Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١
سورة الفرقان : الآية ٧٧
* إذا كان طَعْنَا بَيْنَهم وقِتالا *
وقد كان بعضُ مَن لا علمَ له بأقوالِ أهلِ العلمِ يقولُ فى تأويلٍ ذلك: قل ما يَعبَّأُ
بكم ربى لولا دُعاؤُكم ما تَدْعُون مِن دونِهِ مِن الآلهةِ والأندادِ . وهذا قولٌ لا معنى
للتشاغلِ به ؛ لخروجِه عن أقوالِ أهلِ العلمِ مِن أهلِ التأويلِ.
آخرُ سورةِ ((الفرقانِ » والحمدُ للَّهِ وحدَه
٥٤٢
سورة الشعراء : الآيات ١ - ٣
٥٨/١٩
/ تفسير سورة الشعراء
بسم اللهِ الرحمنِ الرحِيمِ
لَعَلَّكَ
تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِنَبِ الْمُيْنِ
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿طسمّ
بَنَجِعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
قال أبو جعفرٍ : وقد ذكّرنا اختلافَ المختلفين فيما فى ابتداءٍ فواتح سورِ القرآنِ من
حروفٍ الهِجاءِ، وما انْتَزع به كلّ قائلٍ منهم لقولِه ومذهبِه من العلةِ . وقد بيّنا الذى
هو أولى بالصوابٍ من القولِ فيه، فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته .
وقد ذُكِر عنهم من الاختلافِ فى قوله: ﴿طسّمَ﴾ و﴿طسَنَّ﴾، نظير الذی ذُکِر
.(
عنهم فى ﴿الَّمّ﴾ و﴿الْمَرَّ﴾ و﴿الّصّ﴾
وقد حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن
علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿طِسّمَ﴾. قال: فإنه قسمٌ أَقْسَمه اللهُ ، وهو من
أسماءِ اللَّهِ(٢).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿طِسّمْ﴾. قال: اسم من أسماءِ القرآنِ (٣).
فتأويلُ الكلام على قولِ ابنِ عباسٍ: والسميع ، إن هذه الآياتِ التى أَنْزَلتُها إلى
محمدٍ عَ لَّه فى هذه السورة - لآياتُ الكتابِ الذى أَنْزَلتُه إليه من قبلها ، الذى بينه
(٥)
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٠٤/١ - ٢٢٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٤٧/٨ من طريق عبد الله بن صالح به.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٧٣/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم ٢٧٤٧/٨ من طريق سعيد عن قتادة ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٨٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٤) فى م: ((الجميع)).
(٥) فی م: (( بین)).
٥٤٣
سورة الشعراء : الآيات ١ - ٣
لمن تدبَّه بفهم، وفكّر فيه بعقلٍ، أنه من عندِ اللَّهِ جلَّ جلالُه، لم يتخرَّصْه
محمدٌ عَظله ، ولم يتقوَّله من عندِه، بل أوحاه إليه ربُّه .
وقولُه: ﴿ لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: لعلَّك
يا محمدُ قاتلٌ نفسَك ومُهْلِكُها إن لم يُؤْمِنْ قومُك بك ، ويصدِّقوك على ما جئتَهم
به .
والبَخْعُ: هو القتلُ والإهلاكُ فى كلامِ العربِ، ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ (١):
ألَا أَيُّهذا الباخِعُ الوَجْدُ نفسَهُ لِشىءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْكَ(٢) المقادرُ
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ لجريج، قال :
قال ابنُ عباسٍ: ﴿ بَخِعُ نَّفْسَكَ﴾ : قاتلٌ نفسَك .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ﴾. قال: قاتلٌ نفسَك(٤).
حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ لَعَلَّكَ
بَخِعُ " نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: لعلَّك من الحرصِ على إيمانِهِم مُخْرِجُ نفسَك
(١) تقدم تخريجه فى ١٤٩/١٥.
(٢) فى م : ( یدیه)) .
(٣ - ٣) سقط من : م .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٧٣/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
٥٤٤
سورة الشعراء : الآيتان ٣، ٤
من جسدِك . قال: ذلك البَحْعُ(١).
٥٩/١٩
احُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ﴾: "قاتلٌ نفسَك" عليهم
(٣)
حرصًا(٣) .
