Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة النور : الآيتان ٣٦، ٣٧
يُسَبِّحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِّ رِجَالٌ﴾: أذِنِ اللَّهُ أن تُتْنَى، ( فَيُصَلَّى له) فيها
بالغدوِّ والآصالِ().
%%
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ فى قوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِهَا
بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِ ﴾: يعنى الصلاةَ المفروضةَ.
وقولُه: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَ بَيْعُّ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا
يَشْغَلُ هؤلاء الرجالَ الذين يُصَلُّون فى هذه المساجدِ التى أَذِنِ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ، عن ذکرِ
اللَّهِ فيها وإقام الصلاةِ - تجارةٌ ولا بيعٌ .
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن
سعيدِ ابنِ أبى الحسنِ، عن رجلٍ نَسِىَ اسمَه، فى هذه الآية : ﴿فِی بُوتٍ أَذِنَ
رِجَالٌ
(٣٦)
اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُمْ فِهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِّ
لَّا تُلِهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُّ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَالْأَبْصَرُ﴾. قال: هم
قومٌ فى تِجاراتِهم ويُيُوعِهم، لا تُلْهِيهم تجاراتُهم ولا بيوعُهم عن ذكرٍ
اللَّهِ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ ، عن عمرو بنِ
دينارٍ ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، أنه نظَر إلى قومٍ مِن السوقِ قاموا وترَكوا بِيَاعاتِهم إلى
الصلاةِ، فقال: هؤلاء الذين ذكَر اللَّهُ فى كتابِهِ: ﴿لَّا نُلْهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ
(١ - ١) فى ص، ت٢، ف: ((يصلى له))، وفى م: ((يصلى))، وفى تفسير عبد الرزاق: ((ويصلى له)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣١٧ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٨/٨ من طري عوف ، عن سعيد بن أبى الحسن قوله .
(٤) البِياعَة: السّلْعَة. والجمع يتاعات. تاج العروس ( ب ی ع ).
( تفسير الطبرى ٢١/١٧ )

٣٢٢
سورة النور : الآية ٣٧
.(١)
اللهِ﴾ الآية (١).
قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سَيَّارٍ، عمَّن حدَّثه، عن ابنٍ مسعودٍ
نحوَ ذلك(٢).
٠
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سَيَّارٍ، قال: حُدِّثتُ عن ابنِ
مسعودٍ أنه رأى قومًا مِن أهلِ السوقِ حيثُ نُودِىَ بالصلاةِ، ترَكوا بِياعاتِهم،
ونَهَضُوا إلى الصلاةِ، فقال عبدُ اللَّهِ: هؤلاء/ مِن الذين ذكَر اللَّهُ فى كتابه: ﴿لََّ
نُلْهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
١٤٧/١٨
وقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تُلْهِيهم تجارةٌ ولا بيع عن صلاتِهم المفروضةِ
عليهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: ثم قال: ﴿رِجَالٌ لَّا فُلْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾. يقولُ: عن الصلاةِ
.(٣)
المكتوبةِ(٢) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٨/٨ من طريق جعفر بن سليمان به . وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ٦١/٢- ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٧/٨ - عن جعفر، عن سالم ، عن ابن عمر ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٥ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبى حاتم من قول ابن
عمر .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى الدر المنثور ٥٢/٥- ومن طريقه الطبرانى (٩٠٧٩)، والبيهقى فى
الشعب (٢٩١٧)، عن هشيم به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٨/٨ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٥
إلی عبد بن حميد .

٣٢٣
سورة النور : الآية ٣٧
وقولُه: ﴿ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ﴾. يقولُ: ولا يَشْغَلُهم ذلك أيضًا عن إقامِ الصلاةِ
بحدودها فى أوقاتِها .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ ، قال : ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بنِ أبى
الحسنِ، عن رجلٍ نَسِىَ عوفٌ اسمَه، فى: ﴿ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ﴾. قال: يَقُومون
للصلاةِ عندَ مَواقيتِ الصلاةِ().
فإن قال قائلٌ: أوَ ليس قولُه: ﴿ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ﴾ مَصْدَرًا مِن قولِهِ: أَقَمْتُ؟
قِيلَ : بلى . فإن قال : أوَ ليس المصدرُ منه: إقامةٌ. كالمصدرِ مِن: أجَرتُ : إجارةٌ .
قِيلَ: بلى. فإن قال: وكيف قال: ﴿ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ﴾، أوَ تُجِيزُ أن يقالَ(٢): أقمتُ
إِقامًا؟ قيل: لا(٢)، ولكنِّى أَجيزُ: أَعْجَبَنِى إِقامُ الصلاةِ . فإن قيل : وما وجهُ جَوازٍ
ذلك؟ قيل: إنّ الحُكْمَ فى ((أقمتُ)) إذا جُعِل منه مصدرٌ، أن يقالَ: إِقوامًا .
كما يُقالُ: أَفْعَدتُ فُلانًا إِفْعادًا، وأعطيتُه [٤٧٦/٢ ظ] إعطاءً. ولكنَّ العربَ لَّ
سَكَّنتِ الواوَ مِن ((أقمتُ))، فسَقَطَتْ لاجتماعِها وهى ساكنةٌ والميمَ وهى ساكنةٌ ،
بَنَوُا المصدرَ على ذلك، إذ جاءتِ الواوُ ساكنةً قَبْلَ أَلِفِ الإِفْعالِ وهى ساكنةٌ ،
فسَقَطَتِ الأولى منهما، فأَبْدَلوا منها هاءً فى آخِرِ الحرفِ ؛ كالتَّكَثِيرِ للحرفِ، كما
م
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٢١ .
(٢) فى م: ((نقول)).
(٣) زيادة يقتضيها السياق .

