Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة النور : الآيات ٤٦ - ٥٠
واللَّهُ يُرشِدُ مَن يشاءُ مِن خلقِه بتوفيقِه، فيَهْدِيه إلى دينِ الإسلامِ، وهو الصراطُ
المستقيمُ ، والطريقُ القاصِدُ الذى لا اعوجاجَ فيه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللّهِ وَيِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى
وَإِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ١٥٦/١٨
فَرِيقٌ مِنْهُم مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
٤٨
لِيَحْكُمَ بَتَّهُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُم مُعْرِضُونَ
يقولُ تعالى ذكره : ويقولُ المنافقون: صَدَّقْنا باللَّهِ وبِالرسولِ، وأَطَعْنا اللَّهَ
وأطَعْنا الرسولَ، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِقٌ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ثم تُدْبِرُ كلُّ طائفةٍ منهم مِن بعدِ
ما قالوا هذا القولَ عن رسولِ اللَّهِ صَ لَّهِ، وتَدْعو إلى المحاكمةِ إلى غيرِه خصمَها،
وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وليس قائِلو هذه المقالةِ - يعنى قوله: ﴿ءَامَنَّا
بِاللَّهِ وَيِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ - بالمؤمنين؛ لتَرْكِهم الاحتكامَ إلى رسولِ اللهِ عَه،
وإغْراضِهم عنه إذا دُعُوا إليه .
وقولُه: ﴿وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾. يقولُ: وإذا دُعِى هؤلاء المنافقون إلى
كتابِ اللهِ وإلى رسولِه، ﴿لَِحْكُمَ بَهُمْ﴾ فيما اخْتَصَموا فيه بحُكْمِ اللَّهِ، ﴿ إِذَا
فَرِيقٌ مِّنْهُم مُعْرِضُونَ﴾ عن قَبولِ الحقِّ، والرضا بحُكْمٍ رسولِ اللَّهِ عَه .
آَفِی
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِن يَكُن ◌َّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ
قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَمِ آرْقَابُوْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُ بَلْ أُوْلَكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وإن يَكُنِ الحقُّ لهؤلاء الذين يُدْعَون إلى اللَّهِ ورسوله
ليحكمَ بينَهم ، فيَأْبُون ويُعْرِضون عن الإجابةِ إلى ذلك، قِبَلَ الذين يَدْعُونهم إلى اللَّهِ
ورسوله - يأَُّوا إلى رسولِ اللَّهِ مُدْعِنِين، يقولُ: ﴿مُدْعِنِينَ﴾: مُنْقَادِين لحُكْمِه،

٣٤٢
سورة النور : الآيتان ٤٩، ٥٠
مُقِرِّين به ، طائِعين غيرَ مُكْرَهِين. يقالُ منه: قد أذعَن فلانٌ بحقِّه . إذا أقَرَّ به طائعًا غيرَ
مُسْتَكْرَهِ، وانقادَ له وسَلَّمَ .
وكان مجاهدٌ فيما ذُكر عنه يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا
الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَأْتُواْ إِلَيْهِ
مُذْعِنِينَ﴾. قال: سِراعًاً).
وقولُه : ﴿أَفِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ ﴾ . يقول تعالى ذكره : أفى قلوبٍ هؤلاء الذين
يُعْرِضون إذا دُعُوا إِلى اللَّهِ وإلى (١) رسولِه ليحكمَ بينَهم - شكٌّ فى رسولِ اللَّهِ يَّاتِ أنه
اللَّهِ رسولٌ، فهم يَمْتَنِعُون مِن الإجابةِ إلى حكمِه والرضا به، ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ
اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ إذا احْتَكَموا إلى حكم كتابِ اللَّهِ، وحكم رسولِه. وقال:
﴿أَنْ يَحِفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ﴾. والمعنى: أن يَحِيفَ رسولُ اللَّهِ عليهم. فبدأ باللّهِ
تعالى ذكرُه؛ تَعْظيمًا للَّهِ، كما يقالُ: ما شاءَ اللَّهُ ثم شئتَ . بمعنى: ما شئتَ . ومما
يدلُّ على أن معنى ذلك كذلك قولُه: ﴿ وَإِذَا دُعُوّاْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ﴾.
فأفرَد الرسولَ بالحكم، ولم يَقُلْ: لِيَحْكُما.
وقولُه: ﴿ بَلْ أُوْلَبِكَ هُمُ الََّلِمُونَ﴾. يقولُ: ما حافَ(٢) هؤلاء المُعُرضون
عن حكم اللَّهِ وحكم رسولِه ، إذ أعْرَضوا عن الإجابةِ إلى ذلك، مما دُعُوا إليه ، أن
١٥٧/١٨ يَحِيفَ عليهم رسولُ اللَّهِ، فيجورَ فى حكمِه عليهم، ولكنهم / قومٌ أهلُ ظلم
لأنفسِهم، بخلافِهم أمرَ ربِّهم ، ومعصيتهم اللَّهَ فيما أمرهم مِن الرضا بحكم رسولٍ
اللّهِ يچلآلِ ، فیما أحبُوا وكَرِهوا، والتسليم له .
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٩٣/١٢.
(٢) سقط من : م .
(٣) فى م: ((خاف)).

