Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١
سورة الشعراء : الآيتان ٦٢،٦١
اُلْجَمْعَانِ﴾: فنظَرَت بنو إسرائيلَ إلى فرعونَ قد رَمَقَهم، قالوا: إنا لمُذْركون .
قالوا: يا موسى ﴿ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، اليومَ
يدرِ كُنا فرعونُ فَيَقْتُلُنا، ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. البحرُ من بينٍ أيدينا، وفرعونُ مِن
(١)
خلفنا (١).
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنی حجاج ، عن أُبی بکرٍ ، عن شهرٍ
ابنِ حوشپ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : لمَّا انتَهی موسى إلى البحرِ ، وهاجت الريح
العواصفُ، فنظَر أصحابُ موسى خلفَهم إلى الريح وإلى البحرِ أمامَهم قالُوا :
يا مُوسَى: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ﴾. قال: ﴿ كَلََّّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾
واختَلَفَتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى
الأعرج: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. وقَرأه الأعريج: (إنّ لمدَّرَكون)(٢). كما يقالُ: نُزِّلَت،
وَأُنزلَت .
والقراءةُ عندَنا التى عليها قرأةُ الأمصارِ ؛ لإجماع الحجةِ مِن القرَأَةِ عليها .
وقولُه: ﴿كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ﴾. (١) قال موسى لقومه: ليس الأمر كما
ذكّرْ تُم ، كلالن تُدْرَ كوا ﴿إِنَّ مَعِىَ رَبِِّ سَيَهْدِينٍ﴾. يقولُ: سيَهْدينِ لطريقٍ أَنْجُو فيه
مِن فرعونَ وقومِه .
كما حدَّثنى ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
(١) تقدم فى ٦٦٠/١ .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٦٥٨/١ .
(٣) وقرأ بها أيضًا عبيد بن عمير. مختصر الشواذ لابن خالويه ١٠٨، والبحر المحيط ٢٠/٧.
(٤ - ٤) سقط من : ت ٢.
٥٨٢
سورة الشعراء : الآيتان ٦٢، ٦٣
كعبِ القُرَظِيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ ، قال: لقد ذُكرلى أنه خرَج فرعونُ
فى طلبٍ موسى على سبعين ألفًا مِن دُهْمِ الخيلِ ، سوى ما فى جندِه من شِيَةِ الخيلِ ،
وخرَج موسى حتى إذا قابَله البحرُ ولم يَكُنْ عنه مُنْصَرَفٌ ، طلَع فرعونُ فی جندِه مِن
) قَالَ كَلََّّ إِنَّ مَعِىَ رٍَّ
خلفِهِم ﴿ فَلَمَّا تَرَّءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
سَيَهْدِينٍ﴾. أى: للنجاةِ، وقد وَعَدنى ذلك، ولا خُلْفَ لموعودِه(١).
حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ قَالَ كَلَّ إِنَّ
مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾. يقولُ: سَيَكْفِينى، وقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ
[٥١٢/٢و] وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
وقولُه: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ﴾. ذكر أن اللَّهُ
كان قد أَمَر البحرَ ألَّا ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بعصاه .
حدَّثنا موسى ، قال : ثنا عمرو، قال : ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: فتقدَّم
هارون ، فضرب البحر، فأتی أن ینفتحَ ، وقال : من هذا الجبار الذی یضرِبُنی ؟ حتى
أتاه موسى ، فكَنَاه أبا خالدٍ ، وضرَبه فانفلَق(٢).
/ حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثناسلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: أوحَى
اللَّهُ ، فيما ذُكر ، إلى البحرِ : إذا ضرَبك موسى بعصاه فانفلِقْ له . قال: فباتَ البحر
يضربُ بعضُه بعضًا فَرَقًا مِن اللَّهِ ، وانتظارَ أَمْرِه، وأوحَى اللَّهُ إلى موسى : أن اضرِبْ
بعصاك البحرَ. فضرَبه بها وفيها سلطانُ اللَّهِ الذى أعْطاه، فانفلَق(٤) .
٨٠/١٩
(١) تقدم فى ٦٥٥/١، ٦٥٦.
(٢) تقدم فى ٦٦٠/١، ٦٦١.
(٣) تقدم فى ٦٦١/١ .
(٤) تقدم فى ٦٥٦/١ .
٥٨٣
سورة الشعراء : الآية ٦٣
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن (١) سليمانَ التيمىِّ،
عن أبى السليل، قال: لمّ ضرَب موسى بعصاه البحرَ، قال: إيهًا أبا خالدٍ. فأخَذه
٥٠ر ٧(٢)
أَفْكَلٌ(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ،
وحجاج، عن أبى بكرٍ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيرِهِ، قالوا: لمّ انتَهى موسى إلى البحرِ ،
وهاجَتِ الريح، والبحرُ يَرْمِى بَيَّارِهِ، ويموجُ مثلَ الجبالِ، وقد أوحَى اللَّهُ إلى البحرِ ألا
ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بالعصا، فقال له يُوشَعُ: يا كليمَ اللَّهِ ، أينَ أُمِرْتَ ؟ قال :
هلهنا . قال : فجازَ البحرَ ما يُوارِى حافرَه الماءُ، فذهَب القومُ يصنَعون مثلَ ذلك ، فلم
يقدِروا، وقال له الذى يَكْتُمُ إيمانَه: يا كليمَ اللَّهِ ، أينَ أُمِرْتَ؟ قال: هلهنا، فَكَبَح
فرسَه بلِجَامِه حتى طارَ الزَّبَدُ مِن شِدْقَيه، ثم قَحَمه البحرُ، فأرسَب فى الماءِ،
فأوحَى اللَّهُ إلى موسى: أن اضرِبْ بعصاك البحرَ. فضرَب بعصاه موسى البحرَ
فانفلَقَ ، فإذا الرجلُ واقِفٌ على فرسِه، لم يبتلَّ سَرْجُه ولا لِنْدُه.