٣٢٤
سورة النور : الآية ٣٧
فَعَلوا ذلك فى قولهم: وَعَدْتُهُ عِدَةٌ ، ووَزَنْتُه زِنَّةً. إذ(١) ذَهَبتِ الواوُ مِن أَوَّلِهِ، كَثَّروه
مِن آخرِهِ بالهاءِ، فَلَمَّا أَضِيفَتِ الإقامةُ إلى الصلاةِ، حذَفوا الزيادةَ التى كانوا
زادوها للتكثيرِ، وهى الهاءُ فى آخِرِها؛ لأن الخافِضَ وما خَفَض عندَهم كالحرفِ
الواحدِ، فاسْتَغْنَوا بالمضافِ إليه مِن الحرفِ الزائدِ. وقد قال بعضُهم فى نظيرٍ
(٢)
ذلك
:
وَأَحْلَفوك عِدَ (٣) الأمرِ الذى وَعَدُوا
إن الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا
يُريدُ: عِدَةَ الأَمرِ. فأَشْقَط الهاءَ مِن ((العِدَةِ)) لمَّا أضافَها، فكذلك ذلك فى
إِقَامِ الصَّلَوْةِ﴾ .
وقولُه: ﴿ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَةُ﴾. قِيلَ: معنى ذلك: وإخلاصِ الطاعةِ للَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ، عن ابنٍ
عباسٍ قولَه: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧،
النور: ٥٦، المزمل: ٢٠]، ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوَةِ﴾ [مريم: ٥٥]. وقوله:
﴿ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ﴾ [مريم: ٣١]. وقوله: / ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحْتُ مَا زَكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَُّنَا
وَزَّكَوَةَ ﴾ [مريم: ١٣]. ونحوَ هذا فى القرآنِ. قال: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللَّهِ
١٤٨/١٨
(١) فى ت ٢: ((إذا)).
(٢) اللسان (غ ل ب، وع د، خ ل ط)، ونسبه فى الموضع الأول إلى الفضل بن العباس بن عتبة اللّهْبِى.
(٣) فى ص، ت١، ف: ((عدا))، وفى ت٢: ((عن)). ورسمها فى اللسان (غ ل ب) ((عدا))،
وفی (خ ل ط)، (و عد) رسمها ((عدی)) ، وذکر فی ( و ع د) قول الفراء : ویکتب بالياء .

٣٢٥
سورة النور : الآيات ٣٧ - ٣٩
والإخلاصَ(١).
وقولُه: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ﴾. يقولُ: يخافون
يومًا تَتَقَلَّبُ فيه القلوبُ مِن هَوْلِه، بينَ طمع بالنجاةِ ، وحَذَرٍ بالهلاكِ،
﴿وَالْأَبْصَرُ﴾: أىَّ ناحيةٍ يُؤْخَذُ بهم؛ أذاتَ اليمينِ أم ذاتَ الشمالِ؟ ومِن أينَ
يُؤْتَوْن كُتُبَهم؛ أَمِن قِبَلِ الأَيْمانِ أُم مِن قِبَلِ الشَّمَائِلِ؟ وذلك يومُ القيامةِ .
كما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ عَیَاشِ ،
قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اُللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ﴾ إلى قولِه :
نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾: يومَ القيامةِ(٢).
وقولُه: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾. يقولُ: فَعَلوا ذلك ، يعنى أنهم لم
تُلْهِهِم تجارةٌ ولا بيع عن ذكرِ اللَّهِ ، وأقاموا الصلاةَ، وآتوا الزكاةَ ، وأطاعوا ربّهم،
مَخَافَةَ عذابِهِ يومَ القيامةِ ؛ كى يُثِيبَهم اللَّهُ يومَ القيامةِ بأحسنِ أعمالِهم التى عمِلوها فى
الدنيا ، ويَزِيدَهم على ثوابِه إياهم على أحسنِ أعمالِهم التى عمِلوها فى الدنيا مِن
فَضْلِه ، فيَتَفَضَّلَ(١) عليهم مِن عندِه بما أُحَبَّ مِن كرامتِه لهم .
وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن كَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. يقولُ تعالى ذكره : واللَّهُ
يَتَفَضَّلُ على مَن شاءَ وأراد ؛ مِن طَوْلِه وكرامته، مما لم يَشْتَحِقَّه بعملِه ، ولم يَبْلُغْه
بطاعتِهِ، ﴿يِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ: بغيرِ مُحَاسَبَةٍ على ما بذَل له وأعطاه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كُرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٩/٨ من طريق عبد الله به، وتقدم فى ٦٥٩/١١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٩/٨ عن يونس به .
(٣) فى م: ((فيفضل)).
٠٠

