Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة النور : الآيتان ٦ ، ٧
يا رسولَ اللهِ ، بأبى وأمّى، واللهِ إنى لأعرفُ أنها من اللـهِ، وأنها حقٌّ، ولكنْ عجِبت لو
وجدتُ لَكاعٍ قد تفخَّذها رجلٌ ، لم يكنْ لى أن أَهيجَه ( ولا أحرٌّكَه، حتى آتَىَ بأربعةٍ
شهداءَ، واللهِ لا آتِى بأربعة شهداءَ، حتى يفرغَ من حاجتِهِ. فواللهِ ما لبِئُوا إلا يسيرًا
حتى جاء هلالُ بنُ أميةً من حديقةٍ له، فرأى بعينيه (١) وسمِع بأذنيه ، فأمسك حتى
أصبحَ، فلما أصبح غدا على رسولِ اللهِ ◌ٍّ وهو جالسٌ مع أصحابِه، فقال : يا
رسولَ اللهِ ، إنى جئتُ أهلى ◌ِشاءً فوجدْتُ رجلًا مع أهلى ، رأيت بعينيَّ، وسمعت
بأذنىَّ. فكرِهَ رسولُ اللهِ عَّهِ ما أتاه به وثَقُل عليه جدًّا حتى عُرف ذلك فى وجهِه ،
فقال هلالٌ : واللهِ يا رسولَ اللهِ ، إنى لأُرى الكراهةَ(٣) فى وجهِك مما أتيتُك به، واللهُ
يعلمُ أنى صادقٌ، وما قلت إلا حقًّا، وإنى(٤) لأرجو أن يجعلَ اللهُ فرجًا. قال:
واجتمعت الأنصارُ، فقالوا: ابتُلينا بما قال سعدٌ ، أيُجلدُ هلالُ بنُ أميةَ ، وتبطُلُ شهادتُه
فى المسلمين ؟ فهمَّ رسولُ اللهِ يِّهِ بضربِهِ، فإنه لكذلك يريدُ أن يأْمُرَ بضربِه،
ورسولُ اللهِ مَّهِ جالسٌ مع أصحابِه، إذ نزل عليه الوحى ، فأمسك أصحابُه عن
كلامِه حينَ (١) عرفوا أن الوحىَ قد نزَل، حتى فرَغ، فأنزل اللهُ: ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ
وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآَهُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى: ﴿ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾.
فقال رسولُ اللهِ مَّهِ: ((أبشِرْيا هِلالُ، فإن اللهَ قد جعلَ فَرَجًا)). فقال: قد كنتُ
أرجو ذلك من اللهِ. فقال رسولُ اللهِ مَّاله: ((أرسِلوا إليها)). فجاءت، فلما اجتمعا
(١ - ١) سقط من: ت٢ .
(٢) فى ت٢: ((بعينه).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((الكراهية)).
(٤) فى م، ت١، ف: (( فإنى)) .
(٥) فى ص، ف: (( حتى)).

١٨٢
سورة النور : الآيتان ٦، ٧
عندَ رسولِ اللهِ مَِّ قيل لها، فكذَبت. فقال رسولُ اللهِ مَّهِ: ((إن اللهَ يعلَمُ أن
أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟)). فقال هلالٌ: (يا رسولَ اللهِ، بأبى وأمّى،
لقد صدَقتُ، وما قلتُ إلا حقًّا. فقال رسولُ اللهِ مََّفيِ: ((لاعِنُوا بينَهما)). قيل
لهلالٍ، يا هلالُ، اشهدْ. فشهِد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين. فقيل له عندَ
الخامسةِ ) : يا هلالُ، اتقِ اللهَ، فإن عذابَ اللهِ أشدُّ من عذابِ الناسِ، وإنها الموجبةُ
التى توجِبُ عليك العذابَ. فقال هلالٌ: واللهِ لا يعذِّبُنى اللهُ(١) عليها، كما لم
يَجلدْنى عليها رسولُ اللهِ [٤٥٦/٢ ظ] عَ ◌ّهِ. فشهِد الخامسةَ: أن لعنةَ اللَّهِ عليه إن كان
من الكاذبين . ثم قيل لها : اشهدى . فشهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين .
فقيل لها عندَ الخامسةِ: اتقى اللهَ، فإن عذابَ اللهِ أشدُّ من عذابِ الناسِ، وإن
هذه الموجبةُ التى تُوجبُ عليك العذابَ. فتلكّأت ساعةً، ثم قالت : واللهِ لا
أفضَحُ قومى. فشهِدت الخامسةَ: أن غَضَبَ اللَّهِ عليها إن كان من الصادقين .
ففرَّق بينَهما رسولُ اللهِ عَّهِ، وقضَى أن الولدَ لها، ولا يُدعَى لأُبٍ، ولا يُرمَى
(٣)
ولأُها(٣).
حدَّثنى أحمدُ بنُ محمد الطُّسىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الحسينُ بنُ محمدٍ ،
قال : ثنا جريرُ بنُ حازم، عن أيوبَ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا قذَف
(١ - ١) سقط من: ت٢ .
(٢) بعده فى ت٢: ((أشد من عذاب الناس)).
(٣) أخرجه الطيالسى (٢٧٨٩)، وأحمد ٣٣/٤ (٢١٣١)، وأبو داود (٢٢٥٦) مختصرًا، وأبو يعلى
(٢٧٤٠، ٢٧٤١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٣٣/٨، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٣٧، والبيهقى
٣٩٤/٧ من طريق عباد بن منصور به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر
وابن مردويه .