٣٤٣
سورة النور : الآيتان ٥١، ٥٢
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ،
لِيَحْكُرَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٥١
يقولُ تعالى ذكره : إنما كان ينبغى أن يكونَ قولَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى حكم اللَّهِ
وإلى حكمٍ رسولِه، ﴿لِحْكُرَ بَيْنَهُ﴾ وبينَ خصومِهِم - ﴿أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا ﴾ ما
قيلَ لنا، ﴿ وَأَطَعْنَا﴾ مَن دَعانا إلى ذلك.
ولم يُعْنَ بـ ﴿ كَانَ﴾ فى هذا الموضع الخبرُ عن أمرٍ قد مَضَى فتقضَّى(١)، ولكنه
تأنيبٌ مِن اللَّهِ الذين أَنزلت هذه الآيةُ بسببِهم، وتأديبٌ منه آخرين غيرَهم .
وقولُه: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا دُعُوا إِلى
اللَّهِ ورسولِه ليحكمَ بينَهم وبينَ خُصُومِهم، يقولون(١) : سَمِعْنا وَأَطَعْنا .
﴿ِ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: هم المُنْجِحون المُدْرِكون طَلِباتِهم بفعلِهم ذلك،
المُلَّدون فى جنانِ اللَّهِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآبِزُونَ
٥٢
يقولُ تعالى ذكره: ومَن يُطِع اللَّهَ ورسولَه فيما ("أمَراه ونَهَياه٣)، ويُسَلِّمْ
لحكمِهما له وعليه ، ويَخَفْ عاقبةَ معصيةِ اللَّهِ ويَحْذَرْه ، ويَتَّقِ عذابَ اللَّهِ بطاعتِهِ إِیاہ
فى أمرِهِ ونَهْيِهِ، ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾. يقولُ: فالذين يفعلون ذلك ﴿هُمُ الْفَآِزُونَ﴾ برضا
اللَّهِ عنهم يومَ القيامةِ ، وأمنهم مِن عذابِه .
(١) فى م: ((فيقضى)).
(٢) فى م: ((أن يقولوا)).
(٣ - ٣) فى م: ((أمره ونهاه)).

٠
٣٤٤
سورة النور: الآيتان ٥٣، ٥٤
، وَأَقْسَمُوْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِنْ أَمَّرْتَهُمْ لَيَخْرُِّ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿
٥٣
قُل لَّا نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وحَلَف هؤلاء المُعْرِضون عن حُكْم اللَّهِ وحُكّم رسولِه إذ
دُعُوا إليه، ﴿ِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾. يقولُ: أغلظَ أيمانِهم وأشدَّها. ﴿ لَبِنْ أَمَرْتَهُمْ
يا محمدُ بالخروج إلى جهادٍ عدوّك وعدوِّ المؤمنين، ﴿ لَيَخْرُنَّ﴾، ﴿قُل لَّا
ج
تُقْسِمُواْ﴾: لا تَخْلِفوا؛ فإن هذه ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ منكم فيها التكذيبُ .
کما حدّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسین ، قال : ثنی حجاج ، عن ابن ◌ُریج ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿قُل لَّا نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾. قال: قد عرفتُ طاعتكم ، أى"
إنکم تكذبون(٢).
﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو خبرةٍ بما تَعْمَلون مِن
طاعتِكم الله ورسوله، أو خلافِكم أمرَهما، أو غيرِ ذلك مِن أمورٍ كم، لا يَخْفَى عليه
مِن ذلك شىءٌ، وهو مُجازِيكم بكلِّ ذلك .
١٥٨/١٨
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا
عَلَيْهِ مَا ◌ُلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ
اُلْمُبِينُ
٥٤
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المُقُسِمِين باللّهِ جَهْدَ أيمانهم لئن
أمرتَهم لِيَخْرُجُنَّ، وغيرِهم مِن أَمَّتِك: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ ﴾ أيُّها القومُ، فيما أمَرَكم به
ونَهاكم عنه، ﴿ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ﴾؛ فإن طاعته للَّهِ طاعةٌ، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ﴾.
يقولُ : فإن تُغرِضوا وتُدْبِروا عما أمَرَ كم به رسولُ اللَّهِ مَّهِ ، أَو نَها كم عنه، وتأبوا أن
(١) فى النسخ: ((إلى)). والمثبت من الدر المنثور.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٥ إلى ابن المنذر.

٣٤٥
سورة النور : الآيتان ٥٤، ٥٥
تُذْعِنوا لحكمِه لكم وعليكم، ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾. يقولُ: فإنما عليه فعلُ ما أُمِرَ
بفعلِهِ مِن تَبليغ رسالةِ اللَّهِ إليكم، على ما كَلَّفَه مِن التبليغ، ﴿ وَعَلَيْكُمْ مَّا
◌ُِّدْتُمٌ ﴾. يقولُ: وعليكم أيُّها الناسُ أن تَفْعَلوا ما ألزَمَكم وأوجب عليكم مِن أتِباعِ
رسولِه ◌ِ لّه، والانتهاءِ إلى طاعتِه فيما أمَرَكم ونَهاكم.
وقُلنا: إن قولَه: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْ﴾. بمعنى: فإن تَتَولَّا ، فإنه فى موضعٍ جزمٍ ؛
لأنه خطابٌ للذين أُمِرَ رسولُ اللَّهِ عَ لَهِ بأن يقول لهم: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولٌ﴾. يدلُّ على أن ذلك كذلك قولُه: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَّا مُمِّلْتُمْ﴾. ولو كان
قولُه: ﴿تَوَلَوْ﴾. فعلًا ماضيًا، على وَجْهِ الخبرِ عن غَيبٍ ، لكان فى موضعٍ قوله :
﴿ وَعَلَيَكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾: [٤٨٠/٢و] وعليهم ما حُمِّلُوا .
وقولُه: ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُطِيعوا أيُّها
الناسُ رسولَ اللَّهِ فيما يأمُرُ كم ويَتْهاكم، تَرْشُدُوا وتُصِيبوا الحقَّ فى أُمُورِكم. ﴿وَمَا
عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وغيرُ واجبٍ على مَن أُرسَله اللَّهُ إلى قومٍ
برسالةٍ إلا أن يُلِّغَهم رسالتَه بلاغًا، يُبِينُ لهم ذلك البلاغُ عما أرادَ اللَّهُ به. يقولُ:
فليس على محمدٍ أيُّها الناسُ إلا أداءُ رسالةِ اللَّهِ إليكم، وعليكم الطاعةُ ، وإن
أَطَعْتُموه، لَحُظُوظَ أنفسِكم تُصِيبون، وإن عَصيتُموه، فأَنفُسَكم(١) تُوبِقون(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيْنَهُمُ
الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَهُمُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمَّنًا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا
وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
(١) فى النسخ: ((بأنفسكم)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٢) فى م، ت١، ت٣، ف: ((فتوبقون)).

