Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة المؤمنون : الآيات ٨٩ - ٩٢
بعد مماتِكم، مع علمِكم بما تقولونَ من عظيم سلطانِه وقدرتِه .
وكان ابنُ عباسٍ فيما ذُكِر عنه يقولُ فى معنى قوله: ﴿تُسْحَرُونَ﴾ ما حدَّثنی
به عليٍّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ قوله :
فَّى تُسْحَرُونَ ﴾. يقولُ: تكذِّبون(١).
وقد بيَّنتُ فيما مضَى ((السِّحْرَ))، وأنَّه تخييلُ الشىءٍ إلى الناظرِ أنَّه على
خلافٍ ما هو به من هيئتِه (١) ، فذلك معنى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾. إنما معناه :
فمن أيِّ وجهٍ يُخَيَّلُ إليكم الكذبُ حقًّا، والفاسدُ صحيحًا، فتُصرَّفونَ عن الإقرارِ
بالحقِّ الذى يدعو كم إليه رسولُنا محمدٌ عَلَهِ؟
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ بَلْ أَنْيِّنَهُمْ بِلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٢٥) مَا أَتَّخَذَ اللّهُ مِنْ
وَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلٍَ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلٍَ بِمَا خَلَقَ وَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍِّ سُبْحَانَ
٩٢
عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ لِفَـ
يقولُ : ما الأمر كما يزعُمُ هؤلاء المشركون باللَّهِ؛ من أنَّ الملائكةَ بناتُ اللَّهِ ،
وأنَّ الآلهةَ والأصنامَ لهم إلهٌ(١) دونَ اللَّهِ ، ﴿بَلْ أَنَهُم بِالْحَقِّ ﴾: اليقينِ، وهو الدينُ
الذى ابتعثَ اللَّهُ به نبيّه عَّهِ، وذلك الإسلامُ، ولا يُعْبَدُ شىءٌ سوى اللَّهِ؛ لأنَّه لا إلَهَ
غيرُه، ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾. يقولُ: وإنَّ المشركين لكاذبون فيما يُضيفون إلى
اللَّهِ، ويَنْحُلُونه من الولدِ والشريكِ.
وقولُه: ﴿ مَا أَتَّخَذَ اَللَّهُ مِن وَدٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما للهِ من ولدٍ ، ولا
كانَ معه فى القديم ، ولا حينَ ابتدَعَ الأشياءَ، (مَنْ تصلُحُ " عبادتُه، ولو كانَ معه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٣١/٢ - من طريق أبى صالح به .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٥٠/٢ وما بعدها .
(٣) فى م، ت٢، ف: ((آلهة)).
(٤ - ٤) فى ت٢: ((ممن يصلح)).

١٠٢
سورة المؤمنون : الآيات ٩٠ - ٩٢
فى القديم، أو عندَ خلقِه الأشياءَ، مَنْ تصلُحُ عبادتُه، ﴿مِنْ إِلَّ إِذَا لَّذَهَبَ﴾.
يقولُ: إذن لاعتزَل كلُّ إلهِ منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شىءٍ، فانفرَد به، ولَتغالَبوا ،
فلعلًا بعضُهم على بعضٍ ، وغلَب القوىُّ منهم الضعيفَ ؛ لأَنَّ القوىَّ لا يرضَى أن
يعلُوَه ضعيفٌ ، والضعيفُ لا يصلُحُ أنْ يكونَ إلهًا. فسبحانَ اللَّهِ ما أبلغَها من حجةٍ ،
وأوجزَها لمن عَقَل وتدبَّرَ !
وقولُه: ﴿إِذَا لَّذَهَبَ﴾. جوابٌ لمحذوفٍ، وهو: لو كان معه إلهٌ إذنْ لذهَبَ
كلُّ إِلهِ بما خلَقَ . اجتُزِئ بدلالةِ ما ذُكر عليه عنه .
وقولُه: ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِ كرُه : تنزيهًا للهِ عما
يصفُه به هؤلاء المشركون من أنَّ له ولدًا، وعما قالوه من أنَّ له شريكًا ، أو أنَّ معه فى
القِدَمِ إِلهَا يُعبدُ ، تبارك وتعالى .
٥٠/١٨
/ وقولُه: ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه : هو عالمُ ما
غابَ عن خلقِه من الأشياءِ، فلم يَرَوْه ولم يشاهِدوه، ( وما رأوه) وشاهَدوه . وإنما
هذا من اللهِ خبرٌ عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتَّخَذَ اللَّهُ ولدًا. وعبَدوا من
دونه آلهةً ، أنَّهم فيما يقولون ويفعلون مُبْطِلون مخطئون ، فإنَّهم يقولون ما يقولون
من قولٍ فى ذلك عن غيرٍ علمٍ، بل عن جهلٍ منهم به، وإنَّ العالِمَ بقديمِ الأمورِ
وبحديثها، وشاهدِها وغائبِها عنهم ، اللَّهُ الذى لا يخفى عليه شيءٌ، فخبرُه هو الحقُّ
دونَ خبرهم .
وقال : (عالمُ الغَيْب ). فرَفع ( عالمُ) على الابتداءِ، بمعنى: هو عالمُ الغيبِ .
ولذلك دخَلتِ الفاءُ فى قوله: ﴿فَتَعَلَى﴾. كما يقالُ: مررتُ بأخيك المحسنُ،
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((فرأوه)).

