Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
سورة الأحزاب : الآية ٥١
خطَّب امرأةً لم يَكَنْ لرجل أن يخطبها ، حتى يتزوجها أو يتركَها (١).
وقيل: إن ذلك إنما جعَل اللَّهُ لنبيِّه حينَ غارَ بعضُهن على النبيِّ عَِّ، وطلّب
بعضُهن مِن النفقةِ زيادةً على الذى كان يُعْطِيها، فأمَره اللَّهُ أن يُخيّرَهن بينَ الدارِ
الدنيا والآخرةِ، وأن يُخلِّىَ سبيلَ مَن إختارَ الحياةَ الدنيا وزينتها، ويمسكَ مَن
اختارَ اللَّهَ ورسوله، فلما اخترنَ اللَّهَ ورسولَه قيل لهنَّ: اقْرَوْنَ الآنَ على الرّضا باللّهِ
وبرسولِهِ، قَسَم لكنَّ رسولُ اللَّهِ مَّمِ أو لم يَقْسِمْ، أو قَسَم لبعضِكن ولم يقسِمْ
لبعضِكن، وفضَّل بعضَكن على بعضٍ فى النفقةِ أُو لم يُفَضِّلْ، سَوَّى بينكن أو لم
يُسَوِّ، فإن الأمرَ فى ذلك إلى رسولِ اللَّهِ عَه، ليس لكُنَّ مِن ذلك / شىءٌ، وكان ٢٦/٢٢
رسولُ اللَّهِ بَالِ، فيما ذُكر، مع ما جعَل اللَّهُ له مِن ذلك، يُسَوِّى بينَهن فى القَسْم إلا
امرأةً منهن أرادَ طلاقَها ، فرضِيَت بتَوْكِ القَسْمِ لها .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
أبى رَزِينٍ، قال: لمَّا أرادَ النبىُّ ◌َمِ أن يُطلِقَ أزواجَه، قُلْنَ له: افرِضْ لنا مِن نفسِك
ومالِك ما شئتَ ، فأمَرِه اللَّهُ فَآوَى أربعًا، وأَرْجَى خمسًا(٢).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: ثنا عَبْدةُ (١) بنُ سليمانَ، عن هشامٍ بِنِ عُروةَ ،
عن أبيه، عن عائشةَ أنها قالت : أَما تَسْتَحْيِى المرأةُ أَن تَهَبَ نفسَها للرجلِ؟ حتى
(١) تفسير عبد الرزاق ١١٨/٢ عن معمر، عمن سمع الحسن ، عن الحسن ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢١٠/٥ إلى عبد بن حميد .
(٢) أخرجه ابن سعد ١٩٦/٩ من طريق سفيان به .
(٣) فى م: ((عبيدة)). وينظر تهذيب الكمال ٥٣٠/١٨.
١٤٢
سورة الأحزاب : الآية ٥١
أَنزَلَ اللَّهُ: ﴿ تُرْجِى مَن نَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُشْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾. فقلتُ: إن ربَّك ليُسارُ
(١)
فى هَواك(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا محمدُ بنُ بشرٍ ، يعنى العَبْدِىَّ، عن هشام بنِ عُروةَ ،
عن أبيه، عن عائشةً أنها كانت تعيرُ النساء اللاتى وهَبْنَ أنفسَهنّ لرسولٍ اللّهِ مَطِ
وقالت: أَما تَسْتَحْيِى امرأةٌ أن تعرضَ نفسَها بغيرِ صَداقٍ ؟ فنزلَت - أو فأنزل اللَّهُ -:
﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ أَبْنَغَيْتَ مِمَنْ عَزَلْتَ ﴾. فقلتُ : إنى
لأرى ربَّك يُسارِعُ لك فى هَواك(١).
حذَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ:
﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُكْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ الآية. قال: كان أزواجُه قد تَغْايَزْنَ
على النبيِّ يَّهِ، فهجَرهنَّ شهرًا، ثم نزَل التخييرُ مِن اللَّهِ له فيهن، فقَرأ حتى بلَغ:
﴿وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبُّجَ الْجَِهِلِيَّةِ الْأُوْلَى﴾. فخيَّرِ هنَّ بينَ أن يخترنَ أن يُخَلَِّ
سبيلَهِنَّ ويُسَرِّحَهن، وبينَ أن يَقُمْنَ إن أردتَ اللَّهَ ورسولَه على أنهنَّ أمهاتُ المؤمنين،
لا يُنْكَحْنَ أبدًا، وعلى أنه يُؤْوِى إليه مَن يشاءُ منهنَّ، ممن وهَب نفسَه له ، حتى يكونَ
هو يرفعُ رأسَه إليها ، ويُرْجِى مَن يشاءُ، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها ، ومَن ابتغى
ممن هى عندَه وعَزَلَ ، فلا جناحَ عليه ، ذلك أدنى أن تَقَرَّ أعينُهنَّ ولا يحزنَّ، وَيَرْضَين
إذا عَلِمن أنه مِن قَضائى عليهنَّ إيثارُ بعضِهنَّ على بعضٍ، ذلك أدْنَى أَنْ يرضَيْنْ،
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٤٣/٤ - وعنه مسلم (٥٠/١٤٦٤)، وابن ماجه (٢٠٠٠) - عن عبدة به ،
وأخرجه الحاكم ٤٣٦/٢، تفسير مجاهد ص ٥٥٠ من طريق هشام به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢١١/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(٢) أخرجه أحمد ١٥٨/٦ (الميمنية) عن محمد بن بشر به. وأخرجه البخارى (٤٧٨٨)، ومسلم
(٤٩/١٤٦٤)، وابن حبان (٦٣٦٧)، والبيهقى ٥٥/٧ من طريق هشام به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢١٠/٥، ٢١١ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه.
١٤٣
سورة الأحزاب : الآية ٥١
قال: ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾. من ابتَغى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه،
فخيَّرهن بينَ أن يرضَين بهذا أو يُفارِقَهن، فاختَوْنَ اللَّهَ ورسولَه، إلا امرأةٌ واحدةٌ بدويةٌ
ذهبت ، وكان على ذلك، صلواتُ اللَّهِ عليه، وقد شرَط اللَّهُ له هذا الشرطَ، مازال
يَعْدِلُ بينَهن حتى لَقِىَ اللَّهُ(١).
وأُولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه جعَل
النبيِّه أن يُوْجِىَ مِن النساءِ اللواتى أحَلَّهن له مَن يشاءُ، وَيُؤْوِىَ إليه منهن مَن يشاءُ،
وذلك أنه لم يَخْصُرْ معنى الإرجاءِ والإيواءِ على المنكوحاتِ اللواتى كُنَّ فی حبالِه -
ثمّ(١) نزلَت هذه الآيةُ - دونَ غيرِهنَّ ممن يَسْتَحْدِثُ إيواءَها أو إرجاءَها منهنّ. وإذ
كان ذلك كذلك ، فمعنى الكلام: تؤخِّرُ مَن تشاءُ ممن وهَبَت نفسَها لك ، وأحللتُ
لك نكاحها، / فلا تَقْبَلْها ولا تَنْكِخْها، ("وممن هى) فى حبالك، فلا تقربها، ٢٧/٢٢
وتضمَّ إليك مَن تشاءُ، ممن وهَبَت نفسَها لك، أو أردتَ مِن النساءِ التى أحللتُ لك.
نكاحَهن ، فتقبلُها أو تنكحُها ، وممن هى فى حِبالِك ، فتُجامِعُها إذا شئتَ ، وتتركُها
إذا شئتَ بغيرِ قَسْمٍ .
وقولُه: ﴿وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. اختلف أهلُ التأويل
فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم : معنى ذلك: [٦٣٠/٢ظ] ومَن نكحتّ مِن نسائِك
فجامَعْتَ، ممن لم تنكخ، فعزلتَه عن الجماع ، فلا جناحَ عليك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ وَمَنِ ابَْغَيْتَ
(١) ذكره البغوى فى تفسير ٣٦٥/٦ .
(٢) فى م: ((عندما)). وثم بمعنى: حيث.
(٣ - ٣) فى م: ((أو ممن هن))، وفى ت١: ((وهى ممن)).
١٤٤
سورة الأحزاب : الآية ٥١
مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. قالا جميعًا: هذه فى نسائِه، إن شاء أتَى مَن شاء
منهنَّ ولا جناحَ عليه(١) .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَنِ
أَبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَْتَ﴾ . قال: ومَن ابتغى أصابَه، ومَن عزّل لم يُصِبْه .
وقال آخرون : معنى ذلك : ومَن استبدلتٌ ممن أرجيتَ ، فخليتَ سبيلَه؛ مِن
نسائِك أو ممن مات منهن، ممن أحللتُ لك، فلا جناحَ عليك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أُبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قوله: ﴿وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَّ ذَلِكَ أَدْفَى أَنْ
نَفَرَّ أَعْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. يعنى بذلك:
النساء اللاتى أحلَّ اللَّهُ له ، مِن بناتِ العمّ والعمةِ، والخالِ والخالةِ و﴿ أَلَّتِى هَاجَرْنَ
مَعَكَ﴾. يقولُ: إن مات مِن نسائِك اللاتى عندَك أحدٌ، أو خَلَّيتَ سبيلَه، فقد
أحللتُ لك أن تستبدلَ مِن اللاتى أحللتُ لك مكانَ مَن مات مِن نسائِك اللاتى
كثّ (٣) عندَك، أو خَلَّيتَ سبيلَه منهن، ولا يصلحُ لك أن تزدادَ على عِدَّةِ نسائِك اللاتى
(٤)
عندَك شيئًا() .
وأَولى التأويلَين بالصوابِ فى ذلك تأويلُ مَن قال: معنى ذلك : ومَن ابتغيتَ
إصابتَه مِن نسائِك ممن عَزَلْتَ عن ذلك منهنَّ، فلا جناحَ عليك لدلالةِ قولِه: ﴿ ذَلِكَ
(١) كذا فى ص، ت١، ت٢، ت٣، وفى م: ((قال))، وغالب الظن أن هناك سقطا.
(٢) ينظر التبيان ٣٢٢/٨.
(٣) فى م: ( هن)).
(٤) تتمة الأثر المتقدم تخريجه فى ص ١٤٠ .
١٤٥
سورة الأحزاب : الآية ٥١
أَدْفَ أَنْ تَفَرَّ أَعْيُبُهُنَّ﴾ على صحة ذلك؛ لأنه لا معنى لأَن تَقَرَّ أعينُهن إذا هو عَ ◌ِّ
استبدَل بالميتةِ أو المطلقةِ منهنَّ، إلا أن يَغْنِىَ بذلك: ذلك أدنى أن تَقَرّ أعينُ المَنْكوحةِ
منهن، وذلك مما يدلُّ عليه ظاهرُ التنزيلِ ، بعيدٌ .
وقولُه: ﴿ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَقَدِّ أَعْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَبَّ﴾. يقولُ: هذا الذى
جعلتُ لك يا محمدُ مِن إِذْنى لك أَن تَرْجِىَ مَن تشاءُ مِن النساءِ اللَّواتى جعلتُ لك
إرجاءَهنَّ، وتُؤْوِىّ مَن تشاءُ مِنهنَّ، ووَضْعِى عنك الحَرَجَ فى ابتغائِك إصابةَ مَن
ابتغيتَ إصابتَه مِن نسائِك، وعَزْلِك عن ذلك مَن عزَلتَ منهنَّ - أقربُ لنسائِك
﴿أَنْ تَفَرَّ أَعْيُُّهُنَّ وَلَا يَحْزَ وَبَرْضَيْنَ (١) بِمَآ ءَانِيَتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ مِن تَفْضِيلِ
من فضَّلتَ مِن قَشْم ، أو نفقةٍ ، أُ وإيثارٍ مَن آثرت منهن بذلك على غیرِهِ مِن نسائك ،
إذا هنَّ عِلِمْنَ أنه مِن رِضاىَ منك بذلك، وإِذْنِى لك به ، وإطلاقٍ متى لا مِن قِبَلِك.