١٨٣
سورة النور : الآيتان ٦، ٧
هلالُ بنُ أَميَّةَ امرأتَه، قيل له : واللهِ لَيجِدَنَّك رسولُ اللهِ مِّعِ ثمانين جلدةً . قال:
اللهُ أعدلُ من ذلك، أن يضربَنى ضربةً وقد علِم أنى /قد رأيتُ حتى استيقَنتُ، ٨٤/١٨
وسمِعتُ حتى استثبَتُّ ، لا واللهِ ، لا يضربُنى أبدًا . فنزَلت آيَةُ الملاعنةِ ، فدعا بهما
رسولُ اللهِ عَلَّهِ حينَ نزلت الآيةُ، فقال: ((اللهُ يعلمُ أن أحدَ كما كاذبٌ ، فهل منكما
تائبٌ؟)). فقال هلالٌ: واللهِ إنى لصادقٌ. فقال له: ((احلِفْ باللهِ الذى لا إلهَ إلا
هو : إنى لصادقٌ )). يقولُ ذلك أربعَ مراتٍ ، فإن كنتُ كاذبًا فعلىَّ لعنةُ اللهِ . فقال
رسولُ اللهِ عِلّهِ: ((قِفوه عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ)). فحلَف، ثم قالت أربعًا:
واللهِ الذى لا إله إلا هو: إنه لمن الكاذبين ، فإن کان صادقًا فعليها غضبُ اللهِ . وقال
رسولُ اللهِ عَّ ◌َله: ((قِفوها عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ)). فتردَّدت وهمَّت
بالاعترافِ ، ثم قالت : لا أفضح قومى(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشام الرفاعىُ، قالا: ثنا عبدةُ، عن الأعمشِ، عن
إبراهيمَ ، عن علقمةً، عن عبدِ اللهِ ، قال: كنا ليلة الجمعةِ فى المسجدِ ، فدخل رجلٌ
فقال: لو أن رجلًا وجدَ مع امرأتِه رجلًاً فقتله قتلتموه(١) ؟ وإن تكلّم جلد تموه؟ فذُكر
ذلك لرسولِ اللهِ عَّهِ، فَأَنزَل اللهُ آيَةً (٢) اللِّعانِ. ثم جاء الرجلُ بعدُ، فقذَف امرأته،
فلاعَن رسولُ اللهِ عَلَّه بينَهما، فقال: ((عسى أن تجىءَ به أسودَ جَعدًا)) . فجاءت به
أسودَ جَعْدًا(٤).
(١) أخرجه أحمد ٢٧٤/٤ (٢٤٦٨)، والحاكم ٢٠٢/٢، والبيهقى ٣٩٥/٧ من طريق الحسين بن محمد
المروزى به .
(٢) فى ت٢: ((فقتلتموه)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((آيات)) وهى لفظة ابن ماجه .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٤٠٥، ومسلم (١٤٩٥)، وابن ماجه (٢٠٦٨)، والبيهقى ٣٣٧/٨ من طريق =

١٨٤
سورة النور : الآيتان ٦، ٧
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبی
سليمانَ، عن سعيد بن جبيرٍ ، قال : سألتُ ابنَ عمرَ ، فقلتُ : يا أبا عبد الرحمنِ،
أَيُفرّقُ(١) بينَ المتلاعنَين؟ فقال: نعم ، سبحانَ اللهِ ! إن أولَ من سأل عن ذلك فلانٌ ؛
أتى النبيَّ عَّمِ فسأله، فقال: أرأيتَ لو أن(١) أحدنا رأى صاحبتَه على فاحشةٍ، كيف
يصنعُ؟ فلم يُجِبْه فى ذلك شيئًا . قال: فأتاه بعدَ ذلك فقال : إن الذى سألتُ عنه قد
ابتُليتُ به . فأنزل اللهُ هذه الآيةَ فى سورةِ ((النورِ))، فدعا الرجلَ فوعَظه وذكَّره، وأخبره
أن عذابَ "الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ". قال: والذي بعثك بالحقِّ ، لقد رأيتُ وما
كذَبتُ عليها . قال: ودعا المرأةَ فوعَظها، وأخبرها أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذابٍ
الآخرةِ . فقالت : والذي بعثك بالحقِّ ( إنه لكاذبٌ، وما رأى شيئًا) . قال فبدأ الرجلُ،
فشهِد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين، والخامسةً أن لعنةَ اللهِ عليه إن كان من
الكاذبين . ثم إن المرأةَ شهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين ، والخامسةً أُن غضَبَ
اللهِ عليها إن كان من الصادقين، وفّق(٥) بينَهما(٦).
= عبدة به. وأخرجه أحمد ١٠٥/٧، ٣١٢ (٤٠٠١، ٤٢٨١)، ومسلم (١٠/١٤٩٥)، وأبو داود
(٢٢٥٣)، وأبو يعلى (٥١٦١)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٣٨، والبيهقى ٤٠٥/٧ من طريق
الأعمش به .
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((يفرق))، وفى ف: ((تفرق)).
(٢) فى ف: ((كان )).
(٣ - ٣) فى ت٢: (( الله أشد من عذاب الدنيا)).
(٤ - ٤) فى ت٢: ((ما رأى شيئًا وإنه لكاذب)).
(٥) فى ت٢: ((ففرق)).
(٦) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٣٥٨) من طريق جرير به. وأخرجه أحمد ٢١٠/٨، ٣١٩، ٥٢/٩
(٤٦٠٣، ٤٦٩٣، ٥٠٠٩)، والدارمى ٢/ ١٥٠، ١٥١، ومسلم (١٤٩٣)، والترمذى (١٢٠٢،
٣١٧٨)، والنسائى (٣٤٧٣)، وفى الكبرى (١١٣٥٧)، وأبو يعلى (٥٦٥٦، ٥٧٧٢)، وابن الجارود =