٣٤٦
سورة النور : الآية ٥٥
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ مَامَنُواْ﴾ باللّهِ ورسولِه ﴿مِنْكُمْ﴾ أيُّها
الناسُ، ﴿ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ﴾. يقولُ: وأطاعوا اللَّهَ ورسولَه فيما أمَراه ونَهَياه -
لَيَسْتَغْلِقَتَّهُمْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾. يقولُ: لَيُورِثنَّهِم اللَّهُ أرضَ المشركين مِن العربِ
والعَجَمِ، فيجعلُهم مُلُوكَها وساستَها، ﴿كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.
يقولُ: كما فعَل مِن قَبْلِهِم ذلك ببنى إسرائيلَ ، إذ أهْلَك الجبابرةَ بالشامِ، وجعَلهم
١٥٩/١٨
مُلُوكَها/ وسُكَّانَها، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَمُمْ﴾. يقولُ: وَلَيْوَطْفَنَّ
لهم دينهم، يعنى مِلَّتهم التى ارْتَضاها لهم، فأمرهم بها .
وقيل: ﴿ وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. ثم تَلَقَّى ذلك بجوابِ اليمينِ بقولِه :
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾؛ لأن الوعدَ قولٌ يَصْلُحُ فيه ((أن)) وجوابُ اليمينِ ، كقوله :
وَعَدْتُك أن أُكْرِمَك، ووعدتُك لأُكْرِمَنَّك.
واختَلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿كَمَا أُسْتَخْلَفَ﴾. فقرأَتَه عامةُ القرأةِ:
ڪَمَا أُسْتَخْلَفَ﴾. بفتح التاءِ واللامُ ، بمعنى: كما اسْتَخْلفَ اللَّهُ الذين مِن
قبلِهم مِن الأمم. وقَرأْ ذلك عاصمٌ): (كَما اسْتُخْلِفَ) بضمّ التاءِ، وكسرِ اللامِ ،
على مذهبٍ ما لم يُسَمَّ فاعلُه .
واختلفوا أيضًا فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَلَيُبَدِّلَنَهُمُ﴾. فقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ
سوى عاصمٍ: ﴿وَلَيُبَدِّلَهُمُ﴾(١). بتَشْديدِ الدالِ، بمعنى: ولِيُغَيَِّنَّ حالَهم عما هى
عليه من الخوفٍ إلى الأمن. والعربُ تقولُ: قد بُدِّلَ فلانٌ. إذا غُيِّرَت حالُه ولم يأتِ
(١) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وحمزة والكسائى وابن عامر وحفص عن عاصم . السبعة لابن
مجاهد ص ٤٥٨ .
(٢) فى رواية أبى بكر . المصدر السابق .
(٣) وبها قرأ حمزة والكسائى وابن عامر ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم. المصدر السابق ص ٤٥٨، ٤٥٩.

٣٤٧
سورة النور : الآية ٥٥
مكانَ فلانٍ غيرُه . وكذلك كلُّ مغيَّرِ عن حالِه، فهو عندَهم مُبَدَّلٌ ، بالتَّشْدیدِ ، وربما
قيل بالتَّخْفيفِ ، وليس بالفصيح. فأما إذا جعَل مكانَ الشىءِ المُبَدَّلِ غيرَه، فذلك
بالتخفيفِ : أَبْدَلتُه فهو مُبْدَلٌ . وذلك كقولهم : أَبْدِل هذا الثوبُ . أى : جُعِل مكانَه
آخَرُ غيرُه، وقد يقالُ بالتشديدِ، غيرَ أن الفصيحَ مِن الكلامِ ما وصَفتُ . وكان
عاصمٌ(١) يقرؤُه: (وَلَيْدِلَنَّهُمْ) بِتَخْفِيفِ الدالِ .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك التشديدُ، على المعنى الذى وصفتُ قبلُ؛
الإجماع الحُجَّةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه، وأن ذلك تَغْبِيرُ حالِ الخوفِ إلى الأمنِ،
وأَرَى أَنَّ عاصمًا ذهَب إلى أن الأمنَ لَّا كان خلافَ الخوفِ، وَجَّه المعنى إلى أنه
ذهَب بحالِ الخوفِ، وجاء بحالِ الأمنِ، فخَفَّف ذلك.
ومِن الدليلِ على ما قُلنا، مِن أن التَّخْفِيفَ إِنما هو ما كان فى إِبْدالِ شىءٍ مكانَ
آخَرَ - قولُ أَبِى النَّجْمِ(٢) :
عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ
وقولُه: ﴿يَعْبُدُونَنِىِ﴾. يقولُ: يَخْضَعون لى بالطاعةِ، وَيَتَذَلَّلون لأُمْرِى
ونَهْيِى، ﴿لَا يُشْرِكُنَ بِىِ شَيْئًاً﴾. يقولُ: لا يُشْرِكون فى عبادتِهم إياى الأوثانَ
والأصنامَ، ولا شيئًا غيرَها، بل يُخْلِصون لى العبادةَ، فَيُفْرِدونها لى، دونَ كلِّ ما
عُبِد مِن شىءٍ غیری .
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ مِن أجلِ شِكايةِ بعضِ أصحابِه
إلیه ، فی بعض الأوقاتِ التى كانوا فيها مِن العدوّ فی خوفٍ شديدٍ ، مما هم فيه من
(١) فى رواية أبى بكر ، وبها قرأ ابن كثير . السبعة لابن مجاهد ص ٤٥٩ .
(٢) ديوانه ص ٢٠٤ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((غيره)).