٣٢٦
سورة النور : الآية ٣٩
اُلْظِّمْعَانُ مَآءَ حَقََّ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَةٌ وَاللَّهُ سَرِيعُ
(٣٩
الْحِسَابِ
وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لأعمالٍ أهلِ الكفرِ به، فقال: والذين جَحَدوا توحيدَ
ربّهم، وكذَّبوا بهذا القرآنِ وبَمَن جاء به، مَثَلُ أعمالِهم التى عمِلوها ﴿كَرَابٍ﴾.
يقولُ : مِثْلُ سرابٍ .
والسرابُ: ما لَصِقَ بالأرضِ، وذلك يكونُ نِصْفَ النهارِ، وحينَ يَشْتَدُّ الحرّ.
والآلُ: ما كان كالماءِ بينَ السماءِ والأرضِ، وذلك يكونُ أَوّلَ النهارِ، يَرْفَعُ كُلِّ شىءٍ
ضُخی .
وقولُه: ﴿بِقِيعَةٍ﴾. وهى جمعُ قاعِ، كالجِيرَةِ جمعُ جارٍ . والقاعُ: ما
انْتَسَط مِن الأرضِ واتَّسَع. وفيه يكونُ السرابُ.
وقولُه: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْثَانُ مَاءٌ ﴾. يقولُ: يَظُنُّ العَطْشانُ مِن الناسِ
السرابَ ماءً، ﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءَهُ﴾ والهاءُ مِن ذِكْرِ ((السرابِ)). والمعنى: حتى
إذا جاءَ الظمآنُ السرابَ، مُلْتَمِسًا ماءً يَسْتَغِيثُ به مِن عطشِه، ﴿لَمْ يَجِدْهُ
شَيْئًا﴾. يقولُ: لم يَجِدِ السرابَ شيئًا، فكذلك الكافرون باللّهِ؛ مِن أعمالِهم
التى عمِلوها، فى غُرُورٍ، يَحْسَبون أنها مُتَجّيتُهم عندَ اللَّهِ مِن عذابِهِ، كما
حَسِب الظمآنُ الذى رَأَى السرابَ، فظَتَّه ماءً يَرْوِيه مِن ظَمَئِه، حتى إذا هَلَك
وصار إلى الحاجة إلى عملِه الذى كان يَرَى أنه نافِعُه عندَ اللَّهِ، لم يَجِدْهِ يَنْفَعُه
شيئًا؛ لأنه كان عَمِلَه على كفرٍ بِاللَّهِ، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ هذا الكافرُ، عندَ هلاكِه
بالمِرْصادِ ، ﴿ فَوَقَّلهُ ﴾ يومَ القيامةِ حسابَ أعماله التی عمِلها فى الدنيا ، وجازاه
بها جزاءَه الذى يَسْتَحِقُّه عليها منه .

٣٢٧
سورة النور : الآية ٣٩
/فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيلَ: ﴿حَقََّ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. فإن لم ١٤٩/١٨
يَكَنِ السرابُ [٤٧٧/٢ و] شيئًا، فعلامَ أَدْخِلَت الهاءُ فى قولِهِ: ﴿ حَقَّقَ إِذَا جَآءَهُ﴾ ؟
قيل : إنه شىءٌ يُرَى مِن بعيدٍ كالضَّبابِ الذى يُرَى كَثِيفًا مِن بعيدٍ ، والهَبَاءِ،
فإذا قَرُب منه المرءُ رَقَّ وصار كالهواءِ .
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه : حتى إذا جاء موضعَ السرابِ لم يَجِدِ السرابَ
شيئًا. فاكْتُفِى بذكرِ ((السرابِ)) مِن ذكرٍ موضعِه.
﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ . يقولُ: واللَّهُ سريع حسابُه ؛ لأنه تعالى ذكرُه لا
يَحتاجُ إلى عَقْدِ أصابعَ، ولا حفظٍ بقلبٍ ، ولكنه عالمٌ بذلك كلِّه، قبلَ أن يَعْمَلَه
العبدُ ، ومِن بعدِ ما عمِله .
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ ، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا أبو
جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ ، عن أُبىّ بنِ كعبٍ، قال : ثم
ضرَب مثلًا آخرَ، فقال: ﴿ وَلَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾. قال:
وكذلك الكافرُ يَجِىءُ يومَ القيامةِ ، وهو يَحْسَبُ أن له عندَ اللَّهِ خيرًا، فلا يَجِدُ ،
فيُدْخِلُهُ النّارَ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن أبى جعفرِ الرازىِّ،
عن أبى العاليةِ ، عن أُبىّ بنِ كعبٍ بنحوِه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٠/٨ من طريق عبيد الله بن موسى به، وتقدم أوله فى ص ٢٩٧.

