِن عقابِهِ، ثم يُدْخِلُه الجنةَ ، فيكونُ ممن عمَّه خبرُ اللَّهِ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ . وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ عَ لَه بنحوِ الذى قلنا مِن ذلك أخبارٌ، وإن كان فى أسانيدِها نظرٌ، مع دليلِ الكتابِ على صحتِه، على النحوِ الذى يَنتُ . ذكرُ الروايةِ الواردةِ بذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ (١)، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ قال: ذكَر أبو ثابتٍ "قال: دخَل رجلٌ المسجدَ، فجلَس إلى [٧٨/٣٦ظ] جنبٍ أبى الدرداءِ، فقال: اللهم آنِسْ وَحْشَتى، وارْحَمْ غُرْبتى، ويسِّرْ لی جليسًا صالحًاً. فقال أبو الدرداءٍ: لئن كنتَ صادقًا لأنا أسعدُ به منك، سأُحَدِّثُك حديثًا سمِعْتُه من رسولِ اللَّهِ مَِّعِ، لم أَحَدِّثْ به منذُ سمِعْتُه ذكَر هذه الآيةَ، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم ◌ُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾، فأما السابقُ بالخيراتِ فِيَدْخُلُها بغيرِ حسابٍ، وأما المُقْتَصِدُ فيُحاسَبُ حسابًا يسيرًا، وأما الظالمُ لنفسِه فيُصِيبُه فى ذلك المكانِ مِن الغمِّ والحزنِ ، فذلك قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنَّ﴾(٣). (١) فى ت ١: ((الزهرى))، وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٧٦. (٢ - ٢) فى م: ((أنه دخل المسجد))، وفى ت ١: ((قال دخل المسجد)). (٣) أخرجه أحمد ٥/ ١٩٤، ٤٤٤/٦ (اليمنية)، وابن أبى الدنيا فى الأهوال (٢٧٦) ، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٥٣٤/٦- والبغوى فى تفسيره ٤٢١/٦ من طريق الثورى به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٢٦، والبيهقى فى البعث (٦٢)، من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/٥ إلى الفریابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والطبرانى . ٣٧٦ سورة فاطر : الآية ٣٢ حدَّثنا ابنُ بشَّارِ (١) ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الوليدِ بنِ العَيزَارِ() ، أنه سمِع رجلًا مِن ثَقِيفٍ، حدَّث عن رجلٍ مِن كِنانةَ، عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ، عن النبيِّ مَّمِ أنه قال فى هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِناً فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾ . قال: ((هؤلاء كلُّهم بمنزلةٍ واحدةٍ، وكلُّهم فى الجنةِ))(١). وعُنِى بقولِه: ﴿ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾: الذين اخْتَوْناهم لطاعتِنا واجْتَبَيْناهم. وقولُه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فمِن هؤلاء الذين اصْطَفَيْنا مِن عبادِنا، مَن يَظْلِمُ نفسَه ؛ بركوبِهِ المآثمَ ، واجترامِه المعاصىّ ، واقترافِه الفواحشَ، [٥٧٩/٣٦] ﴿ وَمِنْهُم ◌ُقْتَصِدٌ﴾. وهو غيرُ الُالِغِ فى طاعةِ ربِّه، وغیرُ المجتهدِ (* فيها لربِّه مِن خدمتِه)، حتى يكونَ عملُه فى ذلك قصداً، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ ﴾. وهو المُرِّزُ " فى طاعةِ اللَّهِ) الذى قد تقَدَّم المجتهدين فى ١١ خدمةِ ربِّه، وأداءٍ ما ألزَمه (١٧) مِن فرائضِه، فسبَقَهم بصالحاتٍ (٨) الأعمالِ، وهى الخيراتُ التى قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: بتوفيقِ اللَّهِ إِياه لذلك. (١) فى م، ت ١: ((المثنى)). (٢) فى م: ((المغيرة))، وينظر تهذيب الكمال ٦٤/٣١. (٣) أخرجه الترمذى (٣٢٢٥) عن محمد بن المثنى به ، وأخرجه أحمد ٢٧٠/١٨ (١١٧٤٥) عن محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسى (٢٣٥٠)، والبيهقى فى البعث (٦٢)، كلاهما من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه. (٤ - ٤) فى م: ((فيما ألزمه من خدمة