وقولُه: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فكان
كلُّ طائفةٍ مِن البحرِ لمّ ضرَبه موسى، كالجبلِ العظيم. وذُكر أنه انفلَق اثنتى عشْرةَ
فَلْقةً، على عددِ الأسْباطِ ، لكلِّ سِبْطٍ منهم فِرْقٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ فَانْفَلَقَ فَكَانَ
(١) فى م: ((ظن)).
(٢) الأفكل : الرعدة الشديدة من الخوف . اللسان ( ف ك ل ) .
٥٨٤
سورة الشعراء : الآية ٦٣
كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَوْرِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: كالجبلِ العظيم، فدخَلَت بنو إسرائيلَ،
وكان فى البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، فى كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، ( وكان الطريقُ كما(٢)
إذا انفلَقَتِ الجدرانُ، فقال كلُّ سِبْطٍ»: قد قَتَل أصحابنا. فلما رأى ذلك موسى
دَعا اللَّهَ، فجعَلها قَنَاطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخِرُهم إلى أوَّلِهم حتى خرَجوا
(٣)
جميعًا(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ،
وحجاجٌ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيرِهِ، قالوا: انفلَق البحرُ، فكان كلُّ فِرْقٍ
كالطَّوْدِ العظيم ، اثنا عشَرَ طريقًا، فى كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، وكان بنو إسرائيلَ اثنى عشَرَ
سِبْطًا، وكانت الطُّرْقُ بجدرانٍ ، فقال كلُّ سِبْطِ: قد قُتِل أصحابنا . فلما رأى ذلك
موسى ، دَعا اللَّهَ فجعَلها لهم بقَناطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ ، ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ على
أرضٍ يابسةٍ كأن الماءَ لم يُصِبْها قَطُّ حتى عَبَر (٤) .
قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: لمَّ انفلَق البحرُ لهم صار فيه كُوَّى ينظُرُ
بعضُهم إلى بعضٍ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ: ﴿ فَكَانَ كُلُّ
فِرْقٍ كَلَطَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾. أى: كالجبلِ على نَشَرٍ مِن الأرضِ(٥).
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) سقط من: ص ، ت ١، ف .
(٣) تقدم فى ٦٦١/١ .
(٤) فى ت ٢ : ((خرجوا جميعًا)).
(٥) تقدم فى ٦٥٦/١ .
٥٨٥
سورة الشعراء : الآيات ٦٣ - ٦٨
قوله: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلْطَوْرِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: كالجيلِ(١).
/ ٢ حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: ٨١/١٩
٢)
سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿كَالطَّوْرِ اٌلْعَظِيمِ﴾. قال: كالجبل
(٣)
العظيم(٣).
ومنه قولُ الأسودِ بنِ يَعْفُرَ():
ماءُ الفُراتِ يجىءُ مِن أَطْوَادِ
حَلُّوا بأنْقرةٍ يَسِيلُ عليهمُ
يعنى بالأطْوادِ جمعَ طَوْدٍ ، وهو الجبلُ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِنَ
وَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ:
٦٤
٦٧
إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ
٦٦
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ(
٦٥
أجْمَعِينْ
٦٨
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
يعنى بقوله تعالى ذكرُه : ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾: وقَرَّبْنا هنالك آلَ فرعونَ مِن
البحرِ، وقَدَّمْناهم إليه. ومنه قولُه: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [ الشعراء: ٩٠].
بمعنى : قُرْبَتْ وَأُذْنِيَتْ. ومنه قولُ العَجَّاجِ(٥) :
طََّ الليالى زُلَفًا فَزُلَفا
سَماوةَ الهِلالِ حتى احْقَوقَفَا
(١) ذكره الحافظ فى التغليق ٢٧٣/٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧٣/٨ من طريق
أبی صالح به .
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧٣/٨ معلقًا .
(٤) معجم ما استعجم ٢٠٤/١، وتفسير القرطبى ١٠٧/١٣، وهو فى مجاز القرآن ٨٦/٢ بدون نسبة.
(٥) ديوانه ص ٤٩٦ .
٥٨٦
سورة الشعراء : الآية ٦٤
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
عطاءِ الخُراسانىٌّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ [٥١٢/٢ظ]. قال:
(١)
قَبْنَا(١).
(٢ حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾. قال: هم قومُ فرعونَ قَرَّبَهم اللَّهُ حتى أغرَقهم فى
٢)
البحرِ ) .