١٨٥
سورة النور: الآيتان ٦ ، ٧
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن داودَ ، عن عامرٍ ، قال : لما أُنزِل :
وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثَُ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾. قال عاصمُ
ابنُّ عدىٍّ : إن أنا رأيتُ فتكلَّمتُ جُلِدتُ ثمانين، وإن أنا سكَتُّ سكَتُّ على الغيظِ ؟
قال: فكأنَّ ذلك شقَّ على رسولِ اللهِ مَّ له. قال: فأنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ
أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَاءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾. قال: فما لبِثُوا إلا جمعةً حتى كان بينَ رجلٍ
من قومِه وبينَ امرأتِه، فلاعَن رسولُ اللهِ ◌َِّمٍ بينَهما(١).
/حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، هن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ ٨٥/١٨
قولَه: ﴿ وَلَِّنَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية. والخامسةُ : أن
يُقالَ له : إن عليك لعنةَ اللهِ إن كنتَ من الكاذبين . وإن أقرت المرأةُ بقولِه رُجمت،
وإن أنكَرت شهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ : إنه لمن الكاذبين. والخامسةَ أَن يُقالَ لها :
غضَبُ اللهِ عليكِ إِن كان(٢) من الصادقين. فيُدرَأُ عنها(٢) العذابُ، ويُفرَّقُ بينَهما ،
فلا يجتمعان أبدًا، ويُلحقُ الولدُ بأمّه(٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجريجٍ، عن
عكرمةَ قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾. قال: هلالُ بنُ أَميَّةَ، والذى رُميَتْ به
= (٧٥٢)، وابن حبان (٤٢٨٦)، والبيهقى ٧ /٤٠٤، من طريق عبد الملك بن أبى سليمان به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٢٨/٨ من طريق حصين بن نمير عن الشعبى به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢١/٥ إلى ابن مردويه .
(٢) فى ص، ت١، ف: (( كنت)).
(٣) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، ف .
(٤) تقدم تخريجه ص ١٨٠ - ١٨٢.

١٨٦
سورة النور : الآيتان ٦ ، ٧
شريكُ ابنُ سحماءً(١)، والذى اسْتَفْتَى (" عاصمُ بنُ عدىّ) .
قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجريج، قال: أخبرنى الزهرىُّ عن الملاعنةِ والسنةِ
فيها، عن حديثٍ سهلِ بنِ سعدٍ، أن رجلاً [٤٥٧/٢ و] من الأنصارِ جاء إلى
النبيِّ عَظَهِ، فقال: أرأيتَ(٢) رجلًا وجَد مع امرأته رجلًا، أيقتلُه فتقتلونه، أم كيف
يفعلُ؟ فأنزل اللهُ فى شأنِهِ ما ذكّر من أمرٍ المتلاعنَينْ، فقال رسولُ اللهِ عَ له: ((قد
قضَى اللهُ فيك وفى امرأتِك)). فتلاعَنا وأنا شاهدٌ، ثم فارَقها عندَ
رسولِ اللهِ مَّهِ، فكانت السُّنةُ بعدَها أن يُفرَّقَ بينَ المتلاعنَين. وكانت حاملةً ،
فأنكره، فكان ابنُها يُدعَى إلى أمّه، ثم جرَت السُّنةُ أن ابنَها يرثُها، وتِرِثُ ما
فرَض اللهُ لها(٤) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِن كَانَ مِنَ
اَلْكَذِبِينَ﴾. قال : إذا شهِد الرجلُ خمسَ شهاداتٍ، فقد برِئَّ كلُّ واحدٍ من الآخرِ ،
وعِدَّتُها إِن كانت حاملاً أن تضعَ حملها، ولا يُجلَدُ واحدٌ منهما، وإن لم تحلفْ (٥)
أُقيم عليها(٢) الحدُّ والرجمُ(٧).
(١) فى ت١، ت٢: ((سمحا)). وينظر الإصابة ٣/ ٣٤٤.
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((عدى بن عاصم)).
(٣) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لو أن )).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٤٤٦) - ومن طريقه البخارى (٥٣٠٩)، ومسلم (٣/١٤٩٢) - عن
ابن جریج به .
(٥) فى ص، ف: ((يحلف)).
(٦) فى ت١، ت٢: ((عليه)).
(٧) بعده فى ت٢: ((والله أعلم )).

١٨٧
سورة النور : الآيتان ٦ ، ٧
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهْدَاتٍ
٨
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ
◌ِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِنَ
٩
الصَّدِقِينَ
يعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿ وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ ﴾: ويدفعُ عنها الحدَّ .
واختلَف أهلُ العلم فى العذابِ الذى عناه اللهُ فى هذا الموضع أنه
يدرؤُه عنها شهاداتُها(١) الأربع؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذى قلنا فى ذلك، من
أن (٢) الحدَّ(٣) جَلدُ مائةٍ إن كانت بكرًا، أو (٤) الرجمُ إن كانت ثيّبًا قد
أُحصِنت.
وقال آخرون: بل ذلك الحبسُ. وقالوا: الذى يجبُ عليها إن هى لم
تشهدِ الشهاداتِ الأربعَ بعدَ شهاداتِ الزوج الأربع والْتِعانِه، الحبسُ دونَ
الحدِّ .
وإنما قلنا : الواجبُ عليها إذا هى امتنعت من الالْتِعانِ بعد الْتِعانِ الزوج، الحدُّ
الذى وصَفنا، قياسًا على / إجماع الجميع على أن الحدَّ إذا زال عن الزوج ٨٦/١٨
بالشهاداتِ (٥) الأربع، على تصديقه فيما رماها به - أن الحدَّ عليها واجبٌ . فجعل
اللَّهُ أيمانَه الأربعَ، والْتعانَه فى الخامسةِ، مَخْرجًا له من الحدِّ الذى يجبُ لها برميه
(١) فى ف، ت١: ((شهادتها)).
(٢) فى ص، ت١: ((أنه)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((الجلد).
(٤) فى ت١: (( و)).
(٥) فى ص، ف: ((بالشهداء)).

