Indexed OCR Text

Pages 1-20

تفسِيرُ الطّبْرَى
٧
جَامِعُ الْبَيّانِّ عَنْ تَأْوِيلِ آَى الْقُرآنِ
لأَنِ جَعَفَر محمّد بن جَرِيِالطَّبَرِيّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ)
تحقيق
الدكتور /عدالشَمد بن عبدالحسن التركي
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الجزء التاسع عشر
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦

تَفِّيُالطَّيْرِىّ
جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرآنِ

0
سورة الأحزاب : الآيتان ١، ٢
١١٧/٢١
تفسير سورة الأحزاب
بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَِّىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِفِينَ
وَأَنَّبِعَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
بِمَا تَعْمَلُونَ () خَبِيرًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبِّه محمدٍ عَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ أَتَّقِ اللَّهَ ﴾ بطاعتِهِ، وأداءٍ(٢)
فرائضِه، وواجبٍ حقوقِه عليك، والانتهاءِ عن محارمِه وانتهاكِ حدودِه، ﴿ وَلَا
تُطِيعِ اَلْكَفِرِينَ﴾ الذين يقولون لك: اطرُدْ عنك أتباعَك من ضعفاءِ المؤمنين بك
حتى نجالسَك، ﴿ وَالْمُنَفِقِينَّ﴾ الذين يُظْهِرون لك الإيمانَ باللَّهِ، والنصيحةَ لك،
وهم لا يأْلُونَك وأصحابَك ودينَك حَبالا، فلا تَقْبَلْ منهم رأيًا، ولا تَسْتَشِرْهم
مُسْتَنْصِحًا بهم؛ فإنهم لك أعداءٌ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقولُ:
إن اللَّهَ ذو علم بما تُضْمِرُه نفوسُهم ، وما الذى يَقْصِدون فى إظهارِهم لك النصيحةً ،
مع الذى يَنْطَؤُون لك عليه، حكيمٌ فى تدبيرٍ أمرِك وأمرٍ أصحابِك ودينك، وغیرٍ
ذلك من تدبيرٍ جميعٍ خلقِه، ﴿ وَأَتَّبِعَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكُ﴾. يقولُ: واعملْ
بما يُنْزِلُ اللَّهُ عليك من وحْيِه، وآي كتابِهِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .
(١) فى ت١: ((يعملون)). وهى قراءة أبى عمرو وحده، وقرأ بالتاء نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة
والكسائى. السبعة ص ٥١٨ ، والكشف عن وجوه القراءات ١٩٣/٢.
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((أدى)).

٦
سورة الأحزاب : الآيات ٢ - ٤
يقولُ : إن اللَّهَ بما تعملُ به أنتَ وأصحابُك مِن هذا القرآنِ ، وغيرِ ذلك من أمورٍ کم
وأمورِ عبادِه خبيرٌ، أى: ذو خبرةٍ ، لا يَخْفَى عليه مِن ذلك شىءٌ، وهو مُجازِيكم
على ذلك بما وعَدكم من الجزاءِ.
وينحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ مِن رَّكَ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى
إِلَيْكَ مِن رَّيِّكْ﴾: أى: هذا القرآنَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ() خَبِيْرًا﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
يقولُ تعالى ذكره: وفوِّضْ إلى اللَّهِ يا محمدُ أمْرَك، وثِقْ به، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ
وَكِيلًا﴾. يقولُ: (٢ وحَسْبُك اللَّهُ قَيِّمًا بأمرِك، وحفيظًا بك).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ
أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَاهِرُونَ(١) مِنْهُنَّ / أُمَّهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ فَوْلُكُمْ
بِأَفْوَهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ
١١٨/٢١
اختلف أهلُ التأويلِ فى المرادِ مِن قولِ اللَّهِ: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ
فِى جَوْفِ،﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك تكذيبُ قومٍ مِن أهلِ النفاقِ ، وصَفوا
(١) فى ت١: ((يعملون)).
(٢ - ٢) فى ص: ((وحسبك بالله فيما يأمرك وحفيظا بك))، وفى م: ((وحسبك بالله فيما يأمرك وكيلا، وحفيظا بك))،
وفى ت١: ((وحسبك بالله قيما أمرك وحفيظا بك))، وفى ت٢، ت٣: ((وحسبك الله قيما يأمرك وحفيظا بك))،
والمثبت ما يقتضيه السياق. وهو معنى ماذهب إليه المصنف فيما تقدم فى ٢٤٥/٦، ٤٧٤/٧، ٥٨٠ .
(٣) فى ت ١: ((تظهرون)). وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو، وقرأ حمزة والكسائى: ((تَظَاهرون))
بفتح التاء وتخفيف الظاء، وابن عامر: ((تظاهرون)) بالألف والتشديد، وعاصم: ((تُظَاهِرون)) بالألف وضم
التاء . السبعة لابن مجاهد ص ٥١٩، والكشف عن وجوه القراءات ١٩٤/٢.