١٠٣
سورة المؤمنون : الآيات ٩٢ - ٩٥
فأحسَنتُ إليه. فترفعُ ((المحسنَ)) إذا جعَلتَ ((فأحسنتُ إليه)) بالفاءِ؛ لأنَّ معنى
الكلامِ إذا كان كذلك : مررت بأخيك هو المحسنُ، فأحسنتُ إليه . ولو مجُعِل الكلامُ
بالواوِ فقيل: وأحسنتُ إليه. لم يكن وجهُ الكلامِ فى ((الحسنِ)) إلا الخفضَ على
النعتِ لـ ((لأُخ))، ولذلك لوجاء: ﴿فَتَعَلَى﴾ بالواو، كان وجهُ الكلامِ فى ﴿عَلِم
اَلْغَيْبِ﴾ الخفضَ على الإتباع لإعرابِ اسم ((اللَّهِ))، وكان يكونُ معنى الكلام:
سبحانَ اللَّهِ عالِمِ الغيبِ والشهادةِ ( وتعالى(١)! فيكونُ قولُه: ((وتعالى)). حينئذٍ
معطوفًا على: ﴿ سُبْحَنَ اَللَّهِ﴾.
وقد يجوزُ الخفضُ مع الفاءِ؛ لأنَّ العربَ قد تبتدِئُّ الكلامَ بالفاءِ، كابتدائِها
بالواوٍ. وبالخفضِ كان يقرأ: ﴿عَلِمِ الْغَيْبِ﴾ فى هذا الموضعِ أبو عمرٍو، وعلى
خلافِهِ فى ذلك قَرَأَةُ الأمصارِ(٣) .
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا الرفعُ؛ لمعنيين: أحدُهما : إجماعُ
الحجةِ من القرأة عليه . والثانى: صحتُه فى العربية .
وقولُه: ﴿فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: فارتفَع اللَّهُ وعلا عن
شركٍ هؤلاء المشركين، ووصفِهم إياه بما يصِفون .
رَبِّ فَلاَ
القولُ فى تأويلٍ قولهِ تعالى: ﴿قُل رَّبٍّ إِمَّا تُرِيَنِّ مَا يُوعَدُونَ
٩٥
وَإِنَّا عَلَىَ أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ
تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
يقولُ تعالى ذِكرُّه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ: ربِّ إنْ تُرنى(٣) فى هؤلاء
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((فتعالى)).
(٢) بالخفض قرأ ابن كثير وحفص وأبو عمرو وابن عامر، وبالرفع قرأ نافع وحمزة والكسائى وأبو بكر. حجة
القراءات ص ٤٩١ .
(٣) فى م: (( ترینی)).

١٠٤
سورة المؤمنون : الآيات ٩٥ - ٩٨
المشر کین ما تعلُهم من عذابك، فلا تُهلِگنی بما تهلگھم به ، ونجنی من عذابِك
وسَخَطِك، فلا تجعَلْنى فى القومِ المشركين، ولكنِ اجعلْنى ممن رَضِيتَ عنه من
أوليائك .
وقولُه: ﴿فَلاَ تَجْعَلْنِ﴾. جوابٌ لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِى﴾. اعتُرِض بينهما
بالنداءِ، ولو لم يكنْ قبلَه جزاءٍ لم يَجُزْ ذلك فى الكلامِ ، لا يقالُ: يا زيدُ فقمْ . ولا :
يا ربِّ فاغفرلى. لأَنَّ النداءَ مستأنَفٌ، وكذلك الأمرُ بعدَه مستأنفٌ، لا تدخلُه الفاءُ
والواؤُ، إلا أنْ يكونَ جوابًا لكلامٍ قبلَه .
وقولُه: ﴿ وَإِنَّا عَلَ أَنْ تُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ ﴾ . يقول تعالى ذكره : وإنا يا
محمدُ على أنْ نريَك فى هؤلاء المشركين ما نعِدُهم من تعجيلِ العذابِ لهم -
القادرون، فلا يَحْزُنَنَّك تكذييُهم إياك بما نعِدُهم به، وإنما نؤخِّرُ ذلك ليبلُغَ الكتابُ
أجله .
٥١/١٨
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَدْفَعْ ◌ِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا
يَصِفُونَ
وَأَعُوذُ بِكَ رَبٍّ أَنْ
١٩٧
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ
(٩٦
٩٨
يَخْضُرُونِ
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه : ادفع يا محمدُ بالخَلَّةِ التى هى أحسنُ؛ وذلك
الإغضاءُ والصفحُ عن جَهَلةِ المشركين، والصبرُ على أذاهم . وذلك أمرَه إياه قبلَ أمرِهِ
بحريهم .
وعنَى بـ ((السيئةِ)): أذى المشركين إياه وتكذيتهم له فيما أتاهم به من عندِ اللَّهِ.
يقولُ له تعالى ذِكْرُه : اصْبر على ما تَلقَى منهم فى ذاتِ اللهِ .
وبنحوِ الذى قلنا [٤٤٦/٢ و] فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