٢٨/٢٢
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ
أَعْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ إذا عَلِمن أن هذا جاء
مِن اللَّهِ لرخصةٍ، كان أطيبَ لأَنفْسِهنّ، وأقلّ لحُزْنِهِنَّ(٢).
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ ، فى قولِه ذلك ،
نحوه .
(١) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((كلهن)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٠/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٠/٥ إلى
ابن المنذر وابن أبى حاتم .
( تفسير الطبرى ١٠/١٩)
١٤٦
والصوابُ مِن القراءةِ فى قوله: ﴿بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ ككُلُّهُنَّ ﴾ الرفعُ، غيرُ جائزٍ
ج
سورة الأحزاب : الآيتان ٥١ ، ٥٢
ج
غيرُه عندَنا، وذلك أن ﴿ كُلُّهُنَّ﴾ ليس بنعتٍ للهاءِ فى قولِه: ﴿ءَانَيْتَهُنَّ﴾ .
وإنما معنى الكلام: ويَرْضَيْن كلُّهن، فإنما هو توكيدٌ لما فى ﴿ وَبَرْضَيْنَ﴾ مِن ذكرِ
النساءِ، فإذا جُعِل توكيدًا للهاءِ التى فى ﴿ ءَانَيْتَهُنَّ ﴾ لم يَكَنَّ له معنَى، والقراءةُ
م
بنصبِه غيرُ جائزةٍ لذلك ، ولإجماع الحجةِ مِن القرأةِ على تخطِئةٍ قارئه كذلك .
وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمْ﴾ . يقولُ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما فى قلوبِ الرجالِ
مِن ميلِها إلى بعضٍ مَن عندَه مِن النساءِ دونَ بعضٍ ، بالهوى والمحبةِ ؛ يقولُ : فلذلك
وضَع عنك الحرجَ يا محمدُ فيما وُضِع عنك مِن ابتغاءِ مَن ابْتَغَيْتَ منهنَّ ممن عزَلتَ؛
تفضُّلاً منه عليك بذلك وتكرمةً. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللَّهُ ذا
علمٍ بأعمالٍ عبادِهِ ، وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ كلِّها، ﴿ حَلِيمًا﴾. يقولُ: ذا حِلْم على
عبادِهِ ، أن يُعاجِلَ أهلَ الذنوبِ منهم بالعقوبةِ، ولكنه ذو حِلْم وأناةٍ عنهم ؛ ليتوبَ
مَن تاب منهم، ويُنِيبَ مِن ذنوبِه مَن أناب منهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الِنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ
أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنُكْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
٥٢
رَّقِبًا
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾؛
فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءُ مِن بعدِ نسائِك اللاتى خَيَّوْتهنَّ،
فاختَرن اللَّهَ ورسوله والدارَ الآخرةَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
١٤٧
سورة الأحزاب : الآية ٥٢
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَّا يَحِلَّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ ﴾ الآية إلى: ﴿ رَّقِبًا﴾ .
قال: نُهِى رسولُ اللَّهِ مَّهِ أن يتزوجَ بعدَ نسائِه الأَوَلِ شيئًا(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ
اَلْنِسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ / إلى قولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنْكٌ﴾. قال: لما خيَّرهن، ٢٩/٢٢
فاختونَ اللَّهَ ورسوله والدارَ الآخرةَ قصره عليهن، فقال: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ
مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَذَّلَ مِنَّ مِنْ أَزْوَجِ﴾. وهُنَّ التسعُ اللاتى اختْنَ اللَّهَ
(٢)
ورسوله (٢).
وقال آخرون: إنما معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءُ بعدَ التى أَحْلَلْنا لك بقولِنا :
يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿الَّتِى هَاجَرْنَ [٦٣١/٢و]
مَعَكَ وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ﴾. وكأن قائلى هذه المقالةِ وجَّهوا
الكلامَ إلى أن معناه : لا يحِلُّ لك من النساءِ إلا التى أَحْلَلْناها لك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ ، عن محمدِ بنِ
أبى موسى ، عن زيادٍ ، قال لأَبىّ بنِ كعبٍ: هل كان النبيِّ عَ لَّه لو مات أزواجُه أن
يتزوَّجَ ؟ قال: ما كان يحرِّمُ عليه ذلك؟ فقرأتُ عليه هذه الآيةَ: ﴿ يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا
أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ ﴾. قال: فقال: أحلَّ له ضربًا من النساءِ، وحرَّم عليه ما
سواهن ، أَحلَّ له كلِّ امرأةٍ آتى أجرَها ، وما ملكت يمينُه مما أفاء اللهُ عليه، وبناتِ
عمِّه ، وبناتِ عّاتِه، وبناتِ خالِه، وبناتٍ خالاتِه، وكلّ امرأةٍ وهَبت نفسَها له ، إن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٥ إلى ابن مردويه.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٦٦/٦ .
١٤٨
سورة الأحزاب : الآية ٥٢
أراد أن يستنكحها ، خالصةً له من دونِ المؤمنین
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدٍ بن أبى
موسى، عن زيادٍ الأنصارىِّ، قال: قلت لأبىّ بنِ كعبٍ: أرأيت لو مات نساءُ
النبيِّ عَمِ، أكان يحلّ له أن يتزوَّجَ؟ قال: وما يحرِّمُ ذلك عليه؟ قال: قلت: قولُه:
﴿لَا يَجِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾. قال: إنما أحلَّ اللهُ له ضربًا من النساء (١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال : ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ ، قال : ثنى محمدُ بنُّ
أبى موسى ، عن زيادٍ ، رجلٍ من الأنصارِ، قال: قلت لأبى بنِ كعبٍ : أرأيتَ لو أن
أزواج النبيِّ عَِّ تُؤُفِّين، أما كان له أن يتزوَّجَ؟ فقال: وما يمنَعُه من ذلك؟- وربما
قال داودُ: وما يحرِّمُ عليه ذلك؟ - قلت: قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾.
فقال: إِنما أحلَّ اللَّهُ له ضربًا من النساءِ، فقال: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ
أَزْوَجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ﴾. ثم قيل له: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ
النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾(٢).