١٨٨
سورة النور : الآيتان ٨، ٩
إياها، كما جعَل الشهداءَ الأربعةَ مَخْرجًا له منه فى ذلك، وزائلاً به عنه الحدُّ ،
فكذلك الواجبُ أن يكونَ بزوالِ الحدِّ عنه بذلك، واجبًا عليها(٢) حدّها، كما
كان بزوالِه عنه بالشهودِ واجبًا عليها، لا فرقَ بينَ ذلك، وقد استقصینا العللَ فی
ذلك فى بابِ اللعانِ من كتابِنا المسمَّى ((لطيفُ القولِ فى شرائع الإسلامِ))، فأُغنَى
عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
وقولُه: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتِ بِاللهِ﴾. يقولُ: ويدفعُ عنها العذابَ
أن تحلِفَ باللَّهِ أربعَ أيمانٍ أن زوجها الذى رماها بما رماها به من الفاحشةِ()
﴿ لَمِنَ اَلْكَذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنى .
وقولُه: ﴿وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن﴾ الآية. يقولُ: والشهادةُ
الخامسةُ: أن غضَبَ اللَّهِ عليها إن كان زوجها فيما رماها به من الزنى ﴿مِنَ
الصَّدِقِينَ﴾ .
ورُفِع قولُه : (الخامسةُ) فى كلتا الآيتين، بـ ((أن)) التى تليها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوَلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهُ تَوَّابُ
حَكِيمُ
.
يقولُ تعالى ذكره : ولولا فضلُ اللَّهِ عليكم أيُّها الناسُ ورحمتُه بكم، وأنَّه عَوّادٌ
(١ - ١) سقط من: ت٢ .
(٢) فى ت١: ((عليه)) .
(٣) فى ت١، ت٢ ((فى)).
(٤) بعده فى ت١: ((إنه)).
(٥) فى ت٢: ((رمى)).

١٨٩
سورة النور : الآيات ٧ - ٩
على خلقِه بلُطْفِه وطَوْلِه، حكيمٌ فى تدبيرِه إياهم ، وسياستِه لهم ، لَعاجلَكم بالعقوبةِ
على معاصِيكم، وفضَح أهلَ الذنوبِ منكم بذنوبهم(١)، ولكنَّه ستَر عليكم
ذنوبكم ، وترَك فضيحتكم بها عاجلًا ؛ رحمةً منه بكم ، وتفضلًا عليكم ، فاشكروا
نِعَمَه ، وانتهُوا عن التقدُّمِ عمَّا نهاكم عنه من معاصِیه .
وترَك الجوابَ فى ذلك اكتفاءً بمعرفةِ السامعِ المرادَ منه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّاً
◌َّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِيٍ مِنْهُم مَّا أَكْتَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَلَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ
عَذَابٌ عَظِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جاءوا بالكذبِ والبُهتانِ ﴿ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ .
يقولُ: جماعةٌ منكم أيُّها الناسُ، ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. يقولُ :
لا تظنُّوا ما جاءوا به من الإفكِ شرًّا لكم عندَ اللَّهِ وعندَ الناسِ ، بل ذلك خيرٌ لكم
عندَهُ(١) وعندَ المؤمنين؛ وذلك أن اللَّهَ يجعلُ ذلك كَفّارةً للمرمىِّ ( به، ويُظهرُ براءتَه
مما رُمِی به، وبجعلُ له منه مخرجًا .
[٤٠٧/٢ظ] وقيل: إن الذين عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِآلْإِفِكِ عُصْبَةٌ
مِنْكُمْ﴾. جماعةٌ منهم حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَعُ بنُ أَثاثةَ، وحَمنةُ بنتُ
جحش .
(١) فى ت٢: ((بذنوبكم)).
(٢) فى ت ١: ((عند الله)).
(٣) فى ت ١، ف: ((للرمى))، وفى ت ٢: (( المرمى)).

١٩٠
سورة النور : الآيتان ١٠، ١١
كما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ ، قال : ثنا أبى ، قال: ثنا أبانٌ العطارُ،
قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ ، أنه كتب إلى عبدِ الملكِ بنِ مروانَ: كتَبتَ إِلىَّ
تسألُنى فى الذين جاءوا بالإفكِ، وهم كما قال اللَّهُ: ﴿ إِنَّ(١) الَّذِينَ جَاءُو بِلْإِفْكِ
عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾. وأنه لم يُسَمَّ منهم(١) إلا حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أثاثةَ ،
وحَمْنةُ بنتُ جَحْشٍ، وهو يقالُ فى آخرينَ لا علمَ لى بهم ، غيرَ أنهم عصبةٌ كما قال
للَّهُ (٣) ..
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ مجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿جَآءُو بِالْإِفِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾: هم أصحابُ عائشةً(٤).
٨٧/١٨
قال ابنُ مجرَيجٍ: قال ابنُ عباسٍ قولُه: ﴿ جَآءُو بِالْإِفِكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ الآية:
الذين اقْتَرَوا على عائشةً؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أَتَىِّ، وهو الذى تولَّى كِثْرَه، وحسانُ بنُ
ثابتٍ ، ومِسْطَحٌ، وحَشْنةُ بنتُ جحشٍ(٥) .
حُدِّثتُ عن الحسين ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ الَّذِينَ جَآءُو بِالْإِفِكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ : الذين قالوا لعائشةً
(١) فى ص، ت ١: ((و)).
(٢) بعده فى ص، م، ت ٢، ف: ((أحد)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٥ إلى المصنف وابن المنذر، وأخرجه الطبرانى ١٣٧/٢٣ (١٨٢) من
طريق حماد بن زيد ، عن هشام قوله .
(٤) أخرجه الطبرانى ١٣٤/٢٣ (١٧٠) من طريق ابن أبى نجيح، عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٢/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) أخرجه الطبرانى ١٣٤/٢٣ (١٦٩) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٥ إلى
المصنف وابن المنذر .