١٠٥
سورة المؤمنون : الايات ٩٦ - ٩٨
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿اَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ﴾. قال: أعرِضْ عن أذاهم
(١)
إياك(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريم
الجَزَرِىِّ، عن مجاهدٍ: ﴿آدْفَعٌ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾. قال: هو السلامُ،
تُسَلِّمُ عليه إذا لِقِيتَه(٢) .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن عبدِ الكريم، عن
مجاهدٍ مثلَه(٢) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَؤْذَةُ، قال : ثنا عوفٌ ، عن الحسنِ فى قولِه :
آَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ﴾ . قال: واللهِ لا يصیبُها صاحبها حتی یکظِمَ
غيظًا، ويصفَعَ عما يكرهُ .
وقولُه: ﴿فَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. يقولُ تعالَى ذِكْرُه: نحن أعلمُ بما
يصِفون اللَّهَ به وينخُلُونه من الأكاذيبِ والفِريةِ عليه، وبما يقولون فيك من
السوءِ، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزُنْك ما تسمَعُ منهم من
قبيحِ القولِ .
وقولُه: ﴿ وَقُل رَّتِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيّه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه معمر فى جامعه (٢٠٢٢٥) ، وعنه عبد الرزاق فى تفسيره ٤٨/٢.

١٠٦
سورة المؤمنون : الآيات ٩٨ - ١٠٠
محمدٍ عَلَّهِ: وقلْ يا محمدُ: ربِّ أستجيرُ بك من خَتْقِ الشياطين وهمزاتِها .
والهَمْزُ هو الغَمْزُ، ومن ذلك قيل للهمزِ فى الكلام: هَمْزٌّ . والهَمَزَاتُ جمعُ
هَمْزةٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَعُوذُ
بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. قال: همزاتُ الشياطينِ: خَنْقُهم الناسَ، فذلك
هَمَرَاتُهم .
وقولُه: ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. يقولُ: وقلْ: أستجيرُ بك ربِّ أنْ
يَحضُرون فى أمورى كلِّها(٢).
كالذى حدَّثنی يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾. فى شىءٍ من أمرى(١).
٥٢/١٨
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ حَتٍَّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ
آُرْجِعُونِ
◌َعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآپِهِم
بََّغُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه: حتى إذا جاء أحدَ هؤلاء المشركين الموتُ، وعايَن نُزولَ
(١) فى م: ((همزة)).
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٣، ف .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٥ إلى ابن أبى حاتم .

١٠٧
سورة المؤمنون : الآيتان ٩٩، ١٠٠
أمرِ اللَّهِ به . قال لعظيم ما يعايِنُ مما يَقْدَمُ عليه من عذابِ اللَّهِ ، تندُّمًا على ما فات،
وتلهُّفًا على ما فرَّط فيه قبلَ ذلك من طاعةِ اللَّهِ، ومسألتِه للإقالةِ: ﴿رَبِّ أَرْجِعُونِ﴾
إلى الدنيا، فرُدّونى إليها، ﴿ لَعَلِيَّ أَعْمَلُ صَلِحًا﴾. يقولُ: كى أعملَ صالحًاً فيما
تَرَكتُ قبلَ اليومٍ من العملِ فَضَيَّعتُه وفَّطتُ فيه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن أبى مَعشرٍ ، قال :
كان محمدُ بنُ كعبِ القُرَظِىُّ يقرأُ علينا: ﴿ حَتَّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ
أَرْجِعُونِ﴾. قال محمدٌ: إلى أىِّ شىءٍ يريدُ؟ إلى أىِّ شىءٍ يرغبُ؟ أجمْعَ المالٍ ، أو
غَرْسَ الغِراسِ ، أو بَنْىَ بُنيانٍ ، أو شقَّ أنهارٍ ؟ ثم يقولُ: ﴿لَعَلِىّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا
تَرَكْثُ﴾. يقولُ الجبارُ: ﴿كَلَّأَّ﴾(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿قَالَ
رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. قال: هذه فى الحياة، ألا تراه يقولُ: ﴿ حَتََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ
اُلْمَوْنُ﴾. قال: حينَ تنقطعُ الدنيا ويعايِنُ الآخرةَ، قبلَ أنْ يذوقَ الموتَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ،
قال: قال النبىُّ عَّهِ لعائشةَ: ((إذَا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نَوْجِعُكَ إِلى
الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزَانِ؟ فَيَقُولُ: بَل قُدُمًّا(٢) إلى اللَّهِ. وأمَّا
لَعَلَِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا
٩٩
الكافِرُ فِيُقَالُ له : نرْجِعُكَ؟ فيَقُولُ: ﴿ أَرْجِعُونِ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٨٧/٥ مختصرًا .
(٢) فى م: (( قدمانى)).

