Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
سورة المؤمنون : الآيتان ١٣، ١٤
وقولُه: ﴿ قُتَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ ﴾. يقولُ: ثم صَيَّرنا النطفةَ التى جعلناها فى
قرارٍ مَكينٍ علقةً، وهى القطعةُ من الدم، ﴿ فَخَلَقْنَا اٌلْعَلَقَةَ مُضْغَةً ﴾ . يقولُ :
فجعَلنا ذلك الدمَ مضغةً ، وهى القطعةُ من اللحمِ .
وقولُه: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾. يقولُ: فجعَلنا تلك المضغةَ اللحمَ
عظامًا .
وقد اختَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قَرَأَةِ الحجازِ والعراقِ سوى
عاصم: ﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ على الجِماع، وكان عاصمٌ وعبدُ اللهِ بنُ
عامٍ يَقْرآن ذلك: (عَظْمًا ) فى الحرفين على التوحيدِ جميعًا(١).
والقراءةُ التى نختارُ فى ذلك الجماعُ؛ لإجماع الحجةِ من القَرَأَةِ عليه (١).
وقولُه: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا﴾. يقولُ: فَأَلْتَسنا العظامَ لحمًّا .
وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةٍ عبدِ اللهِ: (ثُمَّ خَلَقْنَا(٢) النُّطْفَةَ عَظْمًا وعَصَبًا
فَكَسَوْناه لحمًّا )(٤).
وقولُه: ﴿ ثُوَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ﴾. يقولُ: ثم أُنشَأْنا هذا الإنسانَ خلقًا آخرَ.
وهذه الهاءُ التى فى ﴿أَنْشَأْنَهُ﴾ عائدةٌ على ((الإنسانِ)) فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ﴾. وقد يَجوزُ أن تكونَ مِن ذكرِ ((العظم)) و((النطفةِ)) و((المضغةِ))
جعَل ذلك كلَّه كالشىءِ الواحدِ ، فقيل: ثم أَنشَأنا ذلك خلقًا آخرَ.
(١) وقرأ حفص عن عاصم على الجماع كقراءة عامة القراء . ينظر حجة القراءات ص ٤٨٤.
(٢) القراءتان متواترتان .
(٣) فى معانى القرآن: ((جعلنا)).
(٤) معانى القرآن للفراء ٣٢٣٢/٢.
٢٢
سورة المؤمنون : الآية ١٤
واختَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ثُمَّ أَنشَأَنَهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ﴾؛ فقال
بعضُهم : إنشاؤُه إياه خلقًا آخرَ نفخُه الروحَ فيه ، فيَصِيرُ حينَئذٍ إنسانًا ، وكان قبلَ
ذلك صورةً .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ ، عن عطاءٍ ،
عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرْ﴾. قال: نفَخ الروح فيه (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن الحجاجِ بن
أَرْطاةَ ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثله .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاج، عن ابنٍ مُجُرَيج ، قال : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرْ﴾. قال: الروح.
١٠/١٨ / حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيان ، عن عبدالرحمنِ بنِ
الأصبهانيّ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَآخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه
ج
(٢)
الروح(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنَّى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سلمةٌ ، عن داودَ
ابنِ أبى هندٍ، عن الشَّعْبِيِّ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ .
قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ بمثله(٤).
(١) أخرجه الخطيب فى تاريخ بغداد ٨٩/١٤ من طريق هشيم به. وبحشل فى تاريخ واسط ص ٢٢٨ من
طريق حجاج به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد .
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٤١٢/٥، وابن كثير فى تفسيره ٤٦١/٥.
(٤) تفسير سفيان ص ٢١٦ عن ليث، عن مجاهد. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/٥ إلى عبد بن حميد.
٢٣
سورة المؤمنون : الآية ١٤
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن أبى جعفرٍ، عن
الربيعِ، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرْ﴾. قال : نفَخ فيه الروحَ،
فهو الخلقُ الآخر الذى ذكَر(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدٌ ، قال : سَمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَهُ خَلْقًا﴾. يعنى: الروحَ نفَخُ(٢) فيه بعدَ
(٣)
الخلقِ(٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ثُمَّ
أَنشَأْتَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ ﴾. قال: الروحُ الذى جعَله فيه (٤) .
وقال آخرون : إنشاؤُه خلقًا آخرَ تصريفُه إياه فى الأحوالِ بعدَ الولادةِ ؛ فى
الطفولةِ ، والكُهولةِ ، والاغتذاءِ، ونباتِ الشَّعَرِ والسِّنِّ، ونحوِ ذلك من أحوالٍ
الأحیاءِ فى الدنيا .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾.
