Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
سورة النور: الآيتان ٢٠، ٢١
يقولُ تعالى ذِكرُه: ولولا أن اللَّهَ تفضَّل عليكم أيُّها الناسُ ورحِمكم، وأن اللَّهَ
ذو رأفةٍ و(١) رحمةٍ بخلقِه، لهَكتُم فيما أَفَضْتُم فيه، وعاجَلَتْكُم مِن اللَّهِ العقوبةُ.
وترَك ذكرَ الجوابِ لمعرفةِ السامعِ بالمرادِ مِن الكلامِ بعدَه عليه(١)، وهو قولُه:
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ﴾ الآيَةَ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ
يَشَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ﴾ .
/ يقولُ تعالى ذِكرُه للمؤمنين به: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله، لا تَسلُكوا ١٠١/١٨
سبيلَ الشيطانِ وطُرْقَه، ولا تقتفوا آثارَه، بإشاعتِكم الفاحشةَ فى الذين آمنوا،
وإذاعتِكموها فيهم، وروايتكم ذلك عمَّن جاءَ به، فإنَّ الشيطانَ يأمرُ بالفحشاءِ،
وهى الزنى ، والمنكرِ مِن القول .
وقد بيَّنا معنى ((الخطواتِ)) و((الفحشاءِ)) فيما مضى بشواهدِ ذلك بما أغْنَى عن
إعادتِه فى هذا الموضع ) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَّكَ مِنْكُرُ مِنْ
٢١
أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّي مَن يَشَاءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يقولُ تعالى ذكره: ولولا فضلُ اللَّهِ عليكم أيُّها الناسُ ورحمتُه لكم ، ما تَطَهَّر
منكم مِن أحدٍ أبدًا مِن دَنَسٍ ذنوبِه وشركِه، ولكنَّ اللَّهَ يطهِّرُ مَن يشاءُ مِن خلقِه .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) فى م: (( ذو)).
(٢) سقط من : م .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٧/٣ - ٣٩.
٢٢٢
سورة النور : الآيتان ٢٢،٢١
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَّكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾. يقولُ: ما اهتدَى
منکم من الخلائقٍ لشیءٍ مِن الخیرِ، ينفعُ به نفسه ، ولم يَتَّقِ شيئًا مِن الشر یدفعُه عن
(١)
نفسه
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَوْلًا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾. قال: ما زكَى: ما أسلَم . قال:
وكلُّ شىءٍ فى القرآنِ مِن ((زكَى)) أو ((تَزَكَّى)) فهو الإِسلامُ(٢).
وقولُه: ﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ سميعٌ لما تقولون بأفواهِكم،
وتَلَقَّوْنه بألسنتِكم ، وغير ذلك من كلامِكم، عليمٌ بذلك كلّه ، وبغيرِهِ مِن أمورٍ كم،
محيطٌ به، مُخصِيه عليكم ، ليُجازيَكم بكلِّ ذلك .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِى
الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
قلے
٢٢
لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ
يقولُ تعالى ذِكرُه : ولا يحلفْ باللَّهِ ذَؤُو الفضلِ منكم ، يعنى ذَوى التفضلِ،
﴿وَالسَّعَةِ﴾. يقولُ: وذَؤُو(٣) الجِدَةِ.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٥٣/٨ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٤/٥ إلى ابن المنذر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٥٣/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((ذوى)).
٢٢٣
سورة النور : الآية ٢٢
واختلفت القرَّةُ فى قراءةٍ قولِه : ﴿ وَلَا يَأْتَلِ ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ :
﴿ وَلَا يَأْتَلِ﴾ بمعنى ((يفتعل))، من الأَلِيَّةِ، وهى القسمُ باللَّهِ ، سوى أبى جعفرٍ وزيد
ابنِ أسلمَ، فإنه ذُكِر عنهما أنهما قرأ ذلك: (ولا يتألَّ) بمعنى: ((يتفعل)، مِن الأَلِيّةِ(١).
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندِى قراءةُ مَن قرأ: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ ﴾ بمعنى:
((يفتعل))، من الألِيَّةِ، وذلك أن / ذلك فى خطِّ المصحفِ كذلك، والقراءةُ ١٠٢/١٨
الأُخرى مخالفةٌ خطَّ المصحفِ (٢) ، فاتباعُ المصحفِ مع قراءةِ جماعةِ القرأةِ وصحّةٍ
المقروءِ به، أولَى مِن خلافٍ ذلك كلِّه (٣).