١٠٨
سورة المؤمنون : الآيتان ٩٩، ١٠٠
تَرَكْثٌ)))(١) الآية .
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ حََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ
- أَرْجِعُونِ﴾. يعنى أهلَ الشركِ(٢).
وقيل: ﴿ رَبِّ أَرْجِعُونِ﴾. فابتدَأ الكلامَ بخطابِ اللَّهِ تعالی ذِ كرُه، ثم قيل :
﴿ أَرْجِعُونِ﴾. فصار إلى خطابِ الجماعةِ، واللَّهُ تعالى ذِكرُه واحدٌ . وإنما فعَل ذلك
كذلك لأنَّ مسألةَ القوم الردَّ إلى الدنيا ، إنما كانت منهم للملائكةِ الذين يقبضون
رُوحَهم (١٢)، كما ذكر ابنُ جُرَيج أنَّ النبيَّ ◌ِ لِ قاله. وإنما ابتُدِئ الكلامُ بخطابِ اللَّهِ
جلّ ثناؤه لأنهم استغاثوا به ، ثم رجعوا إلى مسألةِ الملائكةِ الرجوعَ، والردَّ إلى الدنيا .
و کان بعضُ نحوٹِی الکوفة(٤) يقولُ : قیل ذلك كذلك؛ لأنه مما جرى على
وصْفِ اللَّهِ به نفسَه من قوله: ﴿خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] فى
غيرِ مكانٍ من القرآنِ ، فجرَى هذا على ذاك .
٥٣/١٨
﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ليس الأمرُ على ما قال هذا المشركُ،
/ وقولُه: ﴿ كَلَّأَ
لن يَرْجِعَ إلى الدنيا، ولن يُعادَ إليها، ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ [٤٤٦/٢ ظ] قَائِلُهَا﴾ .
يقولُ: هذه الكلمةُ، وهو قولُه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. ﴿ كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا
يقولُ : هذا المشركُ هو قائلُها .
كما حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) ينظر تفسير القرطبى ١٤٩/١٢.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((روحه).
(٤) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٤١/٢، ٢٤٢.

١٠٩
سورة المؤمنون : الآيتان ٩٩، ١٠٠
كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾. لا بُدَّ له أنْ يقولَها(١).
﴿ وَمِن وَرَآئِهِم بََّغُ﴾. يقولُ: ومن أمامِهم حاجزٌ يحجُزُ بينَهم وبينَ
الرجوعِ. يعنى : إلى يومٍ يُتْعَثون من قبورِهم، وذلك يوم القيامةِ .
والبرزخُ والحاجزُ والمُهْلةُ متقارباتُ المعنى .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِن وَرَآَبِهِمْ بَرَّزَغُ إِلَى يَوَّرِ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: أجلٌ إلى
حین .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ يمانٍ ، عن أشعثَ ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ فی
قوله: ﴿وَمِنْ وَرَآبِهِمْ بَغُ﴾. قال: ما بعدَ الموتِ(٢).
حدَّثنى أبو حميدِ الحِمْصىُّ أحمدُ بنُ المغيرةِ، قال: ثنا أبو حَيْوةً شریخُ
ابنُ يزيدَ، قال: ثنا أرطاةُ، عن أبى الحجاج(١) يوسفَ، قال: خرجتُ مع
أبى أمامةً فى جنازةٍ، فلما وُضِعت فى لَحْدِها، قال أبو أمامةً: هذا برزتٌ
إلى يومٍ يُبعثون(٤).
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٤٨٧/٥ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٥ إلى المصنف .
(٣) سقط من: م، ت١، ت ٣، ف. وينظر تهذيب الكمال ٣١٢/٢.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم وسمويه فى
فوائده .

١١٠
سورة المؤمنون : الآية ١٠٠
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال : ثنا فطرٌ ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَمِنْ وَرَآءِهِم بََّغُ إِلَى يَوَّرِ يُعَثُونَ﴾. قال: ما بينَ الموتِ إلى البعثِ(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، وحدثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللّهِ: ﴿بَرََّغُ إِلَى يَوَمِ يُعَنُونَ﴾. قال: حِجازٌ) بينَ الميتِ والرجوعِ إلى
(٤)
الدنيا(*) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ وَمِن وَرَآَبِهِم بََّغُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. قال: برزتٌ بقيةً الدنيا.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً
(٥)
مثلَه (٥) .
حدَّثنا يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمِن
وَرَآئِهِم بَرَّزَغُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. قال: البرزخُ ما بينَ الموتِ إلى البعثِ(١).
(١) فى النسخ: ((مطر)).
(٢) أخرجه هناد فى الزهد (٣١٤)، وأبو نعيم فى الحلية ٢٩٠/٣ من طريق فطر، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٥/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) فى م، ت١، ف: ((حجاب)).
(٤) تفسير مجاهد ص٤٨٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٥ إلى عبد بن حميد.
(٥) تفسير عبد الرزاق ٤٨/٢ به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٥ إلى عبد بن حميد.
(٦) ينظر التبيان ٣٤٨/٧ .