٣٢٨
سورة النور : الآية ٣٩
حدَّثنى علىٌّ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ أَعْمَلُهُمْ كُرَبٍ بِقِيعَةٍ﴾. يقولُ: الأرضِ المستويةِ(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أُبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كُمَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ إِلى
قولِه: ﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ اُلِسَابٍ﴾. قال: هو مَثَلّ ضرَبه اللَّهُ لرجلٍ عطِش فاشْتَدَّ
عطشُه، فرأَى سرابًا، فحسِبه ماءً، فطلَبه وظنَّ أنه قد قدَر عليه، حتى أتاه ، فلمَّا أتاه
لم يَجِدْه شيئًا، وقُبِض عندَ ذلك. يقولُ: الكافر كذلك، يَحْسَبُ أن عملَه مُغْنٍ
عنه، أو نافعُه شيئًا، ولا يكونُ آمِنًا (٢) على شىءٍ حتى يَأْتِيَه الموتُّ، فإذا أتاه الموتُّ لم
يَجِدْ عملَه أَغْنَى عنه شيئًا، ولم يَنْفَعْه إلا كما نفَع العطشانَ الْمُشْتَدَّ إلى السرابِ(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن مجاهد
فى قولِ اللَّهِ: ﴿ كَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾. قال: بقاعٍ مِن الأرضِ، والسرابُ عمَلُه. زاد
الحارثُ فى حديثه عن الحسنِ: والسرابُ عملُ الكافرِ، ﴿إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ
شَيْئًا﴾، إتيانُه إياه: موتُه وفراقُه الدنيا. ﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ عندَ فراقِه الدنيا، ﴿فَوَقَّئُهُ
حِسَابَةٌ﴾(٤).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه :
كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾. قال: بِقِيعةٍ مِن الأرضِ، ﴿يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءُ ﴾: هو مثلٌ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١١/٨ من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) سقط من: ت١، وفى م: ((آتيا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١١/٨، ٢٦١٢ عن محمد بن سعد به .
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٩٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١١/٨، ٢٦١٢، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٥٣/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٣٢٩
سورة النور: الآيتان ٣٩، ٤٠
ضرّبه اللَّهُ لعمل الكافرِ، يقولُ: يَحْسَبُ أنه فى شىءٍ، كما يَحْسَبُ هذا السرابَ
ماءً، ﴿ حَقَّ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. وكذلك الكافر إذا مات لم يَجِدْ عملَه
شيئًا، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّلَهُ حِسَابَةٌٍ
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَاُلَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾/ إلى قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ للذين ١٥٠/١٨
كَفَروا، ﴿ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾. قد رأى السرابَ ، ووثق بنفسِه أنه ماءٌ، فلما
جاءه لم يَجِدْه شيئًا. قال: وهؤلاء ظنُّوا أن أعمالَهم صالحةٌ ، وأنهم سيَرْجِعون منها
إلى خيرٍ ، فلم يَرْجِعوا منها إلا كما رجَع صاحبُ السرابِ، فهذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ جلَّ
ثناؤُه وتقَدَّستْ أسماؤُه(٢) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَوْ كُلُمَتٍ فِ بَحْرٍ لُِّّ يَغْشَنُهُ مَوْجٌ مِّن
فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ ◌ُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَهَا
وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نٍُّ
وهذا مَثَلٌ آخرُ ضرَبَه اللَّهُ لأعمالِ الكفارِ ، يقولُ تعالى ذكره : ومثلُ أعمالٍ
هؤلاء الكفارِ ، فى أنها عُمِلَت على خَطَأَ وفسادٍ ، وضلالةٍ وحيرةٍ مِن عُمَّالِها فيها،
وعلى غيرِ هُدّى - مثَلُ ظُلماتٍ فى بحرٍ لُجِىٌّ. ونُسِب البحرُ إلى اللُّجَّةِ، وصفّا له
بأنه عميقٌ كثيرُ الماءِ، ولُجَّةُ البحرِ مُعْظَمُه، ﴿يَغْشَنُهُ مَوْجٌ﴾. يقولُ: يَغْشَى البحرَ
موجٌ. ﴿مِّن فَوْقِهِ، مَوْجٌ﴾. يقولُ: مِن فوقِ الموج موجٌ آخرُ يَغْشاه، ﴿مِّن فَوْقِهِ،
سَحَابٌ﴾. يقولُ: مِن فوقِ الموج الثانى الذى يَغْشَى الموجَّ الأوّلَ، سَحابٌ. فجعَل
(١) تفسير عبد الرزاق ٦١/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٥ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٢/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد.

٣٣٠
سورة النور : الآية ٤٠
الظُّلُمَاتِ مَثَلاً لأعمالِهِم، والبحرَ اللُّجْىَّ مِثَلًا لقلبِ الكافرِ، يقولُ: عَمَلُهُ(١) بِنِئَّةٍ
قلبٍ قد غمَره الجهلُ، وتَغَشَّتْه الضلالةُ والخَرةُ، كما يَغْشَى هذا البحرَ اللُّجىَّ موتجٌ
مِن فوقِه موجٌ مِن فوقِهِ سَحابٌ . فكذلك قلبُ هذا الكافرِ الذى مثَلُ عملِه مثَلُ هذه
الظلماتِ، يَغْشاه الجهلُ باللَّهِ، بأن اللَّهَ ختَم عليه، فلا يَعْقِلُ عن اللَّهِ، وعلى
سمعِه، [٤٧٧/٢ظ] فلا يَسْمَعُ مواعظَ اللَّهِ، وجعَل على بصرِهِ غِشاوةً، فلا يُنْصِرُ به
مُحُجَجَ اللَّهِ ، فتلك ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنا أبى،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ كَتُثُمَتِ فِ بَجْرٍ لُّجِّ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِّن
فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ﴾ إلى قوله: ﴿مِن ثُورٍ﴾. قال: يعنى
بالظلماتِ الأعمالَ، وبالبحرِ اللجىِّ قلبَ الإنسانِ. قال: ﴿يَغْشَنُهُ مَوْجٌ مِّن
فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ﴾. قال: ﴿ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾: يعنى
بذلك الغِشاوةَ التى على القلبِ والسمع والبصرِ، وهو كقوله: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ) الآية [البقرة: ٧]. وكقوله: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ﴾ إلى قولِه :
﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: ٢٣].
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى
قولِهِ: ﴿أَوْ كُظُلُمَتِ فِ بَحْرٍ لٍُِّ ﴾ : عميقٍ، وهو مَثَلِّ ضرّبه اللَّهُ للكافِ يَعْمَلُ فى
(١) فى م: ((عمل)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٣/٨، ٢٦١٤ عن محمد بن سعد به .