وإنما عُنِى بذلك أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضِى اللَّهُ عنه فى حَلِفِه باللّهِ لا يُنفقُ على
مِسْطَح، فقال جلَّ ثناؤه: ولا يَحلفْ مَن كان ذا فضلٍ مِن مالٍ وسَعَةٍ منكم ، أيُّها
المؤمنون باللَّهِ ، ألَّا يُعْطُوا ذَوِى قَراتِهم، فيصِلوا به أرحامَهم، كمِسْطحٍ، وهو ابنُ
خالةٍ أبى بكرٍ، ﴿ وَالْمَسَكِينَ﴾. يقولُ: وذوى خَلَّةِ الحاجةِ. وكان مِسْطخٌ منهم؛
لأنه كان فقيرًا محتاجًا، ﴿ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، وهم الذين هاجروا مِنْ(١)
ديارِهم وأموالهم فى جهادِ أعداء اللّهِ، وكان مِسْطَخْ منهم؛ لأنَّه كان ممن هاجرمِن
مكةَ إلى المدينةِ، وشهِد مع رسولِ اللَّهِ مَ الَهِ بدرًا، ﴿وَلْيَعْفُواْ﴾. يقولُ: وليعفُوا عمَّا
كان منهم إليهم من مجرمٍ، وذلك كجرمٍ مِسْطح إلى أبى بكرٍ ، فى إشاعتِه على ابنتِه
عائشةَ ما أشاع مِن الإفكِ، ﴿ وَلْيَصْفَحُواْ﴾. يقولُ: وليتركوا عقوبتَهم) على
(١) وهى قراءة عبد الله بن عياش بن ربيعة والحسن. ينظر البحر المحيط ٤٤٠/٦، والنشر ٢٤٨/٢.
(٢) بعده فى ص، ت١، ت٢: ((كذلك)).
(٣) قال ابن الجزرى فى النشر ٢٤٨/٢: وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القراب فى كتابه
((علل القراءات)) أنه كتب فى المصاحف (يتل ). قال: فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين .
(٤) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣.
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((عقوبته)).
٢٢٤
سورة النور : الآية ٢٢
ذلك، بحرمانِهم ما كانوا يؤتونَهم قبلَ ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثلِ الذى
كانوا لهم عليه مِن الإفضالِ عليهم، ﴿أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يقولُ: ألا
تحبُون أن يستُرَ اللَّهُ عليكم ذنوبكم، بإفضالِكم عليهم، فيتركَ عقوبتكم عليها ،
﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ مَن أطاعَه، واتبعَ أمرَه، ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم أن يعذُّبَهم مع
اتباعِهم أمرَه ، وطاعتهم إياه على ما كان لهم مِن زَلَّةٍ وهفوةٍ، قد استغفروه منها ،
وتابوا إليه مِن فعلها .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ، عن علقمةَ
ابنِ وَقَّاصِ الليثىِّ، و(١) عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، و(١) عن عروةَ بنِ الزبيرِ، وعن عبيدِ اللَّهِ
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن عائشةً . قال: وثنی ابنُ إسحاقَ ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادٍ
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ. قال: وثنى ابنُ إسحاقَ ، قال : ثنى
عبدُ اللَّهِ بنُ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنٍ حزمِ الأنصارىُّ، عن عمرةَ بنتٍ
عبد الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت: لما نزَل هذا - يَعْنِى قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِ لْإِفْكِ
عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ فى عائشةَ وفى من قال لها ما قال - قال أبو بكرٍ ، وكان ينفقُ على
مسطح لقرابته وحاجتِه: واللَّهِ لا أنفقُ على مسطح شيئًا أبدًا، ولا أنفعُه بنفعِ أبدًا،
بعدَ الذى قال لعائشةً ما قال، وأدخل عليها(٢) ما أدخَل. قالت: فأنزل اللَّهُ فِى
ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الآية. قالت: فقال أبو بكر: واللَّهِ
إِنِّى لأحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ لى. فرجع إلى مِشْطَح نفقته التى كان يُنفِقُ عليه، وقال:
(١) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، ف.
(٢) فى ص، ت٢، ف: ((عليه)).
٢٢٥
سورة النور : الآية ٢٢
واللَّهِ لا أَنزِعُها منه أبدًا (١).
حدَّثنی علیّ ، قال ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنی معاویةُ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾. يقولُ: لا تُقْسِموا ألَّ تنفعوا
(٢)
أحدًا (٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنٍ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: كان ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ عَّه قد رَمَوْا عائشةَ بالقبيح، وأفشَوا ذلك،
وتكلَّمُوا به، فأقسم ناسٌ مِن أصحابٍ / رسولِ اللَّهِ ◌َله، فيهم أبو بكرٍ، ألّا يتصدَّقَ ١٠٣/١٨
على رجلٍ تكلّم(٣) بشىءٍ مِن هذا ولا يصلَه، فقال: لا يُقْسِمْ أولو الفضلِ منكم
والسعة أن يصِلوا أرحامَهم، وأن يُعطوهم مِن أموالهم كالذى كانوا يفعلون قبلَ
ذلك، فأمَر اللَّهُ أن يُغْفَرَ لهم، وأن يُعْفَى عنهم(٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾: لما أَنزَل اللَّهُ
تعالى ذِكرُه عذرَ عائشةَ مِن السماءِ، قال أبو بكرٍ وآخرون مِن المسلمين: والله لا
نَصِلُ رجلًا منهم تَكَلَّم(٥) بشىءٍ مِن شأنٍ عائشةَ ، ولا ننفعُه. فأنزل اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ
(١) تقدم تخريجه فى ص ١٩٧، ٢٠٤، ٢٠٦.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٥٣/٨ من طريق أبى صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤/٥
إلى ابن المنذر .
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((يتكلم)).
(٤) أخرجه الطبرانى ١٥٠/٢٣ (٢٢٣) من طريق محمد بن سعد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٥
إلی ابن مردويه .
(٥) سقط من: ص ، ت٢، ف .