١١١
سورة المؤمنون : الآيتان ١٠٠، ١٠١
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبِيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ: البرزُ ما بينَ الدنيا والآخرةِ (١).
/ القولُ فى تأويلٍ فى قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ ١٨/
يَؤْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَ لُونَ
اختلف أهلُ التأويل فى المعنىِّ بقولِه: ﴿فَإِذَا نُّفِحَ فِي الصُّورِ﴾ من النفختين،
أَيَّتُهما عُنِىَ بها ؛ فقال بعضُهم: عُنِىَ بها النفخةُ الأولى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْم، قال: ثنا عمرٌو، عن"
مُطَرِّفٍ، عن المنهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ مجبيٍ، أن رجلًا أتَى ابنَ عباسٍ،
فقال: سمِعتُ اللَّهَ يقولُ: ﴿ فَلَآ أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ الآية. وقال فى آيةٍ
أُخرى: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]. فقال: أما قولُه: ﴿فَلَآ
أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَلَّلُونَ﴾. فذلك فى النفخةِ الأُولى، فلا يَتْقى على
الأرض شىءٌ، ﴿فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. وأما قولُه: ﴿وَأَقْبَلَ
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ﴾. فإنهم لما دخلُوا الجنةَ أقبَلَ بعضُهم على بعضٍ
(٣)
يتساءلون(٢).
حدثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن السدىِّ فى قوله :
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٤٢٨/٥ .
(٢) فى النسخ: ((بن)). وتقدم على الصواب فى ٤٢/٧، وينظر تهذيب الكمال ٢٠٣/٢٢، ٦٢/٢٨.
(٣) سقط من: ت٢ .
والأثر أخرجه الحاكم ٣٩٤/٢ من طريق حكام بن سلم به . وينظر بقية تخريجه فى ٤٢/٧، ٤٣ .

١١٢
سورة المؤمنون : الآية ١٠١
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَآ أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ﴾. قال: فى النفخةِ
(١)
الأولى(١) .
حدثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَؤْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَّلُونَ﴾. فذلك حينَ يُنفُ فى الصورِ ،
فلا حيَّ يَبقَى إلا اللَّهُ، ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾. فذلك إذا بُعثوا فى.
النفخةِ الثانيةِ(١).
قال أبو جعفرٍ : فمعنى ذلك على هذا التأويلِ : فإذا نُفِخ فى الصورِ فصَعِقِ مَن
فى السماواتِ ومَن فى الأرضِ إلا مَن شاء اللَّهُ ، فلا أنسابَ بينَهم يومئذٍ يتواصلُون
بها ، ولا يتساءلُون ، ولا يتزاورُون ، فيتساءلُون عن أحوالِهم وأنسابِهم.
وقال آخرون: بل عُنِىَ بذلك النفخةُ الثانيةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن هارونَ بنِ أبى وكيعٍ، قال :
سمِعتُ زاذانَ يقولُ : أتيتُ ابنَ مسعودٍ ، وقد اجتمع الناسُ إليه فى داره، فلم أقدِرْ
على مَجلسٍ ، فقلتُ : يا أبا عبدِ الرحمنِ ، من أجلٍ أنى رجلٌ من العجم تَحْقِرُنى؟
[٤٤٧/٢ و] قال: ادْنُ . قال : فدنوتُ ، فلم يكنْ بينى وبينه جليسٌ ، فقال : يؤخذُ بيدٍ
العبدِ أو الأمةِ يومَ القيامةِ على رءوسِ الأوّلين والآخرين. قال : وينادِى منادٍ: ألا إنَّ
هذا فلانُ بنُّ فلانٍ ، فمن كان له حقِّ قِبَلَه فليأتِ إلى حقِّه . قال: فتفرحُ المرأةُ يومئذٍ
(١) أخرجه ابن المقرئ فى معجمه (٧١٠) من طريق سفيان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٥ إلى
عبد بن حميد .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

١١٣
سورة المؤمنون : الآية ١٠١
أن يذوبَ(١) لها حقٌّ على ابنها ، أو على أبيها، أو على أخِيها، أو على زوجها،
فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَؤْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ﴾.
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا عيسى بنُ يونسَ ، عن هارونَ بنِ
عنترةَ ، عن زاذانَ ، / قال: سمِعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: يؤخذُ العبدُ أو الأمةُ يومَ القيامةِ ٥٥/١٨
فُنصبُ علی رءوس الأولين والآخرين، ثم ینادی منادٍ . ثم ذكر نحوه، وزاد فيه :
فيقولُ الربّ تبارك وتعالى للعبدِ : أَعطِ هؤلاء حقوقَهم. فيقولُ: أى ربِّ، فَنِيتٍ
الدنيا، فمن أينَ أُعطيهم ؟ فيقولُ للملائكةِ: خذُوا من أعمالِهِ الصالحةِ ، فأعطُوا
كلَّ(١٢) إنسانٍ بقدرٍ طَلِبِّه . فإنْ كان له فضلُ مثقالٍ حبةٍ من خردلٍ ، ضاعَفَها اللَّهُ له
حتى يُدخلَه بها الجنةَ. ثم تلا ابنُ مسعودٍ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ
حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. وإن كان عبدًا شقيًّا
قالت الملائكةُ : ربَّنا، فنِيتْ حسناتُه، ويقِى طالبون كثيرٌ. فيقولُ: خُذوا من
أعمالهم السيئةِ، فَضيفوها إلى سيئاتِه، وصُكُّوا له صًَّا إلى النارِ (٣) .
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنْسَابَ
بَيْنَهُمْ يَؤْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾. قال: لا يُسألُ أحدٌ يومَئذٍ بنسبٍ شيئًا، ولا
يتساءلون، ولا يَمُتُّ إليه برحم ) .
(١) فى م: ((يكون)). ويذوب أى: يجب . النهاية ١٧١/٢.
(٢) فى م، ت١، ف: ((لكل)).
(٣) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٠١/٤، ٢٠٢ من طريق عيسى بن يونس به ، وأخرجه الحسين المروزى
فى زوائده على زهد ابن المبارك (١٤١٦) - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٢٨٥/١٨ - عن
عيسى بن يونس عن هارون بن عنترة عن عبد الله بن السائب عن زاذان به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٥/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٥ إلى المصنف عن ابن جريج، وينظر فتح البارى ٥٥٨/٨ .
الطبرى ٨/١٧ )
( تفسـ