٣٣١
سورة النور : الآية ٤٠
(١)
ضلالةٍ وخَيْرةٍ، قال: ﴿ ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ
أورُوِى عن أُبىّ بنِ كعبٍ ما حدَّثنى عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عُبِيدُ اللَّهِ ١٥١/١٨
ابنُّ موسى ، قال : أخبرنا أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيع بن أنس ، عن أبى العاليةِ ، عن
أبيّ بنِ كعبٍ فى قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِ بَحْرِ لُِّّ يَغْشَلُهُ مَوْجٌ ﴾ الآية . قال :
ضرَّب مثلً آخَرَ للكافرِ، فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِ بَخْرٍ لُِّيٍ ﴾ الآية. قال: فهو
يَتَقَلَّبُ فى خمسٍ مِن الظُّلَمِ، فَكلامُه ظُلْمَةٌ، وعملُه ظلمةٌ، ومَدْخَلُه ظلمةٌ ،
ومَخْرَجُه ظلمةٌ، ومصيرُه إلى الظلماتِ يومَ القيامةِ ، إلى النارِ (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٍ، عن أبى جعفرِ الرازىِّ،
عن الربيع (٣)، عن أبى العاليةِ، عن أُبىّ بنِ كعبٍ بنحوِه.
حدّثنی یونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهپٍ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ أَوْ
كَتْظُلُمَتٍ فِى بَحْرٍ أُِّيِّ يَفْشَتُهُ مَوْجُ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ﴾ إلى قوله: ﴿ ظُلُمَتُ بَعْضُهَا
فَوْقَ بَعْضٍ﴾. قال: شرٌّ بعضُه فوقَ بعضٍ. وقولُه: ﴿ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ لَمْ يَكَدْ
يرَهَا﴾. يقولُ: إذا أخْرَج الناظرُ يدَه فى هذه الظلماتِ لم يَكَدْ يَراها(4) .
فإن قال(٥) قائلٌ: وكيفَ قيلَ: ﴿لَمْ يَكَّدْ بَرَهَا﴾. مع شدةِ هذه الظُّلْمَةِ(٦)
(١) تفسير عبد الرزاق ٦١/٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٣/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥٣/٥ إلى عبد بن حميد، وعند عبد الرزاق وابن أبى حاتم : ظلمة . بدل : ضلالة.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٤/٨ من طريق عبيد الله بن موسى به ، وتقدم أوله فى ص ٢٩٧.
(٣) سقط من: ت ٢، وفى م، ت ١، ت٣، ف: ((أبى الربيع)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٥/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد.
(٥) بعده فى م: ((لنا)).
(٦) فى ت١: ((الظلمات)).

٣٣٢
سورة النور : الآية ٤٠
التى وصَف ، وقد علِمْتَ أن قولَ القائل: لم أكَدْ أَرَى فلانًا. إنما هو إثباتٌ منه لنفسِه
رؤيتَه بعدَ جَهْدٍ وشدةٍ ، ومِن دونِ الظلماتِ التى وُصِفَتُ(١) فى هذه الآيةِ ما لا يَرَى
الناظرُ يدَه إذا أُخْرَجها فيه، فكيف فيها ؟
قيل : فى ذلك أقوالٌ، نَذْكُرُها ثم نُخْبِرُ بالصوابِ مِن ذلك ؛ أحدُها : أن يكونَ
معنى الكلامِ: إذا أُخْرَج يدَه رائيًا لها، لم يَكَدْ أن(٢) يراها. أى: لم يَعْرِفْ مِن أينَ
يراها . فيكونُ مِن المُقَدَّمِ الذى معناه التأخيرُ، ويكونُ تأويلُ الكلام على ذلك : إذا
أَخْرَجِ يدَه لم يَقْرُبْ أن يراها .
والثانى: أن يكونَ معناه: إذا أَخْرَج يدَه لم يَرَها. ويكونَ قولُه: ﴿لَمْ يَكَدْ﴾.
فى دخوله فى الكلام، نظيرَ دخولِ الظَّنِّ فيما هو يقينٌ مِن الكلامِ، كقوله:
﴿ وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّنِ تَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. ونحو ذلك .
والثالثُ : أن يكونَ قد رآها بعدَ بُطءٍ وجَهْدٍ، كما يقولُ القائلُ لآخرَ : ما كِدْتُ
أراك مِن الظلمةِ. وقد رآه ، ولكنْ بعدَ إياسٍ وشدةٍ .
وهذا القولُ الثالثُ أظهرُ معانى الكلمةِ مِن جهةِ ما تَشْتَغِلُ العربُ ((أَكادُ)) فى
كلامِها. والقولُ الآخرُ الذى قلنا أنه يَتَوَجَّهُ إلى أنه بمعنى: لم يَرَها . قولٌ أَوْضَحُ مِن
جهةِ التفسيرِ ، وهو أخْفَى مَعانِیهِ .
وإنما حسنَ ذلك فى هذا الموضع - أعنى: أن يقول: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَهَا﴾ . مع
شدةِ الظلمةِ التى ذكَر - لأن ذلك مَثَلٌ ، لا خبرٌ عن كائنٍ كان .
﴿ وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾. يقولُ: مَن لم يَرْزُقْه اللَّهُ إيمانًا وهُدَّى مِن الضلالةِ
(١) فى م: ((وصف)).
(٢) سقط من : م .

٣٣٣
سورة النور : الآيات ٤٠ - ٤٢
ومعرفةً بكتابِهِ، ﴿فَمَا لَهُ مِن تُورٍ ﴾. يقولُ : فما له مِن إيمانٍ وهدّى ومعرفةٍ بكتابه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَالطَّيْرُ صَفَّتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٢١) وَلِلَّهِ مُّكُ
٤٢
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
/يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: ألم تنظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك، فتَعْلَمَ أن ١٥٢/١٨
اللَّهَ يُصَلِّى له مَن فى السماواتِ والأرضِ؛ مِن مَلَكِ وإنسٍ وجِنِّ، ﴿وَالطَّيْرُ
صَفَّةٍ﴾ فى الهواءِ أيضًا تُسَبِّحُ له، ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَهُ وَتَسِحَةٌ﴾ .
(١
فإن قال قائل : وكيف قيل: ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾(١) والتسبيح
عندَك صلاةٌ؟ فيقالُ: قيل: إن الصلاةَ لبنى آدمَ ، والتَّسْبيحَ لغيرِهم مِن الخلقِ،
ولذلك فَصَل فيما بينَ ذلك .
وبنحوِ الذى [٤٧٨/٢ و] قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنى عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَفَّتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلَنَهُ
وَتَسْبِحَةٌ﴾. قال: والصلاةُ للإنسانِ، والتَّسبيحُ لِما سوى ذلك مِن الخلقِ(١).
(١ - ١) سقط من النسخ ، والمثبت ما يقتضيه السياق .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٦/٨، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة
(١٢٢٨) من طريق شبل، عن ابن أبى نجيح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٥ إلى ابن أبى شيبة
وعبد بن حميد وابن المنذر .