٣٤٨
سورة النور: الآية ٥٥
الرُّعْبِ والخوفِ، وما يَلْقَون بسببٍ ذلك مِن الأَذَى والمُكْروهِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاجٌ، عن أبى جعفر، عن
الربيع، عن أبى العاليةِ قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾
١٦٠/١٨ الآية. قال: مَكَث النبىُّ عَمِ [٤٨٠/٢] عَشْرَ سنينَ خائفًا، يَدْعُو إلى اللَّهِ سِرًّا
وعلانيةً. قال: ثم أَمِر بالهجرةِ إلى المدينةِ. قال: فمكث بها/ هو وأصحابُه
خائفين(١)، يُصْبِحون فى السلاح ويُمْسُون فيه ، فقال رجلٌ: ما يأتى علينا يومٌ نأمَنُ
فيه ونَضَعُ عَنَّ السلاحَ؟ فقال النبىُّ عَ لَه: (( لا تَغْبُرُونَ(١) إِلا يَسِيرًا حتى يَجْلِسَ الرجلُ
منكم فى الملاَ العظيم مُخْتَبِيًّا فيه، ليس فيه حَدِيدٌ)). فأَنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿ وَعَدَ
اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. قال: يقولُ:
مَن كَفَر بهذه النعمةِ ، ﴿ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾. وليس يعنى الكفرَ باللَّهِ. قال:
فأَظهَره اللَّهُ على جزيرةِ العربِ، فَآمَنوا ، ثم تَجَّروا، فغَيِّرَ اللَّهُ ما بهم، وكَفَروا بهذه
النعمةِ، فأدخَل اللَّهُ عليهم الخوفَ الذى كان رَفَعه عنهم. قال القاسمُ : قال أبو
علىٍّ: بقَتْلِهِم عثمانَ بنَ عفانَ رضِى اللَّهُ عنه(٣).
واختلف أهلُ التأويل فى معنى الكفرِ الذى ذكّره اللَّهُ فى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ
بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ فقال أبو العاليةِ ما ذكرنا عنه مِن أنه كفرٌ بالنعمةِ لا كفرٌ باللّهِ .
ورُوِى عن حذيفةً فى ذلك ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ،
(١) فى م، ت١، ت٣، ف: ((خائفون)).
(٢) فى ص، ف: ((تعترون))، وفى ت٢: ((يفطرون)). وتغبرون: تبقون، والغابر هو الباقى. اللسان (غ بر).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٢٩/٨، ٢٦٣٠ من طريق أبى جعفر به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٥٥/٥ إلى عبد بن حميد، وأخرجه الحاكم ٤٠١/٢، والبيهقى فى الدلائل ٦/٣، ٧ من طريق الربيع،
عن أبى العالية ، عن أبى بن كعب .

٣٤٩
سورة النور : الآية ٥٥
قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن(١) أبى الشَّعْثاءِ، قال: كنتُ جالسًا مع حُذيفةً
وعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، فقال حُذَيفةُ: ذهَب النِّفاقُ، وإنما كان النفاقُ على عهد
رسولِ اللهِ مَّه، وإنما هو الكفرُ بعدَ الإِيمانِ. قال: فَضَحِك عبدُ اللَّهِ، فقال: لِمَ
تقولُ ذلك؟ قال: علِمتُ ذلك. قال: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ
الصَّالِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾. حتى بَلَغْ آخِرَها(١).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٌّ، قال: ثنا شعبةُ، ("عن أبى
إسحاق، عن أبى الشَّعْثاءِ، قال : قَعَدْتُ إلى ابنٍ مسعودٍ وحُذَيفةَ، فقال حذيفةُ :
ذهَب النِّفاقُ فلا نفاقَ ، وإنما هو الكفرُ بعدَ الإيمانِ. فقال عبدُ اللَّهِ : تعلمُ ما تقولُ ؟
قال: فتَلا هذه الآيَةَ: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. حتى بلَغ: ﴿فَأُوْلَيْكَ هُمُ
اُلْفَاسِقُونَ﴾. قال: فضَحِك عبدُ اللَّهِ. قال: فَلَقِيتُ أبا الشَّغثاءِ بعدَ ذلك بأيامٍ،
فقلتُ : مِن أَىِّ شىءٍ ضَحِك عبدُ اللَّهِ؟ قال: لا أدرى، إن الرجلَ ربما ضَحِك مِن
الشىءِ الذى يُعْجِبُه، وربما ضَحِك من الشىءِ الذى لا يُعْجِبُه، فمِنْ أَىِّ شىءٍ
ضحِك لا أدرى .
والذى قاله أبو العاليةِ مِن التأويلِ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ ، وذلك أن اللّهَ وعَد الإنعامَ
على هذه الأمَّةِ(٤) بما أخبَر فى هذه الآيةِ أنه مُنْعِمٌ به عليهم، ثم قال عَقِيبَ ذلك: فمَن
كفَر هذه النعمةَ بعدَ ذلك ، فأولئك هم الفاسقون .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
(١) فى النسخ: ((ابن)). والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم، وينظر تهذيب الكمال ٣٤٠/١١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٢٧/٨ من طريق عبد الرحمن به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥٥/٥ إلی ابن مردويه .
(٣ - ٣) سقط من النسخ ، والمثبت مما تقدم فى ٧٤٣/٨
(٤) فى ت١، ف: (( الآية)).