( تفسير الطبرى ١٥/١٧ )
٢٢٦
سورة النور : الآيتان ٢٣،٢٢
أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾. يقولُ: ولا يحلفْ(١).
وَلَا
حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قولِه :
يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى﴾. قال: كان مِسْطَحْ ذا قرابةٍ ،
﴿ وَالْمَسْكِينَ﴾. قال: كان مسكينًا، ﴿ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: كان بَدْرِيًّا(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ اُلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾. قال: أبو بكرٍ حَلَف ألَّا يَنفَعَ يتيمًا
فى حَجْرِه ، كان أشاعَ ذلك، فلما نزلتْ هذه الآيةُ قال: بلى أنا أحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ
لى، فَلَأْكُونَنَّ ليتيمى خيرَ ما كنتُ له قطُّ (٣).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ
٢٣
لُعِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
يقولُ تعالى ذِكرُه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ بالفاحشةِ ﴿اَلْمُحْصَنَتِ ﴾ ، يَعْنى
العفيفاتِ، ﴿ اُلْغَفِلَتِ﴾ عن الفواحشِ، ﴿الْمُؤْمِنَتِ﴾ باللّهِ ورسولِه وما جاء به
مِن عندِ اللَّهِ، ﴿لُعِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: أَبْعِدوا مِن رحمةِ اللَّهِ فى الدنيا
والآخرةِ ﴿وَلَهُمْ﴾ فى الآخرةِ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وذلك عذابُ جهنمَ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى المحصناتِ اللاتى هذا حكمُهنَّ؛ فقال بعضُهم: إنما ذلك
لعائشةَ خاصةً، وحكمٌ مِن اللَّهِ فيها وفى من رماها، دونَ سائرٍ نساءٍ أمةٍ نبيِّنا عَلَّهِ .
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٧/٦.
(٢) ينظر التبيان ٣٧٣/٧ .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٩٠. ومن طريقه الطبرانى ١٤٨/٢٣ (٢٢٠)، وأخرجه أيضا فى ١٤٩/٢٣
(٢٢١) من طريق ابن جريج عن مجاهد .
٢٢٧
سورة النور : الآية ٢٣
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ ، قال: ثنا خُصَيْفٌ ،
قال : قلتُ لسعيدِ بنِ مجبيرٍ : الزنى أشدُّ أم قذفُ المحصنَةِ؟ فقال: الزنى . فقلتُ:
أليس يقولُ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ الآية؟ قال سعيدٌ: إنما كان هذا
2(١)
لعائشةً خاصةً(١) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِىُ، قال : ثنا أبو عَوانةَ، عن عمرَ بنِ أبِى سَلَمةَ، عن
أبيه ، قال : قالت عائشةُ: رُمِيتُ بما رُمِيت به وأنا غافلةٌ ، فبلغنى بعدَ ذلك . قالت :
فبينما رسولُ اللَّهِ عَجِ / عندى جالسٌ، إذ أُوحِىَ إليه، (٢ وكان إذا أُوحِى إليه٢) أخذَه ١٠٤/١٨
كهيئةِ الشّباتِ ، وإنَّه أُوحِىَ إليه وهو جالس عندِى، ثم استوَى جالسًا يمسحُ عن
وجهِه ، وقال: ((يا عائشةُ، أَبشِرى)). قالت: فقلتُ: بحمدِ اللَّهِ لا بحمدِك. فقرَأ:
((﴿إِنَّ الَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ اُلْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ حتى بلَغ: ﴿أُوْلَئِكَ
مُبَّدُونَ مِمَا يَقُولُونَ﴾))(١) .
وقال آخرون: بل ذلك لأزواج رسولِ اللَّهِ عَ لِّ خاصَّةً دونَ سائرِ النساءِ
غیرِهنَّ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسين ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيْدٌ ، قال : سمِعتُ
(١) تقدم تخريجه فى ص ١٦٢ .
(٢ - ٢) سقط من: ت١، ت٢، ف .
(٣) أخرجه الطبرانى ١٢١/٢٣ (١٥٦) من طريق أبى عوانة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٥
إلی ابن المنذر وابن مردويه .
٢٢٨
سورة النور : الآية ٢٣
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ ﴾ الآية :
أزواجَ النبيِّ عَ لِّ خاصةٌ (١).
وقال آخرون : نزلت هذه الآيةُ فى شأنٍ عائشةَ، وعُنِىَ بها كلُّ مَن كان بالصفةِ
التى وَصف اللَّهُ فى(٢) هذه الآيةِ. قالوا: فذلك حكمُ كلِّ مَن رمَى محصنةً لم
تُقارِفْ سُوءًا .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا زيدٌ، عن جعفرِ بنِ بُرْقانَ، قال: سألتُ
ميمونًا، قلتُ: الذى ذكَرِ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ ﴾ إِلى
قولِه: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور: ٤، ٥]. فجعَل
فى هذه توبةً، وقال فى الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَاتِ﴾ إلى
قولِهِ: ﴿وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ قال ميمونٌ: أمَّ الأُولَى فعسَى أن تكونَ قد قارَفت،
وأمَّا هذه، فهى التى لم تقارِفْ شيئًا مِن ذلك .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا العوّامُ بنُ
حوشبٍ، عن "شيخ مِن بنى أسدٍ)، عن ابنِ عباسٍ، قال: فسَّر سورةَ ((النورِ))،
فلما أتَى على هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية.
