Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة الفرقان : الآيتان ٦،٥
﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ : أشعارُهم وكَهانتُهم، وقالها النَّضْرُ بنُ الحارثِ.
/فتأويلُ الكلام: وقال هؤلاءِ المشركونَ باللّهِ الذين قالوا لهذا القرآنِ: إِنْ هذا ١٨٣/١٨
إلَّا إِفْكّ افترَاه محمدٌ عَله: هذا الذى جاءَنا به محمدٌ أساطيرُ الأوَّلِينَ - يَعنُون :
أحادِيثَهم التى كانوا يُسَطِّرونَها فى كُتُبِهِم - اكْتَبَها محمدٌ(١) مِن يَهُودَ. ﴿فَهِىَ
تُمْلَى عَلَيْهِ﴾. يَعنونَ بقوْلِهم(١): ﴿فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ﴾: فهذه الأساطيرُ تُقْرَأْ
عليهِ. من(٢) قولهم: أمليتُ عليك الكتابَ، وأملَلْتُ. ﴿بُكْرَةً﴾: غُدوةً(٤
﴿ وَأَصِيلًا﴾. يقولُ: وتُمْلَى عليه(٥) عشًا .
وقولُه : ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ الِزَّ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: قلْ يا محمدُ [٤٨٧/٢ظ] لهؤلاءِ المكذِّبِينَ بآياتِ اللَّهِ مِن مُشرکِی قومِك: ما
الأمرُ كما تقولُون؛ مِن أنَّ هذا القرآنَ أساطيرُ الأوَّلينَ، وأَنَّ محمدًا عَ لَِّ افترَاه،
وأعانَه عليهِ قوم آخرونَ ، بل هو الحقُّ، أَنزَله الربُّ الذى يعلَمُ سرَّ مَن فى السماواتِ
ومَن فى الأرضِ، ولا يَخفَى عليه شىءٌ، وهو ١) مُخْصِى ذلك على خَلْقِهِ،
ومُجازِيهم بما عزَمَتْ عليه قُلُوبُهَم، وأضْمَروه فى نفُوسِهم. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾. يقولُ: إِنَّه لم يزلْ يصفحُ عن خَلْقِه ويَرْحمُهم، فيتفضَّلُ عليهم بعفوِه.
يقولُ : فِلِأنَّ ذلك من عادتِهِ(٦) فى خَلْقِهِ، يُمْهِلُكُم أيُّها القائلونَ ما قُلْتُم من الإفكِ،
والفاعلونَ ما فعلتُم مِنَ الكفرِ .
(١) بعده فى النسخ: ((صلى الله عليه وسلم)).
(٢) فى م، ف: (( بقوله )).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((فمن)).
(٤) سقط من : م .
(٥) بعده فى م: ((غدوة و)).
(٦) فى ت١، ت٢: ((عاداته)).
( تفسير الطبرى ٢٦/١٧ )

٤٠٢
سورة الفرقان : الآيات ٦ - ٨
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج : ﴿قُلّ
أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ الْتِرَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. قال: ما يُسِرُ أهلُ الأرضِ وأهلُ
السماءِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ
وَيَمْشِى فِ اُلْأَسْوَاقِّ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُمِ نَذِيرًا (٣) أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ
كَثْرُّ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَشَّبِعُونَ إِلَّا
رَجُلًا مَسْخُورًا
٨
ذُكِر أنَّ هاتين الآيتينِ نزَلتَا على رسولِ اللهِ ◌َ اتِ فیما كان مشرکُو قومه قالوا له
ليلةَ اجتماعِ أشْرافِهم بظهرِ الكعبةِ، وعرضوا عليه أشياءً، وسألُوه الآياتِ .
فكان فيما كلَّموه به حينئذٍ ، فیما حدّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سَلَمُ ، عن ابنِ
إسحاق ، قال : ثنی محمدُ بنُ أبی محمدٍ مولی زید بن ثابت ، عن سعيد بن جبيرٍ ،
أو عِكرِمةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، إذْ ) قالوا له: فإنْ لم تفعلْ لنا هذا -
يعنى ما سألُوه من تسييرٍ جبالِهِم عنهم ، وإحياءِ آبائِهم، والمجىءِ باللّهِ والملائكةِ قبيلًا ،
وما ذكَره اللَّهُ فى سورةِ((بنى إسرائيلَ)) - فخُذْ لنفسِك؛ سلْ رِبَّك يبعثْ معَك مَلَكًا
يصدِّقُك بما تقولُ ويُراجِعُنا عنك ، وسَلْه فيجعلْ لك قصورًا وجنانًا وكنوزًا من ذهبٍ
وفضةٍ؛ تُغنيك(١) عما نرَاك / تبتَغى، فإنَّك تقومُ بالأسواقِ (١)، وتلتمِسُ المعاشَ كما
١٨٤/١٨
(١) فى م: ((أن)).
(٢) فى ت١، ت٢، ف: ((يغنيك)).
(٣) فى ت٢: (( فى الأسواق)).