ربه))، وفى ت ١: (( فيها ألزمه من خدمته)). (٥ - ٥) سقط من: م. (٦) سقط من: م، ت ١. (٧) فى م: ((لزمه)). (٨) فى م: ((بصالح)). ٣٧٧ سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٤ وقولُه: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكره : سبوقُ هذا السابقِ مَن سبقه بالخيراتِ بإذنِ اللهِ؛ هو الفضلُ الكبيرُ الذى فضَل به مَن كان مُقَصِّرًا عن منزلتِه فى طاعةِ اللهِ ؛ مِن المقتصدِ والظالمِ لنفسِه . /القولُ في تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ ١٣٨/٢٢ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَّا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِبِرٌ ) وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا ٣٣ اَلْحَزَنَّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه : بَساتينُ إقامةٍ ، يدخلُها هؤلاء الذين أوْرَثْناهم الكتابَ ؛ الذين اصْطَفَيْنا مِن عبادِنا يومَ القيامةِ، ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾: يُلْبَسون فى جناتٍ عدنٍ أَسْوِرةٌ [٧٩/٣٦ظ] مِن ذهبٍ وَلُؤْلُؤا﴾، ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ﴾. يقولُ: ولباشُهم فى الجنةِ حريرٌ. وقولُه: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَّ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الحَزَنِ الذى حَمِد اللَّهَ على إذهابِهِ عنهم هؤلاء القومُ ، فقال بعضُهم: ذلك الحزَنُ الذى كانوا فيه قبلَ دخولهم الجنةَ مِن خوفِ النارِ، إذ كانوا خائفين أن يَدْخُلوها . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی قتادةُ بنُ سعيدِ بنِ قتادةَ السَّدوسيُّ ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ صاحبُ الدَّسْتُوائی ، قال : حدثنى أبی ، عن عمرو بنِ مالك ، عن أبى الجوزاءِ ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ﴾. قال: حَزَنَ النارِ(١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا ابنُ المباركِ ، عن معمرٍ ، عن يحيى بنِ المختارِ، عن (١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهم والحزن (٢٥)، والحاكم ٤٢٧/٢ من طريق معاذ بن هشام به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم . ٣٧٨ سورة فاطر : الآية ٣٤ الحسنِ: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾. قال: إن المؤمنين قومٌ ذُلُلٌ، ذَلَّت واللَّهِ الأسماع والأبصارُ والجوارح، حتى يَحْسَبَهم الجاهلُ مَرْضَى، وما بالقومِ مِن مرضٍ، وإنهم لأصِحَّةُ القلوبِ، ولكن دخَلَهم مِن الخوفِ ما لم يَدْخُلُ غيرَهم، ومنَعَهم من الدنيا علمُهم بالآخرةِ، فقالوا: ﴿ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ؟ واللَّهِ ما حزنهم حزَنُ الدنيا ، ولا تَعاظَم فى أنفسِهم ما طلَبوا به الجنةَ ، أبكاهم الخوفُ مِن النارِ ، وإنه مَن لا يَتَعَزَّ بعزاءِ اللَّهِ يَقْطَعْ نفسَه على الدنيا ( ٨٠/٣٦و] حَسَراتٍ، ومَن لم يَرَ للَّهِ عليه نعمةً إلا فى مَطْعَم أو مَشْرَبٍ، فقد قلَّ علمُه، وحضَر عذابُه(١). وقال آخرون: ◌ُنِى به الموتُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةً فى قوله : اُلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَّ﴾. قال: الموتَ(١). وقال آخرون: عُنِى به حَزَنُ الخُزِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ ، عن حفص - یعنی ابنَ حمیدٍ - عن شِمْرِ قال : لما أدْخَل اللَّهُ أهلَ الجنةِ الجنةَ، قالوا: ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنَّ﴾. قال: حَزَنَ الخُجْزِ(٣). (١) تقدم تخريجه فى ٤٩٣/١٧. (٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهم والحزن (٢٦) من طريق ابن إدريس به . (٣) أخرجه الحسين المروزى فى زوائده على ابن المبارك (١٥٧٠) من طريق آخر عن شمر بلفظ : حزن الطعام ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبى الدنيا وابن أبى حاتم والبيهقى فى شعب الإيمان . ٣٧٩ سورة فاطر : الآية ٣٤ ١٣٩/٢٢ /وقال آخرون : عنَى بذلك الحزَنَ مِن التعبِ الذى كانوا فيه فى الدنيا . ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَقَالُواْ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَّ﴾. قال: كانوا فى الدنيا يعملون وينصَبون، وهم فى خوف أو يحزنون(١). وقال آخرون : بل عنَى بذلك الحزَنَ الذى ينالُ الظالمَ لنفْسِه فى موقفِ القيامةِ . ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال [٨٠/٣٦ظ]: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، قال: ذكّر أبو ثابتٍ أن أبا الدرداءِ قال: سمِعتُ رسولَ اللّهِ وَ العِ يقولُ: (( أمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِه، فَيُصيبُه فى ذلك المكانِ مِن الغمِّ والحزَنِ، فذلك قولُه: ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنَّ﴾))(٢). وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقال : إن اللَّهَ تعالى ذكْرُه أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرَمهم به، أنهم قالوا حينَ دخَلوا الجنةً: ﴿ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ﴾. وخوفُ دخولِ النارِ مِن الحزَنِ، والجزَمُ مِن الموتِ مِن الحزَنِ، والجزَعُ مِن الحاجةِ إلى المطعم مِن الحزَنِ، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ إذ أخبَر عنهم أنهم حمِدوه على إِذْهَابِهِ الحَزَّنَ عنهم ، نوعًا(١) دونَ نوعٍ، بل أخبَر عنهم أنهم عمُّوا جميعَ أنواعِ الحزّنِ بقولهم ذلك، وكذلك ذلك؛ لأن مَن دخَل الجنةَ فلا حزّنَ عليه بعدَ ذلك، فحمْدُهم اللَّهَ على إِذْهَابِهِ عنهم جميعَ معانى الحزَنِ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٥ إلى عبد بن حميد والمصنف. (٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٧٥ ، مطولًا . (٣) فى الأصل، ت ١: (( أن حمدهم ذلك كان منهم على نوع من إذهابه الحزن عنهم)). ٣٨٠ سورة فاطر : الآيتان ٣٤، ٣٥ وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه مخبرًا عن قيلِ هذه الأصنافِ الذين أخبَر أنه اصْطَفاهم مِن عبادِه عندَ دخولهم الجنةَ: إن ربّنا لغفورٌ لذُنوپٍ عباده الذين تابوا مِن ذُنوپھم، فساتژُها علیهم بعفوِه لهم عنها ، شکورٌ لهم على طاعتِهم إياه، وصالح ما قدَّموا فى الدنيا [٨١/٣٦ر] مِن الأعمالِ. وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ ﴾ . حسناتهم() . حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾: غفَر لهم ما كان مِن ذنبٍ، وشكر لهم ما كان مِنهم . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿الَّذِىّ أَحَّثَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فِيَهَا ١٣٥ نَصَبٌّ وَلَا يَمَشُّنَا فِيَهَا لُغُوبٌ يقولُ تعالى ذكْرُه مخبرًا عن قيلِ الذين أُدْخِلوا الجنةَ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ (٣٦َ الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾. أى: ربّنا الذى أَنزَلنا هذه الدارَ، يَعْنون الجنةَ، فـ ((دَارُ المقامةِ)) دارُ الإقامةِ التى لا نُقْلَةَ معها عنها ولا تحوُّلَ. والميمُ إذا ضُمَّت من ﴿ الْمُقَامَةِ ﴾، فهى مِن الإقامةِ، وإذا فُتِحت فهى مِن المَجْلسِ والمكانِ الذى يُقامُ فيه، قال الشاعرُ : (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، وتقدم فى ص٣٦٦. (٢) أخرجه البيهقى فى الشعب (٢٧٢، ٧١٤٢، ٧١٤٨) من طريق آخر عن شمر بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبى الدنيا وابن أبى حاتم. (٣) تقدم فى ص ٢١٩ .