و ((أن)) من قوله: ﴿أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ . فى موضع [٥٠٦/٢ظ ] نصبٍ بـ
﴿بَنِعُ﴾. كما يقالُ: زرتُ عبدَ اللَّهِ أَنْ زارنى. وهو جزاءٌ. ولو كان الفعلُ الذى
بعدَ ((أن)) مستقبلاً، لكان وجهُ الكلام فى ((أن)) الكسرَ، كما يقالُ: أزورُ عبدَ اللَّهِ
إِنْ یَزُرْنی .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِن تَشَأْ نُنْزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَيَّةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا
خَضِعِينَ
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ﴾ الآية ؛ فقال بعضُهم:
معناه : فظلَّ القومُ الذين أَنْزِل عليهم من السماءِ آيةٌ خاضعةً أعناقُهم لها من الذِّلةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثُنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابن جريج ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْتَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ﴾. قال: فظلّوا خاضعةً أعناقُهم لها .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿خَضِعِينَ﴾. قال: لو شاء اللَّهُ لنزَّل عليه آيةً يذِلُون بها ، فلا يَلْوِى أحدٌ عنقَه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٤٩/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٢ - ٢) سقط من: م .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٤٨/٨ معلقًا . ينظر تفسير ابن كثير ١٤٤/٦ .
٥٤٥
سورة الشعراء : الآية ٤
= (١)
إلى معصيةِ اللَّهِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ جريج: ﴿أَلَّا
إِن نَّشَأْ تُغَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَيَّةً﴾. قال: لو شاء اللَّهُ لأراهم أمرًا
يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
من أمرِه لا يعمَلُ أحدٌ منهم بعدَه بمعصيةٍ .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ﴾. قال: مُلْقين
(٢)
أعناقهم(٢) .
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَظَلَّتْ
أَعْنَقُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ﴾. قال: الخاضعُ الذليلُ(١) .
وقال آخرون : بل معنى ذلك: فظلَّت سادتُهم وكبراؤهم للآيةِ خاضعين.
ويقولُ : الأعناقُ هم الكبراءُ من الناسِ .
واختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ تذكيرٍ ﴿خَضِعِينَ﴾. وهو خبرٌ عن ((الأعناقِ)) ؛
فقال بعضُ نحوبى البصرةِ : يزعمون أن قولَه ﴿أَعْنَقُهُمْ﴾ . على الجماعاتِ ، نحو :
هذا عُنُقٌ من الناسِ كثيرٌ. أو ذُكِّر كما يُذَكَّرُ بعضُ المؤنثِ ، كما قال الشاعرُ:
إذا ما بنو نَغْشٍ(٦) دَنَوا فتصَوَّبُوا
تَمزَّزْتُها(٥) والديكُ يَدْعو صباحَهُ
(١) تفسير عبد الرزاق ٧٣/٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٠/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٨٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٥ إلى المصنف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٠/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٤) هو النابغة الجعدى ، ديوانه ( مجموع) ص ٤ .
(٥) تمززتها : أى: شربت الخمر قليلاً قليلاً. التاج (م زز).
(٦) قال : بنو نعش، ووجه الكلام: بنات نعش. وبنات نعش : سبعة كواكب ، أربعة منها نعش ؛ لأنها =
( تفسير الطبرى ٣٥/١٧ )
٥٤٦
سورة الشعراء : الآية ٤
/ فجماعاتُ هذا أعناقٌ . أو يكونُ ذكَّره لإضافته إلى المذكَّرِ كما يؤنَّثُ
٦٠/١٩
لإضافته إلى المؤنثِ ، كما قال الأعشى (١):
كما شرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدمِ
وتَشْرَقَ(٢) بالقولِ الذى قد أَذَعْتَهُ
وقال العامج :
لما رأَى مَثْنَ السماءِ أَنْفَذَتْ(٣)
وقال الفرزدقُ(٤) :
رقَدْنَ عليهنَّ الحِجَالُ المُسجِفُ (٦)
إذا القُنْبُضاتُ(٥) السودُ طَوَّفْنَ بِالضُّحى
وقال الأعشى(٧):
من الأرضِ يَهْماءُ وبَيْداءُ خَيْفَقُ
وإنَّ امرَأْ أَهْدى إليكِ ودُونَهُ
وأن تَعْلَمى أنَّ المُعانَ الموفَّقُ
لَمَحْقوقةٌ أن تستجيبى لصوتِهِ
/قال : ويقولون : بناتُ نَعْشٍ ، وبنو نَعْشٍ . ويقالُ: بناتُ عِرْسٍ، وبنو عِرْسٍ.
وقالت امرأةٌ: أنا امرؤٌ لا (أَكْثِرُ البشرَُ). قال: وذُكِر لرؤيةَ رجلٌ فقال: هو كان أحدَ
٦١/١٩
= مربعة ، وثلاثةٌ بنات نعش . ينظر اللسان ( ن ع ش) .
(١) ديوانه ص ١٢٣ .
(٢) تشرق: تحمرّ . ينظر التاج ( ش ر ق ) .
