Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة سبأ : الآية ١٤
/ حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى ٧٥/٢٢
حديثٍ ذكَره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ الهَمْدَانيّ ،
عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ مَ لِ قال: كان سليمانُ يَتَجَرَّدُ
فى بيتِ المقدسِ السنةَ والسنتين ، والشهرَ والشهرين، وأقلَّ من ذلك وأكثرَ، يُدْخِلُ
طعامه وشرابَه، فأدخَله فى المرةِ التى مات فيها ، ( فكان بَدْءُ ذلك أنه لم يَكُنْ يومٌ
يُصْبِحُ فيه إلا " نَبَتَت فى بيتِ المقدسِ) شجرةٌ، فيأتِيها(٢) فيَسْألُها: ما اسمُكِ؟
فتقولُ الشجرةُ: [١٦/٣٦ظ] اسمى كذا وكذا. فيقولُ لها: لأىِّ شىءٍ نَبَتِّ ؟
فتقولُ: نَبَتُّ لكذا وكذا. فيَأْمُرُ بها فتُقْطَعُ، فإن كانت نبَتت لغرسٍ غَرَسها ، وإن
كانت نبتَت لدواءٍ قالت : نَبَتُّ دواءً لكذا وكذا. فيَجْعَلُها لذلك، حتى نبتَت
شجرةٌ يقالُ لها : الخروبةُ. فسألها: ما اسمُك؟ فقالت: أنا الخرّوبةُ . قال: ولأىّ
شىءٍ نبَتِّ ؟ قالت : لخرابِ هذا المسجدِ. قال سليمانُ: ما كان اللهُ ليُخْرِبَه وأنا
حىٌّ، أنتِ التى على وَجْهِك هلاكى وخرابُ بيتِ المقدسِ. فَنزَعها وغرَسها فى
حائطٍ له، ثم دخَل المحرابَ، فقام يُصَلِّى مُتَّكِئًا على عصاه، فمات ولا تَعْلَمُ به
الشياطينُ فى ذلك، وهم يَعْمَلون له ، يَخافون أن يَخْرُجَ فيُعاقِبَهم . وكانت الشياطينُ
تَجْتُمِعُ حولَ المحرابِ ، وكان المحرابُ له كُوَّى بينَ يديه وخلفَه، فكان الشيطانُ الذى
يُرِيدُ أن يَخْلَعَ، يَقولُ: ألستُ جَلِيدًا(٤) إِن دخَلتُ فخرَجتُ مِن ذلك الجانبِ،
( فِيَدخُلُ حتى يخرجَ مِن الجانِبِ " الآخَرِ، فدخل شيطانٌ مِن أولئك فمًّ، ولم يَكُنْ
(١ - ١) فى م: ((و))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فكان يرى)).
(٢ - ٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((تنبت فيه))، وفى ت ١: (( نبت فيه)).
(٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٤) الجلدُ: الشدة والقوة والصبر والصلابة. التاج (ج ل د).
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
( تفسير الطبرى ١٦/١٩ )

٢٤٢
سورة سبأ : الآية ١٤
شيطانٌ يَنْظُرُ إلى سليمانَ فى المحرابِ إِلا احترَق، فمرَّ ولم يَسْمَعْ صوتَ سليمانَ عليه
السلامُ، ثم رجَع فلم يَسْمَعْ، ثم رجَع فوقَع فى البيتِ فلم يَحْتَرِقْ، ونظَر إلى سليمانَ
قد سقَط مَيًّا، فخرَج فأخبر الناسَ أن سليمانَ قد مات ، ففتحوا (١) عنه، فأخرَجوه،
ووجَدوا مِنْسَأْتُه، وهى العصا بلسانِ الحبشةِ، قد أكَّلتها الأَرَضَةُ ، ولم يَعْلَموا منذُ
كم مات، فوضَعوا الأَرَضَةَ على العصا، فأكَلت منها يومًا وليلةً ، ثم حسبوا على
ذلك النحوِ، فوجدوه قد [١٧:٣٦ و] مات منذُ سنةٍ. وهى فى قراءةِ ابنٍ مسعودٍ :
(فمكثوا يَذْأبون(٢) له من بعدٍ موتِه حولًا كاملًا)(٢). فأيْقَن الناسُ عندَ ذلك أن الجنَّ
كانوا يَكْذِبونهم، ولو أنهم علموا الغيبَ لعلموا بموتٍ سليمانَ، ولم يَلْبَثوا فى
العذابِ سنةً يَعْمَلون له، وذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ مَا دَلَّمْ عَلَى مَوْيِةٍ إِلَّا دَابَّةُ
اْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَنَُّ فَلَمَّا خَرَّ تَيِّنَتِ اَلِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ
فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. يقولُ: تَبَيَّ أمرهم للناسِ أنهم كانوا يَكْذِبونهم. ثم إن
الشياطين قالوا للأرضَةِ : لو كنتِ تَأْكُلين الطعامَ أَتَتِناكِ بأطيبِ الطعامِ، ولو كنتٍ
تَشْرَبين الشرابَ سَقَيْناكِ أطيبَ الشرابِ ، ولكنَّا سَنَنْقُلُ إليكِ الماءَ والطّينَ، قال :
فهم ينقُلون ذلك حيثُ كانت. قال: ألم تَرَ إلى الطين الذى يكونُ فى جوفٍ
الخشبِ فهو ما يأتيها به الشياطينُ شكرًا لها (4).
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال: كانت الجنُّ تُخْبِرُ
الإنسَ أنهم كانوا يَعْلَمون من الغيبِ أشياءَ، وأنهم يَعْلَمون ما فى غدٍ ، فابتُلوا بموتٍ
(١) فى الأصل: ((فتنحوا)).
(٢) فى تاريخ المصنف: ((يدينون)).
(٣) وهى قراءة شاذة .
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٠٢/١، ٥٠٣، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٣٥٣/٢، ٣٥٤، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٩/٥ إلى ابن أبى حاتم.