٨٢/١٩
/ حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: دَنا
فرعونُ وأصحابُه بعدَ ما قطَع موسى ببنى إسرائيلَ البحرَ، مِن البحرِ، فلما نظَر فرعونُ
إلى البحرِ مُنْفَلِقًا قال: أَلَا تَرَوْن البحرَ فَرِقَ مِنِّى، قد تَفتَّح لى حتى أَدْرِكَ أعْدائى
فَأَقْتُلَهم؟ فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿ وَأَزْلَفْنَ ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾. يقولُ: قَرَّبْنا. ﴿ ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾
هم آلُ فرعونَ . فلمَّا قامَ فرعونُ على أفواهٍ (١) الطُّرُقِ، وأَبَتْ خيلُه أن تقتحِمَ ، فنزَل
جبريلُ عَلِّ على ماديانةٍ، فتشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماديانةِ، فاقتَحَمَت فى أثَرِها ، حتى
إذا هَمَّ أوَّلُهم أن يخرجَ، ودخَل آخِرُهم ، أمَر البحرَ أن يأخُذَهم، فالتطَّمَ عليهم،
وتفرَّدَ جبريلُ بمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البحرِ (٤)، فجعَل يَدُسُها فى فِيهِ(٢).
(١) ينظر تفسير ابن كثير ١٥٤/٦ .
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢.
والأثر فى تفسير عبد الرزاق ٧٤/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧٤/٨ (١٥٦٨٠) من طريق
سعيد عن قتادة .
(٣) سقط من : م .
(٤) مقل البحر : مغاص البحر . النهاية ٣٤٧/٤ .
(٥) تقدم تخريجه فى ٦٦١/١ .
٥٨٧
سورة الشعراء : الآية ٦٤
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى بكرِ بنِ
عبدِ اللَّهِ ، قال: أقبَل فرعونُ، فلمَّا أَشرَف على الماءِ قال أصحابُ موسى: يا مُكَلِّمَ
اللَّهِ ، إن القومَ يَتْبَعوننا فى الطريقِ ، فاضرِبْ بعصاك البحرَ فاخْلِطْه . فأرادَ موسى أن
يفعلَ، فأوحَى اللَّهُ إليه أن ﴿اتركِ البحرَ رَهْوَا﴾. يقولُ: أَقِرَّهُ(١) على سَكَناتِه، ﴿إِنَّهُمْ
جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤]. إنما أمكرُ بهم، فإذا سَلَكوا طريقَكم غَرَّقْتُهم. فلما نظَر
فرعونُ إلى البحرِ قال: أَلَا تَرَون البحرَ فَرِقَ منى ، حتى تَفَتَّحَ لى، حتى أَدْرِكَ أعدائى
فأقتُلَهم؟ فلما وقَف على أفواهِ الطرقِ وهو على حصانٍ ، فرأى الحصانُ البحرَ فيه
أمثالُ الجبالِ هابَ وخافَ ، وقال فرعونُ: أنا راجِعٌ. فمكر به جبريلُ عليه السلامُ،
فأقبل على فرس أنثى ، فأدْناها مِن حصانٍ فرعونَ ، فطَفِقَ فرِسُه لا يَقَرُّ ، وجعَل جبريلُ
يقولُ : تَقَدَّمْ . ويقولُ : ليس أحدٌ أحقَّ بالطريقِ منك. فتَشامَّتِ الحُصُنُ الماديانةَ، فما
مَلَكَ فرعونُ فرسَه أَن وَلَجَ على أثَرِهِ ، فلمَّا انتَهى فرعونُ إلى وسطِ البحرِ ، أوحَى اللَّهُ
إلى البحرِ: خُذْ عبدىَ الظالمَ وعبادىَ الظَّلَمَةَ، سُلْطانى فيك؛ فإنى قد سَلَّطتُك
عليهم . قال : فَتَغَطْمَطَتْ (٢) تلك الفِرَقُ مِن الأمواج كأنها الجبالُ، وضرَب بعضُها
بعضًا، فلما أَدرَ كه الغَرَقُ قال: ﴿ ءَمَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنّا
مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [ يونس: ٩٠]. وكان جبريلُ عَ لَّمِ شديدَ الأسَفِ عليه؛ لِمَا رَدَّ مِن
آياتِ اللَّهِ ، ولطولٍ علاج موسى إياه، فدخَل فى أسفلِ البحرِ، فأخرَج طينًا ، فحَشَاه
فى فَم فرعونَ لكيلا يقولَها الثانيةَ ، فتُدْرِكَه الرحمةُ . قال: فبعَث اللَّهُ إليه ميكائيلَ
يُعَيِّرُه: ﴿ءَآلْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾؟ [يونس: ٩١]. وقال
جبريلُ: يا محمدُ ، ما أبغَضْتُ أحدًا مِن خلقِ اللَّهِ ما أبغَضتُ اثْنَين؛ أحدُهما مِن
الجنِّ، وهو إبليسُ، والآخرُ فرعونُ ، قال : أنا ربكم الأعلى. ولقد رأيتُنى يا محمدُ
وأنا أحْشُو فى فِيهِ مخافةً أن يقول كلمةً يرحمُه اللَّهُ بها .
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((أمره)).
(٢) التغطمط : صوت معه بحح . اللسان ( غطمط ) .
٥٨٨
سورة الشعراء : الآيات ٦٤ - ٦٨
وقد زعم بعضُهم(١) أن معنى قوله: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾: وجمَعْنا . قال:
ومنه ليلةُ الُزْدَلِفِةِ. قال: ومعنى ذلك أنها ليلةُ جَمْع. وقال بعضُهم: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ﴾:
وأهلكنا .
وقولُه: ﴿ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ: أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وَأَنْجَينا
موسى ("بما أشْقَيْنا) به فرعونَ وقومَه مِن الغَرَقِ فى البحرِ، ومَن مع موسى مِن بنی
إسرائيلَ أجمعين .