(٣) فى م: ((أبعدت))، وفى ف: (( أتعدت)).
(٤) دیوانه ص ٥٥٢ .
(٥) القنبضات : جمع قنبضة ، وهى المرأة القصيرة . التاج (قنبض).
(٦) الحجال : جمع حجلة بالتحريك ، وهى بيت كالقبة يستر بالثياب . والتسجيف إرخاء السّجْفينِ ، وهما
سترا الباب . ينظر اللسان ( ح ج ل ، س ج ف ) .
(٧) ديوانه ص ٢٢٣ .
(٨ - ٨) فى م: ((أخبر السر)).
٥٤٧
سورة الشعراء : الآية ٤
بناتٍ مساجدِ اللَّهِ . يعنى الحَصَى.
وكان بعضُ نحوِّى الكوفةِ يقولُ(١): هذا بمنزلةٍ قول الشاعر :
إذا صدِئَّ الحديدُ على الكُماةِ
ترى أرباقَهم (٢) متقلِّديها
فمعناه عندَه: فظلَّت أعناقُهم خاضعيها هم. كما يقالُ: يدُك باسطُها .
بمعنى : يدُك باسطُها أنت . فاكْتُفِى بما ابتُدِئ به من الاسم أن يكونَ ، فصار الفعلُ
كأنه للأول ، وهو للثانى، وكذلك قولُه :
لمحقوقةٌ أن تستجيبى لصوتِه *
إنما هو : لمحقوقةٌ ( أن تستجيبى لصوتِه٤) أنتِ. والمحقوقةُ الناقةُ، إلا أنه عطَفه
على المرءِ لما عاد بالذِّكْرٍ .
وكان آخرُ منهم يقولُ(٥) : الأعناقُ الطوائفُ، كما يُقالُ: رأيتُ الناسَ إلى
فلانٍ عُنقًا واحدةٌ. فيجعَلُ الأعناقَ الطوائفَ والعُصَبَ . ويقولُ: يحتمِلُ أيضًا أن
تكونَ الأعناقُ هم السادةَ والرجالَ الكبراءَ، فيكونَ كأنه قيل: فظلَّت رءوسُ القومِ
وكبراؤُهم لها خاضعين. وقال: أحبُّ إليَّ من هذين الوجهين فى العربيةِ أن يقالَ:
إن الأعناقَ إذا خضَعت ، فأربابُها خاضعون، فجعلتَ الفعلَ أولًا للأعناقِ ، ثم
جعَلتَ (( خاضعين)) للرجالِ، كما قال الشاعر:
(١) هو الكسائى كما فى معانى القرآن للفراء ٢٧٧/٢ .
(٢) هو الفرزدق ، والبيت تقدم فى ١٧٩/١ .
(٣) فى م، ت ١، ف: ((أرماحهم)).
(٤ - ٤) سقط من : م .
(٥) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٧٧/٢.
٥٤٨
سورة الشعراء : الآية ٤
فلا المرءُ مُسْتَخى ولا هو طاعمُ
على قبضةٍ مرجوَّةٍ ظهرُ كفِّهِ
فَأَنَّث فعلَ الظهرِ ؛ لأن الكفَّ تجمعُ الظهرَ وتكفى منه، كما أنك تكتفى بأن
تقولَ: خضعتُ لك. من أن تقولَ: خضَعَتْ لك رقبتى. وقال: ألا ترى أن العربَ
تقولُ: كلُّ ذى عينِ ناظرٌ وناظرةٌ إليك؛ لأن / قولَك: نظَرَتْ إِليك عينى، ونظَرتُ
إليك. بمعنَّى واحدٍ، فترَك [٥٠٧/٢ و] (( كُلِّ)) وله الفعلُ وردَّه إلى العينِ ، فلو قلتَ :
فظلَّت أعناقُهم لها خاضعةً. كان صوابًا .