٢٤٣
سورة سبأ : الآية ١٤
سليمانَ ، فمات فلبِث سنةً على عصاه، وهم لا يَشْعُرون بموتِه، وهم مُسَخَّرون تلك
السنةَ يَعْمَلون دائبِين، ﴿فَلَمَّا خَرَّ نَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، وفى بعض القراءةِ (فلما خرّ
تَبْيَّنْتِ الإِنسُ أنَّ الجنّ ) لَوْ كانُوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا فى العذابِ المهينِ)، ولقد
لِثُوا يَدْأَبون ويَعْمَلون له حولًاً(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ مَا دَلَّمْ
عَلَى مَوْتِةٍ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَنَّهُ﴾. قال: قال سليمانُ لملَكِ الموتِ:
يا ملكَ الموتِ، إذا أُمِرتَ بى / [١٧/٣٦ ظ] فَأَعْلِمْنى. قال: فأتاه فقال: يا سليمانُ، ٧٦/٢٢
قد أُمِرِثُ بك ، قد بقِيَت لك سُوَيعَةٌ . فدعا الشياطينَ ، فبنوا عليه صرحًا من قواريرَ،
ليس له بابٌ ، فقام يُصَلِّى، واتَّكَأُ على عَصاه، قال: فدخَل عليه مَلَكُ الموتِ ،
فقبض رُوحَه وهو مُتَّكِئٍّ على عَصاه، ولم يَصْنَعْ ذلك فِرارًا مِن مَلكِ الموتِ . قال :
والجنُّ تَعْمَلُ بينَ يديه، ويَنْظُرون إليه، يحسبون أنه حىّ. قال: فبعث اللهُ دابةً
الأرضِ - قال: دابةٌ تَأْكُلُ العِيدانَ يقالُ لها: القادِحُ - فدخَلت فيها فأكّلتها ، حتى
إذا أُكَلت جوفَ العصا ضعُفت وثقُل عليها ، فخرَّ مَيًّا. قال: فلما رأت الجنُّ ذلك،
انفَضُّوا وذهبوا. قال: فذلك قوله: ﴿ مَا دَلَّْ عَلَى مَوْقِهِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ
مِنْسَأَتَهُ﴾ . قال: والمنْسَأَةُ: العصا(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، قال: كان سليمانُ بنُ داودَ
يُصَلِّى فمات وهو قائمٌ يُصَلِّى، والجنُّ يَعْمَلون، لا يَعْلَمون بموتِه، حتى أُكَلت
الأَرَضَةُ عصاه فخَرَّ .
(١ - ١) سقط من: م، ت ١.
(٢) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف. والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٠/٥ إلى عبد بن حميد.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٣٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٠/٥ إلى ابن أبى حاتم .

٢٤٤
سورة سبأ : الايتان ١٤، ١٥
و ((أَنْ)) فى قولِه: ﴿ أَنْ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ فى موضعِ رفعٍ بـ «تَبَّنَ))؛ لأن
معنى الكلام: فلما خرَّ تَبَيَنَّ وانكشَف، أن لو كان الجنُّ يَعْلَمُون الغيبَ ما لبثوا فى
العذاب المهينِ .
وأما على التأويلِ الذى تأوَّله ابنُ عباسٍ ؛ مِن أن معناه: تبيّنت الإنسُ الجنَّ. فإنه
يَنْبَغِى أَن تَكونَ ﴿أَنَ﴾ فى موضع نصبٍ بتكريرِها على ﴿ اَلْمِنُّ﴾، وكذلك
يَجِبُ على هذه القراءةِ أن تكونَ ﴿ اَلْجِنُّ ﴾ منصوبةٌ. غيرَ أنى لا أعلمُ أحدًا مِن قَرَأةِ
الأمصارِ يَقْرَأُ ذلك بنصبٍ ﴿اَلِْنُّ﴾، ولو نُصِبَت، كان فى قوله: ﴿نَّنْتِ﴾
ضميرٌ من ذكرِ الإنسِ .
[١٨/٣٦ ٥] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبٍَ فِي مَسْكَنِهِمْ(١)
ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنِ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُمْ بَلْدَةٌ طَيِبَةٌ وَرَبُّ
غَفُورٌ فِّ
قال أبو جعفرِ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ﴾ . أى لولد
سبأُ فى مساكنِهم(٢) علامةٌ بينةٌ وحجةٌ واضحةٌ ، على أنه لا ربَّ لهم إلا اللهُ الذى أنعم
عليهم النعمَ التى كانوا فيها .
وسباً (٢فيما رُوى٣) عن رسولِ اللهِ اسمُ أبى اليَمَنِ.
ذکر الرواية بذلك
حدّثنا أبو کریب ، قال : ثنا و کیٹ، عن أبى جناب" الكلبىّ ، عن يحيى بنِ
(١) فى الأصل، ت ٢، ت ٣: (( مساكنهم)) وهى قراءة كما سيأتى.
(٢) فى م: (( مسكنهم)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى الأصل: ((حباب))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حيان)). من مصادر الترجمة، وينظر تهذيب
الكمال ٢٨٤/٣١.