٣٥٠
سورة النور: الآيات ٥٥ - ٥٧
مجاهدٍ قوله: ﴿يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا﴾. قال: تلك أمةُ
محمدٍ عليه (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيثٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿أَمْنَّا يَعْبُدُونَنِ لَا يُشْرِكُنَ بِى شَيْئًا﴾. قال: لا يخافون غيرى(١) .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
لَعَلَّكُمْ تُرْجُونَ
﴿هَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِّ وَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ
(٥٧
وَلَيْسَ الْمَصِيرُ
١٦١/١٨
/يقولُ تعالى ذكره: وأقيمُوا أيُّها الناسُ الصلاةَ بحُدُودِها ، فلا تُضَيِّعوها ، وآتوا
الزكاةَ التى فَرَضها اللَّهُ عليكم أهلَها ، وأَطِيعوا رسولَ ربِّكم فيما أمَركم ونَھاکم
لَعَلَّكُمْ تُرْجُونَ﴾. يقولُ: کی یرحَمَكم ربُّكم، فيُنَجِّيَكم مِن عذابِه .
وقولُه: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِ اُلْأَرْضِِّ﴾ . يقولُ تعالى
ذكره: لا تَحْسَبِنَّ يا محمدُ الذين كفروا باللَّهِ مُعجِزيه فى الأرضِ، إذا أرادَ إِهْلاكُهم،
وَمَأْوَنُهُمُ﴾ بعدَ هَلَاكِهِم ﴿ النَّارُ وَلَيْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذى يَصِيرون إليه ذلك
المَأْوَى .
وقد كان بعضُهم يقولُ: (لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا). بالياءِ (١) . وهو مذهبٌ
ضعيفٌ عندَ أهلِ العربيةِ، وذلك أن ((تحسَب)) محتاج إلى منصوبَين، وإذا قُرِئ:
(يَحْسَبنَّ) بالياءِ (٤)، لم يَكُنْ واقعًا إلَّا على منصوبٍ واحدٍ. غيرَ أنى أحسَبُ أن قارِئَهُ(٥)
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣٠/٨ من طريق الحجاج به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/٥ إلى الفريانى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) وهى قراءة حمزة وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٧ .
(٤) سقط من: ص، م، وفى ف: ((بالتاء)).
(٥) فى م: ((قائله)).

٣٥١
سورة النور : الآيتان ٥٧، ٥٨
بالياءِ ظَنَّ أنه قد عَمِل فى: ﴿ مُعْجِزِينَ﴾، وأن منصوبَه الثانِىَ: ﴿فِ الْأَرْضَِّ﴾.
وذلك لا معنَى له إن كان ذلك قَصَد (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَقْذِنَكُمُ الَّذينَ مَلَكَتْ
أَيْمَشْكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْمُلُمُ مِنْكُرْ ثَثَ مَّتٍ مِن قَبْلِ صَلَوْةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ بِيَابَكُمْ مِّنَ
اُلَّهِيَرَةِ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةِ الْعِشَآءِ ثَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيَّهِمْ جُنَاٌ
بَعْدَهُنُّ طَوَّقُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍِ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيِهُ
مَكِيمٌ
(٥٨
[٤٨١/٢ و] اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ
أَيْمَشُكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الرجالُ دونَ النساءِ ، ونُهُوا عن أن يُدْخِلوا
عليهم فى هذه الأوقاتِ الثلاثةِ ، هؤلاء الذين سُمُّوا فى هذه الآيةِ ، إلا بإذنٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبسةَ ، عن لَيْثٍ ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ قولَه: ﴿ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾. قال: هى على الذكورِ دونَ
الإناثِ(٢).
وقال آخرون : بل عُنِى به الرجالُ والنساءُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبی خَصِینٍ ، عن
(١) القراءة بالياء متواترة؛ وينظر توجيهها فى الكشاف ٧٤/٣، والبحر المحيط ٤٧١/٦.
(٢) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١٠٥٧)، والنحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٥٩٣ ، من طريق ليث
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.

٣٥٢
سورة النور : الآية ٥٨
أبى عبد الرحمنِ فى قوله: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ
أَيْمَشُكُمْ﴾. قال: هى فى الرجالِ والنساءِ، يَشْتأذِنون على كلُّ حالٍ، بالليلِ
(١)
والنهارٍ (١).
وأَوْلى القولَين فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به الذكورُ
والإناثُ؛ لأن اللَّهَ عَمَّ بقولِه: ﴿الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ ﴾ جميعَ أملاكِ أيمانِنا، ولم
يَخْصُصْ منهم ذكّرًا ولا أُنثى، فذلك على جميعٍ مَن عَمَّه ظاهرُ التنزيلِ .
/ فتأويلُ الكلام: يأيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لِيَسْتَأْذِنْكم فى الدخولِ
علیکم عبيدُ کم وإماؤُ کم، فلا يَدْخُلوا علیکم إلا بإذن منكم لهم .
١٦٢/١٨
﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْ اَلْلُمْ مِنْكُرْ﴾. يقولُ: والذين لم يَحْتَلِموا مِن
أحرارٍ كم ﴿ ثَلَثَ مَرَّتٍ﴾. يعنى: ثلاثَ مراتٍ، فى ثلاثةِ أوقاتٍ مِن ساعاتِ لَيْلِكم
ونهارِ کم .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن
مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾. قال:
عبيدُكم الْمَغْلوكون ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْ اُلْحُمُ مِنْكُرْ﴾. قال: لم يَخْتَلِموا مِن
(٢)
أخرارٍ كم(٢).
قال ابنُ جريجٍ: قال لى عطاءُ بنُّ أبى رباح: فذلك على كلِّ صغيرٍ وصغيرةٍ أن
(١) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ ص ٣١٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣٣/٨ من طريق عبد الرحمن به ،
وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٠/٤، والنحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٥٩٢ من طريق سفيان به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ ص ٣١٢ من طريق حجاج به ، وفى ص ٣١٩ عن ابن جريج به .