٤٠٣
سورة الفرقان : الآيتان ٧، ٨
نلتمِسُه، حتى نعلَمَ (١) فضلَك ومنزلتَك من ربِّك، إنْ كنتَ رسولًا كما تزعمُ . فقال
رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ: ما أنا بفاعِلٍ. فَأَنزَل اللَّهُ فى قولهم: أنْ خُذْ لنفسِك ما سألوه أنْ
يأخذَ لها؛ أن يجعلَ له جنانًا وقصورًا وكنوزًا، أو يبعثَ معَه مَلَكًا يصدِّقُه بما يقولُ ،
ويُرُدُّ عنه " مَن خاصَمه): ﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي
الْأَسْوَاقٌّ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُمِ نَذِيرًا (٣) أَوْ يُلْقَىَّ إِلَيْهِ كَتُّْ أَوْ
تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا
مَسْحُورًا﴾(٣).
فتأويلُ الكلام: وقال المشركونَ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾: يَعْنونَ
محمدًاً ◌َّهِ، الذى يزعمُ أنَّ اللَّهَ بعثَه إلينا يأكُلُ الطعامَ كما نأكلُ، ويمشى فى
أسواقنا كما نمشى. ﴿ لَوْلاً أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾. يقولُ: هلَّا أُنزِل إليه مَلَكُ إنْ كان
صادقًا، مِن السماءِ، فيكونَ معه مُنذِرًا(٤) للناسِ، مصدِّقًا له على ما يقولُ، أو
يُلقَى إليه كثرٌ مِن فضةٍ أو ذهبٍ، فلا يحتاج معه إلى التصرُّفِ فى طلبٍ
المعاشِ، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾. يقولُ: أو يكونُ له بستانٌ ﴿يَأْكُلُ
مِنْهَأَ﴾ .
واختلف القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ
الكوفيينَ: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَاً﴾ بالياءِ(٥). بمعنى: يأكُلُ منها الرسولُ .
(١) فى ص، ت١: ((نعرف))، وفى ت٢: (( تعلم)).
(٢ - ٢) فى ت٢: (( ما يخاصمه)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٥/٨ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق قوله.
(٤) فى ت١، ت٢: ((نذيرًا)).
(٥) هى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص٤٦٢ .

٤٠٤
سورة الفرقان : الآيات من ٨ - ١٠
وقَرَأْ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفيينَ: (نَأكُلُ مِنْها) بالنونِ (١)، بمعنى: نأكُلُ من الجنةِ.
وأولى القراءتين فى ذلك عندِى بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأْهُ بالياءِ ؛ وذلك للخبرِ
الذى ذكرنا قبلُ ("مِن أن٢َّ) مسألةَ مَن سأَل مِن المشركينَ رسولَ اللَّهِ مَّهِ، أنْ يسألَ
ربَّه هذه الخلالَ لنفسِه لا لهم. فإذا كانت مسْأَلتُهم إيَّه ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ أنْ
يقولُوا له : سلْ لنفسِك ذلك لنأكلَ نحن .
وبعدُ، فإِن فى قولِه تعالى ذكرُه: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن
ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾. دليلًا بيّنًا على أنَّهم إِنَّا(١) قالوا له : اطلبْ
ذلك لنفسِك ؛ لتأكلَ أنت منه، لا نحنُ.
وقولُه: ﴿وَقَالَ الَّالِمُونَ﴾. يقولُ: وقال المشركونَ للمؤمنين باللّهِ
ورسوله: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ﴾ أيُّها القومُ باتباعِكم محمدًا إلا رجلًا به سِخْرٌ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَاَ
يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
تَبَارَكَ الَّذِىّ إِنْ شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن
١٠
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيه محمدٍ عَ له: انظرْيا محمدُ إلى هؤلاءِ المشركين الذين
شبَّهوا لك الأشباه بقولهم لك: هو مسحورٌ. فضلَّوا بذلك عن قصدِ السبيلِ،
وَأَخْطَئُوا طريقَ الهُدَى والرشادِ ، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: فلا يجدُونَ سبيلاً
إلى الحقِّ، إلَّا فيما بعثْتُك بهِ، ومن الوجهِ الذى ضُّوا عنه .
(١) هى قراءة حمزة والكسائى . السبعة لابن مجاهد ص ٤٦٢ .
(٢ - ٢) فى ص، م: ((بأن)).
(٣) سقط من : ت١ ، ف .

٤٠٥
سورة الفرقان : الآيتان ٩، ١٠
وبنحوِ الذى قُلْنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
١٨٥/١٨
/ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى
محمدٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عِكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ
لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. أى: التَمَسوا الهدَى فى غيرِ ما
بعثتُك بهِ إليهم فضلُّوا، فلن يَستَطِيعُوا أَنْ يُصِيبُوا الهُدَى فى غيرِه(١).
وقال آخرونَ فى ذلك ما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال :
ثناعيسى ، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى
نَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾﴾. قال: مَخْرجًا يُخْرِجُهم مِن
الأمثالِ التى ضرَبوا لك(٢).
وقولُه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَرُ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : تقدَّس الذى إنْ شاء جعَل لك خيرًا مِن ذلك.
واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بـ ﴿ذَلِكَ﴾ التى فى قولِهِ: ﴿جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن
ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: خيرًا مِمَّا قال هؤلاءِ المشركون لك يا محمدُ :
هلَّا أُوتِيتَه وأنت للَّهِ رسولٌ. ثم بيَّن تعالى ذكرُه عن ذلك(٣) الذى لو شاء جعَل
له "من خيرٍ) مما قالوا، فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٥/٨ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق قوله.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٥/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٦٣/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) سقط من : م .
(٤ - ٤) فى ت١: ((خيرا)).