يقولُ : خرَج من بطنٍ أمِّه بعدَما خُلِقٍ ، فكان من بَدْءِ خلقِه الآخَرِ أن استَهَلَّ ، ثم كان
من خلقِه أن دُلّ على ثدي أمِّه ، ثم كان من خلقِه أن عَلِم كيف يَتْسُطُ رِ جليه ، إلى أن
قعَد، إلى أن حَبًا ، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشَى، إلى أن فُطِم، فعَلِم كيف
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) فى م: (( تنفخ)).
(٣) ذكره البغوى تفسيره ٤١٢/٥، وابن كثير فى تفسيره ٤٦١/٥ .
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٠٩/١٢، وابن كثير فى تفسيره ٤٦١/٥.
:
٢٤
سورة المؤمنون : الآية ١٤
يَشْرَبُ ويأكلُ من الطعامِ ، إلى أن بلَغ الخُلُمَ ، إلى أن بلَغ أن يَتَقَّلَّبَ فى البلادٍ (١) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً: ﴿ثُمَّ
أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ﴾. قال: يقولُ بعضُهم: هو نباتُ الشَّعَرِ. وبعضُهم يقولُ : هو
نفخُ الروحِ .
حدَّثنا الحسنُ ، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَهُ(١).
حُدِّثت عن الحسين ، قال : سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سَمِعتُ
الضحاكَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ ﴾ . قال : يقالُ : الخلقُ الآخرُ بعدَ خروجه من
بطنِ أمِّه بِنْه وشَعَرِه (٣) .
وقال آخرون : بل عَنَى بإنشائِه خلقًا آخرَ : سَوَّى شبابَه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرْ﴾. قال: حينَ استوَى شبابُهُ(٤).
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْج، قال :
١١/١٨
قال مجاهدٌ : حينَ استوَى به الشبابُ .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال: عنَى بذلك نفخَ الروحِ فيه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/٥ إلى المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٤/٢. وأخرجه ابن سعد ٣٠/١ من طريق معمر به .
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ١١٠/١٢، وابن كثير فى تفسيره ٤٦١/٥.
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٨٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٢٥
سورة المؤمنون : الآية ١٤
وذلك أنه بنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ خلقًا آخرَ إنسانًا ، وكان قبلَ ذلك بالأحوالِ التى
وصَفه اللهُ أنه كان بها؛ من نطفةٍ ، وعلقةٍ، ومضغةٍ، وعظم، وبنفخ الروحِ فيه
يَتَحَوَّلُ عن تلك المعانى كلِّها إلى معنى الإنسانيةِ، كما تَحَوَّل أبوهُ آدمُ بنفخِ الروحِ
فى الطينةِ التى خُلِقٍ منها؛ إنسانًا وخلقًا آخرَ غيرَ الطينِ الذى خُلِقٍ منه .
وقولُه: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ
ذلك ؛ فقال بعضُهم: معناه : فتبارَك اللهُ أحسنُ الصانِعين .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْتَسَةً، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ :
فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ﴾. قال: يَصْنَعون ويَصْنَعُ اللهُ، واللهُ خيرُ
(٢)
الصانعین(٢).
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾؛ لأن عيسى ابن مريمَ
كان يَخْلُقُ ، فأخبَر جلَّ ثناؤه عن نفسِه أنه يَخْلُقُ أحسنَ مما كان يَخْلُقُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جُرَيج فى
قوله: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾. قال: عيسى ابنُ مريمَ يَخْلُقُ(٢).
وأولَى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ ؛ لأن العربَ تُسمِّى كلَّ صانع
خالقًا . ومنه قولُ زُهَيْرٍ (٢) :
(١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٥ إلى المصنف .
(٣) شرح ديوان زهير ص ٩٤ .
٢٦
سورة المؤمنون : الآيات ١٤ - ١٧
ولَأَنت تَفْرِى ما خَلَقْتَ وبعـ ـضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى(١)
ويُرْوَی :
ـضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى
ولَأَنتَ تَخْلُقُ ما فَرَيْتَ وبعـ
﴿﴿١ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَنْتُونَ
اَلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
١٦
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إنكم أيُّها الناسُ من بعدِ إنشائناكم خلقًا آخرَ،
وتَصْییرنا کم إنسانًا سويًّا ، میُتُون وعائدون ترابًا کما کنتم، ثم إنکم بعدَ موتِكم
وعَوْدِ كم رُفاتًا باليًا مبعوثون من الترابِ خلقًا جديدًا، كما بدَأناكم أوَّلَ مرةٍ .