قال : هذا فى شأنٍ عائشةَ وأزواج النبيِّ عَّهِ، وهى مبهمةٌ ، وليستْ لهم توبةٌ ، ثم
قَرَأْ : ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثَُّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّ ﴾. إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ
(١) تفسير سفيان ص ٢٢٣ - ومن طريقه الطبرانى ١٥٢/٢٣ (٢٢٩) - عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك
به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٥ إلى عبد بن حميد .
(٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) فى ت٢: ((شريح)).
٢٢٩
سورة النور : الآية ٢٣
بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾ الآية. قال: فجعَل لهؤلاءِ توبةٌ ، ولم يجعلْ لمن قذَف أولئك
توبةً. قال: فَهَمَّ بعضُ القومِ أن يقومَ إليه فيُقَبِّلَ رأْسَه مِن ◌ُسْنٍ ما فسَّر سورةَ ((النورِ))(١.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ
اُلْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال:
هذا فى عائشةَ، ومَن صنَع هذا اليومَ (١) فى المسلماتِ، فله ما قال اللَّهُ، ولكنَّ عائشةً
كانت إمامَ ذلك(٣) .
وقال آخرون : نزلت هذه الآيةُ فی أزواج النبي ێ ، فكان ذلك كذلك حتى
نزلت الآيةُ التى فى أوَّلِ السورةِ ، فَأَوَجب الجَلْدَ وَقَبِلَ التوبةَ.
/ ذِكرُ مَن قال ذلك
١٠٥/١٨
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمِّى قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ إلى:
﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يعنى أزواجَ النبيِّ عَلَه، رَماهنَّ أهلُ النفاقِ، فأوجَب اللَّهُ لهم
اللعنةَ والغضبَ، وباءُوا بسخطٍ مِن اللَّهِ. فكان ذلك فى أزواج النبيِّ عَِّ ، ثم نزَل
بعد ذلك: ﴿ وَلَّذِينَ يَزِمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَ ﴾ إلى قولِهِ(٤): ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فأنزَل اللَّهُ الجلدَ والتوبةَ، فالتوبةُ تُقبلُ، والشهادةُ تُرِدُ(٥).
(١) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى الدر المنثور ٣٥/٥- ومن طريقه الطبرانى ١٥٣/٢٣ (٢٣٤) عن
هشيم به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن مردويه .
(٢) بعده فى ص، ت١، ف: (( و)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٥٧/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٤) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، ف .
(٥) ينظر تفسير ابن كثير ٣٢/٦ .
٢٣٠
سورة النور : الآيتان ٢٣، ٢٤
وأَوْلَی هذه الأقوالِ فی ذلك عندی بالصوابِ قول من قال : نزلت هذه الآیةُ فی
شأنٍ عائشةَ، والحكمُ بها عامٌّ فى كلِّ من كان بالصفةِ التى وصَفه اللَّهُ بها فيها .
وإنما قلنا: ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ؛ لأنَّ اللَّهَ عمَّ بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَافِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ كلِّ محصَنةٍ غافلةٍ مؤمنةٍ، رَماها رامٍ
بالفاحشةِ، مِن غيرٍ أن يخصَّ بذلك بعضًا دونَ بعضٍ ، فكلُّ رامٍ محصنةً بالصفةِ التى
ذكَر اللَّهُ جلَّ ثناؤه فى هذه الآيةِ، فملعونٌ فى الدنيا والآخرةِ ، وله عذابٌ عظيمٌ ، إلا
أن يتوبَ من ذنبِهِ ذلك قبلَ وفاتِه، فإنَّ اللَّهَ دلَّ باستثنائِه بقولِه: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾ على أنَّ ذلك حكمُ رامى كلِّ محصنةٍ بأىِّ صفةٍ كانت المحصنةٌ
المؤمنةُ المرميَّةُ، وعلى أن قولَه: ﴿لُعِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
معناه : لهم ذلك إن هلكوا ولم يَتوبوا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَ تَشْهَدُ عَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَبْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٢٤
يقولُ تعالى ذكره : ولهم عذابٌ عظيمٌ يومَ تَشْهَدُ عليهم ألسِنَتُهم .
فـ ((اليومُ)) الذى فى قوله: ﴿يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ من صلةٍ قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ ﴾ .
وعنى بقولِه: ﴿ يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ يومَ القيامةِ، وذلك حينَ يَجْحَدُ
أحدُهم ما اكتسبَ فى الدنيا مِن الذنوبِ، عندَ تقريرِ اللَّهِ إياه بها ، فيختمُ اللَّهُ على
أفواهِهم، وتشهدُ عليهم أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون .
فإن قال قائلٌ: وكيف تشهدُ عليهم ألسنتُهم حينَ يُخْتَمُ على أفواهِهم؟
قيل : عُنِى بذلك أن ألسنةَ بعضِهم تشهدُ على بعضٍ ، لا أنَّ ألسنتَهم تنطِقُ وقد
٢٣١
سورة النور : الايتان ٢٤، ٢٥
خُتِم على الأفواهِ .