٤٠٦
سورة الفرقان : الآية ١٠
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرً ( مِن ذَلِكَ﴾: خيرًا " بِمَّا قالوا(١)
٠
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾. قال: ◌ِمَّا قالوا،
وتمتَّوا لك، فيجعَلُ لك مكانَ ذلك ﴿جَنَّتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
وقال آخرون: بلُ عُنِى بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾٢. المشئ فى الأسواقِ والْتماسُ المعاشِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبی
محمدٍ - فيما يرى الطبرىُّ - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أو عِكرِمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
ثم قال: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرً مِّن ذَلِكَ﴾: من أَنْ تمشىَ فى
الأسواقِ وتلتمِسَ المعاشَ كما يلتمِشُه الناسُ، ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
(٥)
وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا !
(١ - ١) سقط من: ص، ت١، ف .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٦/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٦٣/٥ إلى الفریابى وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) سقط من : م .
(٤ - ٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بذلك)).
(٥) سيرة ابن هشام ٣٠٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٦/٨ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق
قوله .

٤٠٧
سورة الفرقان : الآية ١٠
قال أبو جعفر : والقولُ الذى ذكرناهُ عن مجاهدٍ فى ذلك أشبهُ بتأويلِ الآيةِ ؛
لأنَّ المشركينَ إَّمَا استعظَموا ألَّ تكونَ له جنةٌ يأكُلُ منها ، وأَلَّا يُلْقَى إليه كنزٌ،
واستَنكَرُوا أَنْ يمشىَ فى الأسواق، وهو للَّهِ رسولٌ. فالذى هو أَوْلى بوعدِ اللَّهِ
إِيَّاهُ (أنْ يكونَ وعدًا بما١) هو خيرٌ مِمّا(٢) كان عندَ المشركينَ عظيمًا، لا (١) مِمَّا/ كان ١٨٦/١٨
مُنكَرًا عندهم .
وعَنَى بقولِه: ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾: بساتينَ تَجِى فى أُصولِ
أشجارها الأنهارُ.
کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثناعیسی ، وحدّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ:
﴿ حَتَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ﴾. قال: حوائطَ (٤).
وقولُه: ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾. يعنى بالقصورِ البيوتَ المبنيَّةَ.
وبنحوِ ما قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجِيح، عن مجاهدٍ :
﴿ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾. قال: بيوتًا مبنيةً مُشيَّةً، كان ذلك فى الدُّنيا. قال:
كانتْ قريشٌ ترى البيتَ من الحجارةِ قصرًا كائنًا ما كان (٤).
(١ - ١) سقط من: ت٢.
(٢) سقط من: ت١، وفى م: ((ما)).
(٣) سقط من ص، ت١، ت٢.
(٤) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .

٤٠٨
سورة الفرقان: الآيات ١٠ - ١٢
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ لُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾: مُشيَّدةً [٤٨٨/٢ظ] فى الدُّنيا، كلُّ هذا قالتْه
قريشٌ، وكانتْ قريشٌ ترى البيتَ من حجارةٍ ما كان صغيرًا قَصْرًا(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن حبيبٍ ، قال :
قِيل للنبىِّ عَ لَّهِ: إِنْ شِئْتَ أنْ نُعطيَك(٢) خزائنَ الأرضِ ومفاتيحَها، ما لم يُعطَ نبىٌّ
قبلَك ، ولا يُعطَى مَن بعدَك، ولا يَنقُصُ ذلك ◌ُمَّ لك عندَ اللَّهِ تعالى. فقال: ((اجمَعُوها
لى فى الآخرةِ». فأنزل اللَّهُ فى ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ
جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلِّ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ
١٢
إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا
بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا الأَـ
يقولُ تعالى ذكره: ما كذَّب هؤلاء المشركون باللّهِ وأنكروا ما جئتَهم به يا
محمدُ مِن الحقِّ ؛ من أجلِ أنَّك تأكلُ الطعامَ ، وتمشى فى الأسواقِ ، ولكنْ مِن أجلٍ
أنَّهم لا يُوقِنُون بالمعادِ ، ولا يُصدِّقُون بالثوابِ والعقابِ، تكْذيًا مِنهم بالقيامةِ ،
وبعثِ اللَّهِ الأمواتَ أحياءً لحشرِ القيامةِ، ﴿ وَأَعْتَدْنَا﴾. يقولُ: وأعددنا لمَنْ كذَّب
ببعثِ اللَّهِ الأمواتَ أحياءً بعدَ فنائِهم لقيامِ الساعةِ - نارًا تُستَّرُ عليهم وتَتَّقِدُ، ﴿ إِذَا
رَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ : إذا رأَتْ هذه النارُ التى أُعتدْناها لهؤلاءِ المكذِّبِينَ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٣/٦ وفيه: قصرا سواء كان كبير أو صغيرا. وفى تفسير مجاهد فى الأثر
السابق : ما كان فتسميه قصرا .
(٢) بعده فى م: ((من)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٩/١١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٦/٨ من طريق سفيان، عن حبيب ، عن
خيثمة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٣/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن
خيثمة .