٧
سورة الأحزاب : الآية ٤
نبىَّ اللَّهِ مَّهِ بأنه ذو قَلْتَيْن، فنفَى اللَّهُ ذلك عن نبيّه وكذَّبهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بُغَيْلِ(١)، قال: ثنا زهيرُ بنُ معاويةً، عن
قَابوسَ بنِ أبى ◌َئِيانَ، أن أباه حدَّثه، قال: قلنا لابن عباس: أرأيتَ قولَ اللَّهِ: ﴿مَّا
جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ جَوْفِهِ﴾ ما عنى بذلك؟ قال: قام رسولُ اللَّهِ مَِّمِ يومًا
فصلَّى ، فخَطر خَطْرةً ، فقال المنافقون الذين يُصلُّون معه : إن له قَلْبَيْن ؛ قلبًا معكم ،
وقلبًا معهم. فأنزَل اللَّهُ: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِّ﴾(١).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك رجلٌ مِن قريشٍ كان يُدْعَى ذا القَلْبَيْن من
(٣)
دَهْبِه(٣) .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفٍِ،﴾. قال: كان
رجلٌ مِن قريشٍ يُسمَّى مِن دَهْيِهِ ذا القَلْبِيْنِ، فَأَنزَل اللَّهُ هذا فى شأنِهِ(٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
(١) فى ص: ((نقل))، غير منقوطة، وفى م، ت١: ((نفيل))، وفى ت٢: ((مقبل)). وهو خطأ، والمثبت من
مصادر الترجمة . ينظر تهذيب الكمال ٥/٧ .
(٢) أخرجه أحمد ٢٣٣/٤ (٢٤١٠)، والترمذى (٣١٩٩)، والطحاوى فى المشكل (٣٣٧١)، وابن أبى حاتم -
كما فى تفسير ابن كثير ٣٧٨/٦ -، والطبرانى (١٢٦١٠)، والحاكم ٤١٥/٢، والضياء فى المختارة (٥٢٨ -
٥٣١) من طريق زهير بن معاوية به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٠/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٣) فى ت١، ت٢، ت٣: ((ذهنه)). ومن دهيه: أى: من دهائه. ينظر اللسان (دهـ ا).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧٧/٦ عن العوفى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٠/٥ إلى المصنف
وابن مردويه .