١١٤
سورة المؤمنون : الآيات ١٠١ - ١٠٤
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن جعفر بنِ
المغيرةِ ، عن قتادةَ، قال: ليس شىءٌ أبغضَ إلى الإنسانِ يومَ القيامةِ من أن يَرَى مَن
يَعرِفُهُ(٢)؛ مخافةَ أن يذوبَ له عليه شىءٌ. ثم قرأ: ﴿يَوَمَ يَفِرُّ الْرَهُ مِنْ أَخِهِ (٢) وَأُمِّهِ،
لِكُلِّ أَمْرٍِ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].
٣٦
وَأَبِهِ ﴿﴿َ وَصَحِ، وَذِهِ
قال: ثنا الحسينُ(٤) ، قال: ثنا الحكَمُ بنُ سِنانٍ، عن سَدُوسٍ صاحبٍ
السابرىِّ(٥)، عن أنسٍ بنِ مالك، قال: قال رسولُ اللَّهِ ◌َّهِ: ((إذا دَخَل أهلُ الجَنَّةِ
الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النارَ، نادَى مُنادٍ مِنْ تحتٍ (٦) العَرْشِ: يَا أَهْلَ التَّظالمِ تَتَارَكُوا(٧)
مَظالِمَكم، وادْخُلُوا الجَنَّةَ))(٨).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِيْنُهُ فَأَوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ
١٠٢
تَلْفَحُ
١٠٣
(١٠٤
وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَلِحُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾: موازينُ حسناتِهِ، وخفَّتْ
موازينُ سيئاتِه ، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يعنى: الخالدون فى جناتٍ النعيم.
(١) فى م، ت ١، ف: ((حفص)). ولعله جعفر بن أبى المغيرة، الراوى عن سعيد بن جبير، والله أعلم. ينظر
تهذيب الكمال ٠١١٣،١١٢/٥
(٢) فى م: (( يعافه)) .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٥ إلى المصنف.
(٤) فى النسخ: (( الحسن)).
(٥) فى م: (( السائرى)). وينظر الأنساب ١٩٤/٣.
(٦) فى ص، م، ت ١، ف: ((أهل)).
(٧) فى م، ت ١، ت ٢، ف: (( تداركوا)).
(٨) أخرجه ابن أبى الدنيا فى حسن الظن بالله (١١٦)، والطبرانى فى الأوسط (٥١٤٤)، والخطيب فى
الموضح ١٩٨/١ من طريق الحكم بن سنان به .

١١٥
سورة المؤمنون : الآيتان ١٠٣ ، ١٠٤
﴿ وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِيْنُ﴾. يقولُ: ومن خفَّتْ موازينُ حسناتِه، فرجَحَتْ
(١
بها موازينُ سيئاتِه، ﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾. يقولُ: غَبَنوا
أنفسَهم حظوظَها من رحمةِ اللَّهِ، ﴿فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ﴾. يقولُ: هم فی نارِ
جهنمَ .
وقولُه: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾. يقولُ: تَسْفَعُ وجوههم النارُ.
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾. قال: تَنفَعُ".
﴿ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ ﴾ والكُلوح : أن تتقلَّصَ الشفتانِ عن الأسنانِ حتى تبدوَ
الأسنانُ، كما قال الأعشى(٢):
/ وَله المُقْدَمُ لا مِثْلَ له ساعَةَ الشِّدْقِ عَنِ النَّابِ كَلَحْ ٥٦/١٨
فتأويلُ الكلامِ: يَشْفَعُ) وجوهَهم لهبُ النارِ ، فيُحْرِقُها، وهم فيها متقلّصو
الشفاهِ عن الأسنانِ ، من إحراقِ النارِ وجوههم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنی علیٍّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٥ إلى المصنف.
(٣) ديوانه ص ٢٤١، والشطر الأول فيه :
* وله المقدم فى الحرب إذ
(٤) فى ت ١، ت ٢، ف: ((تسفح)).

