Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة القصص : الآية ٦٨
فـ ((مُكلَّفٌ)) مِن نعتِ ((عاشِقٍ))، وقد رفَعه بحرفِ الصفةِ، وهو الباءُ، فى
أَشْباهٍ لِما ذَكَرْنا بكثيرٍ مِن الشواهدِ. فكذلك قولُه: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ
ج
اَلْخِيَرَةُ﴾. رُفِعَتِ ﴿الْخِيَرَةُ﴾ بِالصِّفَةِ، وهى ﴿لَهُ﴾، وإن كانت خبرًا لـ
ج
﴿ مَا﴾، لمَّا جاءتْ بعدَ الصفةِ، ووَقَعَتِ الصفةُ موقعَ الخبرِ، فصار كقولِ القائلِ:
كان عمرٌو أبوه قائمٌ. لاشكَّ أن ((قائمًا)) لو كان مكانَ الأُبِ، وكان الأبُ هو
ج
المتأخِّرَ بعدَه؛ كان منصوبًا. فكذلك وجهُ رَفْعِ ﴿ الْخِيَرَةُ﴾، وهو خبرٌ لـ ﴿مَا﴾.
فإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ أن تكونَ ﴿مَا﴾ فى هذا الموضع جَخْدًا، ويكونَ
معنى الكلام : ورَبِّك يخلُقُ ما يشاءُ أن يَخلُقَه ، ويختارُ ما يشاءُ أن يختارَه. فيكونَ
قولُه: ﴿وَيَخْتَارٌ﴾. نهايةَ الخبرِ عن الخَلْقِ والاختيارِ، ثم يكونَ الكلامُ بعدَ ذلك
مبتدأً ، بمعنَى : لم يكنْ لهم الخيرةُ. أى: لم يكنْ للخلقِ الخيرةُ ، وإنما الخيرةُ للَّهِ وحدَه ؟
قيل : هذا قولٌ لا يُخِيلُ(١) فسادُه على ذى حِجًا، مِن وجوهٍ، لو لم يكنْ
بخلافِهِ لأهلِ التأويلِ قولٌ ، فكيف والتأويلُ عمَّن ذكرنا بخلافِه(٢) .
ج
فأمَّا أحدُ وجوهِ فسادِه، فهو أن قوله: ﴿ مَا كَانَ لَهُ الْخِيَرَةُ ﴾ . لو كان
كما ظَنَّه مَن ظنَّه؛ مِن أن ﴿مَا﴾ بمعنى الجَخْدِ، على نحوِ التأويلِ الذى ذكرتُ،
كان إنما جحَد تعالى ذكرُه أن تكونَ كان لهم الخيرةُ فيما مضى قبلَ نزولٍ هذه الآيةِ ،
فأمَّا فيما يَسْتَقْبِلُونَه فلهم الخيرةُ؛ لأن قولَ القائل: ما كان لك هذا . لا شكَّ إنما هو
خبرٌ عن أنه لم يكنْ له ذلك فيما مضى، وقد يجوزُ أن يكونَ له فيما يُسْتَقْبَلُ، وذلك
(١) فى م: ((يخفى))، وفى ت٢: ((يحل)). وأخَال الشىءُ: اشْتَبه. يقال: هذا الأمر لا يُخِيل على أحدٍ. أى
لا يُشكل . اللسان (خ ی ل) .
(٢) قال ابن كثير فى تفسيره ٢٦١/٦: وقوله: ﴿ ما كان لهم الخيرة﴾ نفى على أصح القولين، كقوله
تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾. وينظر تفسير
القرطبى ٣٠٥/١٣، ٠٣٠٦