٨
سورة الأحزاب : الآية ٤
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ جَوْفِهٍ ﴾ . قال : إن رجلاً مِن بنى
فِهْرٍ (١) قال: إن فى جوفِى قَلْبِيْن أعقِلُ بكلِّ واحدٍ منهما أفضلَ مِن عقلٍ محمدٍ .
(٢)
وكذَب(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ مَّا جَعَلَ اَللَّهُ
لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ جَوْفٍِ،﴾. قال قتادةُ: كان رجلٌ على عهدٍ رسولِ اللَّهِ عَ لَه
يُسَمى ذا القَلْبِيْن، فأنزل اللَّهُ فيه ما تَشْمَعون(٣) .
قال قتادةُ : وكان الحسنُ يقولُ: كان رجلٌ (٤) يقولُ: لِى نَفْسٌ تَأْمُنِى، ونفْسّ
تنهانى. فَأَنْزَل اللَّهُ فيه ما تَسْمَعون (٥).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ ، قال :
كان رجلٌ يُسَمَّى ذا القلبين، فنزَلَت: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ
جَوْفٍِ﴾(١).
/ وقال آخرون: بل عُنِى بذلك زيدُ بنُ حارثةَ، من أجلِ أن رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ كان
١١٩/٢١
(١) فى ت١: ((بهز)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٦، وأخرجه الفريابى - كما فى الدر المنثور ١٨٠/٥ - ومن طريقه الطحاوى فى المشكل
(٣٣٧٢)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١١/٢ عن معمر عن قتادة بنحوه .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((رجلا)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١١/٢ عن معمر عن الحسن ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٠/٥
إلى ابن أبى حاتم .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٠/٥ إلى ابن أبى حاتم .

٩
سورة الأحزاب : الآية ٤
تبنَّه، فضرَّب اللَّهُ له(١) بذلك مثلاً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
الزهرىِّ فى قولِه: ﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ جَوْفِهٍ،﴾. قال: بلَغَنا أن ذلك
كان فى زيد بن حارثةَ، ضرَبِ اللَّهُ له مثلً(٢). يقولُ: ليس(٣) ابنُ رجلٍ آخرَ ابْتَكَ(٤).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصواب(٥) قولُ مَن قال: ذلك تكذيبٌ مِن اللهِ تعالى
ذكرُه قولَ مَن قال لرجلٍ، فى جوفِه قلبان يَعْقِلُ بهما . على النحوِ الذى رُوِى عن ابنٍ
عباسٍ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك تكذيبًا مِن اللَّهِ لمن وصَف رسولَ اللَّهِ وَ لِّ بذلك، وأن
يكونَ تكذيبًا لمن سمَّى القرشىَّ الذى ذُكِر أنه سُمِّى ذا القلبين مِن دَهْيِه (١) ، وأىَّ
الأمرين كان فهو نفىٌّ مِن اللَّهِ عن خلقِه مِن الرجالِ أن يكونوا بتلك الصفةِ .
وقولُه : ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَّكُمُ الَّتِى تُظَِهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: ولم يَجْعَلِ اللَّهُ أَيُّها الرجالُ نساءً كم اللائى تقولون لهن: أنتُنَّ علينا كظهورٍ
أمهاتِنا - أمهاتِكم، بل جعَل ذلك مِن قِيلِكم كذِبًا، وألْزَمَكم عقوبةً لكم كفارةً .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) ليس فى: م، ت٢، ت٣.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((مثل)).
(٣) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١١١/٢. قال القرطبى فى تفسيره ١١٧/١٤: قال النحاس : وهذا قول ضعيف لا
يصح فى اللغة ، وهو من منقطعات الزهرى ، رواه معمر عنه .
(٥) فى ص، ت٢، ت٣: ((بالصحة)).
(٦) فى ت١: ((ذهنه))، وفى ت٢، ت٣: ((دهنه).