٦٢/١٩
قال أبو جعفر : وأَوْلَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ وأشبهُها بما قال أهلُ التأويلِ
فى ذلك، أن تكونَ الأعناقُ هى أعناقَ الرجالِ ، وأن يكونَ معنى الكلام: فظلَّت
أعناقُهم ذليلةٌ للآيةِ التى ينزّلُها اللَّهُ عليهم من السماءِ. وأن يكونَ قولُه ﴿ خَضِعِينَ﴾
مذكّرًا لأنه خبرٌ عن الهاءِ والميم فى الأعناقِ ، فيكونُ ذلك نظيرَ قولٍ جريرٍ (١) :
أرى مَرَّ السنينَ أَخَذْنَ منِّى كما أُخَذ السّرارُ من الهلالِ
وذلك أن قولَه: مؤ. لو أُشْقِط من الكلام، لأدَّى ما بقِىّ من الكلام عنه ، ولم
يُفسِدْ سقوطُه معنى الكلام عما كان به قبلَ سقوطِه، وكذلك لو أُشْقِطت الأعناقُ
من قوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ﴾، لأدَّى ما بقِىَ من الكلام عنها، وذلك أن الرجالَ إِذا
ذُلُّوا ، فقد ذَلَّت رقابهم ، وإذا ذَلَّت رقابهم فقد ذَلَّوا. فإن قيل فى الكلام : فظلّوا لها
خاضعين. كان الكلامُ غيرَ فاسدٍ لسقوطِ الأعناقِ ، ولا مُتَغَيِّرِ معناه عما كان عليه
قبلَ سقوطِها، فصرَف الخبرَ بالخضوع إلى أصحابِ الأعناقِ ، وإن كان قد ابتُدِئ
بذ کر الأعناقِ ؛ لما قد جرى به استعمال العرب ذلك فی کلامِهم، إذا كان الاسمُ
المبتدأُ به وما أُضِيف إليه، يؤدّى الخبرَ كلُّ واحدٍ منهما عن الآخرِ .
(١) تقدم تخريجه فى ٦٥٨/٥ .
٥٤٩
سورة الشعراء : الآيات ٥ - ٧
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَأْنِهِمِ مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ
مُعْرِضِينَ
يقول تعالى ذكره : وما يچِىء هؤلاء المشر کین الذین يُگذُّبونك ويجحدون ما
أَتَّيْتَهم به يا محمدُ مِن عندِ ربِّك؛ مِن تذكيرٍ(١) وتنبيهٍ على مواضعٍ محججِ اللَّهِ عليهم
على صدقِك، وحقيقةِ ما تَدْعوهم إليه مما يُحْدِثُه اللَّهُ إليك ويُوحِيه إليك؛ لِتُذَكِّرَهم
به - إلا أغْرَضوا عن استماعِه، وترَكوا إعمالَ الفکرِ فیه وتدُّرَه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَتُؤْ مَا كَانُواْ بِء
يَسْنَهْزِءُونَ
يقولُ تعالى ذكره: فقد كذَّب يا محمدُ هؤلاء المشركون بالذكر الذى أتاهم
من عندِ اللَّهِ، وأغْرَضوا عنه، ﴿ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوْ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ﴾. يقولُ:
فسيأتيهم أخبارُ الأمرِ الذى كانوا به يَسْخَرون . وذلك وعيدٌ مِن اللَّهِ لهم أنه مُحِلٌّ
بهم عقابه علی تمادِیھم فی کفرهم، وتمژُّدِهم على ربِّهم .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوّا إِلَى الْأَرْضِ كَمّ أَنْنَا فِهَا مِن كلِّ زَوْجِ ٦٣/١٩
گیپٍ
٧
يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَرَ هؤلاء المشركون المكذُّبون بالبعثِ والنَّشْرِ إلى
الأرضِ، کم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتةً لا نبات فيها ، ﴿ مِن ◌ُلِّ زَوْچ کریی ﴾.
يعنى بالكريم الحسنَ، كما يقالُ للنخلةِ الطيبةِ الحَفْلِ: كريمةٌ . وكما يقالُ للشاةِ أو
الناقةِ إذا غَزُرَتَا ، فكثُرت ألبانُهما : ناقةٌ كريمةٌ ، وشاةٌ كريمةٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( تذكيرهم)).
٥٥٠
سورة الشعراء : الآيات ٧ - ٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللّهِ: ﴿أَثْنَا فِهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِمٍ﴾. قال: مِن نباتِ الأرْضِ، مما يأكُلُ
الناسُ والأنعامُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى
قوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجَ كَرِيرٍ﴾. قال: حسنٍ().
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
٩
٨
يقولُ تعالى ذكره : إنّ فى إنباتِنا فى الأرضِ مِن كلِّ زوجٍ كريم ﴿
يقولُ : لَدَلالةٌ لهؤلاء المشركين المكذِّبين بالبعثِ ، على حقيقتِه، وأن القدرةَ التى بها
أَنْبَت اللَّهُ فى الأرضِ ذلك النباتَ بعدَ جُدُوبِها، لن يُعْجِزَه أن يَنْشُرَ بها الأمواتَ بعدَ
مماتِهم أحياءٌ مِن قبورِهم .
وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وما كان أكثرُ هؤلاء المكذِّبين
بالبعثِ ، الجاحِدِين نبوتَك يا محمدُ ، بِمُصَدِّقِيك على ما تَأْتِيهم به من عندِ اللَّهِ من
(١) تفسير مجاهد ص ٥٠٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم ٢٧٥٠/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٥ إلى
الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٧٣/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٥٥١
سورة الشعراء : الآيات ٨ - ١١
الذكرِ . يقولُ جلَّ ثناؤُه : وقد سبق فى علمى أنهم لا يُؤْمنون، فلن يُؤْمِنَ بك أكثرُهم
للسابقِ فى علمِی فيهم .
وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: وإن ربَّك يا محمدُ لَهو
العزيزُ فى نِقْمتِه، لا يَمْتَنِعُ عليه أحدٌ أراد الانتقامَ منه. يقول تعالى ذكره : وإنى إن
أَحْلَلْتُ بهؤلاء المكذِّبين [٥٠٧/٢ظ] بك يا محمدُ، المُغْرِضِين عما تأتيهم مِن ذكرٍ مِن
عندى - عقوبتى بتكذبيهم إياك، فلن يعْنَعَهم منى مانعٌ ؛ لأنى أنا العزيزُ الرحيمُ .
یعنی أنه ذو الرحمة بمن تاب من خلقه ، من كفره ومعصيته ، أن يُعاقبه على ما سلَف
مِن جُرْمِه بعدَ تويتِه .
وكان ابنُ جريجٍ يقولُ فى معنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ،
قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابن جريج، قال: كلِّ شىءٍ فى ((الشعراءِ)) مِن قوله: ((عزيزٌ
رحيمٌ )). فهو ما أهْلَك ممَّن مضَى مِن الأمم . يقولُ: عزيزٌ حينَ انْتقَم مِن أعدائِه ،
رحيمٌ بالمؤمنين حينَ أنجاهم مما أَهْلَك به أعداءَه(١) .
/ قال أبو جعفرٍ: وإنما اخْتَرْنا القولَ الذى اخترناه فى ذلك فى هذا الموضع؛ ٦٤/١٩
لأن قولَه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. عَقِيبَ وَعيدِ اللَّهِ قومًا مِن أهلِ الشركِ
والتكذيبِ بالبعثِ، لم يكونوا أَهْلِكوا فيُوَجَّهَ إلى أنه خبرٌ مِن اللَّهِ عن فعلِه بهم
وإهلاكِه. ولعل ابنَ جريج بقولِه هذا أراد ما كان مِن ذلك عقيبَ خبرِ اللَّهِ عن
إهلاكِه مَن أَهْلَك مِن الأمم، وذلك إن شاء اللَّهُ إذا كان عقيبَ خبرِهم، كذلك.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ أَنْتِ اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قَوْمَ فِرْعَوْنَّ أَلَا يَتَّقُونَ
١١
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٥ إلى المصنف.
١٠
٥٥٢
سورة الشعراء : الآيات ١٠ - ١٤
يقولُ تعالى ذكرُه : واذكر يا محمدُ إذ نادى ربُّك موسى بن عمرانَ: ﴿أَنِ أَنْتِ
ج
اٌلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: الكافرينَ، ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. ونُصِب ((القومُ)) الثانى
ترجمةٌ عن ((القومِ)) الأولِ .
وقولُه: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: ألا يتقون عقابَ اللَّهِ على كفرِهم به .
ومعنى الكلام: قومَ فرعونَ فقلْ لهم: ألا يتقون. وترَك إظهارَ ((فقل لهم))؛
لدلالةِ الكلامِ عليه .
وإنما قيل: ﴿أَلَا يَنَّقُونَ﴾ بالياءِ، ولم يُقَلْ: ألا تتقون . بالتاءِ؛ لأن التنزيلَ
كان قبلَ الخطابِ ، ولو جاءت القراءةُ فيها بالتاءِ كان صوابًا، كما قيل : (قُلْ للذين
كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ﴾ و﴿ِ سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
وَيَضِيقُ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ إِنَّ أَخَافُ أَن يُگذِبُونِ
صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ (١٣)
وَمُمْ عَلَىَّ ذَتْبٌ فَأَخَافُ أَنْ
١٤
يَقْتُلُونِ
يقولُ تعالى ذكرُه : قال موسى لربِّه: ربِّ إنِّى أخافُ من قومٍ فرعونَ الذين
أمرتنی أن آتیھم ، أن يُگذِّبونی بقیلی لهم : إنك أرسلتَنی إليهم . ويَضِيقُ صدری من
تكذییهم إِيَّایَ إِن کذَّبونی .
ورُفِع قولُه: ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِى﴾. عطفًا به على ﴿ أَخَافُ﴾. وبالرفع فيه
قرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ ، ومعناه : وإنى يضيقُ صدرى .