٣٠٢
سورة القصص : الآية ٦٨
مِن الكلام لاشكَّ خُلْفٌ ؛ لأن ما لم يكنْ للخَلْقِ مِن ذلك قَدِيمًا ، فليس ذلك لهم
أبدًا. وبعدُ ، لو أُرِيد ذلك المعنى، لكان الكلامُ: فليس . وقيل : وربُّك يخلُقُ ما يشاءُ
ويَختارُ، ليس لهم الخيرةُ. ليكونَ نَفْيًا عن أن يكونَ ذلك لهم فيما قبلُ وفيما
بعدُ .
والثانى: أن كتابَ اللَّهِ أَثْيَنُ البيانِ، وأصَعُ(١) الكلام، ومُحالٌ أن يُوجَدَ فيه
شىءٌ غيرُ مفهومِ المعنَى ، وغيرُ جائزٍ فى الكلامِ أن يُقالَ ابتداءً: ما كان لِفُلانِ الخِيَرةُ .
ولمّا يَتَقَدَّمْ قبلَ ذلك كلامٌ يَقْتَضِى ذلك. فكذلك قولُه: ﴿وَيَخْتَارٌ مَا كَانَ
ج
لَمُ الْخِيَرَةُ﴾ ولم يَتقدَّم قبلَه مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه خبرٌ عن أحدٍ أنه ادَّعَى أنه كان له
الخيرةُ ، فيُقالُ له : ما كان لك الخيرةُ. وإنما جرَى قبلَه الخبرُ عمَّا هو صائِرٌ إليه أمرُ مَن
تاب مِن شِركِه، وآمَن وعمل صالحاً، وأتْبَع ذلك جلَّ ثناؤه الخبرَ عن سببٍ إِيمانِ مَنْ
آمَن [٥٦٥/٢و] وعمل صالحاً منهم، وأن ذلك إنما هو لاختيارِه إياه للإيمانِ ،
وللسابِقِ مِن علمِه فيه اهْتَدَى. ويَزيدُ ما قلنا مِن ذلك إبانةٌ، قولُه: ﴿وَرَبُّكَ
١٠٢/٢٠ يَعْلَمُ/ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. فأخْبَرَ أنه يَعْلَمُ مِن عبادِهِ السَّرائِرَ
والظواهِرَ، ويَصْطَفى لنفسِه، ويَختارُ لطاعتِهِ مَنْ قد علِمِ منه السَّرِيرَةَ الصالحةَ،
والعَلانِيَةَ الرَّضِيَّةَ.
والثالثُ : أن معنى الخِيَرَةِ فى هذا الموضع ، إنما هو الخيرَةُ، وهو الشىءُ الذى
يُخْتارُ مِن البهائم والأنعام، والرجالِ والنساءِ. يُقالُ منه: أَعْطِىَ الخِيَرَةَ والخِيرَةَ.
مِثْلُ الصِّيْرَةِ والطَّيْرَةِ (٣ والطَّيْرة٣ُ) ، وليس بالاختيارِ. وإذا كانت الخيّرَةُ ما وَصَفْنا،
(١) فى م: ((أوضح )).
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((السابق)).
(٣ - ٣) سقط من: م. والذى فى المعاجم ((الطِّرَة والطّيرة)). وفيها أيضًا ((الطَّيْر)) وهو الاسم من ((التطير)).
فالله أعلم . ينظر اللسان والتاج (ط ی ر).

٣٠٣
سورة القصص : الآيات ٦٨ - ٧٠
فمعلومٌ أن مِن أجودِ الكلام أن يُقالَ : وربُّك يخلُقُ ما يشاءُ، ويَختارُ ما يشاءُ، لم
يكنْ لهم خَيْرُ بهيمةٍ ، أو خيرُ طعامٍ ، أو خيرُ رجلٍ أو امرأةٍ .
فإن قال: فهل يجوزُ أن تكونَ بمعنى المَصْدَرِ؟ قيل: لا. وذلك أنها إذا كانت
مصدرًا، كان معنى الكلام : وربُّك يخلُقُ ما يشاءُ، ويَختارُ كَوْنَ الخيرةِ لهم . وإذا
كان ذلك معناه، وجَب ألا يكونَ الشِّرائُ لهم مِن البهائم والأنعامِ ، وإذا لم يكنْ لهم
شِرارُ ذلك، وجَب ألا يكونَ لها مالِكٌ، وذلك ما لا يَخْفَى خَطَؤُه؛ لأن لخيارِها
ولشِرارِها أربابًا، يَمْلِكونها بتمليكِ اللَّهِ إياهم ذلك، وفى كونٍ ذلك كذلك فسادُ
تَوْجيهِ ذلك إِلى مَعْنَى المصدرِ .
وقولُه: ﴿ سُبْحَنَ اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : تَنْزِيهًا
للَّهِ وتَثْرِئَةً له وعُلُوًّا عمَّا أضافَ إليه المشركون مِن الشِّرْكِ، وما تَخَرَّصُوه مِن الكذبِ
والباطلِ عليه . وتأويلُ الكلامِ: سبحانَ اللَّهِ وتعالى عن شركهم .
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ(١) يُوَجَّهُه إلى أنه بمعنى: وتعالى عن الذى يُشْرِ كون به .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا
(٦٩
وَهُوَ اَللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةُّ وَلَهُ الْحُكْمُ
يُعْلِنُونَ
VO
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وربُّك يا محمدُ يَعْلَمُ ما تُخْفى صدورُ خلقِه . وهو مِن :
أكْنَنْتُ الشىءَ فى صَدْرِى، إذا أَضْمَرْتَه فيه. وكَنَنْتُ الشىءَ، إذا صُنْتَه. ﴿ وَمَا
يُعْلِنُونَ﴾. يقولُ: وما يُئِدُونه بألسنتِهم وجوارحِهم.
وإنما يَعْنى بذلك أن اختيارَه مَنْ يَختارُ منهم للإِيمانِ به، على عِلم منه بسَرائرِ
أمورِهم وبَوَادِيها ، وأنه يَختارُ للخيرِ أَهلَه، فيُوَفِّقُهم له، ويُوَلِّى الشرَّ أهْلَه، ويُخَلِيهم
(١) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١٠٩/٢، وفيه: عن الذين .