٢٤٥
سورة سبأ : الآية ١٥
هانئٌّ بن عروةَ المرادىِّ، عن رجلٍ منهم يُقالُ له : فَزْوَةُ بنُ مُسَيْكِ . قال : قلتُ : یا
رسولَ اللهِ ، أخبِرْنى عن سبأُ ما كان، رجلاً كان أو امرأةً ، أو جبلًا، أو واديًا(١) ؟
فقال: ((لا ، كان رجلاً من العربِ، وله عَشَرَةٌ، فتيمَّن منهم ستةٌ، وتشاءَم أربعةٌ
منهم؛ فأما الذين تَيَمَّنوا منهم؛ فكِنْدَةُ، وحِمْيرٌ، والأزْدُ، والأشعرِيُّون ومَذْحِجٌ،
وأَنْمارٌ الذين منها خَتْعَمٌ وبَجِيلَةُ، وأما الذين تشاءَموا؛ فعامِلةُ، وجُذَامٌ، وَخْمٌ ،
(٣)
وغَشَّانُ))(٣).
[١٨/٣٦ ظ] حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنى الحسنُ بنُ
الحكم ، قال: ثنا أبو سَبْرَةَ النَّخَعِىُ، / عن فروةَ بنِ مُسَيْكِ القَطيعىِّ، قال: قال ٧٧/٢٢
رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ، أخْبِرْنى عن سبأُ ما هو؛ أرضّ أو امرأةٌ؟ قال: ((ليس بأرضٍ ولا
امرأةٍ ، ولكنه رجلٌ ولَد (٤) عَشَرةً مِن الولدِ ، فتيامَن ستةٌ، وتشاءَم أربعةٌ ، فأما الذين
تشاءَموا؛ فَلَحْمٌ، وجُذَامٌ، وعامِلةُ، وغَسَانُ، وأما الذين تيامَنوا؛ فكِندةُ
والأشعرِيُّون والأزْدُ ومَذْحِجُ وحِمْيَرٌ وَأَنْمَارٌ)). فقال رجلٌ: ما أنمارٌ؟ قال: ((الذين
منهم خَتْعَمٌ وبَجیلةُ))(٥) .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا العَنْقَزِىُّ، قال : أخبرنى أسباطُ بنُ نَصرٍ ، عن يحبی
ابنِ هانىّ المرادىِّ، عن أبيه أو عن عمِّه - أسباطُ شكَّ فيه - قال: قدِم فَرْوةُ بنُ مُسَيكِ
على رسولِ اللهِ عَّهِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْنى عن سبأُ ؛ أجبلًا كان أو أرضًا؟
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ١٨/٣٢.
(٢) فى م، ت ١: ((دواب))، وفى ت ٢، ت ٣: ((دوابا)).
(٣) أخرجه أحمد - كما فى تفسير ابن كثير ٤٩٢/٦، وأطراف المسند ١٧٩/٥ - وعبد بن حميد - كما فى
تفسير ابن كثير - وابن قانع فى معجمه ٣٣٦/٢، والطبرانى ٣٢٣/١٨، ٣٢٤ (٨٣٤) من طريق أبى جناب به .
(٤) بعده فى الأصل: (( له)).
(٥) أخرجه الترمذى (٣٢٢٢) عن أبى كريب وعبد بن حميد به، وأخرجه أبو داود (٣٩٨٨)، والطبرانى
٣٢٤/١٨، ٣٢٥ (٨٣٦) من طريق أبى أسامة به .

٢٤٦
سورة سبأ : الآية ١٥
فقال: ((لم يَكُنْ جبلًا ولا أرضًا، ولكنه كان رجلاً من العربِ وُلِد له عشْرةُ قبائلَ)).
ثم ذكّر نحوَه، إلا أنه قال: ((وأنمارٌ الذين يقولون، منهم بَجِيلَةُ وخَتْعَمْ)) (١).
فإذ(١) كان الأمرُ كما رُوِى عن رسولِ اللهِ عَّهِ، من أن سبأ رجلٌ، فإِنَّ الإجراءَ
فيه وغيرَ الإِجراءِ معتدِلان؛ أما الإجراءُ، فعلى أنه اسمُ رجلٍ معروفٍ، وأما تركُ الإجراءِ
فعلى أنه اسمُ قبيلةٍ أو أرضٍ. وقد قرأ بكلٍ واحدةٍ منهما علماءُ من أهلِ القراءةِ .
واختلفَت القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: (فى مساكنِهم )؛ فقرأته عامةُ قرَأَةِ المدينةِ
والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (فى مساكنهم ) على الجماع، بمعنى منازلٍ آلٍ سباً .
وقرأ ذلك عامةٌ [١٩/٣٦ و] قرَأَةِ الكوفيِّين: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ على التوحيد وبکسٍ
الكافِ، وهى لغةً لأهلِ اليمنٍ فيما ذُكِر لى. وقرَأ حمزةُ: (مَسْكَنِهم) على
التوحيد وفتحِ الكافٍ(6).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا أن كلَّ ذلك قراءاتٌ مَشهوراتٌ(٥)
متقارباتُ المعنى ، فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿مَايَّةٌ﴾: قد بيَّنَا معناها قبلُ(٢).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٢/٦ عن المصنف، وأخرجه البخارى فى تاريخه ١٢٦/٧، وابن أبى عاصم
فى الآحاد والمثانى (١٧٠٠، ٢٤٦٩)، والطبرانى ٣٢٦/١٨ (٨٣٨)، والحاكم ٤٢٤/٢ من طريق سعيد عن
فروة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣١/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٢) فى م، ت ١: ((فإن))، وفى ت ٣: ((فإذا)).
(٣) قرأ أبو عمرو وابن كثير فى رواية البزِّى ((سبأَ)) بفتح الهمزة من غير تنوين، وقرأ ابن كثير فى رواية قنبل
بإسكان الهمزة، وقرأ الباقون بالخفض والتنوين . النشر ٢٥٣/٢.
(٤) قراءة ( مساكنهم ) بالجمع هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر.
وقراءة ﴿مسكِنِهم﴾ على التوحيد وكسر الكاف هى قراءة الكسائى، وقراءة (مسكّنِهم) على التوحيد وفتح
الكاف هى قراءة عاصم فى رواية حفص وحمزة . ينظر السبعة ص ٥٢٨، والتيسير ص ١٤٦.
(٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) ينظر ما تقدم فى ١٠٤/١ من المقدمة.