وقولُه: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾. يقولُ: ثم أغرَقْنا فرعونَ وقومَه مِن الْقِبْطِ
فى البحرِ ، بعدَ أَن أَنْجينا موسى منه ومَن معه .
وقولُه: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ ﴾ . يقولُ تعالى ذكره : إن فيما فعلتُ بفرعونَ ومَن
معه ؛ مِن تَغْرِيقى إياهم فى البحرِ ، إذ كَذَّبوا رسولى موسى، وخالفوا أمری بعدَ
الإِعْذارِ إليهم والإنذارِ - لدلالةٌ بينَةٌ يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ، على أن ذلك سُنَّتی
٨٣/١٩ فى من سلَك سبيلَهم مِن تَكْذيبِ رُسُلى، / وعظةً لهم وعبرةً - إن اذَّكروا واعتبروا -
أن يفعلوا مثلَ فعلِهم فى تكذيِك ، مع البرهانِ والآياتِ التى قد أثَتْهم ، فَيَحِلَّ بهم من
العقوبةِ نظيرُ ما حَلَّ بهم ، ولك أيضًا آيَةٌ فى فِعْلى بموسى ، وتَنْجيتى إياه - بعد طُولٍ
علاجِه فرعونَ - وقومَه منه ، وإظهارِى إياه، وتوريثِهِ وقومِه دورَهم وأرضَهم
وأموالَهم ، على أنّى سالكٌ فيك سبيلَه إن أنت صبرتَ صبرَه، وقُمتَ مِن تبليغ الرسالةِ
إلى مَن أرسلتُك إليه قيامَه، ومُظْهِرُك على مُكَذِّبيك، ومُعليك عليهم، ﴿ وَمَا كَانَ
أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ . يقولُ: وما كان أكثرُ قومِك يا محمدُ مؤمنين، بما أتاك اللَّهُ مِن
الحقِّ المبين، فسابقٌ لهم فى عِلمى [٥١٣/٢و] أنهم لا يؤمنون، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَوَ
(١) يقصد أبا عبيدة فى مجاز القرآن ٨٧/٢ .
(٢ - ٢) فى م، ت١، ت٣: ((مما أتبعنا))، وفى ت٢: (( بما أتبعنا)).
٥٨٩
سورة الشعراء : الآيات ٦٨ - ٧٤
اَلْعَزِيزُ﴾ فى انتقامِه ممن كفَربه وكذَّب رسلَه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بَمَن أَنْجَى مِن
رسلِه وأتباعِهم مِن الغرقِ والعذابِ الذى عذَّب به الكفرةَ .
إِذْ قَالَ لِأَبِهِ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْزَهِيمَ
٧١
قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَا عَلَكِفِينَ
وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ
يقولُ تعالَى ذكرُه: واقصُصْ على قومِك مِن المشركين يا محمدُ، خبرَ إبراهيمَ،
حينَ قال لأبيه وقومِه: أىَّ شىءٍ تعبدون؟ قالوا له: ﴿ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُ لَهَا
عَكِفِينَ﴾. يقولُ: فنظلَّ لها خَدَمًا مقيمين على عبادتِها وخدمتِها .
وقد بيَّنَا مَعْنى ((العكوفِ)) بشواهدِه فيما مضَى قبلُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه فى
هذا الموضعِ(١).
وكان ابنُ عباسٍ فيما رُوى عنه يقولُ فى مَغْنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا
الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن مجرَيْج، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿قَالُواْ
نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَلَكِفِينَ﴾. قال: الصلاةُ لأصنامِهم(١).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿ أَوْ يَنَفَعُونَكُمْ
VE
قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابََّنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
أَوْ يَضُرُونَ
يقولُ تعالَى ذِكرُه : قال إبراهيمُ لهم: هل يسمَعُ دعاءَكم هؤلاءِ الآلهةُ إذ
تَدْعُونَهم .
واختلف أهلُ العربيةِ فى مَعْنى ذلك ؛ فقال بعضُ نحوِّى البصرةِ : معناه : هل
يسمعون منكم؟ أو: هل يسمعون دعاءً كم؟ فحذَف الدعاءَ، كما قال زُهَيرٌ() :
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٣٤/٢ .
(٢) تقدم تخريجه فى ٥٣٦/٢ .
(٣) شرح ديوانه ص ٤٩ .
٥٩٠
سورة الشعراء : الآيات ٧٢ - ٧٤
القائِدُ الخَيَّلَ مَنْكُوبًا دَوَابِرُها(١). قدأُحْكِمَتْ حَكِماتِ(١٢) القِدِّ والأبقا (٣)
/ وقال: يريدُ: أَحْكِمت حَكَمَاتِ الأَبَقِ. فَأَلْقَى الحَكَمَاتِ، وأقام الأَبَقَ
مُقامَها .
٨٤/١٩
وقال بعضُ مَن أنكر ذلك مِن قولِه مِن أهلِ العربيةِ: الفصيحُ مِن الكلام فى ذلك
هو ما جاء فى القرآنِ ؛ لأنَّ العربَ تقولُ: سمِعتُ زيدًا مُتَكلِّمًا. يريدون: سمِعتُ
كلامَ زيدٍ. ثم تَعلَمُ أن السمعَ لا يقعُ على الأناسىِّ، إنما يقعُ على كلامِهم ، ثم يقولون :
سمِعتُ زيدًا. أى: سمِعتُ كلامَه. قال: ولو لم يُقَدَّمْ فى بيتِ زهيرِ ((حكماتِ القدِّ))
لم يَجُزْ أن يُنْسَقَ بـ ((الأبقِ)) عليها؛ لأَنَّه لا يقالُ: رأيتُ الأَبقَ. وهو يريدُ الحَكَمَةَ.