٣٥٣
سورة النور : الآية ٥٨
يَسْتأذِنَ ، كما قال: ﴿ ثَلَثَ مَرَّتٍ مِّن قَبْلِ صَلَوَةٍ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ اُلَّهِيرَةِ
وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ ﴾. قالوا: هى العَتَمَّةُ. قلت: فإذا وَضَعوا ثيابَهم بعدَ
العَتَمَّةِ، استأذَنوا عليهم حتى يُصْبِحوا؟ قال: نعم. قلتُ لعطاءٍ: هل اسْتِذانُهم إلا
عندَ وَضْعِ الناسِ ثیابهم ؟ قال : لا .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
صالح بنِ كَيْسانَ ويعقوبَ بنِ عُثْبَةً وإسماعيلَ بنِ محمدٍ ، قالوا: لا اسْتِذانَ على
خَدَمِ الرجلِ عليه إلا فى العَوْراتِ الثلاثِ .
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾. يقولُ: إذا خَلا الرجلُ بأهلِه بعدَ
صلاةِ العشاءِ، فلا يدخُلُ عليه خادمٌ ولا صبىٌّ إلا بإذنٍ، حتى يُصَلَّىَ الغَداةَ ، فإذا
خَلا بأهلِهِ عندَ صلاةِ الظهرِ فمثلُ ذلك(١).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى قُرَّةُ بنُ
عبدِ الرحمنِ، عن ابنٍ شهابٍ، عن ثعلبةَ بنٍ (٢) أبى مالكِ القُرَظِيِّ، أنه سأل عبدَ اللَّهِ
ابنَ سُوَيدِ الحارِثىَّ، وكان مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ، عن الإِذْنِ فى العَوْراتِ
الثلاثِ ، فقال: إذا وضَعتُ ثيابِى مِن الظّهِيرةِ ، لم يَلِجْ علىَّ أحدٌ مِن الخَدَمِ الذى بَلَغَ
الخُلُمَ ، ولا أحدٌ ممن لم يبلُغ الحُلُمَ مِن الأحرارِ ، إلا بإذنٍ (٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣٤/٨، ٢٦٣٥، والبيهقى ٩٦/٧ من طريق أبى صالح به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٥ إلى ابن المنذر.
(٢) فى النسخ: ((عن))، وسيأتى فى تفسير الآية (١٤) من سورة ((ق))، وينظر تهذيب الكمال ٣٩٧/٤.
(٣) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١٠٥٢) من طريق ابن شهاب به، وعلقه ابن عبد البر فى التمهيد
٢٣٤/١٦ عن ابن وهب به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٥ إلى عبد بن حميد.
( تفسير الطبرى ٢٣/١٧ )

٣٥٤
سورة النور : الآية ٥٨
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنٍ مُجُرَيج، قال: سمِعتُ عطاءً
يقولُ : قال ابنُ عباسٍ : ثلاثُ آيَاتٍ جَحَدَهنَّ الناسُ؛ الإذنُ كلُّه، وقال اللَّهُ: ﴿إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال الناسُ: أكرمكم أعظمُكم
بيتًا . ونسيتُ الثالثةَ(١) .
حدَّثنا ابنُّ أَبِى الشواربِ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ، قال : ثنا يونسُ، عن الحسنِ
فى هذه الآية: ﴿ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ :
إذا أباتَ الرجلُ خادمَه معه، فهو إذنُه، وإن لم يُيتْه معه، استأذنَ فى هذه
(٢)
الساعات
٠
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى
موسى ("بنُ أبى عائشةً"، عن الشعبيّ فى قوله: ﴿لِيَسْتَذِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾
قال: لم تُنْسَخْ. قلتُ : إن الناسَ لا يَعْمَلون به . قال: اللَّهُ المُسْتَعانُ.
١٦٣/١٨
/قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنٍ أنى عائشةً، عن
الشعبىِّ، وسألته عن هذه الآيةِ: ﴿لِيَسْتَذِنكُمُ الَّيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾. قلتُ:
منسوخةٌ هى؟ قال: لا واللهِ ما نُسِخت . قلتُ: إِن الناسَ لا يَعْمَلون بها. قال: اللَّهُ
المُسْتعانُ(٤).
(١) تقدم تخريجه فى ص ٢٤٤ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣٣/٨، ٢٦٣٧ من طريق يزيد بن زريع به ، وذكره أبو عبيد فى
الناسخ ص ٣١٨، ٣١٩ عن الحسن .
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((بن عائشة)). وينظر تهذيب الكمال ٩٠/٢٩.
(٤) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ ص ٣١٥ عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٠/٤، وابن أبى حاتم
فى تفسيره ٢٦٣٣/٨، والنحاس فى ناسخه ص ٥٩٥، وابن الجوزى فى النواسخ ص ٤١٠، ٤١١، جميعهم
من طريق سفيان به .

٣٥٥
سورة النور : الآية ٥٨
قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ،
قال : إن ناسًا يقولون: نُسِخت . ولكنها مما يَتَهاونُ الناسُ به (١) .
قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى بشرٍ ، عن سعيد بن جُبَیٍ فى
هذه الآية: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِينِكُمُ الَّذِينَ [٤٨١/٢ و] مَلَكَتْ أَيْمَنُّكُمْ﴾ إِلى
آخرِ الآيةِ . قال: لا يُعْمَلُ بها اليومَ .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا حنظلةُ ، أنه سمِع القاسمَ بنَ
محمدٍ يُسْأَلُ عن الإِذْنِ ، فقال: يَشْتأذِنُ عندَ كلِّ عورةٍ ، ثم هو طَوَّفٌ . يعنى الرجلَ
(٣)
على أمّه (٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ
أبى رَوَّادٍ، قال: أخبرنى رجلٌ مِن أهلِ الطائفِ، عن غَيْلانَ بنِ شُرَحْبِيلَ، عن
عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، أن رسولَ اللَّهِ مَ المِ قال: (( لا يَغْلِبَتَّكم الأعرابُ على اسْمِ
صَلاتِكم، قال اللَّهُ: ﴿ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ تَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾، وإنما العَتَمَةُ
عَتَمَةُ الإِبلِ))() .
. اختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأَتَه عامةُ
وقولُه: ﴿ ثَلَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ
(١) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ ص ٣١٦ عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٤١٠ من
طريق أبى عوانة به عن ابن عباس ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٥ إلى عبد بن حميد .
(٢) أخرجه النحاس فى ناسخه ص ٥٩١ ، ٥٩٢ من طريق محمد بن بشار به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٠/٤، وابن أبى حاتم ٢٦٣٦/٨ من طريق حنظلة به .
(٤) أخرجه البزار (١٠٥٥) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أبو يعلى (٨٦٨) من طريق عثمان بن عمر به ،
وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٣٩/٢، والبيهقى ٣٧٢/١ من طريق عبد العزيز بن أبى رواد به ، وعبد الرزاق فى
المصنف (٢١٥٣) من طريق تميم بن غيلان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٧/٥ إلى ابن أبى حاتم وابن المنذر.