٢٤٧
سورة سبأ : الآية ١٥
وأما قولُه: ﴿جَنَتَانِ عَن يَمِينِ وَشِمَالٍ﴾. فإنه يعنى: بستانان كانا بينَ
جبلین، عن یمین من أتاهما وشمالِه .
وكان من صفتِهما فيما ذُكِر لنا ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا سليمانُ ،
قال : ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ قتادةً فى قولِهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَارٍ فِي مَسْكِنِهِمْ
ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينِ وَشِمَالٍ﴾. قال: كانت جنتان بين جبلين، فكانت المرأةُ
تَخْرُجُ، بمِكْتَلِها على رأسِها، فَتَمْشى بينَ جبلين(١) ، فيَمْتَلِىُّ مِكْتَلُها، وما مشَت
بيدِها، فلما طَغَوا بعَث اللهُ عليهم دابةً، يُقالُ لها: جُرَّذٌ(١) . فنقَّبت عليهم،
فغرَّقتهم، فما بقى لهم إلا أتْلٌ وشىءٍ من سِدْرٍ قليلٍ () .
حدَّثنا يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ
لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينِ وَشِمَالٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِ﴾. قال: ولم يَكُنْ يُرَى فى قريتهم بَعوضةٌ قطُّ ولا ذُبابٌ ولا
بُرْغوثٌ ولا عقربٌ ولا حيةٌ ، وإن كان الركبُ ليَأْتون وفى ثيابِهِم القَمْلُ والدوابُّ،
فما هم إلّا أن يَنْظروا إلى بيوتِهم، فتَمُوتَ الدوابُ. قال: وإن كان الإنسانُ لِيَدْخُلُ
الجنتين، [١٩/٣٦ظ] فيُمْسِكُ القُفَّةَ على رأسِه، فيَخْرُجُ حينَ يَخْرُجُ وقد امتلأت تلك
القُفَّةُ(٤) من أنواع الفاكهةِ ، ولم يَتناولْ منها شيئًا بيدِه. قال: والسَّدُّ يَشْقيها(٥).
ورُفِعت الجنتان فى قوله: ﴿جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ / وَشِمَالٍ﴾. ترجمةً عن الآيةِ؛ ٧٨/٢٢
لأن معنى الكلام : لقد كان لسباً فى مسكنِهم آيةٌ ، هى جنتان عن أيمانِهم وشمائلهم.
(١) فى الأصل: (( جنتين)).
(٢) فى الأصل، ت ٢: (( جرد)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣١/٥ إلى عبد بن حميد.
(٤) فى م، ت ١: ((مقفة)).
(٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٦/ ٣٩٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣١/٥ إلى ابن أبى حاتم.

٢٤٨
سورة سبأ : الآيتان ١٥، ١٦
وقولُه: ﴿كُواْ مِن رِّزْقِ رَيَّكُمْ﴾. (١يقولُ: وقيل لهم: كُلوا مِن رزقٍ
ربِّكم ) الذى رزَقكم مِن هاتين الجنتين؛ مِن زُروعِهما وأثمارِهما، ﴿وَاشْكُرُواْ لَهُ﴾
على ما أنعمَ به عليكم مِن رزقِهِ ذلك. وإلى هذا منتهى الخبرِ، ثم ابتدَأُ الخبرَ عن
البلدةِ . فقال(١) : هذه بلدةٌ طيبةٌ . أى: ليست بسبخةٍ، ولكنها كما ذكرنا من
صفتها عن عبد الرحمنِ بنِ زيدٍ أن كانت كما وصَفها (١) به ابنُ زيدٍ ، من أنه لم يكنْ
فيها شىءٌ مُؤْذٍ مِن الهَمَجِ والدَّبِيبِ والهوامِّ، ﴿وَرَبُّ غَفُورٌ﴾. يقولُ: وربّكم(٥)
غفورٌ لذنوبِكم إن أنتم أُطَعتموه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾. قال: هذه بلدةٌ طيبةٌ)، ﴿وَرَبُّ غَفُورٌ﴾: وربُكم ربُّ
غفورٌ لذنوبِكم ؛ قومٌ أعطاهم اللهُ نِعمَه ، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته .
[٢٠/٣٦ و] القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ
اٌلْعَرِمِ وَبَّلْنَهُمْ بِحَنََّتِهِمْ جَنََّيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَقْلٍ وَشَىْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ
١٦
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فقيل)).
(٣) فى الأصل: ((وصفنا)).
(٤) الهَمَج: ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحمير وأعينها. تاج العروس (هـ م ج).
(٥) فى م، ت ١: ((رب)).
(٦ - ٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣١/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

٢٤٩
سورة سبأ : الآيتان ١٦، ١٧
١٧
ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَزِىٌ (١) إِلَّ اَلْكَفُورَ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكره : فأعرَضت سبأ عن طاعةِ ربِّها ،
وصدَّت عن اتباع ما دعتها إليه رُسُلُها، من أمرٍ (١) خالقِها.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: ثنى محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن
وهبِ بنِ منبِّهِ اليمانىِّ، قال: لقد بعث اللهُ إلى سبأُ ثلاثةَ عَشَرَ نبيًّا فكذَّبوهم(٣).
﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُهِ: فثقَبنا(1) عليهم حينَ
أعرضوا عن تصديقِ رسلِنا سدَّهم الذى كان يَحْبِسُ عنهم السيولَ .
والعَرِمُ: المُسنَّةُ التى تَخْبِسُ الماءَ، واحدُها: عَرِمَةٌ ، وإياه عَنَى الأَعْشَى بقوله(٥):
ومَأْرِبُ قَفَّى(١) عليه العَرِمْ
ففى ذاك للمُؤْتَسِى أُسْوَةٌ
إذا جاء ماؤُهُمُ لم يَرِمْ
رِجَامٌ بَنَتْه لهم حِمْيَرٌ
أو كان العَرِيمُ، فيما ذُكِر، مما بنَتْه بِلْقيسُ.
٧٩/٢٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا [٢٠/٣٦] أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قال: حدَّثنا وهبُّ بنُ جریرٍ ،
(١) فى الأصل، ت ٢: (( يجازى)). وهى قراءة كما سيأتى.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أنه)).
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٩٣/٦ وابن كثير فى تفسيره ٤٩٥/٦ عن محمد بن إسحاق به مختصرًا،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٢/٥ إلى ابن أبى حاتم .
(٤) فى الأصل: (( فبعثنا)).
(٥) البيتان فى ديوانه ص ٤٣.
(٦) فى الأصل، م: (( عفى )).
(٧) فى الأصل: ((ركام))، وفى ت ١، ت ٣: ((رحام)) من غير نقط، وفى الديوان: ((رخام))، والرخام: حجر أبيض
سهل رٍخو . اللسان (رخ م)، والرّجام: حجارة ضخام وربما جمعت على القبر ليتَسنَّم. اللسان (رج م).