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ، قال: ثنا حكّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عَنْبسةَ، عمن ذَكَرَه، عن أبى
صالح: ﴿لَّا يَحِلَّ لَكَ الِنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾. قال: أَمِر أن لا يتزوَّجَ أعرابيةٌ ولا
عربيّةً(١ ، ويتزوَّجَ بعدُ من نساءِ تِهامةَ، ومن شاء من بناتِ العمّ والعمَّةِ، والخالِ
والخالةِ ، إن شاء ثلاثمائةٍ(٤).
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٣٢/٥ (الميمنية) من طريق يزيد بن زريع وعبد الأعلى به،
وأخرجه ابن سعد ١٩٦/٨، وابن أبى شيبة ٢٦٩/٤، والدارمى ١٥٣/٢، ١٥٤، والطحاوى فى مشكل
الآثار ٤٥٤/١ عقب ح (٥٢٤) من طريق داود به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٥ إلى الفريابى وابن
المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣٩/٦، وأخرجه الضياء فى المختارة (١١٧١) من طريق ابن علية به.
(٣) فى م، وتفسير ابن كثير: ((غريبة)).
(٤) ذكره البغوى فى تفسير ٣٦٧/٦، وابن كثير فى تفسيره ٤٣٩/٦.
١٤٩
سورة الأحزاب : الآية ٥٢
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةً: ﴿لَّا
يَجِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ قال: لا يحلُّ لك النساءُ من بعد١ٍ) هؤلاء اللاتى
سمَّى اللَّهُ إِلَّ ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ ﴾ الآيَةُ(١).
حُدِّثت عن الحسينِ ، قال : سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعت
الضَّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾. يعنى: من بعدٍ
التسميةِ. يقولُ : لا يحِلُّ لك امرأةٌ إلا ابنةُ عمّ أو ابنةُ عمةٍ /، أو ابنةُ خالٍ أو ابنةُ خالةٍ، ٣٠/٢٢
أو امرأةٌ وهبت نفسها لك ، من کان منهن هاجر مع نبى الله مترٍ ، وفى حرفِ ابنِ
مسعودٍ : ( وَاللَّتِى هاجَزْنَ مَعَكَ)(٣) . يعنى بذلك : كلَّ شىءٍ هاجر معه ، ليس من
بناتِ العمّ والعمةِ، ولا من بناتِ الخالِ والخالةِ().
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يحِلَّ لك النساءُ من غيرِ المسلماتِ ، فأما
اليهوديَّاتُ والنصرانيَّاتُ والمشركاتُ فحرام عليك.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه : ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾: لا يهوديّةٌ، ولا نصرانيَّةٌ ، ولا كافرةٌ(٥).
(١ - ١) سقط من : م .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٥ إلى المصنف وأبى داود فى ناسخه، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣٩/٦.
(٣) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
(٤) أخرجه ابن سعد ١٩٧/٨ من طريق عبيد به مختصرًا .
(٥) أخرجه الطحاوى فى مشكل الآثار ٤٥٤/١، ٤٥٥ عقب ح (٥٢٤) من طريق ورقاء به ، وأخرجه ابن
أبى شيبة ٢٦٩/٤ من طريق ابن أبى نجيح به نحوه، وأخرجه أيضًا من طريق ليث عن مجاهد، وأخرجه ابن
سعد ١٩٥/٨، ١٩٦، من طريق أبى الصباح عن مجاهد مطولاً، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٥ إلى
سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
...
١٥٠
سورة الأحزاب : الآية ٥٢
وأولى الأقوالِ عندى بالصحةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءُ
من بعدِ اللواتى أحللتُهن لك بقولى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَّكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَاتَّيْتَ
أَجُورَهُرَ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ﴾ .
وإنما قلت ذلك أولى بتأويلِ الآية؛ لأن قوله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ عَقِيبٌ
قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا﴾. وغيرُ جائزٍ أن يقولَ: قد أَحْلَلتُ لك هؤلاء، ولا يحلُلْنَ
لك، إلَّ بنسخ أحدِهما صاحبه، وعلى أن يكونَ وقتَ فرضٍ إحدى الآيتين، فعَلَ (١)
الأخرى منهما . فإذا كان ذلك كذلك ، ولا برهانَ ولا دلالةَ على نسخ حكمٍ إحدى
الآيتين حكمَ الأخرى ، ولا تقدُّم تنزيلِ إحداهما قبلَ صاحبتِها ، وكان غيرَ مستحيل
مخرجُهما على الصحةِ ، لم يجزْ أن يقالَ : إحداهما ناسخةٌ الأخرى . وإذ كان ذلك
كذلك، ولم يكنْ لقولٍ من قال: معنى ذلك: لا يحلِّ من بعدِ المسلماتِ، يهوديةٌ
ولا نصرانيةٌ ولا كافرةٌ، معنًى مفهومٌ؛ إذ كان قولُه: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ إنما معناه: من
بعدِ المسمَّياتِ المتقدِّمِ ذكرُهن فى الآيةِ قبلَ هذه الآيةِ ، ولم يكنْ فى الآيةِ المتقدِّم فيها
ذكرُ المسمَّياتِ بالتحليلِ لرسولِ اللَّهِ ◌َّهِ - ذكرُ إباحةِ المسلماتِ كلِّهن، بل كان
فيها ذكرُ أزواجِه وملكِ يمينِه الذى يُفىءُ اللَّهُ عليه، وبناتِ عمِّه وبناتِ عماتِه ، وبنات
خالِهِ وبناتٍ خالاتِه ، اللاتى هاجرْنَ معه، وامرأةٍ مؤمنةٍ إن وهبَت نفسَها للنبىِّ -
فتكونَ الكوافرُ مخصوصاتٍ بالتحريم - صحَّ ما قلْنا فى ذلك دونَ قولٍ مَن خالَف
قولَنا فيه .