٣٠٤
سورة القصص : الآيتان ٧٠، ٧١
وإياه .
وقولُه: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : وربُّك يا محمدُ
المعبودُ الذى لا تَصْلُحُ العبادةُ إلَّا له، ولا معبودَ تَجوزُ عبادتُه غيرُه، ﴿لَهُ اٌلْحَمْدُ فِى
اُلْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾. يعنى فى الدنيا والآخرةِ، ﴿ وَلَهُ اُلْحُكْمُ﴾. يقولُ: وله القضاءُ
بينَ خلقِه، ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرَدُّون مِن بعدِ مَمَاتِكم، فيَقْضى
بينَكم بالحقِّ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْهَدًا إِلَى
٧١
يَوْمِ الْقِيَعَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ
١٠٣/٢٠
/يقولُ تعالى ذكره: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللّهِ: أيُّها القومُ، أرأَيتُم إن
جعَل اللَّهُ عليكم الليلَ دائمًا لا نهارَ إلى يومِ القيامةِ يَعْقُه! والعربُ تقولُ لكلِّ ما كان
متصلًا لا يَنْقَطِعُ من رخاءٍ أو بلاءٍ أو نعمةٍ : هو سَرْمَدٌ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ قوله : ﴿سَرْهَدًا﴾: دائمًا لا يَنْقَطِعُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٣/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٦/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.

٣٠٥
سورة القصص : الآيات ٧١ - ٧٣
حدَّثنى علىّ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْهِكُمُ الَّلَ سَرْمَدًا﴾. يقولُ: دائمًا (١).
وقولُه: ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ﴾. يقولُ: مَن معبودٌ غيرُ
المعبودِ الذى له عبادةُ كلِّ شيءٍ يَأتيكم بضياءِ النهارِ، فَتَشْتَضيئون به؟ ﴿أَفَلَا
تَسْمَعُونَ﴾! يقولُ: أفلا تُرْعُون ذلك سمعَكم، وتُفَكّرون فيه فتتَّعِظون ، وتَعْلَمون
أن ربَّكم هو الذى يأتى بالليلِ ويَذْهَبُ بالنهارِ إذا شاء، وإذا شاء أتى بالنهارِ وذهَب
بالليلِ ، فيُنْعِمُ باختلافهما كذلك عليكم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ
سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِيْلِ تَسْكُنُونَ فِيَّةٍ أَفَلاَ
تُبْصِرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلَّمِ: ﴿قُلْ ﴾ يا محمدُ لمشركى قومِك :
﴿ أَءَيْتُمْ ﴾ أيُّها القومُ ﴿إِن جَعَلَ [٥٦٥/٢ظ] اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ :
دائمًا لا ليلَ معه أبدًا ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيِّرُ اللَّهِ﴾: مَن معبودٌ غيرُ المعبودِ
الذى له عبادةُ كلِّ شيءٍ ﴿ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ نَسْكُنُونَ فِيَّةٍ﴾ فتَسْتَقِرُون وتَهْدَؤُون
فيه؟ ﴿ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾؟ يقولُ: أفلا تَرَوْن بأبصارٍ كم اختلافَ الليلِ والنهارِ
عليكم ، رحمةً من اللَّهِ لكم وحُجةٌ منه عليكم ، فتَعْلموا بذلك أن العبادةَ لا تَصْلُحُ إلا
لمن أنعَم عليكم بذلك دونَ غيرِهِ ، ولمن له القدرةُ التى خالَف بها بينَ ذلك.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِن ◌َزَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُوا
٧٣
فِيهِ وَلِتَبْثَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٣/٩ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
( تفسير الطبرى ٢٠/١٨)
١٣٥/٥، ١٣٦ إلى ابن المنذر .

٣٠٦
سورة القصص : الآيات ٧٣ - ٧٥
١٠٤/٢٠
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ،﴾ بكم أيُّها الناسُ ﴿جَعَلَ لَكُ اَلَّيْلَ
وَالنَّهَاَرَ﴾، فخالف بينهما،/ فجعَل هذا الليلَ ظلامًا؛ ﴿ لِتَسْكُواْ فِيهِ﴾ وتَهْدَهُوا
وتَسْتَقِرُّوا لراحةٍ أبدانِكم فيه من تعبِ التصرُّفِ الذى تَتَصَرَّفون نهارًا لمعايشِكم .
وفى الهاء التى فى قوله : ﴿ لِتَسْكُواْ فِهِ﴾ وجهان؛ أحدُهما: أن تكونَ من ذکرٍ
الليلِ خاصةً ، ويُضْمَرُ للنهارِ مع الابتغاءِ هاءٌ أخرى. والثانى: أن تكونَ من ذکرِ
الليلِ والنهارِ، فيكونَ وجهُ توحيدِها وهى لهما ٢) ، وجه توحيدِ العربِ فی قولهم :
إقبالُك وإدبارُك يُؤْذينى؛ لأن الإقبالَ والإِدبارَ فعلٌ، والفعلُ يُوخَّدُ كثيرُه وقليلُه :
وجعَل هذا النهارَ ضياءً تُبْصِرون فيه ، فَتَتَصَرَّفون بأبصار كم فيه لمعايشِكم، وابتغاءَ
رزقِه الذى قسَمَه بينكم ، بفضلِه الذى تفضَّل عليكم .
وقولُه: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولتَشْكُروه على إنعامِه
عليكم بذلك ، فعَل ذلك بكم لتُفْرِدوه بالشكرٍ ، وتُخْلِصوا له الحمدَ؛ لأنه لم يَشْرَكْه
فى إنعامِه عليكم بذلك شريكٌ ، فلذلك ينبغى ألا يَكونَ له شريكٌ فى الحمدِ عليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ
وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَانُواْ بُرْهَنَكُمْ فَعَلِّمُوْاْ
كُتُمْ تَزْعُمُونَ
Vo
أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
يعنى تعالى ذكرُه : ويومَ ينادى ربُّك يا محمدُ هؤلاء المشركين فيقولُ لهم :
﴿ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيُّها القومُ فى الدنيا أنهم شركائى؟
وقولُه: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: وأحضَرنا مِن كلِّ جماعةٍ
شهيدَها، وهو نبيّها الذى يَشْهَدُ عليها بما أجابته أمتُه، فيما أتاهم به عن اللّهِ مِن
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((لها)).