وإنما قيل: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسُِّونَ﴾ ؛ لأنه خبرٌ عن حالٍ لهم يَحْدُثُ لم
١٢/١٨ يَكُنْ. وكذلك تقولُ / العربُ لمن لم يَمُتْ: هو مائِتٌ ومَيِّتٌ عن قليلٍ. ولا يقولون
لمن قد مات: مائِتٌ. وكذلك : هو طَمِعْ فيما عندَك. إذا وُصِف بالطمعِ، فإذا أُخِر
عنه أنه سيفعَلُ ولم يَفعَلْ ، قيل: هو طامِعٌ فيما عندَك غدًا . وكذلك ذلك فى كلِّ ما
کان نظیرا لما ذكرنا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمُ سَبْعَ طَرَابِقَ وَمَا كُنَا عَنِ
الْخَلْقِ غَفِلِينَ
١٧
يقولُ تعالى ذكرُه : ولقد خلَقْنا فوقَكم أيُّها الناسُ سبعَ سماواتٍ ، بعضُهن
فوقَ بعضٍ. والعربُ تُسَمِّى كلَّ شىءٍ فوقَ شىءٍ طَريقةٌ، وإنما قيل للسماواتِ
السبعِ: سبعُ طرائقَ. لأن بعضَهن فوقَ بعضٍ ، فكلُّ سماءٍ منهن طَرِيقةٌ .
(١) فرى الشىءَ: شقه. وخلَق الأديم: قدَّره لما يريد قبل القطع وقاسه ليقطع منه قربة أو خُقًّا. ومعنى البيت:
تنفذ ما تعزم عليه وتُقَدِّره . وهو مَثَل. اللسان. ( خ ل ق ، ف رى ).
٢٧
سورة المؤمنون : الايات ١٧ - ١٩
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَيْقَ﴾. قال: الطَّائقُ السماواتُ(١).
وقولُه: ﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ﴾. يقولُ: وما كنا فى خَلْقِنا السماواتِ
السبعَ فوقَكم عن خَلْقِنا الذى تحتَها غافِلين ، بل كنا لهم حافظين من أن تَسْقُطَ عليهم
فتُهْلِگھم .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآَّ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِّ
وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ. لَقَدِرُونَ
١٨
يقولُ تعالى ذكره : وأنزَلْنا من السماءِ ما فى الأرضِ من ماءٍ ، فأسكنَّاه فيها .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ :
وَأَنَزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِىِ الْأَرْضِ﴾: ماءً هو مِن السماءِ.
وقولُه: ﴿ وَإِنَّا عَلَى ذَهَادٍ بِهِ، لَقَدِرُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وإنا على الماءِ الذى
أسكَنَّاه فى الأرضِ لقادرون أن نَذهَبَ به، فتَهْلِكوا أيُّها الناسُ عَطَشًا، وتَخْرَبَ
أَرَضُوكم ، فلا تُنْبِتَ زرعًا ولا غَرْسًا ، وَتَهْلِكَ مَواشِيكم . يقولُ: فمِن نِعْمتى عليكم
تَزْکی ذلك لکم فی الأرضِ جارِیًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُ بِهِ، جَنَاتٍ مِنْ تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ لَّكُمْ
١٩
فِيهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
يقولُ تعالى ذكره : فأَحْدَثْنا لكم بالماءِ الذى أَنزَلْناه مِن السماءِ بساتينَ مِن نخيلٍ
(١) ذكره الحافظ فى الفتح ٤٤٥/٨ وعزاه إلى المصنف.
٢٨
سورة المؤمنون : الآيتان ١٩ ، ٢٠
وأعنابٍ، ﴿لَّكُمْ فِيَهَا﴾. يقولُ: لكم فى الجناتِ فواكِهُ كثيرةٌ، ﴿ وَمِنْهَا
تَأْكُلُونَ﴾. يقولُ: ومِن الفواكهِ تأكُلون . وقد يجوزُ أن تكونَ الهاءُ والألفُ مِن ذکرٍ
(الجناتِ))، ويَحتَمِلُ أن تكونَ من ذكرِ ((النخيلِ)) و((الأعنابِ)).
١٣/١٨
وخَصَّ جل ثناؤه / الجناتِ التى ذكّرها فى هذا الموضع، فوَصَفها بأنها مِن
نخيلٍ وأعنابٍ ، دونَ وصفِها بسائرٍ ثمارِ الأرضِ ؛ لأن هذين النوعين من الثمارٍ كانا
هما ◌ُظْمَ ثمارِ الحجازِ وما قَرِّبَ منها، فكانت النخيلُ الأهلِ المدينةِ ، والأعنابُ
لأهلِ الطائفِ، فذَكَّرَ القومَ بما يَعْرِفون مِن نِعَمِه عليهم، بما أنعم به عليهم مِن
ثمارِها .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
٢٠
وَصِيْعْ لِلْأَكِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وأنشأنا لكم أيضًا شجرةٌ تَخْرُجُ من طُورٍ سَيْناءً .
شَجَرَةً﴾ منصوبةٌ عطفًا على ((الجناتِ))، ويعنى بها شجرةَ الزيتونِ.
وقولُه: ﴿ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَةَ﴾. يقولُ: تَخْرُجُ من جبلٍ يُثْبِتُ الأشجارَ.