واختلفتِ القرأَةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ﴾؛ فقرَأْ ذلك عامةُ قرأةٍ
المدينةِ والكوفةِ [٦٣١/٢ظ] ﴿ يَحِلَّ﴾ بالياءِ(٢)، بمعنى: لا يحلُّ لك شىءٌ مِن النساءِ
(١) فعل : أى تقدم وسبق .
(٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٣ .
١٥١
سورة الأحزاب : الآية ٥٢
بعدُ . وقرأ ذلك بعضُ قرأةٍ أهل البصرة: (لا ◌َحِلُّ لَكَ النِّساءُ) بالتاءِ ، توجيهًا منه
إلى أنه فعلٌ للنساءِ، والنساءُ جمعٌ للكثيرِ منهن .
وأولى القراءتين بالصوابٍ فى ذلك: قراءةُ من قرأه بالياءٍ(١)؛ للعلة التى ذكرتُ .
لهم ، ولإجماع الحجة من القرأةِ على القراءةِ بها ، وشذوذٍ من خالفهم فى ذلك .
وقولُه: ﴿ وَلَ أَنْ تَبَذَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنَهُنَّ﴾. اخْتَلِف
أهلُ التأويلِ فى تأويلِ / ذلك، فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يحِلّ لك النساء من ٣١/٢٢
بعدِ المسلماتِ، لا يهوديةٌ ولا نصرانيةٌ ولا كافرةٌ ، ولا أن تَبدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهن
من الكوافرِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿وَلَآَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ﴾: ولا أن تَبَدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهن من النصارى
واليهودِ والمشركين، ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْتُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنُكُ﴾(٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن أبى رَزِينٍ فى قوله : ﴿لَّا
يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْتُهُنَّ إِلََّ مَا
مَلَكَتْ يَمِينُكٌ﴾. قال: لا يحلُّ لك أن تتزوَّجَ من المشركاتِ إلا من سَبَيْتَ ،
فملكتْه یمیئك منهن(٢) .
(١) وهى قراءة أبى عمرو بن العلاء . المصدر السابق.
(٢) القراءتان كلتاهما صواب .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٥١، ومن طريقه الطحاوى فى المشكل ٤٥٤/١، ٤٥٥ بعد رقم (٥٢٤)، وأخرجه
ابن سعد ١٩٥/٨، ١٩٦ من طريق أبى الصباح عن مجاهد مطولاً .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٦٩/٤ عن جرير به، وأخرجه ابن سعد ١٩٦/٨ من طريق منصور به، وعزاه =
١٥٢
سورة الأحزاب : الآية ٥٢
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولا أن تبدَّلَ بأزواجِك اللواتى هن فى حبالِك
أزواجًا غيرَهن، بأن تطلِّقَهن وتنكِحَ غيرَهن .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعت
الضّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَآَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾.
يقولُ : لا يصلُحُ لك أن تطلّقَ شيئًا من أزواجِك ليس يعجبك، فلم يكنْ يصلُّحُ ذلك
له .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولا أن تبادلَ من أزواجِك غيرَك، بأن تعطيه
زوجتك، وتأخُذَ زوجته .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَآ أَنْ
تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. قال: كانت العربُ فى الجاهليةِ
يتبادلون بأزواجِهم، يعطى هذا امرأتَه هذا، ويأخُذُ امرأته، فقال: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ
الِسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّ مَا مَلَكَتْ
يَمِنُكُ﴾: لا بأسَ أن تبادِلَ بجاريتك ما شئتَ أن تُبادِلَ ، فأما الحرائرُ فلا . قال :
وكان ذلك من أعمالهم فى الجاهلية(١).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال: معنى ذلك: ولا أن تُطلِّقَ
أزواجك، فتستبدلَ بهن غيرَهن أزواجًا .
= السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٦٧/٦، وينظر تفسير القرطبى ٢٢٠/١٤.
١٥٣
سورة الأحزاب : الآية ٥٢
وإنما قلنا ذلك أولى بالصوابٍ ؛ لما قد بيَنا قبلُ من أن قولَ الذى قال معنى قوله :
﴿﴿لَا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾: لا يحِلُّ لك اليهوديةُ و(١) النصرانيةُ والكافرةُ -
قولٌ لا وجه له .
فإذ كان ذلك كذلك، فكذلك قولُه: ﴿ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَ﴾ كافرةً لا معنَى
له؛ إذ كان من المسلماتِ من قد حُرِّم عليه بقولِه: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾
بالذى(٢) دلَّنا عليه قبلُ. وأما الذى قاله ابنُ زيدٍ فى ذلك أيضًا، فقولٌ لا معنَى
له؛ لأنه لو كان بمعنى المبادلةِ، لكانت القراءةُ والتنزيلُ: ولا أن تُبادِلَ بهن / ٣٢/٢٢
من أزواجٍ، أو: ولا أن تُبَدِّلَ بهن، بضمّ التاءِ، ولكنَّ القراءةَ المجمَعَ عليها :
﴿ وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ بفتح التاءِ، بمعنى: ولا أَن تستبدلَ بهن. مع أن الذى
ذكر ابنُ زيدٍ من فعلِ الجاهليةِ غيرُ معروفٍ فى أمةٍ نعلمُه من الأمم ، أن يبادِلَ
الرجلُ آخرَ "امرأته الحرّةَ بامرأتِه الحرّةِ، فيقالَ: كان ذلك من فعلِهم، فُهِى
رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ عن فعلِ مثلِه .
فإن قال قائلٌ: أفلم يكنْ لرسولِ اللَّهِ عَ لِ أن يتزوَّجَ امرأةً على نسائِه اللواتي كنَّ
عندَه، فيكونَ مُوجهًا تأويل قوله: ﴿ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ ﴾ إلى ما تَأوَّلتَ؟
أو قال : وأينَ ذكرُ أزواجِه اللواتى كنَّ عندَه فى هذا الموضع، فتكونَ الهاءُ من قولِه :
﴿ وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِنَ﴾ من ذكرِهن. وتوهَّمَ أن الهاءَ فى ذلك عائدةٌ على
اَلْنِسَآءُ﴾ فى قوله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ ؟
قيل: قد كان الرسولِ اللّهِ عَ لِ أن يتزوَّجَ من شاء من النساءِ اللواتى كان اللَّهُ
(١) فى م: ((أو)).