وقد حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنا عمرو، عن(١)
درّاجٍ، عن أبى الهيثمِ، عن أبى سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ عَمِ قال: ((إذَا كانَ يَوْمُ
القِيامَةِ عُرِّفَ الكافِرُ بعَمَلِهِ، فجَحَد وخاصَمَ ، فيقالُ له ، هؤلاءِ جيراتُك يَشْهَدون
عليك. فيقولُ: كذَبوا. فيقولُ : أهْلُكَ وعَشِيرَتُك. فيقولُ كَذَبوا. فيقولُ:
أَتَحْلِفون؟ فِيَحْلِفون ، ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ، وَتَشْهَدُ ألِنَتُهم، ثُمَّ يُدْخِلُهم(٢) النَّارَ))(٣).
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ ١٠٦/١٨
هُوَ اُلْحَقُّ الْمُبِينُ
٢٥٦
يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ تَشْهَدُ عليهم ألسِتَتُهم وأيديهم وأرجلُهم بما كانوا
يعملون، و(٤) يُوَفِّيهم اللَّهُ حسابَهم وجزاءَهم الحقَّ على أعمالِهم.
والدِّينُ فى هذا الموضعِ الحسابُ والجزاءُ .
كما حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ فى قولِه: ﴿يَوْمَِّذٍ يُوَفِيهِمُ اَللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾. يقولُ: حسابَهم) .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ الْحَقَّ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ:
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((بن)). وعمرو هو ابن الحارث، ودراج هو ابن سمعان أبو السمح. وينظر
تهذيب الكمال ٤٧٧/٨، ٥٧٠/٢١.
(٢) بعده فى ص، ت١، ت٢، ف: ((الله)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٥٨/٨ عن يونس به، وأخرجه أبو يعلى (١٣٩٢) من طريق دراج به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٥ إلى ابن مردويه والطبرانى.
(٤) سقط من : م .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٦٠/٨ من طريق أبى صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٥
إلى ابن المنذر .
٢٣٢
سورة النور: الآيتان ٢٥، ٢٦
دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ نصبًا على النعتِ لـ ((الدين))، كأنَّه قال: يُوَفِّيهم اللَّهُ ثوابَ
أعمالِهم حقًّا. ثم أدخَل فى ((الحقِّ)) الألف واللامَ، فنصَبه بما نصَب به ((الدِّينَ)).
وذُكِر عن مجاهدٍ أنه قرأْ ذلك: (يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقُّ) برفع ((الحقِّ)) على
أنه مِن نعتِ ((اللَّهِ))(١).
حدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ یوسف ، قال : ثنا القاسمُ ، قال : ثنا یزیدُ ، عن جرير بنِ
حازمٍ ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ أنه قرأها: (الحقُّ) بالرفع (١) . قال جريرٌ: وقرأتُها فى
مصحفٍ أَبيِّ بنِ كعبٍ : ( يُوَفِيهِمُ اللَّهُ الحَقُّ دِينَهُمْ)" .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو نصبُ
((الحقِّ)) على إتباعِه إعرابَ ((الدينِ))؛ لإجماع الحجةِ عليه.
وقولُه: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: ويعلمون يومئذٍ أن اللَّهَ
هو الحقُّ الذى يُبَيِّنُ لهم حقائقَ ما كان يَعِدُهم فى الدنيا مِن العذابِ ، ويزولُ حينئذٍ
الشكُّ فيه عن أهلِ النفاقِ الذين كانوا فيما كان يَعِدُهم فى الدنيا يمترون .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْخَبِيئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِثُونَ لِلْخَيِشَتِّ
وَالطَّيِّبَتُ لِلطَِّينَ وَالطَّيِّبُونَ لِِّّبَتِّ أُوْلَئِكَ مُبَّهُونَ مِمَا يَقُولُونَّ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ
٢٦
كَرِيمٌ
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم : معناه : الخبيثاتُ مِن القولِ
للخبيثين مِن الرجالِ ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ ، والطيباتُ مِن
القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ.
(١) وهى قراءة عبد الله وأبى روق وأبى حيوة. وهى قراءة شاذة. البحر المحيط ٤٤١/٦.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٥ إلى المصنف.
(٣- ٣) فى ص، ت١، ف: ((دينهم الحق))، والمثبت هو الصواب، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٠٣.
٢٣٣
سورة النور : الآية ٢٦
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الْخَيْئَتُ لِلْخَبِنَ وَالْخَبِثُونَ لِلْخَبِشَةِ﴾. يقولُ:
الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الرجالِ ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ.
/ وقوله: ﴿ وَاَلَِّبَتُ لِلِّينَ﴾. يقولُ: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الرجالِ، ١٠٧/١٨
والطيّون مِن الرجالِ للطيّباتِ مِن القولِ ، نزلت فى الذين قالوا فى زوجة النبيِّ عَّاتهم.
ما قالوا مِن البهتانِ. ويقالُ: ﴿اَلْخِيئَتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾: الأعمالُ الخبيثةُ تكونُ
للخبيثين، والطيّباتُ (١) مِن الأعمالِ تكونُ للطيّبين(١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنِ
الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿الْخِيَتُ لِلْخَبِيثِنَ﴾. قال٣): الخبيثاتُ (" مِن الكلام"
للخبيثين مِن الناسِ ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيِّبين مِن الناسِ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ مثله(٥) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبی
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((الطيبون)).