١٩١
سورة النور : الآيات ٨ - ١٠
الإفكَ والبهتانَ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
جَآءُو ◌ِلْإِقِكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. قال: الشرّلكم
بالإفكِ الذى قالوا ، الذى تكلَّموا به كان شرًّا لهم، وكان فيهم مَن لم يقُلْه ، إنما
سمِعه، فعاتَبهم اللَّهُ، فقال أوّلَ شىءٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا
تَحْسَبُوهُ شَرًّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. ثم قال: ﴿ وَلَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ
عَظِيمٌ
وقولُه: ﴿لِكُلِّ أَمْرِيٍ مِنْهُم مَّا أَكْتَبَ مِنَ اُلْإِثْمِّ﴾. يقولُ: لكلِّ امرئُ
من الذين جاءوا بالإفكِ جزاءُ ما اجترَم من الإثم - بمجيئِه بما جاء به من الإفكِ (١) -
عندَ(٢) اللَّهِ .
وقولُه: ﴿وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ﴾. يقولُ: والذى تحمَّل معظمَ ذلك الإثم
والإفكِ منهم هو الذى بدأ بالخوضِ فيه .
كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: الذى بدَأ
(٣)
بذلك (٣) .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الأولى))، وفى ف: ((الأول))، ولعل الصواب ما أثبتناه ، وما جاء
بالنسخ محرف عنه .
(٢) فى ص، م، ف: ((عبد)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٤٥/٨ من طريق أبى معاذ به .

١٩٢
سورة النور : الآية ١١
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. قال: أصحابُ عائشةَ(١)؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أبيّ ابنُ سَلُولَ،
ومِسْطَعٌ، وحَسّانُ(٢) .
قال أبو جعفرٍ : له من اللَّهِ عذابٌ عظيمٌ يومَ القيامةِ .
وقد اختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿كِبْرَهُ﴾؛ فقرَأَت ذلك عامةُ قرأةٍ
الأمصارِ: ﴿كِبْرَمُ﴾ بكسرِ الكافِ، سوى حُميدٍ الأعرج، فإنه كان يقرؤُه :
(ُبْرَهُ)(١) . بمعنى: والذى تحمَّل أكبَرَه.
وأولى القراءتين فى ذلك بالصوابِ القراءةُ التى عليها عوامُ القرأةِ، وهى كسرُ
الكافِ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليها، وأن ((الكِبرَ)) بالكسرِ ، مصدرُ الكبيرِ من
الأمورِ، وأن ((الكَبْرَ)) بضمِّ الكافِ ، إنما هو من الولاءِ والنسبِ، من قولهم: هو
كُبْرُ(٤) قومِه . والكِبرُ فى هذا الموضعِ هو ما وصَفنا من معظمِ الإثم والإفكِ. فإذا كان
ذلك كذلك ، فالكسرُ فى كافِه هو الكلامُ الفصيحُ ، دونَ ضمِّها ، وإن كان لضمها
وجة مفهومٌ .
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف .
(٢) سقط من: ت١، ت٢، ت ٣، ف .
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٤٥/٨، والطبرانى ١٣٨/٢٣ (١٨٣) من طريق ورقاء عن
ابن أبى نجيح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٥ إلى الفريانى وعبد بن حميد. وينظر ما تقدم فى
الصفحة السابقة .
(٣) وبها قرأ يعقوب - من العشرة - وأبو رجاء وسفيان الثورى ويزيد بن قطيب، وقرأ الباقون بكسرها. النشر
فى القراءات العشر ٢٤٨/٢ .
(٤) بعده فى ت ١: (( فى).

١٩٣
سورة النور : الآية ١١
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿ وَالَّذِى تَوَلَّ كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية؛
فقال بعضُهم : هو حسانُ بنُ ثابتٍ .
٨٨/١٨
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعَةَ ، قال: ثنا مَسْلَمةُ بنُ علقمةَ ، قال : ثنا داودُ ، عن عامٍ ،
أن عائشةَ قالت: ما سمِعتُ بشىءٍ أحسنَ من شعرِ حسانَ ، وما تمثّلتُ به إلا رجَوتُ
له الجنةَ؛ قولُه لأبى سفيانَ(١):
وَعِنْدَ اللَّهِ فِى ذَاكَ الجَزَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فأَجَبْتُ عَنْهُ
لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
فإنَّ أبى وَوَالِدَهُ وَعِرْضِى
فَشَرُكُمَا لَخَّرِكُما الغِدَاءُ
أَتَشْتُمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ
وبَحْرِى لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ
لِسانِى صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ
فقيل: يا أمَّ المؤمنين، أليس هذا لغوًا؟ قالت: لا ، إنما اللَّغْوُ ما قيلَ عندَ
النساءِ. قيل: أليسَ اللَّهُ يقولُ: ﴿وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
قالت : أليسَ قد أصابه عذابٌ عظيمٌ؟ أليسَ قد ذهَب بصرُه وكُنِّع
بالسيف(٢)؟
قال: ثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، [٤٥٨/٢ و] قال: ثنا سفيانُ، عن
الأعمشِ، عن أبى الضحى، عن مسروقٍ ، قال: كنتُ عندَ عائشةَ، فدخَل
حسانُ بنُّ ثابتٍ، فأمَرَت فَأَلْقِىَ له وسادةٌ، فلما خرَج قلتُ لعائشةً: ما
(١) دیوان حسان ص ٧٦ .
(٢) كنع بالسيف : ضرب به حتى يبس جلده . اللسان ( ك ن ع ).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٥ إلى المصنف.
( تفسير الطبرى ١٣/١٧ )