وقد بيّنتُ معنی (( الطور )) فيما مضى بشواهده، واختلافَ المختلِفِین فیه ، بما
أغنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ(٣).
وأما قولُه: ﴿سَيِنَآءَ﴾. فإن القَرَأَةَ اخْتَلَفت فى قراءتِه؛ فقَرَأَتْه عامةُ قرَأةِ المدينةِ
والبصرةٍ : ( سِيناءَ ). بكسرٍ السينِ . وقرَأْ ذلك عامةُ قَرَأَةِ الكوفةِ: ﴿ سَيْنَاءَ﴾ . بفتحِ
السين، وهما جميعًا مُجمِعون على مدِها(٣).
(١) فى م، ت ١: ((أعظم)). وعُظْم الشىء: معظمه وأكثره. اللسان (ع ظ م).
(٢) تقدم فى ٤٨/٢ - ٥١ .
(٣) قرأ المدنيان وابن كثير وأبو عمرو بكسر السين ، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر النشر ٢٤٦/٢ .
٢٩
سورة المؤمنون : الآية ٢٠
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان فى قَرَأَةِ الأُمصارِ بمعنّی
واحدٍ ، فبأيَتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: المبارَكُ. كأن معنى
الكلامِ عندَه : وشجرةٌ تَخْرُجُ من جبلٍ مبارَكٍ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: المبارَكُ(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ﴾. قال: هو جبلٌ بالشام
" (٢)
مباركٌ(٢) .
وقال آخرون : معناه : حسنٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قوله :
(١) تفسير مجاهد ص ٤٨٥. ومن طريقه الفريانى - كما فى تغليق التعليق ٣٧٣/٤ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى فتح البارى ٧١٣/٨، والحاكم فى ٥٢٨/٢ من طريقين آخرين عن ابن
عباس .
٣٠
سورة المؤمنون : الآية ٢٠
﴿ طُورِ سَيْنَآءَ﴾. قال: جبلٌ حسنٌ(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيْدٌ ، قال: سَمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَآءَ﴾. الطورُ: الجبلُ بِالنَّبَطِيةِ، وسيناء:
حسنةٌ بِالنَّطِيةِ(٢) .
وقال آخرون : هو اسمُ جبلٍ معروفٍ .
/ ذكرُ من قال ذلك
١٤/١٨
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ ، عن عطاءٍ
الخُراسانىّ، عن ابن عباسٍ فى قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَآءَ﴾. قال: الجبلُ الذى نُودِى
منه موسی ێ(٢).
حدَّثنی یونسُ قال : أخبرنا ابنُ وهپ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ طُورِ
سَيْنَآءَ﴾. قال: هو جبلُ الطورِ الذى بالشام، جبلُ بيتٍ () المقدسِ. قال: ممدودٌ هو
بينَ مصرَ وَبِينَ أَيْلَةَ(٥) .
وقال آخرون : معناه أنه جبلٌ ذو شجرٍ .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٤٥/٢ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٥ إلى عبد بن حميد
وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٠/٢ .
(٤) فى م: (( ببيت)).
(٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٤١٤/٥ .
٣١
سورة المؤمنون : الآية ٢٠
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عمن قاله(١) .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يقال: إن سيناءَ اسمُ أُضِيف إليه الطُّورُ، يُعْرَفُ
به، كما قيل: جَبَلا طَيِّىَّ. فَأَضِيفا إلى طَيٍِّّ، ولو كان القولُ فى ذلك كما قال من
قال : معناه: جبلٌ مبارَكٌ . أو كما قال من قال: معناه : حسنٌّ. لكان الطورُ منوَّنًا،
وكان قولُه: ﴿ سَيْنَآءَ﴾ من نَعْتِه. على أن سيناءَ بمعنى مباركِ وحسنٍ غيرُ معروفٍ فى
كلامِ العربِ، فَيُجْعَلَ ذلك من نعتِ الجبلِ . ولكنَّ القولَ فى ذلك - إن شاء اللهُ -
كما قال ابنُ عباس، من أنه جبلٌ عُرِف بذلك، وأنه الجبلُ الذى نُودِى منه
موسى عَلَه، وهو مع ذلك مباركٌ، لا(٢) أن معنى سيناءَ معنى مباركٍ.
وقولُه: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ اختَلَفت القَرَأةُ فى قراءةِ قولِهِ: ﴿ تَنْبُتُ﴾ ؛ فقرأته
عامةُ قَرَأَةِ الأمصارِ: ﴿ تَنْبُتُ ﴾ بفتح التاءُ ، بمعنى: تَنْبُتُّ هذه الشجرةُ بثمر
الدُّهْنِ.