(٢) أخرجه الطبرانى ١٥٩/٢٣ (٢٥٠) من طريق محمد بن سعد به . وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٢٥٦٠/٨، والطبرانى ١٥٨/٢٣، ١٥٩ (٢٤٨، ٢٤٩) من طرق عن ابن عباس. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٦/٥ إلى ابن مردويه .
(٣ - ٣) سقط من: م، ت١، ف .
(٤ - ٤) سقط من : ت١، ف .
(٥) تفسير سفيان ص ٢٢٣ .
٢٣٤
سورة النور : الاية ٢٦
نجيح، (١ عن مجاهدٍ) فى قولِ اللَّهِ: ﴿الْخِيئَتُ لِلْخَيِثِنَ وَالْخَبِثُونَ لِلْخَبِشَةِّ
وَاُلْطَيِّبَتُ لِلطَِّينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَِّبَنِّ﴾. قال: الطيباتُ: القولُ الطيبُ يخرجُ مِن
الكافرِ والمؤمنِ، فهو للمؤمنِ ، والخبيثاتُ : القولُ الخبيثُ يخرجُ مِن المؤمنِ والكافرِ،
فهو للكافرِ، ﴿أُوْلَئِكَ مُبَّهُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾. وذلك أنه برَأ كليهما مما ليسَ له(١)
بحقِّ مِن الكلامِ .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ الْخِيْشَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِثُونَ لِلْخَبِثَتِّ وَاَلَِّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ
وَاَلَّطَّيِّبُونَ لِلطَِّبَنِّ﴾. يقولُ: الخبيثاتُ والطيباتُ: القولُ السيئُّ والحَسَنُ؛
للمؤمنين(٣) الحَسَنُ، وللكافرين(٤) السيئُ، ﴿أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مِمَا يَقُولُونٌ﴾ .
وذلك بأنَّه ما قال الكافرون مِن كلمةٍ طيبةٍ فهى للمؤمنين ، وما قال المؤمنون مِن
كلمةٍ خبيثةٍ فهى للكافرين، كلٌّ برىءٌ مما ليسَ بحقٌّ مِن الكلامِ(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿اٌلْخَبِيشَتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾. قال : الخبيثاتُ مِن الكلام للخبيثين مِن الناسِ،
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) سقط من : م .
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((للمؤمن)).
(٤) فى ت١: ((الكافر))، وفى ت٢: ((للكافر))، وفى ف: ((الكافرين)).
(٥) فى ت١، ت٢، ت٣، ف: ((للمؤمن)).
(٦) تفسير مجاهد ص ٤٩١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٦١/٨، ٢٥٦٤، والطبرانى
١٥٧/٢٣، ١٦١ (٢٤٣، ٢٥٥)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد
وابن المنذر .
٢٣٥
سورة النور : الآية ٢٦
والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن الكلامِ(١).
حدَّثنا الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال أخبرنا معمرٌ، عن ابنٍ أَبى نجيحِ
. (٢)
عن مجاهدٍ مثلَه(٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ الْغَيِيئَاتُ لِلْخَبِيِشِينَ ﴾ الآية . يقولُ : الخبيثاتُ مِن القولِ
للخبيثين من الرجالِ ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن
القولِ للطيبين مِن الرجالِ ، والطيبون مِن الرجالِ للطيباتِ مِن القولِ، فهذا فى
الكلام، وهم الذين قالوا لعائشةً ما قالوا ، هم الخبيثون . والطيبون هم المبرَّءُون مما قال
الخبيثون .
حدَّثنا أبو زرعةً ، قال : ثنا أبو نُعَيم ، قال: ثنا سلمةُ ، يعنى ابنَ نُبَيْطِ الأشجعيَّ،
عن الضحاكِ: ﴿ الْخَبِيئَتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾. قال: الخبيثاتُ مِن الكلام للخبيثين مِن
الناسِ ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيبين مِن الناسِ(١).
قال : ثنا قبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ وعثمانَ بنِ الأسودِ، عن
مجاهدٍ : ﴿اٌلْخَبِيْثَتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَبِشَتِ وَالطَّيْبَتُ لِلَِّينَ وَالطَِّبُونَ
لِلَّيِّبَنِّ﴾. قال : الخبيثاتُ مِن الكلام للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسٍ
للخبيثاتِ مِن القولِ ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسٍ
للطيباتِ مِن القولِ .
(١) أخرجه الطبرانى ١٥٧/٢٣، ١٥٨ (٢٤٤) من طريق محمد بن ثور به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٥٥/٢ .
(٣) أخرجه الطبرانى ١٥٧/٢٣ (٢٤٢) من طريق سلمة به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٥ إلى عبد
ابن حميد .
٢٣٦
سورة النور : الآية ٢٦
١٠٨/١٨
/قال: ثنا سفيانُ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: ﴿اٌلْفِيشَتُ
لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَبِيشَتِّ وَالطَّيِّبَتُ لِلِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَّيِّبَنِّ﴾. قال:
الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن
القول ، والطيباتُ مِن القول للطيبين مِن الناسٍ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ
(١)
مِن القولِ(١).