(٢) فى م: ((الذى)).
(٣ - ٣) سقط من : م.
١٥٤
سورة الأحزاب : ٥٢
أحلَّهن له، على نسائِه اللاتى كنَّ عندَه يومَ نزَلت هذه الآيةُ، وإنما نُهِى ◌َِّ بهذه
الآيةِ أن يفارقَ من كان عندَه بطلاقٍ أراد به استبدالَ غيرِها بها ؛ لإعجابِ حسنٍ
المستبدَلةِ بها إِيَّاه؛ إذ كان اللَّهُ قد جعَلهن أمهاتِ المؤمنين، وخيَّهن بينَ الحياةِ الدنيا
والدارِ الآخرةِ والرضا باللّهِ ورسوله، فاخَتَوْن اللَّهَ ورسولَه والدار الآخرةَ، فحُرِّمن
على غيرِه بذلك، [٦٣٢/٢] ومُنِع من فِراقِهن بطلاقٍ، فأما نكاح غيرِهن فلم يُمْنَعْ
منه ، بل أحلَّ اللَّهُ له ذلك، على ما بيَّن فى كتابِهِ .
وقد رُوى عن عائشةَ أن النبيَّ عَّهِ لم يُقْبَضْ حتى أُحلَّ اللَّهُ له نساء أهلِ
الأرضِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ نجريجٍ، عن عطاءٍ، عن
#
عائشةَ، قالت: ما مات رسولُ اللَّهِ مِّ الْعِ حتى أُحِلَّ له النساءُ. يعنى أهلَ الأرضِ.
حدَّثنى عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِىُّ، قال: ثنا سفيانُ ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ،
عن عائشةَ، قالت: ما مات رسولُ اللَّهِ وَخِ حتى أُحِلَّ له النساءُ(١).
حدَّثنا العباسُ بنُ أبى طالب ، قال: ثنا مُعَلَّى، قال: ثنا وُهيبٌ، عن ابنِ جُرِيجٍ،
عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ الليثيّ، عن عائشةَ، قالت: ما تُوفِّى رسولُ اللَّهِ عَلَغِ
حتى أُحِلَّ له أن يتزوَّجَ من النساءِ ما شاء(١).
حدَّثنى أبو زيدٍ عمرُ بنُ شبَّةً، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابنٍ نجريجٍ، عن عطاءٍ،
(١) أخرجه الحميدى (٢٣٥)، وأحمد ٤١/٦ (الميمنية) به والترمذى (٣٢١٦)، والنسائى (٣٢٠٤)،
وفى الكبرى (٥٣١١)، والطحاوى فى المشكل (٥٢١)، والبيهقي ٥٤/٧ من طريق سفيان به .
(٢) أخرجه الدارمى ١٥٤/٢ من طريق المعلى به، وأخرجه أحمد ١٨٠/٦ (اليمنية)، والنسائى (٣٢٠٥)،
والطحاوى فى مشكل الآثار (٥٢٢)، والحاكم ٤٣٧/٢، والبيهقى ٥٤/٧، من طريق وهيب به .
١٥٥
سورة الأحزاب : الآية ٥٢
قال: أحسَبُ عبيدَ بنَ عُميرٍ حدَّثنى - قال أبو زيدٍ: وقال أبو عاصم مرةً - عن
عائشةَ، قالت: ما مات رسولُ اللَّهِ جْ تَغِ حتى أحلَّ اللَّهُ له النساءَ. قال: وقال أبو
الزُّبِيرِ: شهِدتُ رجلًا يحدِّثُه عطاءٍ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا همَّامٌ، عن
ابنِ لجريج، عن عطاءٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ، عن عائشةً، قالت: ما مات
رسولُ اللَّهِ مَ لِ حتى حلَّ له النساءُ.
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ على ما وصفتَ ، من أن اللَّهَ حرَّم على نبيّه بهذه
الآيةِ طلاقَ نسائِه اللواتى خيَّرهن فاخْتَرْنَه، فما وجهُ الخبرِ الذى رُوى عنه، أنه طلَّق
حفصةً ثم راجعها، وأنه أراد طلاقَ سَوْدةَ، حتى صالحته على تركِ طلاقِهِ إِيَّاها ،
ووهَبَت يومَها لعائشةً؟ قيل: كان ذلك قبلَ نزول هذه الآيةِ .
/ والدليلُ على صحة ما قلنا، من أن ذلك كان قبلَ تحريم اللَّهِ على نبيّه طلاقَهن، ٣٣/٢٢
الروايةُ الواردةُ أن عمرَ دخَل على حفصةَ معاتبَها(٢)، حين اعتزَل رسولُ اللَّهِ عَلَجلِ
نساءَه، كان من قيله لها: قد كان رسولُ اللَّهِ بِ لِ طلَّقك(*)، فكلّمتُه فراجَعك،
فواللَّهِ لئن طلَّقك - أو لو كان طلَّقك - لا كلَّمتُه فيك(٣) . وذلك لا شكَّ قبلَ نزولٍ
(١) أخرجه الطحاوى (٥٢٣) من طريق أبى عاصم به بدون ذكر عبيد ابن عمير، وأخرجه عبد الرزاق فى
مصنفه عن ابن جريج به، وعنه أحمد ٢٠١/٦ (الميمنية)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٥ إلى سعيد
ابن منصور وعبد بن حميد وابن مردویه وأیی داود فى ناسخه .
(٢) فى م، ت١: ((معاقبها)).
(*) من هنا خرم فى مخطوط دار الكتب المصرية المشار إليه بـ(ص)) وينتهى فى ص ٥٧٥.
(٣) أخرجه مسلم (٣٠/١٤٧٩)، وابن حبان (٤١٨٨) كلاهما من حديث ابن عباس عن عمر،
مطولاً بنحوه .
١٥٦
سورة الأحزاب : الآية ٥٢
آيةِ التخييرِ؛ لأن آيةَ التخييرِ إنما نزَلت حينَ انقضى وقتُ يمينِ رسولِ اللَّهِ عَلِ على
اعتزالهن .