وقرأه بعضُ قَرَأَةِ البَصْرةِ: (تُنْبِتُ بالدُّهنِ) بضمٌ التاءِ(٤) ، بمعنى: تُنْبِتُ
الدُّهْنَ؛ تُخْرِجُه . وذُكِر أنها فى قراءةٍ عبدِ اللهِ: (تُخْرِجُ الدُّهْنَ) ). وقالوا: الباءُ
فى هذا الموضع زائدةٌ، كما قيل: أَخَذتُ ثوبَه، وأَخَذتُ بثوبِه. وكما قال
(٦)
الراجزُ(٦):
(١) أخرجه عبد الرزاق ٤٥/٢ عن معمر عن الكلبى .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((إلا)).
(٣) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عمر وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٤٨٤ .
(٤) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو . المصدر السابق .
(٥) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٩. وفيه : ( يخرج ) بالياء .
(٦) هو النابغة الجعدى ، والرجز فى شرح ديوانه ص ٢١٦،٢١٥ .
٣٢
سورة المؤمنون : الآية ٢٠
نحن بنو جَعْدَةَ أربابُ الفَلَحْ(١)
نَضْرِبُ بالبِيضُِ ونَوْجُو بِالفَرَجْ
بمعنى : ونَوْجو الفرجَ .
والقولُ عندى فى ذلك أنهما لغتان: نبَت وأَنْبَت. ومِن ((أَنْبَت)) قولُ زُهَيرِ (٣):
قَطِينًا(٤) لهم حتى إذا أَنْبَتَ البَقْلُ
رأیتَ ذَوِی الحاجاتِ حولَ بُوتِھمْ
/ ويُرْوَى: نَبَتَ. وهو كقوله: ﴿فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ﴾. و: (فاسْرِ ) [هود:
٨١]. غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التى لا أُختارُ غيرَها فى ذلك، قراءةُ
من قرأ: ﴿ تَنْبُتُ﴾ بفتح التاءِ؛ لإجماع الحجةِ من القَرَأَةِ عليها . ومعنى ذلك:
تَنْبُتُّ هذه الشجرةُ بثمرِ الدُّهْنِ .
١٥/١٨
کما حدثنى محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. قال: تُثْمِرُ(٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَّيْجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
(١) الفلج: موضع لبنى جعدة من قيس بنجد، وهو فى أعلى بلاد قيس. معجم ما استعجم ١٠٢٩/٣.
(٢) البيض : جمع أبيض ، وهو السيف . اللسان ( ب ی ض ) .
(٣) شرح ديوان زهير ص ١١١ .
(٤) القطين : أهل الرجل وحَشَمُه. والقطين : الساكن النازل فى الدار. يقول : يلزمونهم فيسمنون عندهم.
شرح الديوان ص ١١١ .
(٥) فى ص، ت ٢، ف: ((بثمر))، وفى م: ((بثمره).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٤٨٥. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد
وابن المنذر وابن أبى حاتم .
٣٣
سورة المؤمنون : الآيات ٢٠ - ٢٢
والدُّهْنُ الذى هو من ثمرِه الزيتُ .
کما حدَّثنی علی ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿ تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. يقولُ: هو الزيتُ يُؤْكلُ ويُدَّهَنُ به (١) .
وقولُه: ﴿ وَصِيْخِ لِلْأَكِينَ﴾. يقولُ: تَنْبُتُ بالدُّهْنِ وبصِبْغِ للآكِلِين، يُصْطَبَغُ
بالزيتِ الذی یأْكُلونه .
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَصِبْغِ لِلْأَكِينَ﴾. قال: هذه(١) الزيتونُ صِبْغٌ للآكلين، يَأْتَدِمون به،
ويَصْطَبِغون بهِ ) .
قال أبو جعفرٍ: فـ ((الصِّبْغُ)) عطفٌ على ((الدُّهْنِ)).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُشْقِيَكُم مِّمَا فِى بُطُونِهَا
٢٢
وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
٢١
وَلَكُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿فِ اٌلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ ﴾ تَغْتَبِرون
بها ، فتَعْرِفون بها أيادِىَ اللهِ عندَ كم، وقدرته على ما يشاءُ، وأنه الذى لا يَمْتَنِعُ عليه
شىءٌ أَراده، ولا يُعْجِزُه شىءٌ شاءه، ﴿نُسْقِيَكُم مِّمَا فِى بُطُونِهَا﴾ من اللبنِ الخارجِ من
بينِ الفَرْثِ والدمٍ، ﴿ وَلَكُ﴾ مع ذلك ﴿فِيهَا﴾. يَغْنِى: فى الأنعامِ، ﴿ مَنَفِعُ
كَثِيرَةٌ﴾. وذلك كالإبلِ التى يُحْمَلُ عليها، ويُوْكَبُ ظهرُها، ويُشْرَبُ دَرُّها،
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يعنى من لحومِها تأكلون.
وقولُه: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. يقولُ: وعلى الأنعام وعلى السفنِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى م: ((هذا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
( تفسير الطبرى ٣/١٧ )
٣٤
سورة المؤمنون : الآيات ٢٢ - ٢٤
تُحْمَلون ؛ على هذه فى البرِّ، وعلى هذه فى البحرِ .