قال : ثنی محمدُ بنُ أبی٢) بکرِ بنِ مُقَدَّم، قال : أخبرنا یحیی بنُ سعیدٍ ، عن
عبدِ الملكِ ، يعنى ابنَ أبى سليمانَ ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَبِثَتِ﴾. قال: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن
(٣)
الناسِ(١) .
قال : ثنا عباسُ بنُّ الوليدِ النَّرْسِىُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن
قتَادةَ: ﴿ الْخَيْئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِثُونَ لِلْخَبِشَتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَِّينَ وَالَِّبُونَ
لِلطَّيِّبَنِّ﴾. يقولُ: الخبيثاتُ مِن القول والعملِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن
الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ والعملِ(٤) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن طلحةَ بنِ عمرو، عن عطاءٍ، قال :
(١) تفسير سفيان ص٢٢٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٦٢/٨، ٢٥٦٣، والطبرانى ١٥٦/٢٣
(٢٣٩) من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بنحوه .
(٢) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ٥٣٤/٢٤ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٦٢/٨، والطبرانى ١٥٨/٢٣ (٢٤٧) من طريق عبد الملك بن أبى
سليمان به . وعند ابن أبى حاتم : عن مجاهد وسعيد. وعند الطبرانى : عن مجاهد أو سعيد بن جبير. وأخرجه
الطيرانى ١٥٨/٢٣ (٢٤٦) من طريق عبد الملك ، عن القاسم ، عن سعيد قوله .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٦٣/٨، ٢٥٦٤، والطبرانى ١٦٠/٢٣ (٢٥٢) من طريق عباس به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٥ إلى عبد بن حميد.
٢٣٧
سورة النور : الآية ٢٦
﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلَّّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَّيِّبَنِ﴾. قال: الطيباتُ مِن القول للطيبين مِن
الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ، والخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن
الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ(١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : الخبيثاتُ مِن النساءِ للخبيثين مِن الرجالِ ،
والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن النساءِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ فى قولِه :
اٌلْخَبِئَتُ لِلْخَبِشِنَ وَالْخَبِثُونَ لِلْخَبِشَتِ وَاَلَِّبَتُ لِلَِّبِينَ وَالطَِّبُونَ
لِلَطَّبَتِّ﴾. قال: نزَلت فى عائشةَ حينَ رماها المنافقُ بالبهتانِ والفِرْيَةِ، فبرَّأَها
اللَّهُ مِن ذلك. وكان عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيِّ هو خبيثٌ، وكان هو أَوْلَى بأن تكونَ له الخبيثةُ
ويكونَ لها ، وكان رسولُ اللَّهِ مَِّهِ طيبًا، وكان أَوْلَى أن تكونَ له الطيبةُ، وكانت
عائشةُ الطيبةَ، وكانَ أَوْلَى أن يكونَ لها الطيبُ، ﴿أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ .
قال: هلهنا بُرَّئتْ عائشةُ. ﴿لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾(٢).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ فى تأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عَنَى بالخبيثاتِ : الخبيثاتِ مِن
القولِ، وذلك قبيحُه وسيتُه، للخبيثين مِن الرجالِ والنساءِ، والخبيثون مِن الناسِ
للخبيثاتِ مِن القولِ هم بها أَوْلَى ؛ لأنَّهم أهلُها ، والطيباتُ مِن القولِ ، وذلك حسنُه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٥ إلى عبد بن حميد. وأخرجه الطبرانى ١٥٩/٢٣ (٢٤٩) من طريق
طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٦٢/٨، ٢٥٦٤، والطبرانى ١٥٦/٢٣، ١٦٢ (٢٤٠، ٢٥٨) من
طریق أصبغ بن الفرج ، عن ابن زید .
٢٣٨
سورة النور : الآية ٢٦
وجميلُه ، للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ ؛ لأنَّهم أهلُها
وأحقُّ بها .
وإنما قُلْنا : هذا القولُ أَوْلَى بتأويل الآيةِ ؛ لأنَّ الآياتِ قبلَ ذلك إنما جاءت بتوبيخ
اللَّهِ للقائلين فى عائشةَ الإِفكَ، والرامين المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ ، وإخبارِهم ما
خَصَّهم به على إفكِهم ، فكان ختمُ الخبرِ عن أَوْلَى الفريقين بالإفكِ مِن الرامى والمرمىّ
به ، أشبهَ مِن الخبرِ عن غيرِهم .
١٠٩/١٨
/ وقولُه: ﴿أُوْلَكِكَ مُبَُّونَ﴾. يقولُ: الطَّبون مِن الناسِ مبرَّءون مِن
خبيثاتٍ القولِ ، إن قالوها فإنَّ اللَّهَ يَصفحُ لهم عنها، ويَغْفِرُها لهم، وإن قِيلت فيهم
ضرَّت قائلَها ولم تَضرَّهم، كما لو قال الطَّيِّبَ مِن القولِ الخبيثُ مِن الناسِ لم يَنْفَعْه
اللَّهُ به ؛ لأنَّ اللَّهَ لا يتقبثُلُه، ولو قِيلت له لضرَّتْه؛ لأنه يَلْحَقُه عارُها فى الدنيا وذلُّها فى
الآخِرةِ .