وقولُه: ﴿ وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِى﴾. يقولُ: ولا ينطلقُ لسانى بالعبارةِ عما تُرْسِلُنى
به إليهم ؛ للعلة التى كانت بلسانِه .
وقولُه: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِ﴾. كلامٌ معطوفٌ به على ﴿ يَضِيقُ﴾.
٥٥٣
سورة الشعراء : الآيتان ١٣ ، ١٤
وقولُه: ﴿ فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ﴾. يعنى هارونَ أخاه . ولم يقلْ: فأرسِلْ إِلى
هارونَ لِيُؤَازرَنى وليعينَنى . إذ كان مفهومًا معنى الكلام، وذلك كقولِ القائلِ: لو
نزَّلَت بنا نازلةٌ لفزِعنا إليك. بمعنى: لفزِعنا إليك لتعينَنا .
وقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ﴾ . يقولُ: ولقومٍ فرعونَ علىَّ دعوَى ذنبٍ أذنَبتُ
إليهم. وذلك قتلُه النفسَ التى قتلها منهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾. قال: قتلُ النفسِ التى قتَل منهم .
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنى الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن ٦٥/١٩
مجاهدٍ ، قال : قتلُ موسى النفس .
قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ
ذَنْبٌ﴾. قال : قتلُ النفسِ(٣) .
وقولُه: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونٍ ﴾. يقولُ: فأخافُ أن يقتُلونى قَوَدًا بالنفسِ التى
قتلْتُ منهم .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٠٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٢/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٨٣/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٧٣/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٢/٨ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
٥٥٤
سورة الشعراء : الآيات ١٥ - ١٩
١٥
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِشَايَئِنَاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ
ـ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَقِيلَ
فَأَتِيَا فِرْعَوَنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَلََّ﴾. أى: لن يقتُلَك قومُ فرعونَ، ﴿فَاذْهَبَا
◌ِحَايَِنَاً﴾. يقولُ: فاذهب أنت وأخوك ﴿ إِثَايَتِنَا﴾. يعنى: بأعلامِنا وحججِنا
التى أعطيناك عليهم .
وقولُه: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾: من قوم فرعونَ ما يقولون لكم،
ویجیبونكم به .
وقولُه : ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوَنَ فَقُولَاً ﴾ الآية . يقولُ : فأتِ أنت يا موسى وأخوك
هارونُ فرعونَ، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: فقولا له: ﴿إِنَّا رَسُولُ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ إليك، بـ ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىَّ إِسْرَِّلَ ﴾ . وقال: ﴿ رَسُولُ رَبِّ
اٌلْعَلَمِينَ﴾. وهو [٥٠٨/٢و] يخاطبُ اثنين بقولِه: ﴿فَقُولَا﴾؛ لأنه أُرِيد به المصدرُ
من: أَرْسَلتُ . يقالُ: أَرْسَلتُ رسالةٌ ورسولاً. كما قال الشاعرُ):
بسوءٍ ولا أَرْسَلْتُهم برسولِ
لقد كذَب الواشون ما يُحْتُ عندهم
يعنى : برسالةٍ. وقال الآخر(١):
رسولاً بيتُ أهلِكَ مُنْتَهاها
أَلَا مَنْ مُبْلِغْ عنِّى خُفافًا
يعنى بقولِه : رسولاً: رسالةً. فأنَّث لذلك الهاءَ.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ قَالَ أَلَمَّ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِنَا مِنْ عُمُرَِ
(١) هو كثير عزة، والبيت فى ديوانه ص ١١٠، وفيه: برسيل. بدلًا من: برسول. وهما بمعنى.
(٢) هو عباس بن مرداس ، والبيت فى حماسة ابن الشجرى ١٣٣/١، واللسان (رس ل ) ، والخزانة
٣٦٧/٤، وفى الحماسة والخزانة: ألوكا . بدلًا من: رسولًا.
٥٥٥
سورة الشعراء : الآيتان ١٨، ١٩
١٩
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِينَ
سِنِينَ
وفى هذا الكلام محذوفٌ اسْتُغْنى بدلالةِ ما ظهَر عليه منه، وهو: فأتًّا
فرعونَ فَأَبلَغاه رسالةَ ربِّهما إليه، / فقال فرعونُ: ﴿أَلَمَّ نُرَبِّكَ فِنَا﴾ يا موسى، ٦٦/١٩
﴿ وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِيْنَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾: وذلك مُكثُه عندَه قبلَ قتلِه القتيلَ الذى
قتله من القبطِ، ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِ فَعَلْتَ﴾. يعنى قتلَه النفسَ التى قتَل
من القِبْطِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
(١٩) قَالَ فَعَلُّهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ
الضَّالِينَ﴾. قال: قتلُ النفسِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاتجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وإنما قيل: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾؛ لأنها مرةٌ واحدةٌ ، ولا يجوزُ كسرُ الفاءِ إِذا
أُرِيد بها هذا المعنى .