١٠
سورة الأحزاب : الآية ٤
-
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا جَعَلَ
أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَِهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ﴾: أى: ما جعَلها أمَّك، فإذا ظاهر الرجلُ
مِن امرأتِه، فإن اللَّهَ لم يَجْعَلْها أمَّه، ولكن جعَل فيها الكفارةَ(١) .
وقولُه: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. يقولُ: ولم يَجْعَلِ اللَّهُ مَن ادَّعَيْتَ
أنه ابنُك وهو ابنُّ غيرِك، ابنَك بدَعْواك .
:
وذُكِر أن ذلك نزَل على رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ، مِن أجلِ تَبَنِيه زيد بن حارثةَ .
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿أَدْعِيَآءَكُمْ أَبَْءَكُمْ﴾. قال: نزَلَت هذه الآيةُ فى زيدِ بنِ حارثةً(٢) .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَا
جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. قال : كان زيدُ بنُ حارثةَ حينَ منَّ اللهُ ورسولُه عليه،
يقالُ له: زيدُ بنُ محمدٍ. كان تبَّه، فقال اللَّهُ: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّا أَحَدٍ مِّن
رِجَالِكُمْ ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. قال: وهو يَذْكُرُ الأزواجَ والأُختَ، فأخْبَره أن الأزواج
لم تَكُنْ بالأمهاتِ أمهاتِكم، ولا أدعياؤُ كم أبناءَ كم (١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٦ . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٣) التبيان ٢٨٥/٨، وتفسير ابن كثير ٣٧٨/٦ .

١١
سورة الأحزاب : الآيتان ٤، ٥
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلَ ١٢٠/٢١
أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾،: وما جعَل دَعِيَّك ابنَك، يقولُ: إذا ادَّعَى رجلٌ رجلًا وليس
بابِه، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَهِكُمْ﴾ الآيةَ، وذُكِرٍ لنا أن النبيَّ ◌َلِ كان يقولُ: ((مَن
ادَّعَى إلى غيرِ أبيه مُتَعَمِّدًا حرَّم اللَّهُ عليه الجنةَ))(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن أشعثَ ، عن عامرٍ ، قال : ليس
فى الأدعیاءِ زیدٌ .
وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَهِكُمْ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : هذا القولُ، وهو
قولُ الرجلِ لامرأتِه: أنت علىَّ كظهرٍ أمى. وادِّعاؤُه مَن ليس بابنِه أنه ابنُه، إنما هو
قولُكم بأفواهِكم ، لا حقيقةً له، لا يَتْبُتُ بهذه الدعوى نسبُ الذى ادُّعِيَت بُنُوَّتُه ،
ء
ولا تَصِيرُ الزوجةُ أَمَّا بقولِ الرجلِ لها: أنتِ علىَّ كظهرٍ أمى. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ
اٌلْحَقَ﴾. يقولُ: واللهُ هو الصادقُ الذى يقولُ الحقَّ، وبقولِه يَثْتُ نسبُ مَن أَثْبِت
نسبُه، وبه تكونُ المرأةُ للمولودِ أُمَّا إذا محُكِم بذلك.
﴿وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللّهُ يُبَيِّنُ لعبادِه سبيلَ الحقِّ،
ويُؤْشِدُهم لطريقِ الرشادِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَدْعُوهُمْ لَبَانِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنِ لَّمْ
تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ،
وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَحِيمًا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم ، والمرفوع منه أخرجه
أحمد ٨٩/٣ (١٤٩٧)، والبخارى (٤٣٢٦، ٤٣٢٧)، ومسلم (٦٣) من حديث سعد بن أبى وقاص
وأبى بكرة .

١٢
سورة الأحزاب : الآية ٥
يقولُ تعالى ذكره: انسِبوا أدعياءَكم الذين أْحَقْتُم أنسابَهم بكم لآبائهم،
يقولُ لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: أَلْحِقْ نسبَ زيدٍ بأبيه حارثةَ، ولا تَدْعُه زيدَ بنَ محمدٍ .
وقولُه: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾. يقولُ: دعاؤُكم إيَّاهم لآبائهم هو أعدلُ
عندَ اللهِ ، وأصدقُ وأصوبُ مِن دعائِكم إيَّاهم لغيرِ آبائِهم، ونِسْتِكَمُوهم إلى مَن
تبنَّاهم وادَّعاهم ، وليسوا له بنينَ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ أُدْعُوهُمْ
لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾: أى: أعدلُ عندَ اللهِ.
وقولُه: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِى الْدِيْنِ وَمَوَّلِيَكُمْ﴾ . يقولُ
تعالى ذكرُه: فإن أنتم أيُّها الناسُ لم تَعْلَموا آباءَ أدعيائِكم " مَن هم، فتَنْسِبوهم
إليهم، ولم تَعْرِفوهم، فتُلْحِقوهم بهم، ﴿فَإِخْوَتُكُمْ فِىِ الدِّينِ﴾ . يقولُ: فهم
إخوانُكم فى الدينِ ، إن كانوا مِن أهلِ ملَّتِكم، ﴿ وَمَوَلِيكُمْ﴾ إن كانوا محژَّرِیکم ،
وليسوا ببنیکم .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
:
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَدْعُوهُمْ
١٢١/٢١ لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ / اللَّهِ﴾: أى: أعدَلُ عندَ اللَّهِ، ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَأْ
ءَبَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ اٌلِيْنِ وَمَوَلِيكُمْ﴾ : فإن لم تَعْلَموا مَن أبوه ، فإنما هو أخوك
(١)
ومَوْلاك(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٥ إلى المصنف.