٣٣٤
سورة النور: الآيتان ٤١، ٤٢
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَفَّتٍ كُلُّ
قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسِحَةٌ﴾. قال: ﴿صَلَانَهُ﴾ للناسِ، و﴿ تَسْبِحَةٌ﴾ عامةً لكلِّ شىءٍ.
ويَتَوَجَّهُ قولُه: ﴿كُلُّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾ لؤُجُوهٍ؛ أحدُها : أن تكونَ
الهاءُ التى فى قوله: ﴿صَلَنَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ مِن ذكرٍ ﴿كُلُّ﴾، فيكونَ تأويلُ.
الكلامِ: كلُّ مُصَلِّ ومُسَبِّحِ منهم، قد عَلِمِ اللَّهُ صلاتَه وتَسْبِيحَه. ويكونَ ((الكلُّ))
حينئذٍ مرتفعًا بالعائدِ مِن ذكرِه فى قولِه: ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾. وهو
عـے
الهاءُ التى فى (( الصلاةِ)).
والوجهُ الآخَرُ: أن تكونَ الهاءُ فى ((الصلاةِ)) و((التسبيح)) أيضًا لـ ((الكلِّ))،
ويكونَ ((الكلُّ)) مُؤْتَفِعًا بالعائدِ مِن ذكرِه عليه فى ﴿عَلِمَ﴾، ويكونَ ﴿عَلِمَ﴾ فعلًا
لـ ((الكلِّ)). فيكونَ تأويلُ الكلام حينئذٍ: قد عَلِم كلٌّ مُصَلٌّ ومُسَبِّح منهم صلاةً
نفسِه وتَسْبِيحَه الذى كُلِّفَه وَأَلْزِمَه .
والوجهُ الآخِرُ: أن تكونَ الهاءُ فى ((الصلاةِ)) و((التَّسْبِيح)) مِن ذكرِ اللَّهِ ، والعِلْمُ
لـ ((الكلِّ)). فيكونَ تأويلُ الكلام حينئذٍ: قد عَلِم كلَّ مُسَبِّح ومُصَلّ صلاةَ اللَّهِ
التى(١) كَلَّفَه إياها وتسبيحه .
وأظهرُ هذه المعانى الثلاثةِ على هذا الكلام، المعنى الأولُ، وهو أن يكونَ
المعنى: كلُّ مُصَلِّ منهم ومُسَبِّحٍ قد عَلِم اللَّهُ صلاتَه وتَشْبِيحُه.
وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ ذو علم بما
يفعَلُ كلُّ مُصَلّ ومُسَبِّح منهم، لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن أفعالِهم؛ طاعتِها
(١) فى ص، ت ١، ت٢، ت٣، ف: ((الذى)).

٣٣٥
سورة النور : الآيات ٤٢ - ٤٤
ومَعْصِيتِها، مُحِيطٌ بذلك كلِّه، وهو مُجازِيهم على ذلك كلِّه.
وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وللَّهِ سلطانُ
السماواتِ والأرضِ ومُلْكُها، دونَ كلِّ مَن هو دونَه مِن سلطانٍ ومَلِكِ ، فإِياه فارْهَبُوا
أيُّها الناسُ، وإليه فارْغَبوا، لا إلى غيرِهِ ، فإن بيدِه خزائنَ السماواتِ والأرضِ، لا
يَخْشَى بَعَطاياكم منها فقرًا، ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وأنتم إليه / بعدَ ١٥٣/١٨
وفاتِكم، مَصِيرُكم ومَعادُكم ، فمُوَفِّيكُم (١) أجور أعمالِكم التى عَمِلتُموها فى الدنيا ،
فأَحْسِنوا عبادتَه، واجْتَهِدوا فى طاعتِه ، وقَدِّموا لأنفسِكم الصالحاتِ مِن الأعمالِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ
رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَرٍَ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ
يُقَلِّبُ اللَّهُ اَلَيْلَ
٤٣
يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ, عَن مَن يَشَاءُ يَكَدُ سَنَا بَرْقِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ
٤٤
وَالتَّهَارَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَهِ: ﴿أَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ، ﴿ أَنَّ اللَّهَ
يُزْجِ﴾. يعنى: يَسُوقُ ﴿سَحَابًا﴾ حيثُ يُريدُ، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾. يقولُ: ثم
يؤلِّفُ بينَ السحابِ .
وأضافَ ((بينَ)) إلى السحابِ، ولم يَذْكُرْ معه غيرَه، و((بينَ)) لا تكونُ
مضافةً إلا إلى جماعةٍ أو اثنين؛ لأن السحابَ فى معنى جمع، واحِدُه سحابةٌ ، كما
تُجمَعُ النخلةُ : نَخْلٌ . والتمرةُ: تمرٌ . فهو نظيرُ قولِ قائلٍ : جَلَس فلانٌ بينَ النخلِ .
وتأليفُ اللَّهِ السحابَ جمعُه بينَ مُتَفَرِّقِها .
وقولُه: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ زُكَامَا﴾. يقولُ: ثم يجعلُ السحابَ الذى يُزْجِيهِ،
ويُؤْلِّفُ بعضَه إلى بعضٍ - ﴿رَكَامًا﴾. يعنى: مُتَرَاكِمًا بعضُه على بعضٍ.
(١) فى م: ((فيوفيكم)).