کما حدّثنا الحسنُ ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابنِ أُبی
تَجَيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: فمَن كان طيًِّا فهو مُبَّأْ مِن
كلِّ قولٍ خبيثٍ ، يقولُ: يغفِرُه اللَّهُ. ومَن كان خبيثًا فهو مُبَأْ مِن كلِّ قول صالحٍ،
فإنه يَؤُدُّه اللَّهُ عليه ، لا يقبلُه منه(١).
وقد قِيل: عُنِى بقولِه: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَا يَقُولُونَ﴾: عائشةُ وصفوانُ بنُ
المُغَطِّل الذى رُمِيت به. فعلى هذا القولِ قيل: ﴿ أُوْلَئِكَ﴾. فجُمِع، والمرادُ ذانِك،
كما قيل: ﴿فَإِن كَانَ لَهُوَ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]. والمرادُ أخوَان.
(١) تفسير عبد الرزاق ٥٥/٢. وهو بعض الأثر المتقدم فى ص ٢٣٥.
٢٣٩
سورة النور : الآيتان ٢٦، ٢٧
وقولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهؤلاءِ الطيِّبين مِن الناسِ مغفرةٌ مِن اللَّهِ
الذنوبِهم، والخبيثِ مِن القولِ إن كان منهم، ﴿ وَرِزْقُ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم
أيضًا مع المغفرةِ عَطيةٌ مِن اللَّهِ كريمةٌ، وذلك الجنةُ وما أَعِدَّ لهم فيها مِن الكرامةِ .
كما حدَّثنا أبو زرْعةً ، قال : ثنا العباسُ بنُّ الوليدِ النَّرْسِىُّ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ
زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ : مغفرةٌ
الذنوبِهم، ورزقٌ كريمٌ فى الجنةِ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرَ بُوتِكُمْ
حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَبٌِّ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(٢٧
اختلف أهلُ التأويلِ فى ذلك ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: يأيها الذين آمنوا لا
تَدخُلوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذنوا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرأ: (لا تَدْخُلوا بيوتاً غيرَ بيوتكم حتى تستأذِنوا
(٢)
وتُسَلِّموا على أهلِها). قال: وإنما ﴿ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ وَهْمٌّ مِن الكتَّابِ (١) .
(١) أخرجه الطبرانى ١٦٢/٢٣ (٢٥٩) من طريق عباس به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٥ إلى عبد
ابن حميد .
(٢) فى م: ((تستأنسوا)).
(٣) أخرجه البيهقى فى الشعب (٨٨٠٢) من طريق هشيم به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٦٦/٨،
والبيهقى فى الشعب (٨٨٠١)، والضياء فى المختارة ٩١/١٠ (٨٧) من طريق أبى بشر به بنحوه ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٥ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى فى
المصاحف .
٢٤٠
سورة النور : الآية ٢٧
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى بشرٍ ، عن
سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى هذه الآية: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُوُنَا غَرَ بُوتِكُمْ
حَّا تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَاَ﴾. وقال: إنما هى خطأ مِن الكتَّابِ (١):
(حتى تستأذنوا وتُسلِّموا)(٢) .
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا وَهْبُ بنُ جريرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبی بشرٍ ، عن
سعيدِ بنِ جُبيرٍ بمثله، غيرَ أنَّه قال: إنما هى: (حتى تَستَأذنوا). ولكنها سقَطٌ مِن
الكاتب .
١١٠/١٨
/ حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةً، قال: ثنا معاذُ بنُ سليمانَ، عن
جعفرٍ بنٍ إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿حَتَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى
أَهْلِهَأَ﴾. قال: أخطأَ الكاتبُ. وكان ابنُ عباسٍ يقرأُ: (حتى تَسْتَأْذِنُوا
وَتُسَلِّمُوا). وكان يقرؤُها على قراءةٍ أُبىّ بنِ كعبٍ(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال : ثنا سفيانُ، عن الأعمش أنه كان
يقرؤُها: (حتى تَشْتأَذِنوا وتُسَلِّمُوا). قال سفيانُ: وبلَغنى أنَّ ابنَ عباسٍ كان
يقرؤُها: (حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا). وقال: إنها خَطَأُ مِن الكاتبٍ (٤) .
= وقال أبو حيان فى البحر المحيط ٤٤٥/٦: ومن روى عن ابن عباس أن قوله : ﴿ تستأنسوا ﴾
خطأ أووهم من الكاتب وأنه قرأ ( حتى تستأذنوا ) فهو طاعن فى الإسلام ملحد فى الدين ، وابن عباس
برىء من هذا القول .... وقال ابن كثير فى تفسيره ٣٨/٦: وهذا غريب جدًّا عن ابن عباس.
(١) فى م: (( الكاتب)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨/٦ عن المصنف ، وأخرجه البيهقى فى الشعب (٨٨٠٤)، والضياء فى
المختارة ٩٠/١٠ (٨٦) من طريق شعبة به، وأخرجه الحاكم ٣٩٦/٢، والبيهقى فى الشعب (٨٨٠٣) من
طريق شعبة ، عن أبى بشر، عن مجاهد ، عن ابن عباس بنحوه .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨/٦.
(٤) تفسير سفيان ص ٢٢٤ بنحوه مختصرًا .