٤٠٩
سورة الفرقان : الآية ١٢
أشخاصَهم من مكانٍ بعيدٍ تغيَّظَتْ / عليهم، وذلك أنْ تَغِيَ وتفُورَ. يقالُ: فلانٌ ١٨٧/١٨
يَتَغْيَّظُ(١) على فلانٍ، وذلك إذا (١) غَضِبَ عليه، فَغَلَى صِدْرُه من الغضَبِ عليه،
وتبينَّ فى كلامِه. ﴿ وَزَفِيْرًا﴾ : وهو صوتُها .
فإِنْ قال قائلٌ: وكيفَ قِيل: ﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا﴾. والتغيُّظُ لا يُسمَعُ؟
قيل: معنى ذلك : سمِعُوا لها صوتَ التغيُّظِ من التلُبِ والتوقُّدِ .
حدَّثنى محمودُ بنُ خِداشِ، قال : ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسِطُ ، قال : ثنا
أَصْبَغُ(٢) بنُ زيدِ الورَّاقُ، عن خالدِ بنِ كَثِيرٍ، عن "خالدِ بنِ دُرَيْكِ ، عن رجلٍ مِن
أصحابِ محمدٍ عَ لَه، قال: قال رسولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ يَقُلْ(٥) عَلىَّ ما لم أَقُلْ فَلْتَبَّأَ
بينَ عَيْنَىْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا)). قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وهل لها من عينٍ؟ قال: ((ألم تَسْمَعُوا
إلى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾؟)) الآية(٦).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ فى قوله: ﴿ سَمِعُواْ
لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾. قال: أخبرنى منصورُ بنُ المعتمرِ، عن مجاهدٍ ، عن ◌ُبَيدِ بنِ
عُمَيرٍ ، قال: إِنَّ جهنمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةٌ لا يبقَى مَلَكٌ ولا نبٌّ إلا خرَّ تُرْعَدُ فرائِصُه حتى إنَّ
(١) فى م، ت٢: ((تغيظ)).
(٢) فى م: ((إذ)).
(٣) فى م: ((أصبع)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠١/٣ .
(٤ - ٤) فى ص، ت١، ت٣: ((دريد))، وفى م: ((فُديك)). وفى ت٢، ف: ((دريك))، والمثبت من
مصادر التخريج . وينظر تهذيب الكمال ٥٣/٨ .
(٥) فى ص، م، ت١، ف: ((يقول)).
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٤/٦ عن المصنف ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٧/٨ من طريق
أصبغ به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٤١٠
سورة الفرقان : الآيات ١٢ - ١٤
إبراهيمَ ليجْثُو على رُكْبتَيه، فيقولُ: يا ربِّ لا أسألُكُ(١) اليومَ إِلا نفسِى".
حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال: أخبرنا
إسرائيلُ، عن أبى يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إنَّ الرجلَ لِيُجَوُ(٢) إلى
النارِ ، فتنزَوِى وينقبِضُ بعضُها إلى بعضٍ ، فيقولُ لها الرحمنُ : مَا لَكِ؟ قالتْ(٤) : إِنَّه
يستَجِيرُ مِنِّى. فيقولُ: أرسِلُوا عبدِى. وإِنَّ الرَّجلَ لِيُجَرُّ إلى النارِ، فيقولُ: يا ربِّ ما
كان هذا الظنَّ بكِ؟ فيقولُ: فما كان ظنُّك؟ فيقولُ: أَنْ تَسَعَنِى رحْمتُك(٢). فيقولُ:
أُرسِلُوا عبدِى. وإنَّ الرجلَ ليُجَرُّ إلى النارِ ، فَتَشْهَقُ إليه النارُ شُهوقَ البغْلةِ إِلى الشَّعِيرِ،
وتَزْفِرُ زَفْرَةٌ لا يَبِقَى أحدٌ إلا خاف(٧).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّبِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ
لَّا نَدْعُوْ اَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيراً
ثُبُورًا
يقولُ تعالى ذكره : وإذا أُلقى هؤلاء المكذِّبونَ بالساعةِ من النارِ مكانًا ضيقًا ، قد
قُرِّنَتْ أَيدِيهم إلى أعناقِهم فى الأغلالِ، ﴿ رَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى الثُّبورِ ؛ فقال بعضُهم: هو الوَئِلُ.
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((أملك)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٦٧/٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٨/٨، وعزاه السيوطى فى الدر.
المنثور ٦٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) فى ف: (( ليخر)).
(٤) فى م، ت٢: ((فتقول)).
(٥) فى م، ت١، ت٢: ((ليستجير)).
(٦) بعده فى ص، م، ت١، ف: ((قال)).
(٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٥/٦ عن المصنف ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٨/٨ من طريق
إسرائيل به مقتصرًا على أوله .