١٦/١٨
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوْحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ
٢٣
اُعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ نَنَّقُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، ﴾؛ داعيَهم إلى طاعتِنا
وتوحيدِنا ، والبراءةِ من كلٌّ معبودٍ سِوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ﴾. يقولُ: قال لهم: ذِلُّوا يا قوم للهِ بالطاعةِ، ﴿ مَا لَكُرُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ﴾. يقولُ:
ما لكم مِن معبودٍ يجوزُ لكم أنْ تعبدوه غيرُه ، ﴿ أَفَلَا نَنَّقُونَ﴾. يقولُ : أفلا تخشَوْن
بعبادتِكم غيرَه عقابَه أن يَحِلَّ بكم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَوْاْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَذَآ إِلَّ بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَنْلَ مَلَئِكَةُ مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ
ءَبَآئِنَا الْأَوَّلِينَ
٢٤
يقولُ تعالى ذكره : فقالت جماعةُ أشرافٍ قومِ نوح الذين جحَدوا توحيدَ اللهِ
وكذَّبوه، لقومهم: ما نوعٌ أيها القومُ إلا بشرٌ مثلُكم، إنما هو إنسانٌ مثلُكم،
وكبعضِكم، ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: يريدُ أن يَصيرَ له الفضلُ
عليكم ، فيكونَ متبوعًا وأنتم له تبعٌ، ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَئِكَةً﴾. (١ يقولُ: ولو
شاء اللهُ ألا نعبدَ شيئًا سِواه، ﴿لَأَنْزَلَ مَلَئِكَةٌ﴾. يقولُ: لأرسَل بالدعاءِ إلى ما
يدعو كم إليه نوح ملائكةٌ " تؤدِّى إليكم رسالته .
وقولُه: ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَاَ " فِىّ ءَبَايِنَا الْأَوَِّينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا
ء
عن قيلِ الملا من قوم نوح: ما سَمِعْنا بهذا الذى يدْعونا إليه نوعٌ مِن أنه لا إلهَ لنا
(١ - ١) سقط من: ت ١.
(٢ - ٢) سقط من : م .
٣٥
سورة المؤمنون : الآيات ٢٤ - ٢٧
غيرُ اللهِ فى القرونِ الماضيةِ ، وهى آباؤهم الأوّلون .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَتَّصُواْ بِهِ، حَتَّى
حِينٍ(
) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ أَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَغْيُنِنَا
(٢٥) قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ بَـ
وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْهُنَا وَفَارَ التَّنُّوَرُ فَأَسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ
وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ مِنْهُمَّ وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ
مُغْرَقُونَ
٢٧
يعنى تعالى ذكرُه بقوله (١ مخبرًا عن قِيل الملاَّ الذين كفروا من قوم نوح: ﴿ إِنْ
هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ، جِنَّةٌ﴾: ما نوعٌ إِلَّ رجلٌ به جنونٌ. وقد يقالُ أيضًا للجنِّ: جِنَّةٌ .
فيتفقُ الاسمُ والمصدرُ .
و﴿هُوَ﴾ من قولِه: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كنايةُ اسمٍ نوحٍ .
وقولُه: ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ، حَتَّى حِينٍ ﴾ يقولُ: فَتَلَتُوا به وتَنَظَّرُوا به، ﴿ حَتَّ
حِينٍ﴾. يقولُ: / إلى وقتٍ ما. ولم يَعْنُوا بذلك وقتًا معلومًا، إنما هو كقولِ القائلِ: ١٧/١٨
دغه إلى يومٍ ما ، أو : إلى وقتٍ ما .
وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾. يقولُ: قال نوحٌ داعيًا ربّه،
مستنصِرًّا به على قومِه، لما طال أمرُه وأمرُهم، وتمادَوا فى غيِّهم: ﴿ رَبِّ أَنْصُرْنِ﴾
على قومى ﴿بِمَا كَذَّبُونٍ﴾. يعنى: بتكذيِهِم إياىَ فيما أبلَغْتُهم من رسالتِك،
ودعوتُهم إليه من توحيدِك .
وقولُه: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ أَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُفِنَا وَوَحْيِنَا﴾. يقولُ: فقلنا له
حينَ استنصَرَنَا على كَفَرِةٍ قومِه: ﴿ أَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ﴾ وهى السفينةُ، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾
يقولُ: بمرأَى منا ومنظرٍ، ﴿ وَوَحْيِنَا﴾. يقولُ: وبتعليمِنا إياك صَنَعْتَها، ﴿فَإِذَا
(١) سقط من: م، ت ٢.