١٣
سورة الأحزاب : الآية ٥
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، عن عيينةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبيه ، قال :
قال أبو بَكْرةَ: قال اللَّهُ: ﴿أَدْعُوهُمْ لَّبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهَّ فَإِنِ لَّمْ تَعْلَمُواْ
ءَبَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيكُمَّ﴾ . فأنا ثَمَّن لا يُغْرَفُ أبوه ، وأنا مِن إخوانِكم
فى الدينِ. قال: قال أبى: واللهِ إنى لأَظُنُه لو علِم أن أباه كان حمارًا، لانْتَمَى
(١)
إليه(١) .
وقولُه: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾. يقولُ: ولا حَرَجَ
عليكم ولا وِزْرَ فى خطأ يكونُ منكم فى نسبةِ بعضٍ مَن تَنْسِبونه إلى أبيه ، وأنتم تَرَؤْنه
ابنَ مَن تَنْسِبونه إليه، وهو ابنٌّ لغيرِه. ﴿ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. يقولُ:
ولكنِ الإثمُ والحرجُ عليكم فى نسْبَتِكموه إلى غيرِ أبيه ، وأنتم تَعْلَمونه ابنَ غيرِ مَن
تَنْسِبونه إليه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾. يقولُ: إذا دعَوْتَ الرجلَ لغيرِ أبيه، وأنت تَرَى أنه
(٢)
كذلك(٢).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧٩/٦ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٥ إلى المصنف
مختصرًا .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١١/٢ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٥ إلى
ابن المنذر وابن أبى حاتم .

١٤
سورة الأحزاب : الآيتان ٥، ٦
وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. يقولُ اللّهُ: لا تَدْعُه لغيرِ أبيه متعمدًا. أما
الخطأُ فلا يُؤَاخِذُكم اللّهُ به، ولكِنْ يؤاخِذُكم بما تعمَّدت قلوبكم.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. قال: فالعمدُ ما أتَى بعدَ البيانِ ، والنهىُ فى هذا
وغيره .
و((ما)) التى فى قوله: ﴿ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ خفضٌ؛ ردًّا على ((ما))
التى فى قوله : ﴿ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ، ﴾ . وذلك أن معنى الكلام: ليس عليكم جناح
فيما أخْطَأْتُم به، ولكن فيما تعَمَّدَت قلوبُكم .
وقولُه: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وكان اللَّهُ ذا
سَتْرٍ على ذنبٍ مَن ظاهر من زوجتِه فقال الباطلَ والزورَ مِن القولِ، وذنبٍ مَن
ادَّعَى ولدَ غيرِهِ ابنًا له ، إذا تابا وراجَعا أمرَ اللَّهِ، وانْتَهَيا عن قيلِ الباطلِ، بعدَ
أن نهاهما ربُّهما عنه، ذا رحمةٍ بهما أن يُعاقِبَهما على ذلك، بعدَ توبتِهما مِن
خطيئتهما .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمِّ وَأَزْوَجُهُ:
أُمََّتُهُمُّ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ
مَسْطُورًا
/ يقولُ تعالى ذكره: ﴿ النَِّىُّ﴾ محمدٌ ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أحقُ
١٢٢/٢١