وذُكِر عن الشعبيّ أنه قرَأ ذلك: (وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ) بكسرِ الفاءِ . وهى قراءةٌ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٠٩ من طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٤/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٨٣/٥ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٢) أخرجه الفراء فى معانى القرآن ٢٧٩/٢ من طريق السرى بن إسماعيل ، عن الشعبى . وذكرها ابن =
٥٥٦
سورة الشعراء : الآية ١٩
لقراءةِ القرأةِ مِن أهلِ الأمصارِ مخالفةٌ .
وقولُه: ﴿ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛
فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأنت من الكافِرِين باللّهِ، علی دینِنا .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدىِّ :
﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ أَلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾. يعنى: على دينِنا هذا
(١)
الذى تعيبُ(١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك : وأنت من الكافرين نعمتنا عليك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَفَعَلْتَ
فَعْلَتَكَ اُلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾. قال: ربَّيناك فينا وليدًا، فهذا الذى
كافَأْ تَنا؛ أن قتَلت منا نفسًا، وكفَرت نعمتَنَا(٢)!
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَنَتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: كافرًا للنعمةِ؛ أنَّ فرعونَ
لم یکنْ یعلمُ ما الکفر().
قال أبو جعفرٍ : وهذا القولُ الذى قاله ابنُ زيدِ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن فرعونَ لم
= خالويه فى مختصر الشواذ ص ١٠٧، وأبو حيان فى البحر المحيط ١٠/٧.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٤/٨ من طريق عمرو به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٤/٨ من طريق أصبغ عن ابن زيد .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٥ إلى المصنف .
٥٥٧
سورة الشعراء : الآيات ١٩ - ٢١
يكنْ مُقرَّا لَّهِ بالربوبيةِ، وإنما كان يزعُمُ أنه هو الربُّ، فغيرُ جائزٍ أن يقولَ لموسى - إن
كان موسى كان عندَه على دينِهِ يومَ قتَل القتيلَ على ما قاله الشُّدىُّ - : فعَلت الفَعْلةَ
وأنت من الكافرين. و(١) الإيمانُ عندَه هو دينُه الذى كان عليه موسى عندَه. إلا أن
يقولَ قائلٌ: إنما أراد : وأنت من الكافرين يومَئذٍ يا موسى، على قولِك اليومَ . فيكونُ
ذلك وجهًا يتَوَجَّهُ .
فتأويلُ الكلام إذن : وقتَلْتَ الذى قتَلْتَ منا وأنت من الكافرين نعمتنا عليك ،
وإحسانَنا إليك ، فى قتلِك إِيَّاه .
وقد قيل: معنى ذلك: وأنت الآنَ من الكافرين لنعمتى عليك، وتربيتى
إِيَّاك.
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَأْ مِنَ الضََّآلِينَ
فَفَرَرْتُ ٦٧/١٩
٢٠
٢١٦
مِنكُمْ لَمَّ خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : قال موسى لفرعونَ : فعَلتُ تلك الفَعْلةَ التى فعَلتُ . أى :
قتَلْتُ تلك النفسَ التى قتلتُ ، ﴿ إِذَا وَأَنَأْ مِنَ الضَّآلِينَ﴾. يقولُ: وأنا من الجاهلين قبلَ
أن يأتينى من اللَّهِ وحتىّ بتحريم قتله علىَّ .
والعربُ تضعُ الضلالَ موضعَ الجهلِ، والجهلَ موضعَ الضلالِ ، فتقولُ: قد
جهِل فلانٌ الطريقَ ، وضلَّ الطريقَ. بمعنَّى واحدٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(١) زيادة يقتضيها السياق .
٥٥٨
سورة الشعراء : الآية ٢٠
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ وَنَّأْ مِنَ الضَّآلِينَ﴾. قال: من الجاهلين(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاتجٌ، عن ابنٍ جُريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
قال ابنُ جريجٍ : وفى قراءةِ ابنِ مسعودٍ : ( وأنا من الجاهلين)(١).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ وَأَنَأْ مِنَ
الضَّالِّينَ﴾. قال: من الجاهلين(٣).