١١٦
سورة المؤمنون : الآيات ١٠٤ - ١٠٦
فى قوله: ﴿ وَهُمْ فِيَهَا كَلِحُونَ﴾. يقولُ: عابسون(١).
حدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا : ثنا سفيانُ، عن أبى
إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ فى قوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا كَلِحُونَ﴾ .
قال: ألم ترَ إلى الرأسِ المَشِيطِ قد بدتْ أسنانُه، وقَلَصت شفتاه(٣)؟
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن إسرائيلَ،
[٤٤٧/٢ظ] عن أبى إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قرأ هذه الآيةَ:
﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ الآية . قال: ألم تَروا إلى الرأسِ المَشِيطِ بالنارِ وقد قَلَصتْ
شفتاه، وبدَتْ أسنانُه(٢)؟
حدثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَهُمْ
فِيهَا كَلِحُونَ﴾. قال: ألم ترَوْا إلى الغنمِ إذا مستِ النارُ وجوهَها كيف هى؟
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَلَمَّ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَكُم بِهَا
(١٠٥
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِيْنَ
تُكَذِّبُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ﴾. يعنى: آياتٌ
القرآنِ تُثْلى عليكم فى الدنيا، ﴿ فَكُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. وتَرَك ذكرَ ((يقالُ))
لدلالةِ الكلامِ عليه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تغليق التعليق ٢٦٣/٤ والإتقان ٣١/٢ من طريق عبد الله به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٥ إلى ابن المنذر .
(٢) تفسير سفيان ص ٢١٨، ومن طريقه عبد الرزاق فى تفسيره ٤٨/٢، وابن أبى شيبة ١٧٤/١٣، ١٧٥،
وهناد فى الزهد (٣٠٤) ، وأخرجه الطبرانى (٩١٢١) من طريق أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن عبد الله،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٥ إلى الفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه هناد فى الزهد (٣٠٣)، والحاكم ٣٩٥/٢ من طريق إسرائيل به بنحوه ، وقال الحاكم: صحيح
الإسناد .

١١٧
سورة المؤمنون : الآية ١٠٦
﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه
عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ ، وبعضُ أهل الكوفةِ: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتْنَا﴾
بكسرِ الشينِ، وبغيرِ ألفٍ (١). وقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (شَقاوَتُنا ) بفتحِ الشينِ
(٢)
والألفٍ(٢).
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، وقرأ بكلٍ واحدةٍ
منهما علماءُ من القرأةِ بمعنَّى واحدٍ ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ .
وتأويلُ الكلام: قالوا: ربََّا غَلَب (١) علينا ما سبق لنا فى سابقٍ علمِك وخُطَّ لنا
فى أمّ الكتاب .
/ وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٥٧/١٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابنُّ حميدٍ ، قال : ثنا حكام، عن عنبسةً، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن القاسم بنٍ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. قال: التى
گُتبتْ علینا .
حدثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسى ، وحدثنى
الحارثُ، ("قال: ثنا الحسنُ)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. التى كُتبتْ علينا(٥).
(١) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم . السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٨.
(٢) هى قراءة حمزة والكسائى . المصدر السابق .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((غلبت)).
(٤ - ٤) سقط من: ت ٢ .
(٥) تفسير مجاهد ض ٤٨٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٠٨/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور =

١١٨
سورة المؤمنون : الاية ١٠٦
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
" وقال: قال ابنُ جريج١): بلغَنا أنَّ أهلَ النارِ نادَوا خَزَنَ جهنّم: أن ﴿أَدْعُواْ
رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ اُلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩]. فلم يجيبوهم ما شاء اللَّهُ، فلما
أجابوهم بعد حينٍ، قالوا: ﴿فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدُواْ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾ [غافر:
٥٠]. قال: ثم نادَوْا مالكًا: ﴿ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌُّ﴾. فسكَت عنهم مالكٌ
خازنُ جهنمَ أربعين سنةً ، ثم أجابهم فقال: ﴿ إِنَّكُم مَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] . ثم
نادَى الأشقياءُ ربَّهم، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِيْنَ
١٠٦
رَّا أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾. فسكَت عنهم مثلَ (٢) مقدارِ الدنيا، ثم
أجابهم بعد ذلك تبارك وتعالى: ﴿قَالَ أُخَْئُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾(١).
قال : حدّثنی حجاج ، عن أبی بکرِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال : ینادِی أهلُ النارِ : یا
أهلَ الجنةِ. فلا يجيبونهم ما شاء اللَّهُ، ثم يقالُ: أجيبوهم. وقد قُطِعِ الرَّحِمُ
والرحمةُ ، فيقولُ أهلُ الجنةِ: يا أهلَ النارِ ، عليكم غضبُ اللَّهِ ، يا أهلَ النارِ ، عليكم
لعنةُ اللَّهِ ، يا أهلَ النارِ ، لا ◌َتَيْكم ولا سَعْدَيْكم، ماذا تقولون؟ فيقولون: ألم نكُ فى
الدنيا آباءَ كم وأبناءَ كم وإخوانكم وعشيرتكم؟ فيقولون: بلى. فيقولون: ﴿أَفِيضُواْ
عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ الله﴾. قالوا: ﴿إِنَ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى
اَلْكَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
= ١٦/٥ إلى عبد بن حميد .
(١ - ١) فى ت ٢: ((وحدثنا ابن جريج قال)).
(٢) سقط من: ت ٢ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٥ إلى المصنف وابن المنذر .
(٤) أخرجه الحسين بن داود سنيد - فى تفسيره - كما فى التخويف من النار لابن رجب ص ٢١٨ .