٢٥٠
سورة سبأ : الآية ١٦
قال : ثنا أبى ، قال : سمِعتُ المغيرةَ بنَ حكيم، قال: لما ملَكت بِلْقِيسُ جعَل قومُها
يَقْتَتِلون على ماءِ وادِيهم. قال: فجعَلت تَنْهاهم فلا يُطيعونها، فترَكت مُلْكَها،
وانطَلَقت إلى قصرٍ لها وترَكتهم، فلما كثرُ الشرُّ بينَهم وندِموا أتَوها ، فأرادوها على
أن تَرْجِعَ إلى مُلْكِها، فأَبَت، فقالوا: لتَرْجِعِنَّ أَو لنَقْتُلَنَّك. فقالت : إنكم لا
تُطيعونى، وليست لكم عقولٌ (١). قالوا: فإِنَّا نُطيعُكِ، وإِنَّا لم تَجِدْ فينا خيرًا بعدَكِ.
فجاءت فأمَرت بوادِيهم فشُدَّ بالعَرمِ(١) .
قال أحمدُ : قال وهبّ: قال أبى: فسألتُ المغيرةَ بنَ حَكيمٍ عن العَرِمِ، فقال:
هو بكلام حِمْيَرٍ: المُسَنَّةُ. فسَدَّت ما بينَ الجبلين، فحبَست الماءَ مِن وراءِ السدِّ ،
وجعَلت له أبوابًا، بعضُها فوقَ بعضٍ، وبنَت من دونِه بِركةً ضخمةً ، فجعَلت فيها
اثنى عشَرَ مَخْرَجًا ، على عدةِ أنهارِهم ، فلما جاء المطرُاحتبَس السيلُ مِن وراءِ السدِ .
فأمَرت بالبابِ الأُعلى ففُتِح، فجرَى ماؤُه فى البِركةِ ، وأمَرت بالبَعْرِ فألقى فيها،
فجعَل بعضُ البعرِ يخرجُ أسرعَ مِن بعضٍ، فلم تَزَلْ تُضَيِّقُ تلك الأنهارَ، وتُرْسِلُ الْبَعْرَ
فى الماءِ، حتى خرَج جميعًا معًا، فكانت تَقْسِمُه بينَهم على ذلك، حتى كان مِن
أمْرِها وأَمْرٍ سليمانَ ما كان(٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البصرىُّ، قال: ثنا صالحُ(٤) بنُ رُزيقٍ(*)، قال: أخبرنا
شريكٌ ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى ميسرةَ فى قوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ولا تطيعونى)).
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٩٤/٦ بنحوه.
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٩٤/٦ عن وهب بنحوه، وذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٧٠/٧ ببعضه.
(٤) فى م، ت ١: (( أبو صالح)).
(٥) فى الأصل، م، ت ١، ت ٢: ( زريق ).

٢٥١
سورة سبأ : الآية ١٦
قال: المُسَنَّةِ بلحنِ اليمنِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
فى قولِ اللهِ: ﴿سَيْلَ اُلْعَرِمِ﴾ قال: سَدِّ(١)
وقيل: إن [٢١/٣٦و] العرِمَ اسمُ وادٍ كان لهؤلاء القومِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّ ثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. قال : وادٍ كان باليمنِ،
كان يَسِيلُ إلى مكةً، وكانوا يُشْقَونَ ويَنْتَهِى سَيلُهم إليه(٣) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ
اُلْعَرِ﴾: ذُكِر لنا أن سَيْلَ العرمِ() وادى سبأُ)، كانت تَجْتُمِعُ إليه مَسائِلُ مِن أوديةٍ
شتَّى، فعمَدوا فسدُّوا ما بينَ الجبلين بالقيرِ والحجارةِ، وجعَلوا عليه أبوابًا، وكانوا
يَأْخُذون مِن مائِه ما احتاجوا إليه، ويَشُدُّون عنهم ما لم يُعْنَوا به مِن مائِه(٥) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ فَرْسَلْنَا عَلَتِهِمْ سَيْلَ الْعَرِ﴾. (١ وادٍ فى٢) سبأ
(١) أخرجه سعيد بن منصور عن شريك به كما فى تغليق التعليق ٢٨٨/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٣٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى م: ((شديد)). والأثر فى تفسير مجاهد ص ٥٥٣ بنحوه مطولًا، ومن طريقه الفريابى كما فى تغليق
التعليق ٢٨٨/٤.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى المصنف.
(٤ - ٤) سقط من: م.وفى ت ٢، ت ٣: ((واد)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٦ - ٦) فى ت ٢، ت ٣: ((وادى)).

٢٥٢
سورة سبأ : الآية ١٦
٨٠/٢٢ يُدْعَى العرِمَ، وكان إذا مُطِرَ سالَت أوديةٌ باليَمنِ إلى العَرِمِ، / واجتمَع إليه الماءُ،
فعمَدت سبأ إلى العَرِم فسدُّوا ما بينَ الجبلين، فحجَزوه بالصخرِ والقارِ ، فاستدَّ زمانًا
مِن الدهرِ، لا يَرْجون الماءَ. يقولُ : لا يَخافون .
وقال آخرون: العَرِمُ : صفةٌ للمُسَنَّةِ التى كانت لهم وليس باسم لها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ
[٢١/٣٦ ظ] عباسٍ قوله: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. يقولُ: الشديدِ (١) . وكان السببُ الذى
سبَّب اللهُ لإرسالِ ذلك السيلِ عليهم - فيما ذُكِر لى - جُرَذًا ابتعَته اللهُ على
سدِّهم، (" فنقَب فيه نَقْبًاً) .
ثم اختلف أهلُ العلم فى صفةٍ ما حدث عن ذلك النَّقْبِ مما كان به خَرابُ
جَنَّتَيْهم ؛ فقال بعضُهم: كان صفةُ ذلك أن السيلَ لما وجَد عملًا فى السدِّ عمِل فيه
فخَرّبه(١) ، ثم فاض الماءُ على جناتِهم فغرَّقها وخرَّب أرضَهم وديارَهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق ، عن وهب بنِ
مُنبِّهِ اليمانيّ، قال: كان لهم، يَعْنى لسبأُ، سَدِّ قد كانوا بَنَوه بنيانًا أَيِّدًا (٤)، وهو الذى
كان يَؤُدُّ عنهم السيلَ إذا جاء، أن يَغْشَى أموالَهم. وكان فيما يَزْعُمون فى علمِهم من
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره كما فى تغليق التعليق ٢٨٩/٤، والإتقان ٣٨/٢ من طريق أبى صالح به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى ابن المنذر .
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((فثقب فيه ثقبا)).
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) الأَيِّد : القوة . ورجل أَيُّد ، أى: قوى . ينظر اللسان (أى د ).