٣٥٦
سورة النور : الآية ٥٨
قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿ ثَلَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾. برفع ((الثلاثِ))(١). بمعنى الخبرِ عن
هذه الأوقاتِ التى ذكرت، كأنه عندَهم قيل: هذه الأوقاتُ الثلاثةُ التى أمَرناكم بأن
لا يدخُلَ عليكم فيها مَن ذَكَرنا إلا بإذنٍ ، ثلاثُ عَوْراتٍ لكم ؛ لأنكم تَضَعُون فيها
ثیاتکم ، وتَخْلُون بأهلِیکم .
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ثَلاثَ عَوْرَاتٍ ). بنصبِ ((الثلاثِ)) على الردّ
على ((الثلاثٍ)) الأولى(١). وكأن معنى الكلام عندَهم: لِيَسْتأذِنْكم الذين مَلَكَت
أيمانكم ، والذين لم يَتْلُغوا الحُلُمَ منكم ثلاثَ مراتٍ ثلاثَ عَوْراتٍ لكم .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مُتَقارٍبتا المعنى ، وقد قرَأ بكلٍ واحدةٍ
منهما علماءُ مِن القرأةِ ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ .
وقولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُ وَلَا عَلَّهِمْ جُنَاتٌ بَعْدَهُنُّ طَوَّقُونَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ
تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ معشرَ أربابِ البيوتِ والمساكنِ ﴿ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾
يعنى : ولا على الذين مَلَكَت أيمانكم مِن الرجالِ والنساءِ والذين لم يَتْلُّغوا الحُلُمَ مِن
أولادٍ كم الصغارِ - حرَجٌ ولا إثمٌ ﴿بَعْدَهُنَّ﴾، يعنى: بعدَ العوراتِ الثلاثِ.
والهاءُ والنونُ فى قولِه: ﴿بَعْدَهُنَّ﴾. عائدتان على ((الثلاثِ)) مِن قوله:
ثَلَاثُ عَوْرَةٍ لَّكُمْ﴾. وإنما يعنى بذلك أنه لا حَرَجَ ولا جُناعَ على الناسِ أن
يدخُلَ(١) عليهم تَمالِيكَهم البالغون ، وصِئْيانُهم الصغارُ، بغير إذنٍ بعدَ هذه الأوقاتِ
الثلاثِ اللاتى ذَكَرَهنَّ فى قوله: ﴿مِّن قَبْلِ صَلَوْةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِّنَ
الَّهِيَرَةِ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَآءِ﴾ .
(١) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٥٩.
(٢) هى قراءة حمزة والكسائى وأبى بكر عن عاصم . المصدر السابق.
(٣) فى ص، ت٢، ف: ((يدخلهم)).

٣٥٧
سورة النور : الآيتان ٥٨، ٥٩
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
١٦٤/١٨
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ
عباسٍ، قال: ثم رَخَّص لهم فى الدخولِ فيما بينَ ذلك بغيرِ إذنٍ ، يعنى : فيما بينَ
صلاةِ الغداةِ إلى الظهرِ، وبعدَ الظهرِ إلى صلاة العشاءِ، أنه رَخَّص لخادمِ الرجلِ
والصبيِّ أن يدخُلَ عليه منزلَه بغيرِ إذنٍ. قال: وهو قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ
. فَأمَّا مَن بَلَغ الحُلُمَ ، فإنه لا يدخُلُ على الرجلِ وأهلِه إلا بإذنٍ على
◌ُنَاحٌ بَعْدَهُنُّ
كلِّ حالٍ (١).
وقولُه: ﴿طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ﴾. رُفِع ((الطَّوافون)) بُمُضْمَرٍ، وذلك ((هم))،
يقولُ لهؤلاء المماليكِ والصِّئْيانِ الصغارِ : هم طَوَّافون عليكم أيُّها الناسُ .
ويعنى بالطَّوَّافين أنهم يدخلون ويخرجون على مَوالِيهم وأقْرِبائهم فى منازلهم
غُدْوَةً وعَشِيَّةً بغيرِ إذنٍ ، يَطُوفون عليهم .
بَعْضُكُمْ عَى بَعْضَِّّ﴾ فى غيرِ الأوقاتِ الثلاثِ التى أمَرهم ألا يدخُلوا على
سَاداتِهِم وأقْرِبائِهم فيها إلا بإذنٍ، ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمُ الْأَثِّ﴾. يقولُ جلّ
ثناؤه: كما يَنْتُ لكم أيُّها الناسُ أحكامَ الاسْتئذانِ فى هذه الآيةِ ، كذلك يُبَيِّنُ اللَّهُ
لكم جميعَ أعْلامِه وأدلِه وشرائعِ دِينِه، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو
علمٍ بما يُصْلِحُ عبادَه، حكيمٌ فى تَذْبِيرِه إياهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمْ فَلْيَسْتَغْذِنُواْ
كَمَا أُسْتَخْذَنَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِنُ اَللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيِهُ
حَكِيرٌ
٥٩
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣٦/٨، وهو تتمة الأثر المتقدم فى ص ٣٥٣.