١٥
سورة الأحزاب : الآية ٦
بالمؤمنين به مِن أنفسِهم، أن يَحْكَمَ فيهم بما يَشاءُ مِن حكم، فيَجوزَ ذلك
علیھم .
كما حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ النَّبِىُّ أَوْلَى
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمِّ﴾: كما أنت أولى بعبدِك، ما قضَى فيهم مِن أمرٍ جاز؛ كما
كلما قضَيْتَ على عبدِك جاز(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ النَّبِىُّ أَوْلَى ◌ِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: هو أبّ لهم(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال : ثنا عثمانُ بنُ عمرَ ، قال : ثنا فُلَيح ، عن هلالِ بنِ
علىّ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى عَمْرةَ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللّهِ مَ المِ قال: ((ما
مِن مؤمنٍ إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والآخرةِ، اقْرَءُوا إن شئْتُم: ﴿ النَِّىُّ أَوْلَى
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمِّ﴾، وأيّما مؤمنٍ تَرَك مالًا فلورثتِه وعَصَبِّه مَن كانوا، وإن ترَك
دَيْنًا أو ضَياعًا فَلْيأْتِنِى وأنا مولاه))(٣).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا الحسينُ بنُ علىٍّ، عن أبى موسى إسرائيلَ بنٍ
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣١٨/٦.
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه أحمد ١٤٢/١٤ (٨٤١٨)، والبخارى (٢٣٩٩، ٤٧٨١)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير
ابن كثير ٣٨١/٦ -، والبيهقى ٢٣٨/٦، والبغوى فى تفسيره ٣١٩/٦، من طريق فليح به، وعزاه السيوطى
فی الدر المنثور ١٨٢/٥ إلى ابن مردويه .
(٤) فى النسخ: ((حسن)). والمثبت هو الصواب. وقد تقدم فى ٥١٩/٨، وينظر تهذيب الكمال ٤٤٩/٦.

١٦
سورة الأحزاب : الآية ٦
موسى، قال: قَرَأ الحسنُ هذه الآيةَ: ﴿ النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُهُ،
أُمَّهَمُهُمْ﴾. قال: قال الحسنُ: قال النبىُّ عَ لَه: ((أنا أولى بكل مؤمنٍ مِن نفسِه)).
قال الحسنُ: وفى القراءة الأولى: (أولى بالمؤمنين مِن أنفسِهم، وهو أبّ لهم)(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، قال فى بعضٍ القراءةِ :
(النبىُ أولى بالمؤمنين مِن أنفسِهم وهو أبٌّ لهم)(١). وذُكِر لنا أن نبىَّ اللَّهِ عَ لِ قال:
(( أُما رجلٍ تَرَك ضَياعًا فأنا أَولى به، وإن ترَك مالًا فهو لورثتِه)).
وقولُه: ﴿ وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُمُّ﴾. يقولُ: وحرمةُ أزواجِه ◌ُرمةُ أمهاتِهم عليهم،
فى أنهنَّ يَحْرُمُ عليهنَّ نكاحُهن مِن بعدٍ وفاتِهِ، كما يَحْزُمُ عليهم نكاح أمهاتهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿ النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِينَ
): يُعَظِّمُ بذلك حقَّهن. وفى بعضِ القراءةِ: (وهو أبّ
مِنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَأَزْوَجُ: أُمَّهَنُهُمُّ
(٣)
لهم)()
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُمْ﴾: مُحرَّماتٌ عليهم .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨٢/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٥ إلى المصنف مقتصرا على
قراءة الحسن فقط ، والمرفوع من الأثر أخرجه أحمد ٥٢/١٦ (٩٩٨٣)، والدارمى ٢٦٣/٢، ومسلم
(١٥/١٦١٩)، وغيرهم، من حديث أبى هريرة. والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(٢) تفسير ابن كثير ٢٦٨/٤ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم ، دون ذكر القراءة.