٣٠٧
سورة القصص : الآية ٧٥
الرسالةِ . وقيل: ﴿ وَنَزَعْنَا﴾. مِن قولِهم: نَزَع فلانٌ بحجةِ كذا. بمعنى: أحضَرها
وأخرَجها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَزَعْنَا مِن
كُلِّ أُمٍَّ شَهِيدًا﴾: وشهيدُها نبيُها، يَشْهَدُ عليها أنه قد بلَّغ رسَالاتِ ربِّه(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّذٍ شَهِيدًا﴾. قال: رسولًاً(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوِه .
وقولُه: ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ﴾. يقولُ: فقلنا لأمةِ كلِّ نبىٌّ منهم، التى
ردَّت نصيحته، وكذَّبت بما جاءها به مِن عندِ ربِّهم، إذا شهِد نبيّها عليها ،
بإبلاغِه إياها رسالةَ اللَّهِ: ﴿هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ﴾. يقولُ: فقال لهم: هاتوا حُجَّتَكم
على إشراكِكم باللّهِ ما كنتم تُشْرِكون، مع إعذارِ اللَّهِ إليكم بالرسلِ وإقامتِه عليكم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٤/٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٥ إلى
عبد بن حميد .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٤/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٦/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى م: ((إِذ)).

٣٠٨
سورة القصص : الآية ٧٥
(١)
الحججَ(١)
/وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٠٥/٢٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ
بُرْهَنَكُمْ﴾. أى: بَيِّنتَكم(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارث ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَلَكُمْ﴾. قال: حَُّتَكم لما كنتم تَعْبُدون وتقولون(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ﴾. قال: حُجَّتَكم بما كنتم تَعْبُدون .
وقولُه: ﴿فَعَلِّمُوْاْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾. يقولُ: فعلِموا حينئذٍ أن الحجةَ البالغةَ للَّهِ
عليهم، وأن الحقَّ للَّهِ، والصدقَ خبرُه، فأيْقَنوا بعذابٍ مِن اللَّهِ لهم دائم، ﴿وَضَلَّ
عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: واضْمَحَلَّ فذهَب الذى كانوا يُشْرِكون باللّهِ
فى الدنيا، وما كانوا يَتَخَرَّصون ويكذبون على ربِّهم، فلم يَنْفَعْهم هنالك ، بل
ضرّهم وأصْلَاهم نارَ جهنمَ .
(١) فى م: ((بالحجج)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٤/٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٥ إلى
عبد بن حميد .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٣١ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن
حميد وابن المنذر .

٣٠٩
سورة القصص : الآية ٧٦
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمّ
وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ قَرُونَ﴾ . وهو قارونُ بنُ يصهرَ بنِ قاهثَ بنِ لا ◌ِی
ابنِ يعقوبَ، ﴿كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى﴾. يقولُ: كان مِن عشيرةٍ موسى بنٍ
عمرانَ النبيِّ عِّْ، وهو ابنُ عمِّه لأبيه وأمّه . وذلك أن قارونَ هو قارونُ بنُ یصهر بنِ
قاهثَ ، وموسى هو موسى بنُ عمرانَ بنِ قاهثَ ، كذا نسبه ابنُ جريجِ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، [٥٦٦/٢و] عن ابن جريجٍ
قولَه: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْيِ مُوسَى﴾. قال: ابنُ عمِّه، ابنُ أخى أبيه .
قال(١) : قارونُ ابنُ يصفرَ - هكذا قال القاسمُ ، وإنما هو يصهرُ - بنِ قاهتَ ، وموسی
ابنُ عرمَ (١) بنِ قاهثَ، وعرمزُ(٢) بالعربيةِ عمرانُ(٣).
وأما ابنُ إسحاقَ فإن ابنَ حميدٍ حدَّثْنا، قال: ثنا سلمةُ، عنه، أن يصهرَ بنَ
قاهثَ تزوَّج سميثَ(٤) بنتَ بتاويتَ(٥) بنِ بركنا(٢) بنِ يقسانَ(٢) بنِ إبراهيمَ، فولَدت
له عمرانَ بنَ يصهرَ، وقارونَ بنَ يصهرَ، فنكح عمرانُ یحیبَ (٨) بنتَ شمویلَ بنِ
(١) فى م: ((فإن)). والمثبت من بقية النسخ موافق لنسخ التاريخ، وإن غيرها محقق التاريخ .
(٢) فى م: ((عومر)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٣/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٥ إلى ابن المنذر، وزاد
المصنف فى التاريخ : هكذا قال القاسم ، وإنما هو عمرم .
(٤) فى تاريخ المصنف: ((شميت))، والمثبت موافق لإحدى نسخ التاريخ .
(٥) فى تاريخ المصنف: ((تباويت)).
(٦) فى تاريخ المصنف: ((بركيا)).
(٧) فى ص، م: ((بقشان))، وفى ت٢: ((نفسان)).
(٨) فى م: ((بخنت))، وبدون نقط فى ص، ت١، ت٢ .