٣٥٨
سورة النور : الآية ٥٩
يقولُ تعالى ذكرُه : وإذا بلَغ الصغارُ مِن أولادِكم وأقْربائِكم . ويعنى بقولِه:
مِنكُمُ﴾: مِن أحرارِكم - ﴿الْحُلُ﴾. يعنى الاخْتلامَ، واحْتَلَموا،
فَلْيَسْتَنْذِنُواْ﴾. يقولُ: فلا يدخُلوا عليكم فى وقتٍ مِن الأوقاتِ إلا بإذنٍ ، لا
فى أوقاتِ العَوراتِ الثلاثِ ولا فى غيرِها .
وقولُه: ﴿كَمَا أُسْتَغْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: كما اسْتَأْذَنَ الكبارُ
مِن ولَدِ الرجلِ وأقربائِه الأحرارِ. وخَصَّ اللَّهُ تعالى ذكرُه فى هذه الآيةِ
الأطفالَ بالذِّكْرِ وتَعْرِيفِ حكمِهم عبادَه فى الاستئذانِ ، دونَ ذِكْرِ ما مَلَكَت
أيماننا ، وقد تقدَّمَت الآيةُ التى قبلَها بتَغْرِيفِهم حكمَ الأطفالِ الأحرارِ والمماليكِ؛ لأن
مُكم ما مَلگت أيمانُنا مِن ذلك حكم واحدٌ ، سواءٌ فیہ حکمُ کبارِهم وصغارِهم،
فى أن [٤٨٢/٢ و] الإذنَ عليهم فى الساعاتِ الثلاثِ التى ذكّرها اللَّهُ فى الآيةِ التى
قبلُ .
وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ، قال: أَمَّا مَن بَلَغ الحُلُمَ ، فإنه لا يدخُلُ على الرجلِ وأهلِه ، يعنى مِن الصبيانِ
الأحرارِ ، إلا بإذنٍ على كلِّ حالٍ، وهو قولُه: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْخُلُمُ
فَلْيَسْتَخْذِنُواْ كَمَا أُسْتَفْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
/حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
١٦٥/١٨
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣٧/٨ من طريق أبى صالح به، وتقدم أوله فى ص ٣٥٣، ٣٥٧.

٣٥٩
سورة النور : الآيتان ٦٠،٥٩
قال عطاء: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْخُلُمْ فَلْيَسْتَخْذِنُواْ﴾. قال: واجبٌ على
الناس أجمعين أن يَسْتَأْذِنوا إذا اخْتَلَموا على مَن كان مِن الناسِ().
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنی یونسُ ، عن ابنِ شهابٍ،
عن ابنِ المسيَّبِ، قال: يَسْتأذِنُ الرجلُ على أمُّه. قال: إنما أُنزلت: ﴿وَإِذَا بَلَغَ
اْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُ﴾ فى ذلك(٢).
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ،﴾. يقولُ: هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ لكم (٣)
أحكامَه وشرائعَ دينِه، كما يَّنَ لكم أمرَ هؤلاء الأطفالِ فى الاستئذانِ بعدَ البلوغِ،
﴿ وَاللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ عليم بما يُصْلِحُ خلقَه وغيرِ ذلك مِن
الأشياءِ، حكيمٌ فى تَذْبيرِه خلقَه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَحًا فَلَيْسَ
عَلَيْهِنَّ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ نِبَابَهُنَّ غَيِّرَ مُتَبَرِّحَتٍ بِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ
٦٠
لَهُربَّهُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يقولُ تعالى ذكره: واللَّواتى قد قَعَدْنَ عن الولدِ مِن الكِبَرِ مِن النساءِ، فلا
يَحِضْنَ ولا يَلِدْنَ - واحِدتُهنَّ قاعدٌ - ﴿ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾. يقولُ: اللاتى قد
يَئِسْنَ مِن البُّعُولةِ ، فلا يَطْمَعْنَ فى الأزواجِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِرَ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ
ثِيَابَهُنَ﴾. يقولُ: فليس عليهنَّ حَرَجٌ ولا إثمّ ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِبَابَهُنَ﴾ .
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٣٠٨/١٢ عن ابن جريج ، عن عطاء .
(٢) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ٢٣٣/١٦ من طريق ابن وهب به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٢٦٣٨/٨ من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب به .
(٣) بعده فى ص، م، ت١، ت٣، ف: ((آياته)).

٣٦٠
سورة النور : الآية ٦٠
يعنى: جَلَابِيبَهنَّ، وهى القِناُ الذى يكونُ فوقَ الخِمارِ، والرداءُ الذى يكونُ فوقَ
الثيابٍ ، لا حرَجَ عليهنَّ أن يَضَعْنَ ذلك عندَ المحارمِ مِن الرجالِ، وغيرِ المحارمِ مِن
الغُرباءِ (١) ، غيرَ مُتَبَرِّجاتٍ بزينةٍ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرَّجُونَ نِكَمًا﴾: وهى المرأةُ ، لا يُناحَ عليها
أن تجلسَ فى بيتِها بدِرْعٍ وخِمارٍ ، وَتَضَعَ عنها الجلبابَ، ما لم تَتَبرَّجْ لِما يكرَهُ اللّهُ،
وهو قولُه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِرَ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ نِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّحَتٍ
بِزِينَةٍ ﴾. ثم قال: ﴿ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُرَهُ﴾﴾(٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾: يعنى الجلبابَ، وهو
القِناعُ، وهذا للكبيرةِ التى قد قَعَدَت عن الولدِ ، فلا يَضُرُّها ألا تَجَلْبَبَ فوقَ
الخِمارِ (١). وأما كلُّ امرأةٍ مسلمةٍ حُرَّةٍ، فعليها إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ أن تُدْنِىَ
الجِلْبابَ على الخِمارِ، وقال اللَّهُ فى سورةِ ((الأحزابِ)): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
(١) فى ت ١: ((القرباء)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٤١/٨، والبيهقى ٩٣/٧ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر ٥٧/٥ إلى ابن المنذر .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣٩/٨ من طريق أبى معاذ به ، دون قوله: يعنى الجلباب ، وهو
القناع .