وقولُه: ﴿أَوَ يَنَفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾. يقولُ: أو تنفَعُكم هذه الأصنامُ،
فيرزُقونكم شيئًا على عبادتكموها ، أو يضرُّونكم فيعاقِونكم على تَرْكِكم عبادتَها ،
بأن يسلُبوكم أموالكم، أو يُهْلِكوكم إذا هلَكُم وأولادُكم؟ ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَا ءَابَنَا
كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وفى الكلام متروكٌ استُغْنِىَ بدَلالةِ ما ذُكِرَ عما تُرِكَ، وذلك
أَوْ يَنَفَعُونَكُمْ أَوْ
٧٢
جوابُهم إبراهيمَ عن مسألتِه إياهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ
يَضُرُونَ﴾. فكان جوابُهم إياه : لا ، ما يَسْمَعوننا إذا دعَوناهم، ولا ينفَعوننا ولا
يضرُّون. يدلُّ على أنَّهم بذلك أجابوه - قولُهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَنَا كَذَلِكَ
يَفْعَلُونَ﴾. وذلك أنَّ ((بل))" رجوع عن مجحودٍ، كقول القائل: ما كان كذا بل
کذا و کذا .
(١) دابرة الحافر: مؤخّرة، وقيل: هى التى تلى مؤخر الرسغ . اللسان ( د ب ر).
(٢) حكمة اللجام : ما أحاط بحنكى الدابة . اللسان ( ح ك م ) .
(٣) القد : السير الذى يقدمن الجلد ، والأبق : الحبل من القنب ، وهو ضرب من الكتان . اللسان (ق د د ،
أب ق ، ق ن ب ) .
(٤ - ٤) سقط من : م .
a
٥٩١
سورة الشعراء : الآيات ٧٤ - ٨٠
ومَعْنى قولِهِم: ﴿ وَجَدْنَآ ءَابََّنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: وجَدنا مَن قبلَنا(١) مِن آبائِنا
يعبدونها ، ويعكفون عليها لخدمتِها وعبادتِها ، فنحن نفعلُ ذلك اقتداءً بهم ، واتِباعًا
لمنهاجھم .
أَنتُمْ
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
VV
فَإِنَهُمْ عَدُوٌّ لِّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ
٧٦
وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
يقولُ تعالَى ذِكرُه: قال إبراهيمُ لقومِه: ﴿أَفَءَيْتُمْ ﴾ أيُّها القومُ ﴿مَا كُتُمْ
تَعْبُدُونَ﴾ مِن هذه الأصنامِ، ﴿أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقَدَمُونَ﴾ يعنى بالأقْدَمِين:
الأَقْدَمِين مِن الذين كان إبراهيمُ يخاطبُهم ، وهم الأُوَّلون قبلَهم مِمَّن كان على مثلٍ
ما كان عليه الذين كلِّمهم إبراهيمُ مِن عبادةِ الأصنامِ، ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّ إِلَّا رَبَّ
اُلْعَلَمِينَ ﴾.
يقولُ قائلٌ : وكيف يوصَفُ الخشبُ والحديدُ والنُّحاسُ بعداوةِ ابنِ آدمَ؟ فإن
مَعْنَى ذلك : فإنهم عدوٌّ لى - لو عبدتُهم - يومَ القيامةِ ، كما قال جلَّ ثناؤه :
﴿ وَأَمَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزَّا
كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ
٨١
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢] .
وقولُه: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾. نصبًا على الاستثناءِ.
و((العدوُّ) بمعنى الجمعِ، وؤُّد لأنَّه أُخْرِج مُخرجَ المصدرِ، مثلَ القُعودِ والجلوسِ.
ومَعْنى الكلام: أفرأيتُم كلِّ معبودٍ لكم ولآبائِكم، فإِنِّى منه برىءٌ لا أعبدُه ، إلا
ربِّ العالمين .
وَلَّذِى هُوَ ٨٥/١٩
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهَدِينِ
(١) بعده فى م: ((ولا يضرون، يدل على أنهم بذلك أجابوه، قولهم)).
٥٩٢
سورة الشعراء : الآيات ٧٨ - ٨٢
يُطْعِمُنِ وَيَسْقِيْنِ
٨٠
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِيْنِ
[١٣/٢ ٥ظ] يقولُ: فإنَّهم عدوٌّ لى إلا ربِّ العالمين، ﴿ الَّذِىِ خَلَقَنِ فَهُوَ يَهَّدِينِ﴾
للصواب من القول والعملِ، ويُسدِّدُنى للرّشَادِ، ﴿ وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِينٍ﴾ .
يقولُ : والذى يغذونى بالطعامِ والشرابِ، ويَرْزُقُنى الأرزاقَ، ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ
يَشْفِينِ﴾. يقولُ: وإذا سقِم جسمى واعتلَّ، فهو يُثِتُه ويُعافيه .
وَأَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ
٨١
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِى يُسِتُنِ ثُمَّ يُحِينِ
يَغْفِرَ لِ خَطِيئَقِ يَوْمَ الدِّينِ
٨٢
يقولُ: والذى يُميتُنى إذا شاء، ثم يُحيينى إذا أراد بعدَ مماتى، ﴿ وَالَّذِىَ أَطْمَعُ
أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِ یَوْمَ الِینِ ﴾ فرَبِّی هذا الذی بیدِه نفعی وضرِّی، وله هذه
(١)
القدرةُ والسلطانُ ، وله الدنيا والآخرةُ، لا الذى لا يسمَعُ إذا دُعِى، ولا ينفَعُ ولا
يضُرُ. وإنّما كان هذا الكلامُ مِن إبراهيمَ احتجاجًا على قومِه، فى أنَّه لا تصلُحُ
الأَلوهةُ ، ولا يَنبَغِى أن تكونَ العبودةُ إلا لمن يفعلُ هذه الأفعالَ، لا لمن لا يُطيقُ نفعًا
ولا ضًّا .
وقيل: إنَّ إبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليه عَنَى بقولِه: ﴿ وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ
لِ خَطِيَّتِى يَوْمَ الدِّينِ﴾: والذى أرجو أن يغفرَ لى قولى: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾
[ الصافات: ٨٩]. وقولى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وقولى
لسارةً : إنها أُختى .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١) سقط من : م .
٠
٥٩٣
سورة الشعراء : الآيات ٨٢ - ٨٤
فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَشَقِ يَوْمَ الذِّينِ﴾. قال: قوله: ﴿ إِنّ سَقِيمٌ﴾ .
وقولُه: ﴿ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾. وقولُه لسارةَ : إنها أختى. حينَ أراد فرعونٌ مِن
الفراعنةِ أن يأخذَها(١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿ وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِى يَوْمَ الذِينِ﴾. قال: قولُه:
﴿ إِنّ سَقِيمٌ﴾. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾. وقولُه لسارَة: إنها(١) أختى.
قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنا أبو تُميلةَ، عن أبى حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةً
ومجاهدٍ نحوَه .
ويَعْنى بقولِه: ﴿ يَوْمَ الدِّينِ﴾: يومَ الحسابِ، يومَ المجازاةِ . وقد بيَّنا ذلك
بشواهدِه فيما مضَى (١) .
٨٣
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ
٨٤
وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِرِينَ
/ يقولُ تعالَى ذِكرُه مخبرًا عن مسألةٍ خليله إبراهيمَ إياه: ﴿رَبِّ هَبْ لِ ٨٦/١٩
حُكْمًا﴾. يقولُ: ربِّ هبْ لى نُبُوَّةً، ﴿ وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّلِحِينَ﴾. يقولُ: واجْعَلنى
رسولًا إلى خلقِك، حتى تُلحِقَنى بذلك بعِدادِ مَن أرسلتَه مِن رسلِك إلى خلقِك،
وأَتَّمنتَه على وحيِك، واصطَفيته لنفسِك .
وقولُه: ﴿ وَأَجْعَل ◌ِّىِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِرِينَ﴾. يقولُ: واجعَلْ لى فى الناسِ
(١) تفسير مجاهد ص ٥١١ . ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٠/٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٨٩/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) سقط من : ص ، ف .
(٣) ينظر ما تقدم فى ١٥٧/١.
( تفسير الطبرى ٣٨/١٧ )
٥٩٤
سورة الشعراء : الآيات ٨٤ - ٨٩
ذِكرًا جميلًا، وثناءً حسنًا، باقيًا فى من يجىءُ مِن القرونِ بعدِى.
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى بكرٍ، عن عكرمةً
قولَه: ﴿ وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِرِينَ﴾. وقوله: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ
الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]. قال: إنَّ اللَّهَ فضَّلَه بالخُلَّةِ حينَ اتخذَه خليلاً، فسألَ اللَّهَ
فقال: ﴿ وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْآَخِينَ﴾ حتى لا تكذَّبَنِى الأممُ. فأعطاه اللَّهُ ذلك ،
فإنَّ اليهودَ آمَنتْ بموسى وكفَرتْ بعيسى ، وإنَّ النصارَى آمنَتْ بعيسى وكفَرتْ
بمحمدٍ ◌ِله، وكلَّهم يتولَّى إبراهيمَ، قالت اليهودُ: هو خليلُ اللَّهِ وهو منَّا. فقطَع
اللَّهُ ولايتَهم منه بعدَ ما أقرُّوا له بالنبوّةِ وآمنوا به، فقال: ﴿مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا
نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [ آل عمران: ٦٧]. ثم ألحق
ولايتَه بكم فقال: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ
ے
ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. فهذا أجرُه الذى عُجِّل له، وهى الحسنةُ.
إذ يقولُ: ﴿وَءَاتَيْنَهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ [النحل: ١٢٢]. وهو اللسانُ الصِّدْقُ الذى
سألَ ربّه .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَجْعَل
لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِىِ الْأَخِرِينَ﴾. قال: اللسانُ الصِّدْقُ الذِّكْرُ الصدقُ، والثناءُ
الصالح، والذِّكرُ الصالحُ فى الآخِرِين مِن الناسِ، مِن الأم(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَأَجْعَلْنِى مِنْ وَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ
وَأَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَّهُ
٨٥
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨١/٨، ٢٧٨٢ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
٥٩٥
سورة الشعراء : الآيات ٨٥ - ٨٩
٨٦
[١٤/٢ ٥و] يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا
وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ
كَانَ مِنَ الضَّالِينَ
(٨٩
إِلَّا مَنْ أَتَى اَللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
بنون (٨٨)
يَغْنى إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليه بقولِه: ﴿ وَأَجْعَلْنِ مِن وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾:
أورِثْنى يا ربِّ مِن منازلٍ مَن هلَك مِن أعدائِك المشركين بك، مِن الجنةِ ، وأسكنِّى
ذلك، ﴿ وَأَغْفِرْ لِأَبِىِّ﴾. يقولُ: واصفح لأبى عن شركِه بك، ولا تعاقِبْه عليه؛
﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ﴾. يقولُ: إنه كان ممن ضَلَّ عن سبيلِ الهُدَى، فكفَر بك .