٣٦
سورة المؤمنون : الآية ٢٧
جَاءَ أَمْرُنَا﴾. يقولُ: فإذا جاء قضاؤنا فى قومِك، [٤٣٦/٢ظ] بعذابِهم وهلاكِهم،
وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ - وقد ذكرنا فيما مضى اختلافَ المختلفِين فى صفةٍ فورِ التنورِ ،
والصوابَ عندنا من القولِ فيه بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضع -
﴿ فَأَسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾. يقولُ: فأدخِلْ فى الفلكِ واحمِلْ.
والهاءُ والألفُ فى قولِه: ﴿فِيهَا﴾. من ذِكرِ الفلكِ، ﴿مِن كُلّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾.
يقالُ: سَلَكْتُه فى كذا وأسلكتُه فيه. ومن ((سلكتُه)) قولُ الشاعرِ(٣):
وَقَدْ سَلَكُوكَ فِى يَوْمِ عَصِيبٍ
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ
وبعضُهم يقولُ : أسلكتُ . بالألفِ، ومنه قولُ الهُذَليّ(٢) :
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِى قُتَائِدَةٍ شَلَّ كَمَا تَطْرُدُ (٤) الجَمَالَةُ(٥) الشُّرْدَا(٦)
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل(١) ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَنٍ﴾. يقولُ لنوحٍ:
اجعلْ فى السفينةِ مِن كلِّ زوجين اثنين(٨).
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٠١/١٢ - ٤٠٧ .
(٢) تقدم فى ٤٩٧/١٢ .
(٣) تقدم فى ٤٦٧/١ .
(٤) فى ت ١: ((يطرد))، ت ٢: ((يطر)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الحمالة)).
(٦) فى ت ١: ((السردا))، ت ٢: ((السرفا)).
(٧) سقط من : م .
(٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
٣٧
سورة المؤمنون : الآيات ٢٧ - ٣٠
﴿ وَأَهْلَكَ﴾. وهم ولدُه ونساؤهُ(١)، ﴿إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ﴾ من
اللهِ بأنه هالكٌ فى من يَهْلِكُ من قومِك فلا تَحمِلْه معك ، وهو يامُ الذى غرِقٍ .
ويعنى بقوله: ﴿مِنْهُمّ﴾: مِن أهلِك.
والهاءُ والميمُ فى قولِه: ﴿مِنْهُمّ﴾ من ذكرِ الأهلِ .
وقولُه: ﴿وَلَا تُخَطِبْنِىِ﴾ الآية. يقولُ: ولا تسأَلْنى فى الذين كفروا باللهِ أن
أَنْجيّهم، ﴿إِنَّهُمْ تُغْرَقُونَ﴾. يقولُ: فإنى قد حَتَمتُ عليهم أن أَغرِقَ جميعَهم .
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الْخَدُ ١٨/١٨
لِلّهِ الَّذِى تَنَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
٨
يعنى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: فإذا
اعتدَلتَ فى السفينةِ أنت ومن معك، ممن حملتَه معك من أهلِك ؛ راكبًا فيها،
عاليًا(٢) فوقَها، ﴿ فَقُلِ الَْدُ لِلَّهِ الَّذِى ◌َ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: من المشركين.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقُل رَّتِّ أَنْزِلْنِ مُنْزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
٣٠
إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
يقولُ تعالى ذِكُه لنبيّه نوح عليه السلام: وقل إذا سلَّمك اللهُ وأخرجَك من
الفلكِ، فنزَلتَ عنها: ﴿رَبِّ أَنْزِلِ مُنَزَلًا﴾ ("من الأرضِ)، ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَّرُ
الْمُنْزِلِينَ﴾. " وأنت خيرٌ من أنزل عبادَه المنازلَ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى م: (( نساؤهم)).
(٢) فى ص: ((غالبا)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ١، ف .
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٣، ف .
٣٨
سورة المؤمنون : الآيتان ٢٩، ٣٠
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ مُنَزَلًا مُبَارَكاً﴾. قال: لنوح حينَ نزَلَ من السفينةِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ(١) قرأةِ الأمصارِ: ﴿رَّتٍّ أَنْزِلْنِى
مُنَزَلًا﴾ بضمِّ الميم وفتح الزاى، بمعنى: أنزلْنى إنزالًا مباركًا. وقرأهُ عاصم:
(مَنْزِلًا) بفتح الميم وكسرِ الزاي (١) ، بمعنى: أنزْنى مكانًا مباركًا وموضعًا.
وقولُه: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ فيما فعَلنا بقومٍ نوحٍ يا
محمدُ؛ من إهلاكِناهم إذكذَّبوا رسولَنا(4)، وجحَدوا وحدانيتنا، وعبَدوا الآلهةَ
والأصنامَ - لعبرًا لقومِك من مشركي قريشٍ، وعظاتٍ وحُجَجًا لنا عليهم؛
يَستدِلُّون بها على سنتِنا فى أمثالهم ، فينزَجروا عن كفرهم ، ويرتدعوا عن تكذيبِك ؛
حذرًا (٦) أنْ يصيبهم مثلُ الذى أصابَهم من العذابِ .