١٧
سورة الأحزاب : الآية ٦
وقولُه: ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللَّهِ مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وأولو الأرحام الذين وَرَّثْتُ بعضَهم مِن
بعضِ هم أولى بميراثِ بعضٍ مِن المؤمنين والمهاجرين أن يَرِثَ بعضُهم بعضًا ، بالهجرةِ
والإيمانِ دونَ الرحم .
/وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
١٢٣/٢١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اَللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْمُهَجِرِينَ﴾: لِث المسلمون
زمانًا يَتَوارَثون بالهجرةِ ، والأعرابىُ المسلمُ لا يَرِثُ مِن المهاجرين شيئًا، فأَنْزَل اللَّهُ هذه
الآيةَ، فخلَط المؤمنين بعضهم ببعضٍ، فصارت المواريثُ بالمِللِ(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأُوْلُوا
الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْمُهَاجِرِينَ إِلَّ أَنْ
تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُم مَّعْرُوفًا﴾. قال: كان النبيُّ عَّهِ قد آخَى بينَ المهاجرين
والأنصارِ أولَ ما كانت الهجرةُ، وكانوا يَتَوارَثون على ذلك، وقال اللَّهُ:
﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ اُلْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَّ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ(٢)
أَيْمَنُكُمْ فَثَانُوُهُمْ نَصِيَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. قال: إذا لم يَأْتِ رَحِمٌ لهذا يَحولُ
دونَهم. قال: فكان هذا أوَّلًا. فقال اللّهُ: ﴿ إِلَّا أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفًا﴾.
يقولُ: إلا أن تُوصُوا لهم: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾؛ أن أُولى الأرحامِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٥ إلى المصنف، وقد تقدم الأثر فى ٢٩٢/١١ بنحوه .
(٢) فى ت١، ت٢: ((عاقدت)). وينظر ما تقدم فى ٦٧٣/٦، ٦٧٤.
( تفسير الطبرى ٢/١٩ )

١٨
سورة الأحزاب : الآية ٦
بعضُهم أَوْلى ببعض فى كتابِ اللَّهِ . قال: وكان المؤمنون والمهاجرون لا يَتَوارثون وإن
كانوا أُولى رحم، حتى يُهاجِروا إلى المدينةِ. وقرَأْ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ
يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾
ج
[ الأنفال: ٧٢، ٧٣]. فكانوا لا يَتَوَارَثون، حتى إذا كان عامُ الفتح، انْقَطَعَت الهجرةُ ،
وكثُر الإِسلامُ، وكان لا يُقْبَلُ مِن أحدٍ أن يكونَ على الذى كان عليه النبيُّ ومَن معه،
إلا أن يُهاجِرَ. قال: وقال رسولُ اللَّهِ عَ لَّه لمن بعَث: ((اعْدُوا على اسم اللَّهِ، لا تَغُلُّوا
ولا تَوَلَّوا، ادْعُوهم إلى الإسلامِ ، فإن أجابوكم فاقْبَلوا، وادْعُوهم إلى الهجرةِ ، فإن
هاجروا معکم ، فلهم ما لكم، وعليهم ما علیکم ، فإن أبوا ولم يُهاجِروا واخْتارُوا
دارَهم ، فأَقِرُّوهم فيها ، فهم كالأعرابٍ تَجْرِى عليهم أحكامُ الإسلامِ ، وليس لهم فى
هذا الفَىْءِ نصيبٌ)). قال: فلما جاء الفتحُ، وانْقَطَعَت الهجرةُ، قال
رسولُ اللَّهِ عَ لَيهِ: (( لا هجرةَ بعدَ الفتح)). وكثُر الإسلامُ، وتَوارَث الناسُ على
الأرحام حیث کانوا، ونسخ ذلك الذی کان بینَ المؤمنین والمهاجرین، و کان لهم
فى الفَىْءِ نصيبٌ ، وإن أقاموا وأبَوْا، وكان حقُّهم فى الإسلام واحدًا ؛ المهاجرُ وغيرُ
المهاجرِ والبَدَوىُّ وكلُّ أحدٍ، حينَ جاء الفتحُ(١).
فمعنى الكلامِ على هذا التأويلِ: وأولو الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ مِن
المؤمنين والمهاجرين ببعضِهم أن يَرِثوهم بالهجرةِ ، وقد يَحْتَمِلُ ظاهرُ هذا الكلامِ أن
يكونَ مِن صلةِ الأرحامِ مِن المؤمنين والمهاجرين، أَوْلى بالميراثِ، ممن لم يُؤْمِنْ ولم
يهاجر.
وقولُه: ﴿ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَابِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٧٨/٦، ٦٧٩، ٢٩٦/١١.