١٩٤
سورة النور : الآية ١١
تصنَعين بهذا وقد قال اللَّهُ ما قال؟ فقالت: قال اللَّهُ: ﴿ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقد ذهَب بصرُه، ولعل اللَّهَ يجعلُ ذلك العذابَ العظيمَ ذهابَ
(١)
بصره(١) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ أبى عَدىٍّ، عن شعبةً، عن سليمانَ ، عن
أبى الضحى، عن مسروقٍ ، قال: دخَل حسانُ بنُ ثابتٍ على عائشةً، فشبَّب
بأبياتٍ له، فقال(٢):
وَتُصْبِحُ غَرْثَى(١٢) مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ *
فقالت عائشةُ: أما إنك لستَ كذلك! فقلتُ: تدَعِين هذا الرجلَ يدخُلُ
عليكِ وقد أنزل اللَّهُ فيه : ﴿ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَمُ﴾ الآية؟ فقالت: وأىُّ عذابٍ أشدُ
من العمَى؟ وقالت: إنه كان يدفَعُ عن رسولِ اللَّهِ عَهٍ (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عثمانَ الواسطىُ ، قال: ثنا جعفرُ بنُّ عونٍ، عن المُعَلَّى بنِ
عرفانَ ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ، قال: تفاخَرَت عائشةُ وزينبُ . قال :
فقالت زينبُ: أنا التى نزَل تزويچِى (١). / قال: وقالت عائشةُ: أنا التى نزَل عُذرى فى
٨٩/١٨
(١) أخرجه البخارى (٤٧٥٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٤٥/٨، والطبرانى ١٣٥/٢٣ (١٧٥) من
طرق عن سفيان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.
(٢) عجز بیت لحسان وهو فی دیوانه ص ٢٢٨.
(٣) غرثى : جائعة ، يريد لا تغتاب النساء . اللسان ( غ ر ث ).
(٤) أخرجه مسلم (٢٤٨٨) عن ابن المثنى به ، وأخرجه البخارى (٤٧٥٦) من طريق ابن أبى عدى به،
وأخرجه ابن أبى شيبة ٥١٥/٨، ٥١٦، والبخارى (٤١٤٦)، ومسلم (١٥٥/٢٤٨٨)، والطبرانى
١٣٥/٢٣، ١٣٦ (١٧٦ - ١٧٩) من طريق شعبة به .
(٥) بعده فى م: ((من السماء)).

١٩٥
سورة النور : الآية ١١
كتابِهِ حينَ حمَلنى ابنُ المعَطّلِ على الراحلةِ. فقالت لها زينبُ : يا عائشةُ، ما قلتِ
حينَ ركِبتيها؟ قالت: قلتُ: حسبى اللَّهُ ونعم الوكيلُ. قالت: قلتِ كلمةً
. (١)
المؤمنين .
وقال آخرون: هو عبدُ اللَّهِ بنُ أُبِّ ابنُ سَلُولَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه ، عن
عائشةَ، قالت: كان الذين تكلَّموا فيه: المنافقَ عبدَ اللَّهِ بنَ أَبيِّ ابنَ سَلولَ،
وكان يستوشِيه ويجمعُه، وهو الذى تولَّى كِبْرَه، ومِشْطَحًا، وحسانَ بنَ
(٢)
ثابتٍ(٢) .
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال :
ثنا يحيى بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ، عن علقمةَ بنِ وقَّاصٍ وغيرِه أيضًا ، قالوا :
قالت عائشةٌ: كان الذى تولَّى كبرَه الذى يجمعُهم فى بيتِه، عبدَ اللَّهِ بنَ أَبيِّ ابنَ
سَلُولَ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن ابن شهابٍ ،
قال : ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ ، وسعيدُ بنُ المسيبِ ، وعلقمةُ بنُ وقاصٍ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن عائشةَ، قالت: كان الذى تولَّى كبرَه عبدَ اللَّهِ بِنَ أُبىّ(٣).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٥ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٤٤/٨ من طريق أبى أسامة به .
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٣٦٠) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه البخارى (٤٧٤٩)، =

١٩٦
سورة النور : الآية ١١
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنی حجاج، عن ابنٍ مُرَيجٍ، قال :
قال ابنُ عباسٍٍ: ﴿إِنَّ الَِّينَ جَآءُو بِآلْإِفْاِ﴾ الآية: الذين افْتَرَوا على عائشةً؛
عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيِّ، وهو الذى تولَّى كِثْرَه، وحسانُ، ومِسْطَحْ، وحَمنهُ بنتُ
جحشٍ(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ ، قال : ثنا أبى ، قال : ثنا أبانٌ العطارُ، قال:
ثنا هشامُ بنُّ عروةَ فى الذين(١) جاءوا بالإفكِ: يزعمون أنه كان كِبرَ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ
أبىِّ ابنُ سلولَ ، أحدُ بنى عوفٍ بنِ الخزرجِ، وأُخبِرت أنه كان يحدّثُ به عنهم فيقرُّه
ويسمعه ويستوشِیه .
حدَّثنا يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: أما الذى تولَّى كبرَه
منهم ، فعبدُ اللَّهِ بِنُ أَبِىِّ ابنُ سلولَ الخبيثُ ، هو الذى ابتدَأُ هذا الكلامَ، وقال: امرأةٌ
نبيّكم باتت مع رجلٍ حتى أصبَحَت ، ثم جاء يقودُ بها .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾: هو عبدُ اللهِ بنُ أَبيِّ ابنُ سلولَ، وهو (٣)
(٤)
بدَأه(٤)
= والطبرانى ١٣٧/٢٣ (١٨٠) من طريق سفيان، عن معمر ، عن عروة - وحده - به . وسيأتى فى
ص٢١٠.
(١) تقدم تخريجه ص ١٩١ .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف .
(٣) بعده فى ت ١: ((الذى)).
(٤) تقدم تخريجه ص ١٩٢ .