٢٥٣
سورة سبأ : الآية ١٦
كهانتِهم ، أنه إنما يُخَرِّبُ عليهم (١) سدَّهم ذلك فأرةٌ، فلم يَتْرُ كوا فُرْجَةٌ بينَ حَجَرین،
إِلا رَبَطوا عندَها هِرَّةً، فلما جاء زمانُه، وما أراد اللهُ بهم من التغريقِ ، أقبَلت فيما
يَذْكرون فأرةٌ حمراءُ إلى هرةٍ مِن تلك الهِررِ فساوَرتْها حتى استأخَرت عنها الهرةُ ،
فدخَلت فى الفُرجةِ التى كانت عندَها ، فتغَلْغَلت فى السدِّ فحفَرت فيه، حتى ومَّنته
للسيلِ وهم لا يَدْرون، فلما جاء السيلُ وجَد خللاً(٢)، فدخَل فيه حتى قلَع السدَّ،
وفاض على الأموالِ ، فاحتمَلها ، فلم يُثْقِ منها إلا ما ذكره اللهُ فى كتابِهِ ، فلما تفرّقوا
نزَلوا على [٢٢/٣٦و] كهانةٍ ◌ِمرانَ بنِ عامٍ (١).
٤)
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما نزَل بالقوم"
أمرُ اللهِ، بعَث اللهُ عليهم جُرَذًا يُسَمَّى الخُلْدَ، فَتَقَبَه من أسفلِه، حتى غرَّق اللهُ به
جَنَّاتِهِم، وخرَّب به أرضَهم ؛ عقوبةً بأعمالِهم(٥) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ ،
ءُ
قال : سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: لما طفَوا وبغَوا، يعنى سباً، بعَث اللهُ عليهم ◌ُرَذًا،
(٦) ٢,٠٠(٧)
فخرَّق عليهم السَّدَّ، فأغرقهم(١) اللهُ(٧) .
(٨)
حدَّثنی يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : بعث اللهُ عليهم
(١) فى الأصل، ت ١: ((عنهم)).
(٢) فى الأصل، ت٢: ((عللا))، وفى ت ١، ت ٣: ((عدلا)).
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٦/ ٣٩٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٢/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( ترك القوم)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٨/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٦) فى الأصل: (( فأهلكهم » .
(٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٤٩٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٨) فى م: (( عليه)).

٢٥٤
سورة سبأ : الآية ١٦
مجرَذًا، وسلَّطه على الذى كان يَخْبِسُ الماءَ الذى يَشْقِيهما (١) ، فأخرَب فى أجوافٍ(٢)
تلك الحجارة وكلُّ شىءٍ منها مِن رَصاصٍ وغيرِهِ، حتى ترَكها حجارةً ، ثم
بعَثِ اللهُ عليها سيلَ العَرمِ ، فاقتَلعَ ذلك السدَّ وما كان يَخْبِسُ ، واقتَلَع تلك الجنتين
فذهَب بهما، وقرّأ: ﴿ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِ وَبَدَّلْنَهُمْ يَنََّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾. قال:
ذهَب بتلك القُرَى والجنتين .
٨١/٢٢ / وقال آخرون: کانت صفةُ ذلك أن الماءالذی کانوا یَعْمُرون به جناتِهم سال
إلى موضعٍ غيرِ الموضع الذى كانوا يَنْتَفِعون به، فبذلك خرِبت جناتُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: بعَث اللهُ عليه (١) ، يعنى على العرم ، دابةً من الأرضِ،
[٢٢/٣٦ظ] فنقَبت فيه نَقْبًا، فسال ذلك الماءُ إلى موضعٍ غيرِ الموضعِ الذى
كانوا يَنْتَفِعون به، وأبدَلهم اللهُ مكانَ جنتَيْهم جنتَيْن ذواتَىْ أَكُلِ خَمْطٍ وأثْلِ،
و
وذلك حينَ عَصَوا، وبَطِروا المعيشةَ(٤).
والقولُ الأولُ أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ ؛ وذلك أن الله تعالى ذكره أخبَر
أنه أُرسَل عليهم سيلَ العَرِمِ ، ولا يكونُ إرسالُ ذلك عليهم إلا بإسالتِه عليهم، أو على
جناتِهم وأرضِهم، لا بصرفِه(٥) عنهم.
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يسقيها)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( أفواه )).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عليهم)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٥/٦.
(٥) فى الأصل، ت ٢: ((يصرفه)).