٣١٠
سورة القصص : الآية ٧٦
بركنا بنِ يقسانَ بنِ إبراهيمَ، فولَدت له هارونَ بنَ عمرانَ، وموسى بنَ عمرانَ ،
صفىَّ اللَّهِ ونبيّه(١).
فموسى على ما ذكر ابنُ إسحاقَ، ابنُ أُخى قارونَ ، وقارونُ هو عمُّه ، أخو أبيه
لأبيه ولأمّه، وأكثرُ أهلِ العلم فى ذلك على ما قاله ابنُ جُرَيجٍ .
/ذكرُ مَن قال ذلك
١٠٦/٢٠
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال : أخبرنا إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ ،
عن إبراهيمَ فى قوله: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى﴾. قال: كان ابنَ عمِّ
(٢)
ـى ).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ
حربٍ، "عن إبراهيمَ، قال: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى﴾: كان قارونُ
ابنَ عمِّ موسی ).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد١ُ)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ
مِن قَوْمٍ مُوسَى﴾: كنا نُحدَّثُ أنه كان ابنَ عمَّه أخى أبيه، وكان يُسمَّى المنوَّرَ؛ من
حُسنٍ صورتِهُ(٢) " فى التوراةٍ)، ولكنَّ عدوَّ اللَّهِ نافَق كما نافَق السامرىُّ، فأهلكه
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٨٥/١، ٤٤٣ .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٣/١ .
(٣ - ٣) سقط من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف ٤٤٣/١، ٤٤٤. وينظر تهذيب الكمال ٣٤٨/١٠،
٥/١١، ٠١١٥/١٢
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٣/١ .
(٥) فى م، ت١: (( صوته )).
(٦ - ٦) فى م: ((بالتوراة)).

٣١١
سورة القصص : الآية ٧٦
(١)
البَغْىُ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ: ﴿ إِنَّ
قَدْرُونَ كَانَ مِن قَوْرِ مُوسَى﴾. قال: كان ابنَ عمِّه فبغَى عليه(٢) .
قال: ثنا يحيى القطانُ، عن سفيانَ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ ، قال: كان
قارونُ ابنَ عمّ موسى(٢) .
قال : ثنا أبو معاويةً، عن ابنِ أبى خالدٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن
قَوْرِ مُوسَى﴾. قال: كان ابنَ عمّه(٢) .
حدَّثنى بشرُ بنُ هلالِ الصَّوافُ ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ الضُّبَعِىُّ، عن مالكِ
ابنِ دينارٍ ، قال: بلَغنى أن موسى بنَ عمرانَ كان ابنَ عمِّ قارونَ(١).
وقولُه: ﴿ فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: فتجاوَز حدَّه فى التكبُرِ والتَّجَبُّرِ عليهم.
وكان بعضُهم يقولُ : كان بَغْيُه عليهم زيادةَ شبرٍ أَخَذها فى طولِ ثيابِهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ سعيدِ الكندىُّ وأبو السائبِ وابنُ وكيع، قالوا : ثنا حفصُ بنُ
غياثٍ ، عن ليثٍ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى
عَلَيْهِمْ﴾. قال: زاد عليهم فى الثيابِ شبرًاً .
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٤/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٥/٩ من طريق سعيد به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٥ إلى عبد بن حميد .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٤/١ .
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٥/١ ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٦/٩ من طريق حفص به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٣١٢
سورة القصص : الآية ٧٦
وقال آخرون : کان بغيُه عليهم بكثرةِ مالِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: إِنما بغَى عليهم
بكثرةِ مالِه .
وقولُه: ﴿ وَءَانَيَْهُ مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وآتينا قارونَ من كنوزٍ الأموالِ ﴿ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ ﴾ . وهی جمعُ
مِفْتَحِ، وهو الذى يُفْتَحُ به الأبوابُ. وقال بعضُهم: عَنَى بالمفاتحِ فى هذا الموضعِ
الخزائنَ - لَتْقِلُ العُصْبةَ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال (ما قلنا فى معنى المفاتح )
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن خَيْثَمةً ،
قال: كانت مفاتيحُ قارونَ تُحْمَلُ على ستين بغلًا، كلٌّ مِفتاحٍ منها لبابٍ(٢) كنزٍ
معلومٍ، مثلُ الإصبَعِ ، من جلودٍ ().
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن الأعمش، عن خيثمةَ، قال: كانت مفاتح
١٠٧/٢٠ كنوزٍ قارونَ من /جلودٍ، كلّ مفتاح مثلُ الإصبَعِ، كلّ مفتاح على خزانةٍ على حدةٍ ،
(١ - ١) فى ت٢: ((ذلك)).
(٢) فى م : (( باب)) .
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٥/١ .