١٩٧
سورة النور : الآية ١١
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الذى تولّى كِبْرَه من عصبةٍ
الإفكِ، كان عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ. وذلك أنه لا خلافَ بينَ أهلِ العلم بالسِّيَرِ، أن الذى
بدَأ بذكرِ الإفكِ، وكان يجمعُ أهلَه ويحدِّثُهم، عبدُ اللَّهِ بنُ أَبيِّ ابنُ سَلُولَ ، وفعلُه
ذلك على ما وصَفتُ، كان تولِّهِ كِبْرَ ذلك الأمرِ .
وكان سببَ مجىءٍ أهلِ الإِفكِ، ما حدَّثنا به ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا
محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، /عن محمدِ بنِ مسلم بنِ عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ ٩٠/١٨
شهابٍ، قال: ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعلقمةُ بنُ
وقّاصٍ ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن حديث عائشةً زوجٍ
النبيِّ عَِّ [٤٥٨/٢ظ] حينَ قال لها أهلُ الإِفكِ ما قالوا، فبرَّأها اللَّهُ، وكلُّهم
حدَّثنى بطائفةٍ من حديثِها، وبعضُهم كان أوعَى لحديثِها من بعضٍ، وأثبتَ
اقتصاصًا(٢)، وقد وعَيتُ عن كلِّ رجلٍ منهم الحديثَ الذى حدَّثنى عن
عائشةً، وبعضُ حديثهم يصدِّقُ بعضًا؛ زعَموا أن عائشةَ زوجَ النبيِّ عَلَّه
قالت: كان رسولُ اللّهِ لَّهِ إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه، فأيَّتُهنّ خرَج سهمُها
خرَج بها. قالت عائشةُ: فَأَقْرَع بينَنا فى غزاةٍ غزاها، فخرَج فيها سهمِى،
فخرَجتُ مع رسولِ اللهِ عَّهِ، وذلك بعدَ ما أَنْزِل الحجابُ، وأنا أَحْمَلُ فى
هَوْدَجى، وأَنْزِلُ فيه، فسِرْنا حتى إذا فرغ رسولُ اللَّهِ وَهِ من غزوِهِ، وقفّل إلى
المدينةِ ، آذَن ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حينَ آذَنُوا بالرحيلِ، فمشَيتُ حتى جاوَزتُ
(١ - ١) فى النسخ: ((عبد الله بن عبيد))، والصواب ما أثبت، ينظر تهذيب الكمال ٤١٩/٢٦.
(٢) فى ت ٢: ((افتضاحًا)).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((وبعضهم حدثنى يصدق بعضه بعضا))، وتنظر مصادر التخريج.

١٩٨
سورة النور : الآية ١١
الجيشَ، فلما قضيتُ شأنى أقبَلتُ إلى الرحلِ، فلمَستُ صدرى، فإِذا عقدٌ لى
مِن جَزْعِ ظَفَارِ (١) قد انقطَع، فرجَعتُ فالتَمستُ عِقدى، فحبَسنى ابتغاؤُه،
وأقبَل الرهطُ الذين كانوا " يُرَدِّلون لى، فاحتمَلوا" هَوْدَجى، فَرَحلوه(١) على
بعيرى الذى كنتُ أركبُ ، وهم يحسبون أنى فيه، وكان النساءُ إذ ذاك خِفافًا،
لم يُهَلْنَ(٤) ولم يَغْشَهن اللحمُ، إنما يأْكُلْن العُلْقةً(٥) من الطعامِ، فلم يستنكرٍ
القومُ ثِقْلَ الهودج حينَ رَحَّلُوه ورفَعوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ، فبعثوا
الجملَ وساروا، فوجَدتُ عِقْدى بعدَ ما استمرّ الجيشُ، فجئتُ منازلهم وليس بها
داعٍ ولا مجيبٌ، فيمَّمتُ(٦) منزِلِى الذى كنتُ فيه، وظنَنتُ أن القومَ سيفقِدونى
ويرجعون إلىَّ، فبينا أنا جالسةٌ فى منزلى، غلَبَتْنى عينى(٢، فنِمتُ حتى
أصبحتُ، وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السَّلَمْىُّ ثم الدَّْوانُ(٨) من وراءِ الجيشِ،
فادّلج(١) فأصبح عند منزِلی، فرأی سواد إنسانٍ نائم، فأتانی فعرفنی حینَ رآنی ،
وكان يرانى قبلَ أن يُضربَ الحجابُ عَلَىَّ(١٢)، فاستيقظتُ باسترجاعِه حينَ
(١) الجزع : ضرب من الخرز، وقيل: هو الخرز اليمانى، وهو الذى فيه بياض وسواد ، وظفار: مدينة باليمن،
ينظر اللسان ( ج زع )، والتاج ( ظ ف ر)، وينظر فتح البارى ٤٥٩/٨.
(٢ - ٢) فى ت ٢: ((يحملون)).
(٣) فى ت ١، ف: ((فترحلوه)).
(٤) فى م: ((يهبلهن))، ويقال: هبله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه بعضا. النهاية ٢٤٠/٥.
(٥) العلقة: البلغة من الطعام . النهاية ٢٨٩/٣.
(٦) فى ص، م، ت ١، ف: ((فتيممت)).
(٧) فى ت ٢: ((عيناى)).
(٨) بعده فی م: ( قد عرس)) .
(٩) الادِلاج: السير من آخر الليل . النهاية ١٢٩/٢ .
(١٠) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.