٢٥٥
سورة سبأ : الآية ١٦
وقولُه: ﴿وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه : وجعَلْنا لهم مكانَ بساتينِهم من الفواكهِ والثمارِ، بساتينَ من جَنَى ثمَرٍ
الأراكِ، والأراكُ: هو الخَقْطُ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباس " قولُه: ﴿أُكُلٍ خَطٍ﴾. يقولُ: الأراكِ(٣).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدّثنی أبی ، قال: حدَّثنی عمِّی، قال: حدَّثنی
أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ"، قال : أبدَلهم اللهُ مكانَ جنتَيْهم جنَّتَين ذواتَىْ أُكُلٍ
خمْطٍ ، والخَقْطُ الأراكُ.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ
يقولُ فى قولِه: ﴿ذَوَاتَى أُكُلٍ خَطٍ ﴾. قال: أُراه قال: الخَفْطُ الأراكُ(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال : أخبرنا
إسرائيلُ، عن أبى يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿أُكُلٍ خَطٍ﴾. قال: الخَفْطُ
* (٤)
الأراكُ(٤).
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره، كما فى تغليق التعليق ٢٨٩/٤، والإتقان ٣٨/٢ من طريق أبى صالح
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى ابن المنذر.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٤٩٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى عبد بن حميد.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٤٩٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد
وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٢٥٦
سورة سبأ : الآية ١٦
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا [٢٣/٣٦ و] أبو عاصم، قال : ثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال: الأراكِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ
خَطٍ ﴾: والخَقْطُ الأراكُ، وأُكُلُه بَرِيرُه(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَيَدَّلْنَهُمْ بِحَنِّنَّهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ .
قال: بدَّلهم اللهُ بجنانِ الفواكهِ والأعنابِ، إذ أصبحت جناتُهم خَمْطًا، وهو
.. (٢)
الأراكُ(٢).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَيَدَّلْنَهُم
بِحَنََّيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾. قال: ذهَب بتلك القرى والجنتين، وبدَّلهم الذى أخبرك
ذواتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ. قال: والخَفطُ الأراكُ. قال: جعَل مكانَ العنبِ أراكًا،
والفا کھةِ اثْلاً ، و "بَقِی لهم) شىءٌ من سدٍ قليل.
/ واختلَفت القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ بتنوينٍ
﴿أُكُلٍ﴾ غيرَ أبى عمرٍو، فإنه يُضِيفُها إلى ((الخَمْطِ))، بمعنى: ذوَاتَىْ ثَمَرٍ
خَمْطٍ، وأما الذين لم يُضِيفوا ذلك إلى ((الخَيْطِ))، ونَوَّنُوا ((الأكْلَ)) ، فإنهم جعَلوا
٨٢/٢٢
(١) التَرِيرُ: ثمر الأراك إذا اسود وبلغ. اللسان (ب رر). والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٨/٢ عن
معمر عن قتادة ، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٤٩٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٥٣.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٢٥٧
سورة سبأ : الآية ١٦
((الخَمْطَ)) هو ((الأَكُلَ))، فردُّوه عليه فى إعرابِه. وبضمّ الألفِ والكافٍ من
((الأُكُلِ)) قَرَأت قرَأةُ الأمصارِ غيرَ نافعٍ، فإنه كان يُخَفِّفُ الكافَ منها(١).
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قَرَأَه: ﴿ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾
بضمّ الألفِ والكافٍ (١)؛ لإجماع الحجةِ من [٢٣/٣٦ظ] القرَأَةِ عليه، وتنوينٍ
﴿أُكُلٍ﴾؛ لاستفاضةِ القراءةِ بذلك فى قرَأَةِ الأُمصارِ، من غيرٍ أن أرَى خطأً قراءةٍ
مَن قَرَأ ذلك بإضافتِهِ إلى ((الخَمْطِ))، وذلك فى إضافته وتركِ إضافتِه نظيرُ قولٍ
العربِ : فى بستانِ فلانٍ أَعنابُ كَرْمٍ ، وأعنابٌ كَوْمٌ . فتُضِيفُ أحيانًا الأعنابَ إِلى
الكَوْمِ؛ لأنها منه ، وتُنَوِّنُ أحيانًا، ثم تُتَرْجِمُ بالكرم عنها؛ إذ كانت الأعنابُ ثمرَ
الكَرْمِ. وأما ((الَّثْلُ)) فإنه يُقالُ: إنه الطَّرْفَاءُ. وقيل: إنه شجرٌ شبيةٌ بالطَّرْفاءِ(٢). غيرَ
أنه أعظمُ منها . وقيل : إنه السَّمُرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنٍ
عباسٍ: ﴿وَثّلٍ﴾ قال: الأَثْلُ الطَّرْفَاءُ(٤).
وقولُه: ﴿وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ . يقولُ: ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خمطٍ وأثْلٍ وشىءٍ
قليلٍ مِن سِدٍ .
(١) قراءة التنوين للام هى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى، وقراءة الإضافة هى قراءة
أبى عمرو كما ذكر المصنف ، وقراءة سكون الكاف هى قراءة نافع وابن كثير، وقراءة الضم هى قراءة الباقين .
ينظر السبعة ص ٥٢٨، والتيسير ص ١٤٦.
(٢) القراءات كلها صواب .
(٣) الطَّفَاءُ: شجر وهى أربعة أصناف منها الأثل، الواحدة طَرفاءة وطرفة محركة. القاموس المحيط (ط رف).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسیره کما فى تغليق التعليق ٢٨٩/٤ من طريق أبی صالح به، وذكره ابن كثير
فى تفسيره ٤٩٥/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى ابن المنذر.
( تفسير الطبرى ١٧/١٩ )