وأما أمرُ الدلالةِ على أن أمرَ سَوْدَةً كان قبلَ نزول هذه الآيةِ ، أن اللَّهَ إِنما أُمَر نبيَّه
بتخييرِ نسائِهِ بينَ فِراقِهِ والمقامِ معه على الرضا بأن لا قَشْمَ لهن، وأنه يُؤْجِى من يشاءُ
منهن، ويُؤْوى منهن من يشاءُ، ويُؤْثِرُ من شاء منهن على من شاء، ولذلك قال له
تعالى ذكرُه: ﴿ وَمَنِ أَبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَفَرَّ
أَعْيُبُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. ومن المحالِ أن يكونَ
الصلحُ بينَها وبينَ رسولِ اللَّهِ عَ لِ جرى على تركِها يومَها لعائشةً فى حالٍ لا يومَ لها
منه .
وغيرُ جائٍ أن يكونَ كان ذلك منها إلا فى حالٍ كان لها منه يومٌّ ، هو لها حقٌّ ،
كان واجبًا على رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ أداؤُه إليها، ولم يكنْ ذلك لهن بعدَ التخييرِ؛ لما قد
وصفتُ قبلُ فيما مضى من كتابِنا هذا (١) . فتأويلُ الكلام: لا يحلُّ لك يا محمدُ
النساءُ من بعدِ اللواتى أَخَلْتُهن لك فى الآيةِ قبلُ ، ولا أن تُطلِّقَ نساءَك اللواتى اختَوْن
الله ورسوله والدار الآخرةَ، فَتَبَدَّلَ بهن من أزواجٍ، ولو أَعْجَبك حسنُ من أردتَ أن
تبدّل به منهن ، إلا ما مذکت یمینُك .
و ﴿أَنْ﴾ فى قوله: ﴿أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَ﴾. رفع؛ لأن معناها: لا يحلُّ لك
النساءُ من بعدُ ، ولا الاستبدالُ بأزواجِك. و﴿ إِلَّا﴾ فى قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ
يَمِينُكٌ﴾ . استثناءٌ من النساءِ. ومعنى ذلك: لا يحلّ لك النساء من بعدِ اللواتى
أَحْلَلْتُهن لك، إلا ما ملكت يمِيئُك من الإماءِ، فإِن لك أن تملِكَ من أىِّ أجناسِ الناسِ
شئتَ من الإماءِ .
(١) ينظر ما تقدم فى ص١٣٨ - ١٤٦.
١٥٧
سورة الأحزاب : الآية ٥٢، ٥٣
وقولُه: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا﴾. يقولُ: وكان اللَّهُ على كلِّ شيءٍ،
ما أُحلَّ لك وحرَّم عليك، وغيرِ ذلك من الأشياءِ كلِّها، حفيظًا لا يعزُبُ عنه علم
شىءٍ من ذلك ، ولا يؤوده حفظُ ذلك كلِّه .
حدَّثْناَ بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ زَقِيبًا ﴾. أى: حفيظًا فى قول الحسنِ وقتادةً(١).
القولَ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَأَُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيّ
إِلَّ أَن يُؤْذَبَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنْهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ
فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا ◌ُتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَ
فَيَسْتَجِيء مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْتَلُوهُنَّ
مِن وَرَآءِ / حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ
تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلََّ أَنْ تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدّأَ إِنَّ ذَلِكُمْ
كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا لَّـ
٣٤/٢٢
يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابٍ رسولِ اللّهِ عَلَّهِ: يأيُّها الذين آمنوا باللّهِ ورسولِه،
لا تدخُلوا بيوتَ نبيِّ اللَّهِ إِلا أن تُدْعَوْا إلى طعامٍ [٦٣٢/٢ظ] تَطْعَمُونه، ﴿غَيْرَ نَظِرِينَ
إِنَنْهُ﴾. يعنى: غيرَ مُنتظرين إدراكَه وبلوغَه، وهو مصدرٌ من قولهم: قد أنَى هذا
انشىءُ يَأْنِى إِنّى وَأَنْتًا وَأَنَاءً. قال الخُطِيئَةُ(٣):
أوِ الشِّعْرَى فَطالَ بِيَّ الأَنَاءُ
وآنَيْتُ العَشاءَ إلَى سُهَيْلٍ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٠٠/١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥٤/٤ (٧٠٥٧) عن
معمر عن قتادة بدون ذكر الحسن .
(٢) ديوانه ص ٩٨.
١٥٨
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
وفيه لغةٌ أُخْرَى، يقالُ: قد آن لك؛ "أى: يَئِينُ لك١) أَيْنًا، ونالَ لك، وأنالَ
لك. ومنه قولُ رُؤبةَ بنِ العَجّاج(١) :
حَمامَةٌ هاجَتْ(٤) حمامًا سُجّعًا
هاجَتْ وَمِثْلِى نَوْلُه أَنْ يَرْبَعا(٣)
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى تَجِيحِ، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِذَلَهُ﴾. قال: مُتَحَيّين نُصْجَه(٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن أبيه،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿غَيْرَ نَظِرِينَ إِذَلَهُ﴾. يقولُ: غيرَ ناظرين الطعامَ أن يُصْنَعَ".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿غَيْرَ نَظِرِينَ
إِنَنَهُ ﴾. قال: غيرَ مُتحَيِّنين طعامَه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلَى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه(٧).
(١ - ١) فى م، ت ١: ((أى تبين لك))، وفى ت ٢: ((أن تبين لك)). والمثبت كما فى التبيان فى تفسير
غريب القرآن ١/ ٣٤١، وتفسير البغوى ٣/ ٥٤٠.
(٢) ديوانه ص ٨٧ .
(٣) فى ت ١، ت ٢: ((يرتعا)).
(٤) فى م: ((ناحت)).
(٥) تفسير مجاهد ص ٥٥١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٥ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وابن حميد
وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٦) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٧٠/٦، والقرطبى فى تفسيره ٢٢٥/١٤، بنحوه.