٣١٣
سورة القصص : الآية ٧٦
فإذا ركِب حُمِلت المفاتيحُ على ستِّين بغلًا، أغرُ مُحجَّلٌ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن خيثمةَ فى قوله: ﴿مَآ إِنَّ
مَفَاتِحَهُ لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾. قال: نجِدُ مكتوبًا فى الإنجيلِ: مفاتحُ قارونَ
وَقْ سِتِين بغلًا غُرَّا مُحَجّلةً، ما يزيدُ كلُّ مِفتاحٍ منها على إصبَعٍ، لكلِّ مفتاحٍ منها
.(٢)
كَيْثُ(٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ عيينةً، عن حميدٍ ، عن مجاهدٍ ، قال: كانت
المفائحُ من جلودِ الإبلِ() .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَءَانَيْلَهُ مِنَ الْكُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: مفَاتِحُ من
جلودٍ كمفاتحِ العِيدانِ .
وقال قومٌ: عُنِىَ بالمفاتحِ فى هذا الموضعِ خزائنُه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا هشيمٌ، قال : أخبرنا إسماعيلُ بنُ سالم، عن أبى
(١) كذا فى النسخ وتاريخ المصنف ، من صفة البغل لكن على القطع، وعند ابن أبى حاتم والسيوطى :
((محجلاً)). صفة على الإتباع .
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٥/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٧/٩ من
طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٥ إلى الفريانى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد
وابن المنذر .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٤/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٥ إلى سعيد بن منصور وابن
المنذر .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٩٣/٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٧/٩ من طريق ابن عيينة به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٥، ١٣٧ إلى عبد بن حميد.

٣١٤
سورة القصص : الآية ٧٦
صالحٍ فى قوله: ﴿مَآَ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: كانت خزائنُه تُحْمَلُ
على أربعين بَغْلًا(١).
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال: ثنا أبى، عن أبى حجيرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مَا إِنَّ
مَفَاتِحَهُ﴾. قال: أوعيتَه(٢) .
وبنحوِ الذى قلْنا فى معنى قوله: ﴿لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا جابرُ بنُّ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ ، عن الضحاكِ،
عن ابنِ عباسٍٍ فى قوله: ﴿لَثَنُوَأُ بِلْعُصْبَةِ﴾. قال: لَتْقِلُ بالعصبةِ.
حدَّثنی علىٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾. يقولُ: تُثقِلُ(١).
وأما ((العصبةُ)) فإنها الجماعةُ، واختلف أهلُ التأويلِ فى مبلغ عددِها الذى
أُريد فى هذا الموضع - فأما مبلغُ عددٍ (( العصبةِ)) فی کلام العرب فقد ذكرناه فيما
مضى باختلافِ المختلفين فيه ، والروايةَ فى ذلك، والشواهدَ على الصحيحِ من قولهم
فى ذلك، بما أغَنى عن إعادتِهِ فى هذا الموضعِ(٤) - فقال بعضُهم: كانت مفاتحُهُ
تَنُوءُ بعصبةٍ ؛ مبلغُ عددها أربعون رجلاً .
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٤٤/١، ٤٤٥، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٨/٩ من طريق هشيم به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٧/٩ من طريق وكيع به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٨/٩ من طريق أبى صالح به ، وأخرجه الطستى - كما فى الدر
المنثور ١٣٧/٥ - ومن طريقه السيوطى فى الاتقان ١٠١/٢ من طريق عبد الله بن أبى بكر، عن ابن عباس .
وتقدم إسناده فى الاتقان فى ٦٨/٢ .
(٤) ينظر ما تقدم فى ١٨/١٣، ٢٩.

٣١٥
سورة القصص : الآية ٧٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنا هشيمٌ ، عن إسماعيلَ بنِ سالم ، عن
أبى صالح قولَه: ﴿لَثَنُوَأُ بِلْعُصْبَةِ﴾. قال: أربعون رجلاً(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَثَنُوَأُ
بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: ذكِر لنا أن العصبةَ ما بينَ العشرةِ إلى الأربعين(٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾: يَزْعُمون أن العصبةَ
أربعون رجلاً، يَنْقُلون مفاتحه من كثرة عددِها .
/ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن ١٠٨/٢٠
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ، لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى
الْقُوَّةِ﴾. قال: أربعونَ رجلًاً(٣).
وقال آخرون : ستُّون . وقال: كانت مفاتحُهُ تُحْمَلُ على ستِّين بغلًا .
حدَّثنا بذلك(٤) ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن خيثمةً(٥).
وقال آخرون : كانت تُحْمَلُ على ما بينَ ثلاثةٍ إلى عشرةٍ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٨/٩ من طريق إسماعيل به، وفيه: ((سبعون رجلًا)). وكذا فى
الدر المنثور ١٣٧/٥ . وفى تفسير القرطبى ٣١٣/١٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٧/٥ إلى عبد بن حميد.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٧/٥ إلى المصنف .
(٤) فى م، ت١: (( كذلك)).
(٥) تقدم تخريجه فى ص ٣١٣ .