حُدِّثت عن الحسين، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، [٥٠٨/٢ظ]
قال : سمِعت الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ : فقال موسى :
لم أكفُرْ، ولكن فعَلتُها وأنا من الضالِّين. وفى حرفٍ ابن مسعودٍ : ( فَعَلْتُها إذن وأنا
مِنَ الجَاهِلِينَ).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ قَالَ
فَعَلُّهَا إِذَا وَأَنَأْ مِنَ الضَّالِّينَ ﴾: قبلَ أن يأتيَنى من اللَّهِ شىءٌ، كان قتلى إِيَّاه ضلالةً
خطأ . قال : والضلالةُ هدهنا الخطأُ، لم يقلْ: ضلالةٌ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ(٤).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
(١) تفسير مجاهد ص ٥٠٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم ٢٧٥٤/٨، ٢٧٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٨٣/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٢) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٨٠ عن حجاج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٥ إلى ابن
المنذر .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٣/٢ عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٥/٨ من طريق
سعيد ، عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٥/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
٥٥٩
سورة الشعراء : الآيات ٢٠ - ٢٤
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: يقولُ: وأنا من الجاهلين(١).
وقولُه: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ الآية. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ موسى
ء
الفرعونَ: ﴿فَفَرَّرْتُ مِنْكُمْ﴾ معشرَ الملاً من قومٍ فرعونَ ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أن تقتُلونى
بقتلىَ القتيلَ منكم، ﴿فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا﴾. يقولُ: فوهَب لى ربى نبوَّةً، وهى
الحکمُ .
كما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا﴾. والحكمُ النبوَّةُ(١).
/ وقولُه: ﴿وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: وألحقَنى بِعدادٍ مَن أرسَله إلى ٦٨/١٩
خلقِه ، مبلِّغًا عنه رسالتَه إليهم ، بإرسالِه إياىَ إليك يا فرعونُ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا عَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ
قَالَ
٣٢
فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ
﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأَّ إِن كُم
٢٤
◌ُوقِنِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلٍ نبيِّه موسى عَِّ لفرعونَ: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمْنُّهَا
يعنى بقولِه: ﴿وَتِلْكَ﴾: تربيةَ فرعونَ إِياه. يقولُ: وتربيتُك إياىَ، وتركُك
استعبادى كما استعبدْتَ بنى إسرائيلَ - نعمةٌ منك تُمُّها علىَّ بحقٌّ .
وفى الكلام محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكِر عليه عنه ، وهو : وتلك نعمةٌ تمتُّها
علىَّ أن عبَّدْتَ بنى إسرائيلَ وترَكتنى فلم تستعبِدْنى. فَتَرك ذِكرَ: وتركتنى ؛ لدلالةِ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٥/٨ معلقًا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥٥/٨ من طريق عمرو به .
٥٦٠
سورة الشعراء : الآية ٢٢
قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيّ إِسْرَِّيِلَ﴾. عليه، والعربُ تفعلُ ذلك اختصارًا للكلام .
ونظيرُ ذلك فى الكلام أن يستَحِقَّ رجلان من ذى سلطانٍ عقوبةً ، فيعاقبَ أحدَهما
ويعفوَ عن الآخرِ، فيقولُ المعفوُّ عنه: هذه نعمةٌ علىَّ من الأميرِ؛ أن عاقَب فلانًا
وترَكنى. ثم حذَف ((وتركنى))؛ لدلالةِ الكلامِ عليه .
ولـ ﴿أَنْ﴾ فى قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾ وجهان(١)؛ أحدُهما،
النصبُ؛ لتعلَّقِ ﴿ تَمُّهَا﴾ بها. وإذا كانت نصبًا كان معنى الكلام: وتلك نعمةٌ
تمُنُّها علىَّ لتعبَّدِك بنى إسرائيلَ. والآخرُ، الرفعُ؛ على أنها ردِّ على (( النعمةِ)).
و "إذا كانت رفعًا كان معنى الكلام: وتلك نعمةٌ تمنُّها علىَّ تعبيدُك بنى إسرائيلَ.
ويعنى بقوله: ﴿أَنْ عَبَّدَتَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾: أن اتخذْتَهم عبيدًا لك، يقالُ منه:
عَبَّدْتُ العبيدَ وأعبَدْتُهم. كما قال الشاعرُ():
(٤) أباعِرُ ما شاءوا وَعُبْدانُ
فیھم (٤)
عَلامَ يُعْبِدُنی قومى وقد كَثِرَتْ
وبنحوِ الذى قلنا فى ("تأويلٍ قوله: ﴿أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيِّ إِسْرَِّلَ﴾°). قال أهلُ
التأويل .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
(١) فى م: ((وجهين)).
(٢) سقط من: ص ، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف .
(٣) معانى القرآن للفراء ٢٧٩/٢ . ونسبه فى اللسان (ع ب د) إلى الفرزدق ، وليس فى ديوانه .
(٤) فى م: ((فيها)).
(٥ - ٥) فى م، ت ٢: ((ذلك)).