٤١١
سورة الفرقان : الآية ١٤
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
فى قولِه: ﴿ وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: وَيْلًا(١).
/ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن ١٨٨/١٨
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَّا نَدْعُواْ الْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.
يقولُ: لا تَدْعُوا اليومَ ويْلًا واحدًا، وادْعُوا ويِلًا كَثِيرًا(٢).
وقال آخرون : النُّورُ الهلاكُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، [٤٨٩/٢ و]
قال : سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا ﴾: الثّورُ
و (٣)
الهلاكُ(٣).
قال أبو جعفرٍ : والثُبُورُ فى كلام العربِ أصْلُه انصرافُ الرجل عن الشىءِ، يُقالُ
منه : ما ثَبَرك عن هذا الأمرِ؟ أى: ما صرّفك عنه؟ وهو فى هذا الموضع دعاءُ هؤلاء
القومِ بالندمِ على انصرافِهم عن طاعةِ اللَّهِ فى الدُّنيا، والإيمانِ بما جاءَهم به نبىُّ
اللَّهِ عَ لَه، حتى استَوجَبوا العقُوبةَ منه، كما يقولُ القائلُ: وَانَدَامتاه، واحَسْرَتاه على
ما فرَّطتُ فى جَنبِ اللَّهِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٩/٨ من طريق أبى صالح به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٩/٨ عن محمد بن سعد به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٩/٨ من طريق جويير، عن الضحاك .

٤١٢
سورة الفرقان : الآية ١٤
وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (١) يقولُ فى قولِه:
﴿دَعَوْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أى: هَلَكةً. ويقولُ: هو مصدرٌ من : ثُبِرَ الرجلُ . أى :
أُهلِك. ويستَشْهِدُ لقيلِهُ(١) ذلك ببيتِ ابنِ الزِّبَعْرَى(١) :
١
إِذْ أُجارِى الشَّيْطانَ فى سَنَِّ الغَسيِّ(٤) وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
وقولُه: ﴿لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: لا
تدعُوا اليوم أيُّها المشركون ندمًا واحدًا - أى: مرَّةً واحدةً - ولكن ادعُوا ذلك
کثیرًا .
وَما قيل: ﴿لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾؛ لأَنَّ الُّبورَ مصدرٌ، والمصادرُ لا
◌ُجمَعُ، وأَّا تُوصَفُ بامتدادٍ وقتِها وكثرتِها، كما يقالُ: قعَد قُعُودًا طويلًا، وأكَل
أكلًا كثيرًا .
حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمَّادٌ، قال: ثنا علىّ بنُ
زيدٍ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ عَظِيمٍ قال: ((أوَّلُ مَنْ يُكسى مُلَّةٌ مِنَ النَّارِ
إنلیسُ ، فَيضَعُها على حاجتِهِ ، ويَسْحَبُها مِن خَلْفِه، وذُرِيَّتُهمِن خَلْفِه ، وهو يقولُ : يا
تُبُورَاه . وهم يُنادون: يا تُبُورَهم . حتى يَقِفُوا على الثَّارِ، وهو يقولُ: يا تُبوراه. وهم
يُنادون: يا تُبورَهم. فيقالُ: ﴿لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُوا ثُبُورًا كَثِيرً﴾))".
(١) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٧١/٢.
(٢) بعده فى م: (( فى)) .
(٣) تقدم فى ١٠٨/١٥ .
(٤) فى ت٢: ((العمى)).
(٥ - ٥) سقط من النسخ ، ولا بد منها لاستقامة السياق ، ويؤيده ما بعده .
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ١٦٨/١٣، ١٠٩/١٤، وأحمد ١٤/٢٠ (١٢٥٣٦)، وابن أبى عاصم
فى الأوائل (١١٨)، والبزار (٣٤٩٥ - كشف)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦٩/٨، والطبرانى فى الأوائل
(١٠٦٨)، والبيهقى فى البعث (٦٤٧)، والخطيب فى تاريخه ٢٥٣/١١ من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه =

٤١٣
سورة الفرقان : الآيتان ١٦،١٥
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اُلْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ
لَهُمْ فِيهَامَا يَشَاءُونَ خَلِينَ كَانَ عَلَى
١٥
اُلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءُ وَمَصِيرًا
رَيِِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا
/ يقولُ تعالى ذكره: قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المكذِّبين بالساعةِ: أهذه النار التى ١٨٩/١٨
وصَف لكم رَبُّكم صِفتَها وصِفةً أَهلِها ، خيرٌ أم بستانُ الخُلُدِ الذى يدومُ نعيمُه ولا
يَبيدُ ، الذى وعَد مَن اتَّقاه فى الدنيا بطاعتِه فيما أمَره ونهاه ؟ .
وقولُه: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءُ وَمَصِيرًا﴾. يقولُ: كانت جنةُ الخُلُدِ للمتقين
جزاءً أعمالِهم للَّهِ فى الدنيا بطاعتِه، وثوابَ تقواهم إِيَّاه، ومصيرًا لهم. يقولُ:
ومصيرًا للمتقين يصيرون إليها فى الآخرةِ .
وقولُه: ﴿لَُّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾. يقولُ: لهؤلاء المتقين فى جنةِ الخُلُدِ
التى وعَدهموها اللَّهُ ما يشاءُون مَمَّا تَشْتَهيه الأنفُسُ، وتلَذُّ الأعينُ، ﴿ خَلِينَّ
فيها . يقولُ: لابِثين فيها ما كِثين أبدًا ، لا يَزولون عنها، ولا يَزولُ عنهم نَعِيمُها .
وقولُه: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾. وذلك أنَّ المؤمنين سألوا ربَّهم
ذلك فى الدنيا حينَ قالوا: ﴿ءَائِنَا مَا وَعَدَنَّنَا عَلَى رُسُلِكَ ﴾ [آل عمران: ١٩٤].
فقال(١) اللَّهُ تبارك وتعالى: كان إعطاءُ اللَّهِ المؤمنين جنةَ الخُلُدِ التى وصَف
صِفتَها فى الآخرةِ - وعْدًا وعَدهمٌ) على طاعتِهم إِيَّاه فى الدنيا، ومسألتِهم
إِيَّاه ذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
= السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(١) فى م: ((يقول)).
(٢) بعده فى م: ((الله )).
٠٠٠

٤١٤
سورة الفرقان : الآيتان ١٧،١٦
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
عطاءِ الخُراسانيّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾. قال:
فاسألوا (١) الذى وعدَكم (١) وتَنَجَّزوه(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ كَانَ
عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا ﴾. قال: سأَلُوه إِيَّها فى الدنيا ، طلبوا ذلك فأعطاهم وعْدَهم
إذ سألوه أنْ يعطيهم فأعطاهم ، فكان ذلك وعدًا مسئولًا ، كما وقَّتَ أَزْزاقَ العبادِ فى
الأرضِ قبلَ أنْ يَخلُقَهم ، فجعَلها أقواتًا للسائلين ، وقَّتَ ذلك على مسألتِهم . وقرأ :
﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ أَزْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَآءَ لِلِسَِّلِنَ﴾(١)
[ فصلت: ١٠].
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يُوجّهُ معنى قوله: ﴿ وَعْدًا مَّسْئُولًا ﴾. إلى أنه
معنىٌّ به : وعدًا واجبًا. وذلك أنَّ المسئولَ واجبٌ وإنْ لم يُسْأَلْ، كالدَّينِ. ويقولُ:
ذلك نظيرُ قولِ العربِ: لأعطينَّك ألفًا وعْدًا مَسئُولًا. بمعنى أنه(٢) واجبٌ لك، فتسألُه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (١٧) وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ
١٧
(١) فى م: ((فسألوا)).
(٢) فى م: (( وعدهم)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧١/٨ من طريق ابن جريج به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧١/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٥) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٦٣/٢ .
(٦) سقط من: م، ت ١، ت٣، ف .
(٧) فى ت١، ت٢، ت٣: ((نحشرهم)). وهما قراءتان كما سيأتى، وتفسير المصنف على قراءة من قرأ
بالنون .

٤١٥
سورة الفرقان : الآية ١٧
[٤٨٩/٢ظ] يقول تعالى ذكرُه: ويومَ نحشُرُ هؤلاء المكذِّبِين بالساعةِ،
العابدين الأوثانَ ، وما يَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ من الملائكةِ والإنسِ والجنِّ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثناعيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجِيح، عن مجاهد
فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ
عِبَادِى هَؤُلَاءِ﴾. قال: عيسى وعُزيرٌ والملائكةُ(١).
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، عن ١٩٠/١٨
مجاهدٍ نحوه .
واختَلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو جعفرِ القارئُّ وعبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ:
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ﴾ بالياءِ جميعًا ، بمعنى:
ويومَ يحشُرُهم ربُّك، ويحشُرُ ما يعبدونَ مِن دونِه فيقولُ .
وقرَأَته عامَّةُ قرَأَةِ الكوفيين: (نَحْشُرُهُمْ) بالنونِ، ﴿فَيَقُولُ﴾(١). وكذلك
قرأه نافعٌ .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ : إِنَّهما قراءتان مشهورتان ، متقاربتا
المعنى ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿فَيَقُولُ ،َ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءٍ﴾. يقولُ: فيقولُ اللَّهُ للذين
كان هؤلاء المشركون يعبدونهم مِن دونِ اللَّهِ: ﴿ءَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَنُوْلَاءِ﴾؟
(١) تفسير مجاهد ص٤٩٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٢/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٦٥/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) وبها قرأ يعقوب وحفص. النشر ٢٥٠/٢.
(٣) وبها قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائى وخلف ، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما. ينظر النشر الموضع السابق.