٣١٦
سورة القصص : الآية ٧٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا جابرُ بنُ نوحٍ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: العُضْبةُ ثلاثةٌ .
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ ، عن
الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَثَنُوْأُ بِلْعُصْبَةِ﴾. قال: العصبةُ ما بينَ ( الثلاثةِ
إلى العَشرةِ " .
وقال آخرون : كانت تُحْمَلُ ما بينَ العشرةِ إلى خمسةَ عشرَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: العصبةُ ما بينَ العشرةِ إلى
خمسةَ عشرَ(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: العصبةُ خمسةَ عشرَ رجلًاً(٢).
وقولُه: ﴿ أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾. يعنى: أولى الشدةِ .
وقال مجاهدٌ فى ذلك ما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال :
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢: ((العشرة إلى خمسة عشر)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٨/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٧/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٩٣/٢ عن ابن جريج به .

٣١٧
سورة القصص : الآية ٧٦
ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿أُوْلِىِ الْقُوَّةِ﴾. قال: خمسةَ عشرَ (١).
فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: ﴿ وَءَانَيَْهُ مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ
بِالْعُصْبَةِ ﴾ وكيفَ تَنُوءُ المفائحُ بالعصبةِ ، وإنما العصبةُ هى التى تَنُوءُ بها؟ قيل :
اختلف فى ذلك أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ ؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ ) : مَجازُ ذلك:
ما إن العصبةَ ذوى القوةِ لتَنُوءُ بمفاتحَ نِعَمِه . قال : ويقالُ فى الكلام : إنها لتنوءُ بها
عجيزتُها . وإنما هى: تَنُوءُ بعجيزتِها. كما يَنوءُ البعيرُ بحِمْلِه. قال: والعربُ قد تَفْعَلُ
مثلَ هذا، قال الشاعر:
فَدَيْتُ بنفسِه(٢) نفسى ومالى وما أَلُوكَ إلَّ ما أُطِيقُ
والمعنى : فديتُ بنفسى وبمالى نفسَه. وقال آخر(2):
١٠٩/٢٠
أوتَوْكَبُ خَيْلًا لا هَوَادَةَ بينَها وتَشْقَى الرِّماحُ بالضياطرةِ الحُمْرِ
وإنما تَشْقى الضياطرةُ بالرماح . قال : والخيلُ هلهنا الرجالُ .
وقال آخرُ منهم: ﴿مَآَ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ﴾. (°يريدُ: الذى إنَّ
مفاتحَهْ). قال: وهذا موضع لا يكادُ يُبتَدَأُ فيه ((إن))، وقد قال: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى
تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيَكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. وقوله: ﴿لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ إنما
العصبةُ تَنوءُ بها ، وفى الشعرِ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٩/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٧/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١١٠/٢.
(٣) فى ص، ت١، ت٢: (( به)).
(٤) تقدم فى ٢٧٤/١٦ .
(٥ - ٥) سقط من: م، ت١.
(٦) فى مسائل نافع بن الأزرق ص ١٥٣ استشهد ابن عباس ببيت لامرئ القيس :
مشى الضعيف ينوء بالوسق
تمشى فتنقلها عجيزتها
وینظر تخريجه فيه .

٣١٨
سورة القصص : الآية ٧٦
* تَنوءُ بها فتُنْقِلُها عَجِيزتُها »
وليست العجيزةُ تَنوءُ بها ، ولكنها هى تَنوءُ بالعجيزةِ، وقال الأعشى(١):
ما كنتَ فى الحربِ العَوَانِ مُغَمَّرًا إذ شبَّ حَوّ وقودِها أَجْذَالَها
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيين يُنْكِرُ هذا الذى قاله هذا القائلُ ، وابتداءً
((إن)) بعدَ ((ما))، ويقولُ: ذلك جائزٌ مع ((ما)) و((من))، وهو مع ((ما)) و((مَن))
أجودُ منه (١) مع ((الذى))؛ لأن ((الذى)) لا يَعْمَلُ فى صِلتِهِ ولا تَعْمَلُ صِلتُه فيه،
فلذلك جاز وصارت الجملةُ عائدَ ((ما))، إذ كانت لا تَعْمَلُ فى ((ما)) ولا تَعْمَلُ
((ما)) فيها. قال: وحسن مع ((ما)) و ((مَن))؛ لأنهما يكونان بتأويل النكرة إن شئت،
والمعرفةِ إن شئت ، فتقولُ : ضرَبتُ رجلًا لِيَقومَنَّ، وضرَبتُ رجلًا إنه لمحسنٌّ. فتكونُ
((مَن)) و((ما)) بتأويلِ ((هذا))، ومع ((الذى)) أقبحُ؛ لأنه لا يكونُ بتأويلٍ النكرةِ .
وقال آخرُ منهم فى قولِه (١٢): ﴿لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ﴾. نَوْءُها بالعصبةِ أن
تُثْقِلَهم. وقال: المعنى: إنَّ مفاتحَه لَتُنِىءُ العصبةَ، ثُمِيلُهن من ثِقْلِها. فإذا أدخَلْتَ
الباءَ قلتَ : تَنوءُ بهم. كما قال: ﴿ءَاتُونِيِّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] .
قال : والمعنى : ائتُونى بقطرٍ أَفْرِعْ عليه . فإذا حذَفتَ الباءَ زِدت على الفعلِ ألفًا فى
١١٠/٢٠ أولِه، ومثلُه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٣]. معناه: فجاء بها المخاضُ.
وقال: قد قال رجلٌ من أهلِ العربيةِ: ما إن العصبةَ تَنُوءُ بمفاتحِهِ . فحوَّل الفعلَ إلى
المفائحِ، كما قال الشاعرُ(٤):
إن سِراجًا لكريمٌ مَفخَرُه تحلَى به العينُ إذا ما تَجْهَرُه
(١) ديوانه ص ٣١ .
(٢) سقط من: ص ، ت١، ت٢ .
(٣) هو الفراء فى معانى القرآن ٣١٠/٢.
(٤) تقدم فى ٤٨/٣ .