٢٥٨
سورة سبأ : الايتان ١٦، ١٧
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنى سعيدٌ ،
عن قتادةَ: ﴿ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ . قال : بينما شجرُ
القومِ مِن خيرِ الشجرِ، إذ صيَّره اللهُ من شرِّ الشجرِ بأعمالِهم (١).
وقولُه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ ﴾ . يقولُ تعالى ذكره: هذا الذى فعَلْنا
بهؤلاءِ القومِ مِن سباً؛ من إرسالِنا عليهم سيلَ العرمِ حتى هلكت أموالُهم، وخربت
جناتُهم - جزاء منَّا لهم على كفرِهم بنا وتكذبيهم رسلَنا، و﴿ ذَلِكَ﴾ مِن قوله :
ذَلِكَ جَزَيْنَهُم﴾. فى موضعٍ نصبٍ بوقوعِ جزَيْناهم عليه، ومعنى الكلام
جزَيْناهم [٢٤/٣٦ و] ذلك بما كفَروا.
وقولُه: ﴿وَهَلْ تُجَرِىّ إِلَّا الْكَفُورَ﴾. اختلفت القرأةُ فى قراءتِه؛ فقرأته عامةُ
قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: (وَهَلْ يُجازَى) بالياءِ وبفتحِ الزاى على
وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، (إلَّ الكَفُورُ) رفعًا. وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ وَهَلْ
تُجُرِىٌ﴾ بالنونِ وبكسرِ الزاي، ﴿إِلَّ الْكَفُورَ﴾ بالنصبِ(٢).
والصوابُ من القول فى ذلك أنهما قراءتانِ مَشْهورَتانٍ فى قرأةِ الأمصارِ،
مُتقارٍبتا المعنى ، فبأَّتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ. ومعنى الكلام: كذلك كافأَناهم
على كفرِهم باللهِ، وهل يُكافَا(٣) إلا الكفورُ لنعمةِ اللهِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) قراءة النون وكسر الزاى ، ونصب ﴿الكفورَ﴾ هى قراءة عاصم فى رواية حفص وحمزة والكسائى،
وقراءة الياء وضمها وفتح الزاى ورفع (الکفور) هی قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية
أبى بكر. ينظر السبعة ص ٥٢٨، ٥٢٩، والتيسير ص ١٤٧.
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: (( يجازى)).

٢٥٩
سورة سبأ : الآية ١٧
فإن قال قائلٌ: أو ما يَجْزِى اللهُ أهلَ الإِيمانِ به على أعمالِهِم الصالحةِ ، فَيَخُصَّ
أهلَ الكفرِ بالجزاءِ، فيُقالُ: (وهل يُجَازَى إلا الكفورُ )؟ قيل: إن المجازاةَ فى هذا
الموضعِ المكافأةُ ، واللهُ تعالى ذكرُه وعَد أهلَ الإِيمانِ به التَّفَضُّلَ عليهم، وأن يَجْعَلَ
لهم بالواحدةِ مِن أعمالِهِم الصالحةِ عَشْرَ أمثالها إلى ما لا نهايةً له من التضعيفِ ،
ووعَد / المسىءَ من عبادِه أن يَجْعَلَ له بالواحدةِ من سيئاتِه مثلَها، مكافأةً به على ٨٣/٢٢
بجزمِه، والمكافأةُ لأَهلِ الكبائرِ والكفرِ ، والجزاءُ لأُهلِ الإيمانِ مع التفضُّلِ ؛ فلذلك
قال جلَّ ثناؤه فى هذا الموضع: ( وَهَلْ يُجازَى إلَّا الكَفُورُ)؛ لأنه كما قال جلَّ
جلالُه٢ُ) لا يُكافِئُّ على عملِه إلا الكفورَ. إذا كانت المكافأةُ مثلَ المُكافَاً عليه، وأنه
لا يُغْفَرُ له من ذنوبِه شىءٌ، ولا يُمحَّصُ [٢٤/٣٦ظ] مِن شىءٍ منها فى الدنيا، وأما
المؤمنُ فإنه يَتَفَضَّلُ عليه على ما وصَفتُ (٤).
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
( وهَلْ يُجازَى). °قال: يُعاقَبُ°).
(١) فى م، ت ١، ت٣: ((له)). فى ت ٢: (( لها)).
(٢ - ٢) فى م: ((كأنه قال جل ثناؤه: ((لا يجازى))، وفى ت ٢، ت ٣: (( لأنه كما قال جل ثناؤه لا
یجازی » .
(٣) سقط من: م، ت ١.
(٤) ينظر معانى القرآن للفراء ٣٥٩/٢.
(٥ - ٥) فى م: ((تعاقب))، وفى ت ١، ت ٢، ت٣: ((يعاقب)). والأثر فى تفسير مجاهد ص ٥٥٤،
وأخرجه الثورى فى تفسيره ص ٢٤٣ عن مجاهد. وذكره البغوى فى تفسيره ٦/ ٣٩٥، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٢٦٠
سورة سبأ : الآيتان ١٧، ١٨
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً : ( ذلك جزيناهم بما
كفروا وهل يُجازى إلا الكَفُورُ ): إن الله إذا أراد بعبدِه كرامةً تقبّل حسناتِه، وإذا
أراد بعبده هوانًا أمسَك عليه ذنوبَه، حتى يُوَافَى بهاُ يومَ القيامةِ (١) .
قال : وذُكِر لنا أن رجلاً بينما هو فى طريقٍ من طرقِ المدينةِ، إذ مرّت به امرأةٌ ،
فَأَتْبَعها بصرَه ، حتى أتَى على حائطٍ ، فشجّ وجهَه، فأتى نبيَّ اللـهِ ووجهُه يَسِيلُ دمًا ،
فقال: يا نبيَّ اللهِ ، فعَلتُ كذا وكذا. فقال له نبىُّ اللهِ: ((إن الله إذا أراد بعبدٍ كرامةً،
عجّل له عقوبةَ ذنبِه فى الدنيا ، وإذا أراد اللهُ بعبدٍ هوَانًا ، أمسَك عليه ذنْبَه حتى يُوَافَى
به يومَ القيامةِ، كأنه عَيْرٌ(٣) أبترٌ))(٤).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: [٢٥/٣٦ و] ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اَلْقُرَى أَلَّتِى
بَرَكْنَا فِيهَا قُرَُّ ظَهِرَةٌ وَقَذَّرْنَا فَِهَا السَّيْرٌّ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ
١٨
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن نعمتِه التى كان أنعَمها
على هؤلاءِ القومِ الذين ظلموا أنفسهم : وجعَلنا بينَ بلدِهم وبينَ القرَى التى بارَكْنا
فيها، وهى الشامُ ، قُرَى ظاهرةً .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
(١) فى م، ت ١، ت ٣: ((به)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣) الغَيرُ: الحمار الوحشى. النهاية ٣٢٨/٣.
(٤) أخرجه الطبرانى (١١٨٤٢) من طريق شيبان عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، والحاكم
٣٤٩/١، ٣٧٦/٤، ٣٧٧ من حديث عبد الله بن مغفل، ٦٠٨/٤ من حديث أنس بن مالك .