٤١٦
سورة الفرقان : الآيتان ١٧، ١٨
يقولُ : أأنتم أَزَلْتُموهم عن طريقِ الهدَى، ودعَوْتُمُوهم إلى الغَىّ والضلالةِ حتى تاهوا
وهلكوا، ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّيِيلَ﴾. يقولُ: أم عبادِى هم الذين أخطَئُوا (١) سبيلَ
الرشدِ والحقِّ، وسلَكوا العَطَبَ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَتْبَغِى لَنَا أَنْ تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ
مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا
١٨
يقولُ تعالى ذكره : قالت الملائكةُ الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم مِن
دونِ اللهِ - وعيسى: تنزيهًا لك يا ربَّنا، وتثِئَةٌ(٢) ممّ أضاف إليك هؤلاء المشركون ،
ما كان ينبغى لنا أنْ نتخذَ مِن دونِك مِن أولياءَ نُوالِيهم ، أنت وليُّنا مِن دونهم، ولکن
متَّعْتَهم بالمالِ يا ربَّنا فى الدنيا والصحةِ ، حتى نَسُوا الذكر، وكانوا قومًا هَلْكی، قد
غَلَب عليهم الشقاءُ والخِذلانُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَكِنْ تَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُواْ
قَوْمًا بُورًا﴾. يقُولُ: قوم قد ذهبتْ أعمالُهم وهم فى الدنيا، ولم تكنْ لهم أعمالٌ
صالحة
هـ(٤)
(١) فى م: (( ضلوا)).
(٢) العطب : الهلاك . اللسان ( ع ط ب ).
(٣) فى ت١، ت٢، ف: ((تنزيه)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٢/٨ عن محمد بن سعد به .

٤١٧
سورة الفرقان : الآية ١٨
حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا﴾. يقولُ: هَلْكى(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نُجِيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَكَانُوْ قَوْمًا بُورًا﴾. يقولُ: هَلْكَى(٢).
حدَّثنا الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ :
وَكَانُوْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال: هم الذين لا خيرَ فيهم(١).
/ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَكَانُواْ ١٩١/١٨
قَوْمًا بُورًا﴾. قال: يقولُ: ليس من الخيرِ (١) شىءٌ. البورُ: الذى ليس فيه من الخيرِ
شىءٌ .
واختلَفت القرَأَةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿مَا كَانَ يَتْبَغِى لَنَّا أَنْ تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ.
أَوْلِيَآءَ ﴾؛ فقرَأَ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ الأمصارِ: ﴿ نَتَّخِذَ﴾ بفتح النونِ، سوى الحسنِ ویزیدَ
ابنِ القَعْقاع، فإنَّهما قَرَآه: (أَنْ نُتَّخَذَ) بضمِّ النونِ) . فذهَب الذين فتَحوها إلى
المعنى الذى بيَنَّه فى تأويله؛ مِن أَنَّ الملائكةَ وعيسى ومَن ◌ُبِد مِن دونِ اللَّهِ مِن
المؤمنين هم الذين تبرَّءوا أنْ يكونَ كان لهم ولىٌ غيرُ اللَّهِ تعالى ذكرُه. وأما الذين
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٣/٨ من طريق أبى صالح به .
(٢) تفسير مجاهد ص٤٩٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن
حميد وابن المنذر .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٦٧/٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٣/٨، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٦٥/٥ إلى عبد بن حميد .
(٤) بعده فى م: ((فى)).
(٥) ينظر إتجاف فضلاء البشر ص ٢٠١ .
( تفسير الطبرى ٢٧/١٧ )

٤١٨
سورة الفرقان : الآية ١٨
قرءوا ذلك بضمّ النونِ ، فإنَّهم وجَّهوا معنى الكلام إلى أنَّ المعبودين فى الدنيا إنَّما
تبرَّءوا إلى اللَّهِ أنْ يكونَ كان لهم أنْ يُعْبَدوا مِن دونِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه، كما أخبر اللَّهُ عن
عيسى أنَّه قال إِذ(١) قيل له (٢): ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأَنِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ
اللَّهِ﴾ -: ﴿ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ﴾، ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ:
ج
أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍِّ وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧].
قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرأه بفتح
النونِ؛ لعللٍ ثلاثٍ ؛ إحداهنَّ، إجماعُ الحُتَّةِ مِن القرَأةِ عليها، والثانيةُ ، أنَّ اللَّهَ جلَّ
ثناؤه ذكَر نظيرَ هذه القصةِ فى ((سورة سبأ))، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَميعً ثُمَّ يَقُولُ
قَالُواْ سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾
لِلْمَلَتِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُرُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ
[ سبأ: ٤٠، ٤١]. فأخبر عن الملائكةِ أنَّهم إذا سُئِلوا عن عبادةِ مَن عبّدهم ، تبرّءوا إلى
اللّهِ مِن وَلايتِهم،، فقالوا لربِّهم: ﴿ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾. فذلك يُوضِّحُ عن
صحةٍ قراءةٍ مَن قَرَأْ ذلك: ﴿مَا كَانَ يَطْبَغِى لَنَا [٤٩٠/٢ و] أَنْ تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ
أَوْلِيَآءَ﴾. بمعنى: ما كان ينبغى لنا أنْ نتخذَهم من دونِك أولياءَ. والثالثةُ ، أَنَّ
العربَ لا تُدْخِلُ ((مِنْ)) هذه التى تَدْخُلُ فى الجحدِ إلَّ فى الأسماءِ، ولا تُدْخِلُها فى
الإخبارِ ، لا يقولون: ما رأيتُ أخاك مِن رجلٍ . وإنَّما يقولون: ما رأيتُ من أحدٍ ، وما
عندِى مِن رجلٍ . وقد دخَلتْ ههنا فى (( الأولیاءِ))، وهی فی موضعِ الخبرِ، ولو لم
تکنْ فیھا «مِن»، کان وجهًا حسنًا .
وأما البُورُ فمصدرٌ واحدٌ ، وجمعٌ للبائرِ ، يقالُ : أصبحتْ منازِلُهم بُورًا . أى:
خاليةٌ لا شىءَ فيها . ومنه قولُهم : بارتِ السُّوقُ، وبار الطعام . إذا خَلا مِن الطُّلَّبِ
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((إذا)).
(٢) سقط من : م ، ف .