٣٣٦
سورة النور: الآية ٤٣
وقد حدَّثنا عبد الحميدِ بنُ بَيَانٍ، قال: أخبرنا خالدٌ، قال: ثنا فِطْرُ(١)، عن
حبيبٍ بنِ أبي ثابتٍ ، عن عُبَيدِ بنِ عميرِ الليثىِّ، قال: الرياحُ أربعٌ، يبعثُ اللَّهُ الريح
الأولى، فَتَقُمُّ الأرضَ قَمَّا، ثم يبعثُ الثانيةَ، فَتُنْشِىُّ ") سحابًا، ثم يبعثُ الثالثةَ،
فتُؤلِّفُ بينَه، فتجعلُهُ رُكامًا ، ثم يبعثُ الرابعةَ فَتُعْطِرُهُ(٣).
وقولُه: ﴿فَتَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ،﴾. يقولُ: فتَرى المطرَ يخرُجُ مِن
بينِ السحابِ، وهو الوَدْقُ ، قال الشاعرُ):
فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها ولا أرْضَ أَبْقَلَ إِنْقالَها
والهاءُ فى قوله: ﴿مِنْ خِلَلِهِ،﴾ مِن ذِكْرِ السحابِ . والخِلالُ: جمعُ خَلَلِ .
وذُكِر عن ابنِ عباسٍ وجماعةٍ أنهم كانوا يقرءُون ذلك: ( مِنْ خَلَلِهِ) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا حَرَمِىُ بنُ عُمارةَ ، قال : ثنا شعبةُ، قال : ثنا قتادةُ ،
عن الضحاكِ بنِ مزاحم أنه قَرأ هذا الحرفَ: ﴿فَتَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ،﴾:
( مِنْ خَلَلِهِ)(٥).
/قال: ثنا شعبةُ، قال: [٤٧٨/٢ ظ] أخبرَنى عمارةُ(١)، عن رجلٍ، عن ابنٍ
١٥٤/١٨
(١) فى م: ((مطر)). وتقدم فى ٤٦١/٣، وينظر تهذيب الكمال ٣١٢/٢٣.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((فتنشئه)).
(٣) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٨٣٠) من طريق فطر به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٧/٨ من
طريق حبيب به .
(٤) تقدم تخريجه فى ٤٥٩/١ .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٨/٦، وأبو حيان فى البحر المحيط ٤٦٤/٦ .
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((عمار)). وهو عمارة بن أبى حفصة، سيورد المصنف روايته فى الأثر
القادم. وينظر تهذيب الكمال ٢٣٨/٢١.

٣٣٧
سورة النور : الآية ٤٣
عباسٍ أنه قَرأ هذا الحرفَ: ﴿فَتَرَ الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ،﴾: (مِن خَلَلِهِ)(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ ،
قال : أخبرنى عُمارةُ بنُ أبى حفصةَ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قَرأها : (مِن
خَلَلِهِ) بفتحِ الخاءِ مِن غيرِ ألفٍ.
قال هارونُ: فذكرتُ ذلك لأبى عمرٍو، فقال: إنها لحسنةٌ، ولكنَّ
﴿ خِلَلِهِ﴾ أعَمُّ.
وأما قرأةُ الأمصارِ فإنهم على القراءةِ الأخرى: ﴿مِنْ خِلَلِهِ، ﴾. وهى التى
نختارُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليها .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَتَرَ
اٌلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ،﴾. قال: الوَدْقُ القَطْرُ، والخِلالُ السحابُ(٢).
وقولُه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَكٍ﴾. قيل: فى ذلك قولان؛
أحدُهما ، أن معناه: وأن اللَّهَ يُنَزِّلُ مِن السماءِ مِن جبالٍ فى السماءِ مِن بَرَدٍ ، مخلوقةٍ
هنالك خِلْقةً. كأن الجبالَ على هذا القولٍ، هى مِن بَرَدٍ، كما يقالُ: جبالٌ مِن
طينٍ .
والقولُ الآخرُ: أن اللَّهَ يُنزِّلُ مِن السماءِ قَدْرَ جبالٍ وأمثالَ جبالٍ مِن بَرَدٍ إلى
الأرضِ. كما يقالُ : عندى بَيْتان تِبْنًا . والمعنى: قَدْرُ بيتَين مِن التبنِ . والبيتان ليسا
مِن التِّبْنِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٥ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٨/٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد، بلفظ : الخلال السحاب
( تفسير الطبرى ٢٢/١٧ )

٣٣٨
سورة النور : الآية ٤٣
وقولُه: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ﴾. يقولُ: فَيُعذِّبُ بذلك
الذى يُتَزِّلُ مِن السماءِ مِن جبالٍ فيها مِن بَرَدٍ - مَن يشاءُ فِيُهْلِكُه ، أو يُهْلِكُ به زُرُوعَه
ومالَه، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ﴾ مِن خلقِه. يعنى: عن زُرُوعِهم وأموالهم.
وقولُه : ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ، يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾. يقولُ : يكادُ شدةُ ضوءِ بَوْقٍ
هذا السحابِ يَذْهَبُ بأبصارٍ مَن لاقَى بصرَه. و((السَّنَا))، مقصورٌ، وهو ضوءُ
البرقِ .
کما حدّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسینُ، قال: ثنی حجاج ، عن ابنٍ مجرّیجٍ،
عن عطاءِ الخُراسانىّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرَّقِهِ،﴾. قال: ضَوْءُ
(١)
بْقِه(١) .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه :
﴿يَكَادُ سَنَا بَرَّقِ﴾. يقولُ: لَمَعانُ البرقِ يَذْهبُ بالأبصارِ (١).
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَكَادُ
سَنَا بَرْقِ، يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾. قال: سَنَاه ضَوءُه (٣) ، يذهبُ بالأبصارِ .
وقرأت قرأةُ الأمصارِ: ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقٍِ، يَذْهَبُ﴾ بفتحِ الياءِ مِن ﴿يَذْهَبُ﴾
سوى أبى جعفرٍ القارئ، فإنه قرأَه بضم الياءِ: (يُذْهِبُ بالأبصارِ)(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٩/٨ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٥
إلى ابن المنذر .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٦١/٢، ٦٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦١٩/٨، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٥٤/٥ إلی عبد بن حميد .
(٣) فى م: ((ضوء)).
(٤) النشر ٢٤٩/٢ .