٣١٩
سورة القصص : الآية ٧٦
وهو الذى يَحَلَى بالعينِ. قال: فإن كان سمِع أثرًا بهذا فهو وجةٌ ، وإلا فإِنَّ
الرجلَ جهِل المعنى. قال: وأنشَدنى بعضُ العربِ :
وناءَ فى (١) شِقِّ الشمالِ كاهِلُه
حتى إذا ما التَأَمَت مواصِلُه(١)
يعنى الرامىّ لما أُخَذ القوسَ ونزَع مالَ عليها. قال: ونُرى أن قولَ العربِ : ما
ساءك وناءك . من ذلك، ومعناه: ما ساءك وأناءك(٢). إلا أنه أَلقى الألفَ؛ لأنه مُنْبَعٌ
لـ (سَاءَك))، كما قالت العربُ: أكُلْتُ طعامًا فهنأَنى ومرَنى. ومعناه إذا أُفرِدَت:
وَأَمْرَأَنِى. فيحُذِفت منه الألفُ لمّا أُتيِع ما ليس فيه ألِفٌ.
وهذا القولُ الآخرُ فى تأويل قوله: ﴿لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ ﴾. أولى بالصوابِ
من الأقوالِ [٥٦٧/٢و] الأُخَرِ؛ لمعنيين؛ أحدُهما ، أنه تأويلٌ موافِقٌ لظاهرِ التنزيلٍ.
والثانى، أن الآثارَ التى ذكرنا عن أهلِ التأويلِ بنحوِ هذا المعنى جاءت، وأنَّ قولَ مَن
قال : معنى ذلك: ما إن العصبةَ لتَنوءُ بمفاتحِه . إنما هو توجيةٌ منهم إلى أن معناه: ما إن
العصبةَ لتَنْهَضُ بمفاتحِهِ . وإذا وجّه إلى ذلك لم يكنْ فيه من الدلالةِ على أنه أُرِيدَ به
الخبرُ عن كثرةٍ كنوزِه على نحوٍ ما فيه إذا وجّه إلى أن معناه: إن مفاتحَه تُثْقِلُ العصبةَ
وتُمِيلُها؛ لأنه قد تَنْهَضُ العصبةُ بالقليلِ من المفاتح وبالكثيرِ، وإنما قصَد جلَّ ثناؤه
الخبرَ(٤) عن كثرةٍ ذلك، وإذا أُريدَ به الخبر عن كثرتِه، كان لاشكَّ أن الذى قالَه مَن
ذكّرنا قولَه من أن معناه: لتنوءُ العصبةُ بمفاتحِهِ . قولٌ لا معنى له ، هذا مع خلافِه تأويلَ
السلفِ فى ذلك .
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((مفاصله)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((عن)).
(٣) بعده فى م: ((من ذلك)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢: ((بالخبر)).

٣٢٠
سورة القصص : الآية ٧٦
/وقولُه: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَعْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. يقولُ : إذ قال
قومُه: لا تَبْغ ولا تَبْطَرْ فَرَحًا ، إن اللَّهَ لا يُحِبُّ مِن خَلْقِهِ الأُشِرِين البَطِرِين.
١١١/٢٠
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. يقولُ: المرِحِينَ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
عن القاسم بنٍ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
اٌلْفَرِحِينَ﴾. قال: المتبذِّخين الأشِرِين البَطِرِين الذين لا يَشْكُرون اللَّهَ على ما
أعطاهم .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن جابرٍ ،
قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. قال :
الأَشِرِين البَطِرِين التَّذِخين(٢).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ ، قال : أخبرنا العوَّامُ ، عن مجاهدٍ فى قوله :
لَا تَفْرَعْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. قال: يعنى به البَغْىَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠١٠/٩ من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٧/٥ إلى ابن المنذر .
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهم والحزن (١٥٧) من طريق شعبة به ، بلفظ: الأشرين .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٩/٩ من طريق العوام به .