٤١٩
سورة الفرقان : الآيتان ١٨، ١٩
والمُشْترِى ، فلم يكنْ له طالبٌ ، فصار كالشىءِ الهالكِ. ومنه قولُ ابنِ الزِّبَغْرَى (١):
رَاتِقٌ ما فَتَقْتُ إِذْ أنا بُورُ
يا رسولَ الَلِيكِ إِنَّ لسانِی
وقد قيل: إنَّ ((بور)) مصدرٌ كالعدلِ والزورِ والقطرِ (١)، لا يُثَنَّى ولا يُجمَعُ ولا
يُؤنَّثُ .
وأَّمَا أُرِيدَ بالبورِ فى هذا الموضع أنَّ أعمالَ هؤلاء الكفارِ كانتْ باطلةً ؛ لأنَّها لم
تکنْ للَّهِ، کما ذكرنا عن ابنِ عباسٍ.
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوَكُمْ بِمَا نَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ ١٩٢/١٨
صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عمَّا هو قائلٌ للمشركين عندَ تَبرِّى مَن كانوا يعبدونَه
فى الدنيا مِن دونِ اللهِ منهم: قد كذَّبوكم أيُّها الكافرون مَن زعمتُم أنَّهم أضلُوكم،
ودعَوكم إلى عبادتهم بما تقولون . يعنى: بقولِكم. يقولُ: كذّبوكم بكذِبكم .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ﴾. يقولُ اللّهُ للذين كانوا يعبدون عيسى
وعُزِيرًا والملائكةَ: يُكذِّبون المشركين(١).
(١) تقدم فى ٦٦٩/١٣ .
(٢) فى م، فى: (( القطع)).
(٣) تفسير مجاهد ص٤٩٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٣/٨، وتقدم أوله فى ص ٤١٧ .

٤٢٠
سورة الفرقان : الآية ١٩
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ﴾. قال: عيسى وعُزيرٌ والملائكةُ
يكذِّبون المشركين بقولهم.
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى تأويل ذلك ما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ،
قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا
وَلَا نَصْرَأْ﴾. قال: كذَّبوكم بما تقولون، بما جاء مِن عندِ اللَّهِ، جاءتْ به الأنبياءُ،
والمؤمنون آمنوا به وكذَّب هؤلاء(١).
فوجَّه ابنُ زيدٍ تأويلَ قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾. إلى: فقد كذَّبكم(٢)، أيُّها
المؤمنون ، المكذِّبون بما جاءهم به محمدٌ مِن عندِ اللَّهِ ، بما تقولون مِن الحقِّ. وهو أنْ
يكونَ خبرًا عن الذين كذَّبوا الكافرين فى زعمِهم أنَّهم دعَوْهم إلى الضلالةِ وأمروهم
بها ، على ما قاله مجاهدٌ مِن القولِ الذى ذكَرناه عنه - أشبهُ وأولى؛ لأنَّه فى سياقٍ
الخبرِ عنهم .
والقراءةُ فى ذلك عندَنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ﴾ بالتَّاءِ، على التأويلِ
الذی ذكرناه؛ لإجماع الحجة من قرأة الأمصارِ علیه . وقد حكِی عن بعضِهم أنه
قرَأَه: (فقد كَذَّبُوكُمْ بِمَا يَقُولُونَ) بالياءِ(١) ، بمعنى: فقد كذّبوكم بقولهم .
وقولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرَأَ ﴾ . يقولُ: فما يستطيعُ
هؤلاء الكفارُ صرفَ عذابِ اللَّهِ حينَ نزَل بهم عن أنفسِهم ، ولا نَصْرَها من اللَّهِ حينَ
عذَّبها وعاقبَها .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٣/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٢) فى م: (( كذبو کم )).
(٣) هى قراءة ابن كثير فى رواية قنبل . حجة القراءات ص٥٠٩ .