(١) تفسير مجاهد ص ٤٨٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف.
(٣) وهى قراءة عاصم فى رواية أبى بكر. حجة القراءات ص ٤٨٦ .
(٤) فى ص، م، ت ٢، ف: ((رسلنا)).
(٥) سقط من : م .
(٦) فى ت ١، ف: ((حذارًا))، ت ٢: ((حذرًا من)).
٣٩
سورة المؤمنون : الآيات ٣٠ - ٣٣
وقولُه : ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . يقول تعالى ذِ كرُه: و کنا مختبریھم بتذ کیرِنا
إياهم بآياتِنا ؛ لينظُرُوا (١) ما هم عاملون قبلَ نزولٍ عقوبتنا بهم.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ثُرَ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَآخَرِينَ
فَأَرْسَلْنَا فِهِمْ
٣١
رَسُولَا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ نَنَّفُونَ
(٣٢
/ يقولُ تعالى ذِكرُه: ثم أحدَثْنَا من بعدِ [٤٣٧/٢ و] مَهْلِكِ(١) قوم نوحٍ، قرنًا ١٩/١٨
آخرين، فأوجدناهم ، ﴿فَأَرْسَلْنَا فِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؛ داعيًا لهم، ﴿ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ﴾
يا قوم، وأطيعوه دونَ الآلهةِ والأصنامِ؛ فإنَّ العبادةَ لا تنبغى إلَّا له، ﴿مَا لَكُ مِّنْ إِلَهٍ
غَيٌِّ﴾. يقولُ: مالكم من معبودٍ يصلُحُ أنْ تعبُدوه(٢) سِواه، ﴿ أَفَلاَ نَنَّقُونَ﴾: أفلا
تخافون عقابَ اللهِ ، بعبادتِكم شيئًا دونَه، وهو الإلهُ الذى لا إلهَ لكم سِواه؟
القول فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَّآءِ
اُلْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ
٣٣
وَكَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه : وقالتِ الأشرافُ من قوم الرسولِ الذى أرسَلْناهُ(٤) بعدَ
نوحٍ . وعَنَى بالرسولِ فى هذا الموضع صالحاً ، وبقومِه ثمودَ، ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ
بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: الذين جحَدوا توحيدَ اللهِ، ﴿ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾.
يعنى : كذَّبوا بلقاءِ اللهِ فى الآخرةِ .
وقولُه: ﴿ وَأَثْرَفْتَهُمْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: ونقَمناهم فى حياتهم الدنيا ،
(١) فى م: لننظر)).
(٢) فى ت ١: ((إهلاك)).
(٣) فى م: (( تعبدوا)).
(٤) فى ص، م، ت ٢، ف: ((أرسلنا)).
٤٠
سورة المؤمنون : الآيات ٣٣ - ٣٥
بما وسَّعنا عليهم من المعاشِ، وبسَطنا لهم من الرزقِ، حتى بَطِروا وعَتَوْا على (١) ربِّهم
وكفَروا، ومنه قولُ الراجزِ (٣) :
وقَدْ(٣) أُرَانِى(٤) بالدّيارِ مُتْرِفا(٥)
وقولُه: ﴿مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. يقولُ: قالوا: بعَثَ اللهُ(" صالحاً إلينا"
رسولاً من بيننا ، وخصّه بالرسالةِ دوننا ، وهو إنسانٌ مثلُنا ؛ یأکلُ مما نأكلُ منه من
الطعامِ، ويشربُ مما نشربُ، وكيف لم يرسِلْ ملَكًا من عندِهِ يبلِّغُنا رسالتَه؟
قال: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾. معناه: مما تشربون (١) منه. فحذف من
الكلام ﴿ منه﴾؛ لأنَّ معنى الكلامِ: ويشربُ من شرابِكم، وذلك أنَّ العربَ
تقولُ : شرِبتُ من شرابِك .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا
٣٥
أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ
أَخَسِرُونَ يَّ
ء
يقولُ تعالى ذِكرُه مخيِرًا عن قيلِ الملاَ من قومٍ صالح لقومِهم: ﴿ وَلَيْنْ أَطَعْتُم
بَشَرًا مِثْلَكُمْ(٨)﴾ فاتَّبعتموه، وقبِلتم ما يقولُ وصدّقتموه، ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها القومُ،
(١) فى ت ٢: ((عن)).
(٢) هو العجاج ، والرجز فى ديوانه ص ٤٩٠ .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: ((لقد)).
(٤) فى ت ١، ف: ((رآنى)).
(٥) فى ت ٢: ((متزها)).
(٦ - ٦) فى ت ١: ((إلينا صالحاً)).
(٧) فى ت ٢: ((يشربون)).
(٨) سقط من: ت ٢ .