(٧) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢١/٢ عن معمر به، وعزاء السيوطى فى الدر المنثوره/٢١٣ إلى ٤٥بن حميد.
١٥٩
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
ونصْبُ ﴿ عَيْرٌ﴾ فى قولِهِ: ﴿غَيْرٌ نَظِرِينَ إِنَنَهُ﴾. على الحالِ من الكافِ
والميمٍ فى قولِه: ﴿إِلَّ أَن يُؤْذَبَ لَكُمْ﴾. لأن الكافَ والميمَ معرفةٌ، و ((غيرَ))
نخرةٌ، وبنى من صفةٍ الكافي والمين .
وكان بعضُ نحوِّى البصرةِ يقولُ: لا يجوزُ فى ((غيرَ)) الجرّ على الطعامِ، إلا
أَن تقول : أنتم . ويقولُ: ألا ترى أنك لوقلت: أبدَى لعبدِ اللَّهِ على امرأةٍ مُبغضًا لها.
لم يَكَنَ فيه إلا النصبُ، إلا أن تقولَ: مُبغضٍ لها هر. لأنك إذا أجريتَ صفته
أعليها، ولم تُظهِرِ الضمير الذى يدُلُّ عنى أن الصفةً له، لم يكنْ كلامًا، لو قلتَ: ٣٥/٢٢
هذا رجلٌ مع أمرأَةٍ مُلازِمِها. كان لحنًا، حتى ترفَعَ فتقولَ: ملازِمُها . أو تقولَ :
ملازمها څُر. فتجرّ .
وكان بعضُّ نحرِّى الْعَوفةِ يقول (١): لو جعَلتَ ((غيرَ)) فى قوله: ﴿غَيْرَ
نَظِرِينَ إِنَنَهُ ﴾. خَفْضًا كان صوابًا؛ لأن قبلَها الطعامَ وهو نكرةٌ ، فيُجعَلُ فعلُهم
تابعًا للطعامِ، لرجوع ذكرِ الطعام فى ((إناهُ))، كما تقولُ العربُ: رأيتُ زيدًا مع
امرأةٍ مُحسِنًا إليها ، ومُحسنٍ إليها . فمن قال : محسنًا ، جعله من صفة زيدٍ ، ومَن
خفَضه فكأنه قال : رأيتُ زيدًا مع التى يُحسِنُ إليها. فإذا صارت الصلةُ للنكرةِ
أُتْبَعَتْها ، وإن كانت فعلًا لغيرِ النكرة، كما قال الأعشى(١):
إِلَيْنَا بِأَدْمَاءَ مُقْتَادِها
فَقُلْتُ له هذه هاتِها
فجعَل المقتادَ تابعًا لإعرابِ ((بأُدماءَ))؛ لأنه بمنزلةٍ قولِك: بأدماءَ تقتادُها .
فخفَضَه؛ لأنه صلةٌ لها. قال: وقد يُنْشَدُ: ((بأدماءٍ مقتادِها)). بخفضِ الأدماءِ،
(١) ينظر معانى القرآن للفراء ٣٤٦/٢، ٣٤٧.
(٢) ديوانه ص ٦٩.
٠!
١٦٠
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
لإضافتِها إلى المقتادِ، قال: ومعناه: هاتِها على يَدَىْ مَن اقتادَها. وأنشَد أيضًاً(١):
مِن الأرْضِ مَؤماةٌ وبَيْدَاءُ فَيْهَقُ
وإِنَّ امْرَأَ أهْدَى إِلَيْكٍ وَدُونَه
وأَنْ تَعْلَمى أنَّ المُعَانَ مُوَفَّقُ
لمحقوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيِبِى لِصَوْتِه
ومحكِى عن بعضٍ العربِ سماعًا يُنْشِدُ :
ولمْ يَكُ عِنْدى إِنْ أَبَيْتٍ إِباءُ
/أرأيْتِ إِذْ أَعْطَيْتُكِ الؤُدُّ كُلَّه
٣٦/٢٢
وَهَل لِلنَّفُوسِ الُسْلَمَاتِ بَقَاءُ
أُمُسْلِمَتِى لِلْمَوْنِ أَنْتِ فَمَيِّتٌّ
ولم يُقلْ: فميِّتَّ أنا . وقال الكسائىُّ: سمِعتُ العربَ تقولُ: يُدُكَ باسِطُها.
يريدونَ أنت، وهو كثيرٌ فى الكلام، قال: فعلَى هذا يجوزُ خفضُ ((غيرَ)).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا القولُ بإجازةِ جرِّ ﴿غيّرَ﴾ فى: ﴿غَيْرَ
نَظِرِينَ﴾ فى الكلام، لا فى القراءةِ ؛ لما ذكّرنا من الأبياتِ التى حكَتْناها، فأما فى
القراءةِ فغيرُ جائزٍ فى: ﴿غَيْرَ﴾ غيرُ النصبِ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ على نصبِها .
وقولُه: ﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَأَدْخُلُواْ﴾. يقولُ: ولكن إذا دعاكم
رسولُ اللَّهِ مَ لِ فادخلوا البيتَ الذى أَذِن لكم بدخولِه، ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ
فَأَنْتَشِرُواْ﴾. يقولُ: فإذا أكّلتُم الطعامَ الذى دُعِيتُم لأُكْلِه فانتشِروا، يعنى
فَتَفرَّقوا واخرجوا من منزلِهِ، ﴿ وَلَا مُسْتَعْنِينَ لِحَدِيثٍ ﴾. " يقولُ تعالى ذكره:
لا تدخُلوا بيوتَ النبىِّ إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ غيرَ ناظرين إناهُ وغيرَ مستأنسينَ
الحديث٢ٍ) . وقولُه: ﴿ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ ◌ِحَدِيثٍ﴾. فى موضع خَفْضٍ عطفًا به على
﴿نَظِرِينَ﴾، كما يقالُ فى الكلام: أنت غيرُ ساكتٍ ولا ناطقٍ. وقد يَحتمِلُ أن
(١) تقدم تخريجهما فى ٥٤٦/١٧ .
(٢ - ٢) سقط من: م.