وقد بيّنا المعنى الذى مِن أجلِه استغفَر إبراهيمُ لأبيه ، واختلافَ أهلِ العلمِ فى
ذلك، والصوابَ عندَنا مِن القولِ فيه فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا
(١)
الموضعِ().
وقولُه: ﴿ وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: ولا تُذِلَّنى بعقابِك إياىَ يومَ تَبَعَثُ
عبادَك مِن قبورِهم / لمَوْقِفِ القيامةِ، ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾. يقولُ: لا ٨٧/١٩
تُخْزنى يومَ لا ينفعُ مَنْ كفَر بك وعصَاك فى الدنيا مالٌ (١) كان له فى الدنيا ، ولا بنوه
الذين كانوا له فيها، فيدفعُ ذلك عنه عقابَ اللَّهِ إذا عاقبَه، ولا يُنجِّيه منه .
وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. يقولُ: ولا تُخْزنى يومَ يُبعثون ، يومَ
لا ينفعُ إِلا القلبُ السليمُ .
والذى عُنِى به مِن سلامةِ القلبِ فى هذا الموضع هو سلامةُ القلبِ مِن الشكِّ
فى توحيدِ اللَّهِ ، والبعثِ بعدَ المماتِ .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) ينظر ما تقدم فى ١٩/١٢.
(٢) فى م: ((ما)).
٥٩٦
سورة الشعراء : الآية ٨٩
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةً، عن عوفٍ (١)، قال: قلتُ
لمحمدٍ : ما القلبُ السليمُ؟ قال: أن يعلمَ أنَّ اللَّهَ حقٌّ، وأن الساعةَ قائمةٌ ، وأنَّ اللَّهَ يبعثُ
مَن فى القبورِ ().
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ إِلَّا مَنْ أَنَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾. قال: لا شكَّ فيه(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: ليس فيه شكٌّ فى الحقِّ(٤).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: سليمٌ مِن الشركِ(٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَ اَللَّهَ
◌ِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: سليمٌ مِن الشركِ، فأمَّا الذنوبُ فليس يَسْلَمُ منها أحدٌ(١) .
حدَّثنى عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلىُّ ، قال : ثنا مروانُ بنُ معاويةً ، عن مجُوَییرٍ ،
عن الضحاكِ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اَللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: هو الخالصُ(١).
(١) فى م: ((عون)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٣/٨ من طريق عوف به .
(٣) تفسير سفيان ص ٢٢٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٣/٨ (١٥٧٣٤).
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٣/٨ من طريق حجاج به .
(٥) تفسير عبد الرزاق ٧٤/٢. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٥ إلى عبد بن حميد.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٣/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٣/٨ من طريق مروان بن معاوية به .
٥٩٧
سورة الشعراء : الآيات ٩٠ - ٩٥
٩٠
وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِيِنَ
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ
مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُ أَوْ يَنَصِرُونَ
٩٢
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُمْ تَعْبُدُونَ
٩٣
وَحُدُ إِبْلِسَ أَجْمَعُونَ
فَكُبْكِبُواْ فِيَهَ هُمْ وَالْغَاوُونَ
٩٤
٩٥
يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ ﴾: وأُذْنِيتِ الجنةُ وقُرَّبتْ
للمتقين، الذين اتقَوْا عقابَ اللَّهِ فى الآخرةِ، بطاعتِهم إياه فى الدنيا، ﴿وَبُرَِّتِ
الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾. يقولُ: وأُظْهِرتِ النارُ للذين غَوَوْا فضَلُوا عن سواء السبيلِ . وقيل
للغاوين: أينَ الذين كنتُم تَعْبدون مِن دونِ اللهِ من الأندادِ؟ ﴿ هَلْ یَنْصُرُونَكُ
اليومَ مِنَ اللَّهِ، فينقِذونكم مِن عذابِه، ﴿أَوْ يَنَصِرُونَ﴾ لأنفسِهم ، فيُنَجُونها مما يُرَادُ
بها ؟
/ وقولُه: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. يقولُ: فرُمِى ببعضِهم فى الجحيم ٨٨/١٩
على بعضٍ، وطُرِح بعضُهم على بعضٍ ، مُنْكَبِّين على وجوهِهم .
وأصلُ ((كُبْكِبوا)): كُبِّبُوا، ولكن الكافَ كُرِّرَتْ كما قيل: ﴿بِرِيج
صَرْصَرٍ ﴾ [الحاقة: ٦]. يَعْنى به: صِرٍّ. ونَهْنَهنى يُنَهْنِهُنِى. يَعْنى به: نَهَّهَنى .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ فَكُبْكِبُواْ﴾. قال: فدُهْوِروا (٢) .
حدَّثنى علىٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١ - ١) فى م: ((أينما)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٥/٨ من طريق حجاج به .