١١٩
سورة المؤمنون : الآية ١٠٦
قال: حدثنى حجاجٌ، عن أبى معشرٍ، عن محمدٍ بن كعبِ القُرَظىِّ ، قال :
وحدثنى عَبْدةُ المَرْوَزِىُّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ المباركِ، عن عمرَ (١) بن أبى ليلى، قال:
سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ، زاد أحدُهما على صاحِبه: قال محمدُ بنُ كعبٍ :
بلَغنى، أو ذُكرلى، أنَّ أهلَ النارِ استغاثُوا بالخَزَنةِ: ﴿ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا
مِّنَ الْعَذَابِ﴾. فردُوا عليهم ما قال اللهُ: فلما أيِسُوا نادَوْا : يا مالكُ. وهو عليهم،
وله مجلسٌ فى وَسَطِها، وجسورٌ تمرُّ عليه (١٢) ملائكةُ العذابِ ، فهو يَرى أقصاها كما
يَرى أدناها ، فقالوا: ﴿ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ﴾. سألوا الموتَ، فمكث لا يجيبُهم
ثمانين ألف سنةٍ(٢) من سِنِى الآخرةِ، أو كما قال، ثم لحَظ (٤) إليهم ، فقال:
﴿ إِنَّكُم مَّكِنُونَ ﴾. فلما سمِعوا ذلك قالوا: فاصبِرُوا، فلعلِّ الصبرَ ينفعُنا كما
صبّر أهلُ الدنيا على طاعةِ اللهِ. قال: فصَبَروا، فطالَ صبرُهم، فنادَوْا:
﴿ سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن ◌َّحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] : أى : مَنْجَّى .
فقام إبليسُ عندَ ذلك فخطَبهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ
وَوَعَدتُّكُمْ [ ٤٤٨/٢ و] فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فلما
سمِعوا مقالَتَه(١)، مَقَتُوا أَنفسَهم، قال: فنُودوا: ﴿لَمَقْتُ / اللَّهِ أَكْبَرُ مِن ٥٨/١٨
قَالُواْ رَبَّنَا أَمْتَّنَا ﴾
١٠
مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (
الآية. [غافر: ١٠، ١١]. قال: فيجيبُهم اللَّهُ فيها: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اللَّهُ
(١) فى النسخ: ((عمرو))، والصواب ما أثبتنا، وينظر ما تقدم فى ٧١٦/١٣.
(٢) فى م، ت ١: ((عليها)).
(٣) سقط من: ص ، ت ١ .
(٤) فى ص، ف: ((يحط))، بدون نقط، وفى ت ١، ت ٢، ت٣: ((سخط))، وفى م: ((انحط)). والمثبت
من التذكرة للقرطبى (١٣٦٨) .
(٥) فى ت ١: ((عليهم)).
(٦) فى م، فى: ((مقالتهم)).

١٢٠
سورة المؤمنون : الآية ١٠٦
وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
قال: فيقولون: ما أَيِسْنا بعدُ. قال: ثم دَعَوا مرَّةً أُخرى، فيقولون: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا
وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [ السجدة: ١٢]. قال: فيقولُ الرِبُّ
تبارك وتعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَنَّيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ . يقول الربُّ: لو شئتُ
لهديتُ الناسَ جميعًا، فلم يخَتلِفْ منهم أحدٌ، ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ مِنَّى لَأَمْلَأَنَّ
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ
١٣
جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
هَذَآَ﴾. يقولُ: بما ترَكتم أنْ تعملُوا ليومِكم هذا، ﴿إِنَّا نَسِنَكُمْ﴾ أى:
تركناكم، ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٣، ١٤].
قال: فيقولون: ما أَيِسنا بعدُ. قال: فَيَدْعُون مرةً أخرى: ﴿ رَبَّنَآ أَخِرِنَا إِلَى أَجَلٍ
قَرِيبٍ ◌ُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّيِعِ الرُّسُلِّ﴾. فيقولُ(١): ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن
وَسَكَنْتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾
قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ®َ
الآية [إبراهيم: ٤٤، ٤٥]. قال: فيقولون: ما أيِسنا بعدُ. "قال: فيدْعُون٢) مرّةً
أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعَمَلُ﴾. قال: فيقولُ:
﴿ أَوْلَمَ نُعَمَِّّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ إلى ﴿نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. ثم
مكَث عنهم ما شاء اللَّهُ، ثم ناداهم: ﴿أَمّ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَكُتُم بِهَا
تُكَذِّبُونَ﴾. فلما سمِعوا ذلك قالوا: الآنَ يرحمُنا. فقالوا عندَ ذلك: ﴿ رَبََّا
غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أى: الكتابُ الذى كُتِبَ علينا، ﴿وَكُنَّا قَوْمًا
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية. فقال عند ذلك: ﴿أُخْسَئُواْ فِيهَا وَلَا
صَالِّينَ (َ
تُكَلِّمُونِ). قال: ("ولا تتكلمونَ" فيها أبدًا. فانْقَطَع عندَ ذلك الدعاءُ والرجاءُ
(١) فى م: ((قال فيقال لهم)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ف: ((ثم قال))، وفى م: ((ثم قالوا)).
(٣ - ٣) فى م: ((فلا يتكلمون)).