٣٣٩
سورة النور : الايات ٤٣ - ٤٥
والقراءةُ التى لا أختارُ غيرَها هى فتحُها؛ لإجماع الحُبَّةِ مِن القرأةِ عليها ، وأن
العربَ إذا أُدخَلَت الباءَ فى مفعولِ ((ذَهَبتُ)) لم يقولوا إلا: ذَهَبتُ به. دونَ: أَذهَبْتُ
به. وإذا أدخَلوا الألفَ فى ((أذهبتُ)) لم يَكادوا أن يُدْخِلوا الباءَ فى مفعولِه،
فيقولون : أَذْهَبْتُه ، وذَهَبتُ به .
وقولُه: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ﴾. يقولُ: يُعَقِّبُ اللَّهُ بِينَ الليلِ والنهارِ
ويُصَرِّفُهما، إِذا أذهَب هذا/ جاء بهذا (١)، (" وإذا أذهَب هذا جاء بهذاً(١١)، ﴿إِنَّ فِى ١٥٥/١٨
ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾. يقولُ: إن فى إنشاءِ اللَّهِ السحابَ ، وإنزالِه منه الوَدْقَ ،
ومِن السماءِ البَرَدَ ، وفى تَقْلِيبِهِ الليلَ والنهارَ - لَعبرةً لمن اعْتَبَرَ به، وعِظَةً لمن اتَّعِظَ به ،
يَّن له فَهْمْ وعقلٌ؛ لأن ذلك يُنْبِىُّ ويدُلُّ على أن له مُدَبِّرًا ومُصَرَّفًا ومُقَلِّبًا لا يُشْبِهُه
شىءٌ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآَبَتٍِ مِّن ◌َّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى
بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَن يَمْشِى عَى أَرْبَعْ يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٤٥
اختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلّ دَابَةٍ مِنِ مَّاءٍ﴾؛ فَقَرَأَتْه عامةُ قرأةٍ
الكوفةِ غيرَ عاصم: ( واللَّهُ خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ)(٣). وقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ
وعاصمٌ: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ ﴾ بَنَصْبِ ﴿كُلّ﴾، و﴿خَلَقَ﴾(١) على مثالٍ
((فَعَل)). وهما قراءتان مشهورتان مُتقارٍبتا المعنى، وذلك أن الإضافةَ فى قراءةٍ مَن قَرأ
(١) فى م: (( هذا)).
(٢ - ٢) سقط من : ت٢ .
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى. حجة القراءات ص ٥٠٢ .
(٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو . ينظر المصدر السابق.
٠

٣٤٠
سورة النور : الآيتان ٤٥، ٤٦
ذلك : ( خالقُ) تدلُّ على أن معنى ذلك المُضِى، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُّ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِن مَّاءٍ﴾. يعنى: مِن نُطْفةٍ، ﴿فَمِنْهُم ◌َن يَمْشِى عَلَى
بَطْنِهِ﴾ كالحَاتِ وما أشْبَهَها. وقيل: إنما قيل: ﴿فَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾.
والمَشْىُ لا يكونُ على البطنِ؛ لأن المَشْىَ إِنما يكونُ لِمَ له قَوَائمُ ، على التشبيهِ، وأنه
لَمَّا خالَط ما له قوائمُ ما لا قوائمَ له، جاز، كما قال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى
رِجْلَيْنِ﴾. كالطيرِ، ﴿وَمِنْهُم مَن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ﴾. كالبهائم .
فإن قال قائلٌ: فكيفَ قيل: ﴿فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى﴾ و((مَن)) للناسِ، وكلُّ هذه
الأجناسِ أو أكثرُها لغيرِهم ؟
قيل: لأنه تَفْرِيقُ ما هو داخلٌ فى قولِهِ: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾. وكان داخِلًا
فى ذلك الناسُ وغيرُهم، ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ لاجتماعِ الناسِ والبهائمِ وغيرِهم
فى ذلك واختلاطِهم ، فكَنَى عن جميعِهم كِنايَتَه عن بنى آدمَ، ثم فَسَّرهم بـ((مَن))،
إذا كان قد كَنَی عنهم كنايةً بنى آدمَ خاصَّةً .
﴿ يَخْلُقُ اَللّهُ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: يُحدِثُ اللَّهُ ما يشاءُ مِن الخَلْقِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ على إِحْداثِ ذلك وخَلْقِه، وخَلْقِ ما يشاءُ
مِن الأشياءِ غيرَه، ذو قُدْرةٍ ، لا يَتَعذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه (١).
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتٍ مُبَيِّنَتٍّ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ
٤٦
إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
يقولُ تعالى ذكرُه: لقد أَنزَلْنا أيُّها الناسُ علاماتٍ واضحاتٍ ، دالّاتٍ على
طريقِ الحَقِّ وسبيلِ الرشادِ، ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ:
(١) فى م: ((أراد)).