١٩
سورة الأحزاب : الآية ٦
تأويلِه ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك : إلا أن تُوصُوا لذَوِى قرابتكم مِن غيرِ أهلِ الإيمانِ
والهجرةِ .
١٢٤/٢١
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو معاويةً، عن حجاجٍ، عن سالم، عن ابنٍ
الحَنَّفيةِ: ﴿إِلََّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. قال١ُ: يُوصِى لقَرائِتِهِ مِن أهلِ
(٢)
الشرك (٢) .
قال : ثنا عَبْدةُ ، قال: قرأْتُ على ابنٍ أبى عروبةَ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُمَا
إِلَى أَوْ لِيَآَبِكُمْ مَعْرُوفًا ﴾ . قال : للقَرابةِ مِن أهلِ الشركِ وصيةٌ
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ
إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ . قال: إلى أوليائِكم مِن أهلِ الشركِ وصيةً، ولا مِيراثَ
(٣)
لهم().
حدَّثنا ابنُ وكيع ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ ، ويَحيى بنُ آدمَ ، عن ابنِ المباركِ،
عن معمرٍ ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفًا﴾ . قال :
=(٤)
وصيةٌ(٤).
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى محمدُ بنُ عمرٍو، عن
ابنِ جريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ ؟
(١) فى م: ( قالوا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٩٩١٨، ١٩٣٣٩) عن معمر ، عن قتادة بنحوه .
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٢٠/٦ .

٢٠
سورة الأحزاب : الآية ٦
فقال : العطاءُ. فقلتُ له : المؤمنُ للكافرِ بينَهما قَرابةٌ؟ قال: نعم، عطاؤه إياه حيًّا (١).
(٢) ، (٣)
ووصيتُه(٢) له(٣).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إلا أن تُمْسِكوا بالمعروفِ بينَكم، بحقٌ الإيمانِ
والهجرةِ والحِلْفِ، فَتُؤْتوهم حقَّهم مِن النُّصْرةِ والعَقْلِ عنهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
◌َمْ إِلَى أَوْلِيَابِكُم مَّعْرُوفً﴾. قال: حلفاؤُكم الذين والَى بينَهم
النبىّ ◌َّهِ مِن المهاجرين والأنصارِ، إمساكٌ بالمعروفِ والعَقْلُ والنصرُ بينَهم".
وقال آخرون: بل معنى ذلك : إلا(°) أن تُوصُوا إلى أوليائِكم مِن المهاجرين
وصیةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ
إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفًا﴾. يقولُ: إلا أن تُوصُوا لهم(١).
(١) فى م، ت٢: ((حباء)).
(٢) فى ص، م: ((وصية)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٣/٢، وفى المصنف (٩٩١٦، ١٩٣٣٨) عن ابن جريج به.
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٤٦، ٥٤٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٥ إلى الفريابى وابن المنذر وابن
أبى حاتم .
(٥) ليس فى : م .
(٦) هذا الأثر جزء من الأثر الطويل المتقدم ص ١٧، ١٨ .