١٩٩
سورة النور : الآية ١١
عرَفنى، فخَمَّرتُ وجهى بجلبابى - واللَّهِ ما تكلَّمتُ بكلمةٍ، ولا سمِعتُ منه
كلمةً غيرَ استرجاعِه - حتى أناخ راحلته، فوطِىَّ على يديها، فركِبتُها ، فانطلَق
يقودُ بى الراحلةَ، حتى أتَّينا الجيشَ بعدَ ما نزَلوا مُوغِرِينَ(١) فى نحرِ الظهيرةِ(٢)،
فهلَك مَن هلَك فى شأنى، وكان الذى تولَّى كِبْرَه عبدَ اللَّهِ بنَ أَبيِّ ابنَ سلولَ،
فقدِمتُ المدينةَ، فاشتكَيتُ شهرًا، والناسُ يُفِيضون فى قولِ أهلِ الإفكِ، ولا
أشعرُ بشىءٍ من ذلك، وهو يَرِيثنى فى وجَعِى أنى لا أعرفُ من رسولِ اللَّهِ عَهِ
اللُّطْفَ الذى كنتُ أرى منه حينَ أُشتكِى، إنما يدخلُ فيسلِّمُ ثم يقولُ: (( کیف
تِيكُمْ (٣)؟)). فذلك يَرِيبُنى، ولا أشعرُ بالشرّ، حتى خرَجتُ بعدَ ما نَقِهتُ،
فخرجتُ مع أمّ مِسْطَحِ قِبَلَ المناصعِ(٤) ، وهو مُتَبِّزُنا، ولا نخرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ،
وذلك قَبلَ أن نتخذَ الكُفَ قريبًا من بيوتِنا، وأَمْرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ فى التنزُّهِ(٥)،
وكنا نتأذَّى بالكُتُفِ أن نتخذَها عندَ بيوتِنا ، فانطلَقتُ أنا وأمّ مسطح، وهى ابنةُ أبى
رُهْمِ بنِ عبدِ المطلبِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمّها ابنةُ صخرٍ بنٍ عامٍ، خالةُ أبى بكرٍ
الصدِّيقِ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنِ عبادِ بنِ المطّلبِ ، فأقْبَلتُ أنا وابنةُ أبى رُهْمٍ قِبَلَ
بيتى، حينَ فرَغنا من شأنِنا، فعثَرَتْ أمّ مِسْطَح فى مِرْطِها ، فقالت : تَعِس
مِسْطخ! فقلتُ لها: (بِئْسَ ما قلتٍ)! أتشبين رجلًا قد شهِد بدرًا؟ فقالت : أىْ
(١) سقط من: ص ، ت ١، ت ٢.
(٢) نحر الظهيرة : هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع، كأنها وصلت إلى النحر، وهو أعلى الصدر.
النهاية ٢٧/٥.
(٣) ((كيف تيكم)) إشارة إلى المؤنثة مثل ((ذلكم)) فى المذكر. ينظر شرح ابن عقيل ١٣١/١.
(٤) المناصع : المواضع التى يتخلى فيها لبول أو غائط أو لحاجة . اللسان (ن ص ع) .
(٥) فى ت ١، والنسائى: ((التبرز)) . والتنزه : التباعد عن الأرياف والمياه حيث لا یکون ماء ولا ندى ولا
جمع ناس . اللسان ( ن ز هـ ) .
(٦) المرط : كساء من خز أو صوف أو كتان ، وقيل هو الثوب الأخضر . اللسان (م ر ط) .
(٧ - ٧) سقط من: ص ، ت١، ت٢، ف.

٢٠٠
سورة النور : الآية ١١
٩١/١٨ هَنْتَاهُ، أَوَ لم تسمَعى ما قال؟ قلتُ: وما قال؟ فأخبرتنى بقولِ أهلِ /الإفكِ،
فازدَدتُ مَرَضًا على مرضى ، فلما رجَعتُ إلى منزِلِى، ودخَل علىَّ رسولُ اللَّهِ مَ اعِ ،
ثم قال: ((كَيْفَ تِيكُمْ؟)). قلتُ: أتأْذنُ لى أن آتِيَ أبوى؟ قال: ((نعم)). قالت :
وأنا حينئذٍ أريدُ أن أتيقَّنَ(٢) الخبرَ من قِبَلِهما. فأذن لى رسولُ اللَّهِ مَِِّّ، فجئتُ
أبوىَّ، فقلتُ لأمِّى: أى أمَّتاه، ماذا يتحدثُ الناسُ؟ فقالت: أى بُنيةُ ، هوِّنى
عليك، فواللَّهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةً عندَ رجلٍ(١) يحبُها ولها ضرائرُ،
إلا أكثَوْن عليها. قالت: قلت: سبحانَ اللَّهِ ، أَوَقد تحدَّث الناسُ بهذا، وبلغ رسولَ
اللَّهِ عَظِلَّهِ؟ قالت: نعم. قالت : فبكَيتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ ، لا يرقأَّلى دمعٌ،
ولا أكتحِلُ بنومِ ، ثم أصبحتُ، فدخَل علىَّ أبو بكرٍ وأنا أبكِى، [٤٥٩/٢ ظ] فقال
لأمى : ما يُيكيها؟ قالت : لم تكنْ عِلِمَت ما قيل لها . فأكبَّ بيكِى، فبكى ساعةٌ ،
ثم قال : اسكُتى يا بنيةُ . فبكيتُ يومى ذلك، لا يرقأُ لى دمعٌ ، ولا أكتحِلُ بنومٍ ، ثم
بكَيثُ ليلِىَ المقبلَ لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحلُ بنوعٍ، (* ثم بكَيتُ ليلتىَ المقبلةَ، لا
يرقأُ دمعى (٥)، ولا أكتحلُ بنومٍ)، حتى ظنَّ أبواىَ أن البكاءَ سيفلِقُ كبِدی.
فدعا رسولُ اللَّهِ مْظَمِ علىَّ بن أبى طالبٍ وأَسامةَ بنَ زيدِ حينَ استلْبَث
الوحى، يستشِيرُهما فى فراقٍ أهلِه. قالت: فأما أسامةُ فأشار على رسولِ اللَّهِ صَ لِّ
بالذى يعلمُ من براءةِ أهلِه، وبالذى فى نفسِه من الودّ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هم
(١) ياهنتاه، أى: يا هذه، وتفتح النون وتسكن، وتضم الهاء الآخرة وتسكن، وقيل: معنى ياهنتاه: يا بلهاء،
كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم. النهاية ٢٧٩/٥، ٢٨٠.
(٢) فى م: ((أستثبت))، وفى ت١: ((أُستيقن)).
(٣) فى ت٢: ((زوجها وهو)).
(٤ - ٤) سقط من : ت١ .
(٥) فى م، ف: ((لى دمع)).
(٦) استلبث الوحى: هو استفعل، من اللبث أى الإبطاء والتأخر. النهاية ٢٢٤/٤ .