ودهوروا: دهور الحائط: دفعه فسقط، والدهورة: جمعك الشىء وقذفك به فى مَهْواة. اللسان (دهر).
٥٩٨
سورة الشعراء : الآيات ٩٤ - ٩٨
قولَه: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا﴾. يقولُ: فُجُمِعوا فيها (١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ فَكُتْكِبُواْ
فِيَهَا﴾. قال: طُرِحوا فيها(٢).
فتأويلُ الكلام: فَكَبِّبَ هؤلاءِ الأندادُ التى كانت تُعْبَدُ مِن دونِ اللَّهِ فى
الجحيم، والغاوون .
وذُكِر عن قتادةَ أنَّه كان يقولُ: الغاوون فى هذا الموضعِ الشياطينُ.
ذِكرُ الروايةِ عمَّن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى
قولِه: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. قال: الغاوون الشياطينُ(٢).
فتأويلُ الكلام على هذا القولِ الذى ذكرنا عن قتادةَ : فَكَتْكِب فيها الكفارُ
الذين كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ الأصنامَ ، والشياطينُ .
وقولُه: ﴿ وَحُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾. يقولُ: وكُمْكِب فيها مع الأندادِ والغاوِين
جنودُ إبليسَ أجمعون . وجنودُه كلُّ مَن كان مِن تُبَاعِه ؛ من ذرِّيتِه كان أو مِن ذرّيةِ
آدمَ .
تَأَلَّهِ إِن كُنَّا لَفِى
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونٌ
(٩٧
٩٨
إِذْ نُسَوِيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
ضَلَلٍ مُبِينٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٥/٨ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٥
إلى ابن المنذر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٥/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٧٤/٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٦/٨ من طريق سعيد بن بشير ، عن
قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
٥٩٩
سورة الشعراء : الآيات ٩٦ - ١٠٢
يقولُ تعالى ذِكرُه : قال هؤلاءِ الغاوون والأندادُ التى كانوا يعبدونها مِن دونٍ
اللَّهِ وجنودُ إبليسَ، وهم فى الجحيم يختصِمون: ﴿ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ
تُبِينٍ﴾. يقولُ: تاللَّهِ لقد كثَّا فى ذهابٍ عن الحقِّ مُبِينٍ، يَبِينُ ذهابُنا ذلك عنه عن
نفسِه ، لمن تأمَّله وتدبّره أنه ضلالٌ وباطلٌ.
وقولُه: ﴿إِذْ نُسَوِّيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ الغاوون للذين(١) يعبدونهم مِن
دونِ اللَّهِ: [١٤/٢ ٥ظ] تاللَّهِ إِنْ كنَّا لفى ذهابٍ عن الحقِّ حينَ نَعدِلُكم بربِّ العالمين،
فنعُدُ کم من دونِه .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٨٩/١٩
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِذْ
نُسَوِيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال : لتلك الآلهةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّ الْمُجْرِمُونَ
٩٩
فَمَا لَنَا مِن
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَلَا صَدِيقٍ جَيم
١٠٠
شَفِعِينَ
١٠٢
يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلٍ هؤلاءِ الغاوين فى الجحيم: ﴿ وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّا
اٌلْمُجْرِمُونَ﴾. يَعْنى بالمجرمين إبليسَ وابنَ آدمَ الذى سَنَّ القتلَ.
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ،
عن عكرمةَ قولَه: ﴿ وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: إِبليسُ وابنُ آدَمَ القاتلُ(١).
(١) بعده فى م، ت٢، ف: ((إن كنا لفى ضلال))، وفى ت١، ت٣: (( بأن كنا لفى ضلال)).
(٢) فى ص، ت١، ف: ((الذين)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
٦٠٠
سورة الشعراء : الآيات ١٠٠ - ١٠٢
وقولُه: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ﴾. يقولُ: فليس لنا شافعٌ يشفَعُ لنا عندَ اللَّهِ مِن
الأباعدِ فيعفوَ عنا ويُنجِّيَنا مِن عقابِهِ، ﴿وَلَا صَدِقٍ حَمِيمٍ﴾، مِن الأقاربِ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنوا بالشافعين وبالصديقِ الحميم؛ فقال
بعضُهم: عُنِى بالشافعين الملائكةُ، وبالصديقِ الحميم الَّسِيبُ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ: ﴿فَمَا لَنَا
مِن شَفِعِينَ﴾. قال: مِن الملائكةِ، ﴿وَلَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ قال: مِن الناسِ . قال
مجاهدٌ: ﴿صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. قال: شَفيقٍ (١).
وقال آخرون : كلُّ هؤلاء مِن بنى آدمَ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةً، قال : ثنا إسحاقُ بنُ سعيدِ البصرىُّ
المِسْمَعُ، عن أخيه يحيى بن سعيدِ المِسمَعيِّ، قال: كان قتَادةُ إذا قرَأ: ﴿فَمَا لَنَا
مِن شَفِعِينَ (٣٠) وَلَ صَدِيقٍ حَيمٍ﴾. قال: يَعْلَمون واللَّهِ أَنَّ الصديقَ إذا كان صالحاً
نفَع، وأن الحميمَ إذا كان صالحاً شفَع(١) .
وقولُه: ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كُرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: فلو أنَّ لنا رجعةً إلى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) فى م، ت٢، وتفسير ابن أبى حاتم: ((شقيق)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨٦/٨ من طريق حجاج به .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٠/٦.