Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة الأنبياء : الآيتان ٧٩،٧٨
٥١/١٧
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المحاربىُّ، عن أشعثَ، عن أبى إسحاقَ، عن مرّةً،
عن ابنٍ مسعودٍ فى قوله: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَّ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرَثِ ﴾ . قال : گوْمٌ
قد أنبتَتْ عناقيدُه(١).
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شّريك، عن أبى إسحاقَ ،
عن مسروقٍ ، عن شُريحٍ، قال: كان الحرثُ كَوْمًا(٢).
قال أبو جعفرٍ : وأولَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ما قال اللَّهُ تباركَ وتعالَى:
﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَثِ﴾. والحرثُ إنما هو حَرْثُ الأرضِ، وجائزٌ أن يكونَ
ذلك كان زَرْعًا، وجائزٌ أن يكونَ كان(٢) غَرْسًا، وغيرُ ضائرِ الجهلُ بأىِّ ذلك كان .
وقولُه: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. يقولُ: حينّ دخلَتْ فى هذا الحرثِ
غنَمُ القومِ الآخرين من غيرِ أهلِ الحوثِ ليلًا، فَرَعَتْه و(٤) أفْسَدْته. ﴿ وَكُنَّا
◌ِكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾. يقولُ: وكنا لحكْمٍ(٥) داود وسليمانَ والقومِ الذين حكم
بينَهم فيما أفسَدتْ غنَمُ أهلِ الغَمِ مِن حزثِ أهلِ الحرثِ - شاهدِين لا يخفى علينا
منه شىءٌ، ولا يغيبُ عنا علْمُه .
وقولُه: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾. يقولُ: ففهَّمنا القضيةَ فى ذلك سُلَيْمانَ دونَ
(١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٨٨- ومن طريقه البيهقى ١١٨/١٠، وابن عساكر فى تاريخه ٢٣٤/٢٢ - من
طريق المحاربى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٤ إلى ابن مردويه.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٩/٥، وينظر ص ٣٢٤.
(٣) سقط من: م.
(٤) فى ص، م، ت ١: (( أو)).
(٥) فى ت ٢: ((حکمھم )).
( تفسير الطبرى ٢١/١٦ )

٣٢٢
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨، ٧٩
داودَ، ﴿وَكُلّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. يقولُ: وكلَّهم من داود وسليمانَ والرسلِ
الذين ذكَّرهم فى أوّلِ هذه السورةِ ﴿ ءَانَيْنَا حُكْمًا﴾، وهو النبؤَّةُ، ﴿ وَعِلْمًا﴾ .
يعنى: وعلْمًا بأحكام اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ وهارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ، قالا : ثنا المحاربيُّ، عن أشعثَ ،
عن أبى إسحاقَ، عن مرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ فى قولِه: ﴿ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانٍ
فِي الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: كَرْمٌ قد أنبتَت عناقيدُه فأفسدته . قال :
فقضَى داودُ بالغنمِ لصاحبِ الكَرْمِ، فقال سليمانُ : غيرَ هذا يا نبىَّ اللَّهِ . قال: وما
ذاكَ؟ قال: يُدفَعُ الكرْمُ إلى صاحْبِ الغنمِ، فيقومُ عليه حتى يعودَ كما كان، وتُدفَعُ
الغنمُ إلى صاحبِ الكرْمِ فيُصيبُ منها، حتى إذا كان الكوْمُ كما كان ، دفَعتَ الكرمَ
إلى صاحبِه، ودفَعتَ الغنمَ إلى صاحبِها. فذلك قولُه: ﴿فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قَولَه: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ﴾ إلى قولِه :
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾. يقولُ: كنا لما حكما شاهدين؛ وذلك أن رجلين
دخَلا على داودَ ، أحدُهما صاحبُ حرثٍ ، والآخرُ صاحبُ غنَم ، فقال صاحبُ
الحوثِ : إن هذا أرسَل غنَمَه فى حَرْثِى، فلم يُتْقِ من حَرْثى شيئًا . فقال له داودُ :
اذهَبْ فإن الغنَمُ كلَّها لك. فقضَى بذلك داودُ، ومَرَّ صاحبُ الغنَم بسليمانَ،
فأخبرَه بالذى قضَى به داودُ، فدخَل سليمانُ على داودَ، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إن
٥٢/١٧ القضاءَ سِوى الذى قضَيْتَ. فقال: كيف؟ قال / سليمانُ: إن الحوْثَ لا يَخْفَی
(١) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .

٣٢٣
سورة الأنبياء : الآيتان ٧٨، ٧٩
على صاحبِه ما يخرجُ منه فى كُلّ عامٍ ، فله من صاحبِ الغَم أن يبيعَ (١) من أولادِها
وأصوافِها وأشعارِها حتى يستوفِىّ ثمنَ الحوثِ ، فإن الغنَمَ لها نَسْلٌ فى كلِّ عامٍ . فقال
داودُ : قد أصَبْتَ ، القضاءُ كما قضيْتَ. ففهَّمَها اللَّهُ سليمانَ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، عن علىِّ
ابنِ زيدٍ ، قال : ثنى خليفةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال : قضَى داودُ بالغنم لأصحابِ
الحزثِ، فخرَج الرّعاءُ(١) معهم الكلابُ، فقال سليمانُ: كيف قَضَى بِينَكم(4)؟
فأخبرَوه ، فقال: لو وافيْتُ أمرَكم(٥) لقضَيْتُ بغيرِ هذا. فأخبر بذلك داودُ ، فدعاه
فقال : كيف تقضِى بينَهم ؟ قال : أَدْفَعُ الغنَمَ إلى أصحابِ الحزثِ، فيكونُ لهم أولادُها
وألبانُها وسِلاؤُها (١) ومنافعُها، ويَذُرُ أصحابُ الغنَم لأهلِ الحزثِ مثلَ حرثِهم ، فإذا
بلَغ الحوثُ الذى كان عليه، أخَذ أصحابُ الحوثِ الحوْثَ، وردُّوا الغنمَ إلَى
(٧)
أصحابِها(٧).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسَى ، قال : ثنا ابنُ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال:
أَغْطاهم داودُ رِقابَ الغنمِ بالحزثِ، وحكم سليمانُ بجِزَّةٍ(٨) الغنم وألبانِها لأَهلِ
(١) فى ت ١، ت ٢: (( يبتع)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٤ إلى المصنف.
(٣) فى ص، م، فى: ((الرعاة)).
(٤) فى ص، ت ١، ف: ((بينهم))، وفى ت ٢: (( معهم ).
٠
4
:
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أمرهم)).
(٦) السلاء: السّمن. تاج العروس (س ل أ).
(٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٩/٥ عن حماد بن سلمة ، عن على بن زيد به .
(٨) الجزة : صوف الشاة فى سنة . تاج العروس (ج ز ز).

٣٢٤
سورة الأنبياء : الآيتان ٧٨، ٧٩
الحوث، وعليهم رِعايتُها على أهلِ الحزثِ ، ويحرُثُ لهم أهلُ الغنم حتى يكونَ الحوثُ
كهيئته يومَ أُكِلَ، ثم يدفَعونَه إلى أهلِه، ویأْخُذونَ غنمهم(١).
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنى ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج بنحوه، إلا أنه قال :
وعليهم رَغْيُها (٢) .
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ، قال: [٣٨٥/٢و] ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن
أبى(٢) إسحاقَ، عن مُرَّةَ فى قولِه: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اَلْقَوْمِ﴾. قال: كان
الحرثُ نبثًا، فنفَشَتْ فيه ليلاً، فاختَصَموا فيه إلى داودَ، فقضَى بالغنم لأصحابٍ
الحوث، فمرّوا على سليمانَ، فذكَّروا ذلك له، فقال: لا ، تُدفَعُ الغنمُ فِيُصيبونَ
منها - يعنى أصحابَ الحوثِ - ويقومُ هؤلاءٍ على خَرْثِهم، فإذا كان كما كان ،
رَدُّوا عليهم. فنزِلَت: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾(٤) .
حدَّثُنا تميُ بنُ المنتصرِ، قال: أُخبرَنا إسحاقُ، عن شَريك ، عن أبى إسحاقَ ،
عن مسروقٍ، عن شُريح فى قولِهِ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اَلْقَوْمِ﴾. قال: كان
النّفْشُ ليلًا، وكان الحوثُ كَوْمًا. قال: فجعَل داودُ الغنمَ لصاحبِ الكَرْم. قال :
فقال سليمانُ : إن صاحبَ الكرم قد بَقِى له أَصْلُ أَرْضِه، وأَضْلُ كَزْمِه ، فاجْعَلْ له
أصوافّها وألبانَها. قال: فهو قولُ اللَّهِ: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾(٥).
(١) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٨٤٣٥) عن ابن جريج ، عن مجاهد .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((رعيتها)).
(٣) فى ص، م، ث ١: ((ابن)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٤ إلى المصنف.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦/٢، وفى المصنف (١٨٤٣٣) من طريق أبى إسحاق ، عن مرة ، عن
مسروق من قوله، وهو فى تفسير مجاهد ص ٤٧٣ من طريق مرة ، عن مسروق . وعزاه السيوطى فى الدر=

٣٢٥
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨، ٧٩
حدَّثنا ابنُ أبي زيادٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ، عن
عامٍ، قال: جاءَر جُلانٍ إلى شُرَيح، فقال أحدُهما: إِن شاةً(١) هذا قطَعتْ غَزْلَالى.
فقال شُريحٌ : نهارًا أم ليلًاً(١) ؟ قال : فإن كان نهارًا فقد برئ صاحبُ الشاةِ، وإن كان
ليلاً فقد ضَمِنَ. ثم قرأ: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ
اُلْقَوْمِ﴾. قال: كان النفْشُ ليلًاً(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكام ، قال : ثنا إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ ، عن عامٍ ،
عن شُريح بنحوِه .
حدّثنی یعقوبُ، قال: ثنا ◌ُشیم، قال : أخبرنا إسماعيلُ بنُ أبی خالدٍ ، عن
الشعبىّ، عن شُريحٍ مثلَه .
/ حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَدَاوُودَ ٥٣/١٧
وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِىِ الْحَثِ﴾ الآية: النفْشُ بالليلِ، والهَمَلُ بالنهارٍ. وذُكِر لنا
أن غنَمَ القومِ وقَعتْ فى زَرْعِ ليلاً ، فرفع ذلك إلى داودَ ، فقضی بالغنم لأصحاب
الزرع، فقال سليمانُ: ليس كذلك، ولكن له نَسْلُها ورَسَلُها وعوارضُها(1)
وجزازُها، حتى إذا كان من العامِ المقبلِ كهيئته يومَ أُكِلَ، دُفِعت الغنمُ إلى رَبُّها ،
وقبَض صاحبُ الزرعِ زَرْعَه. فقال اللَّهُ: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَتْمَنَّ﴾ (٥).
= المنثور ٣٢٤/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(١) فى م: ((شياه)).
(٢) بعده فى ت ١: (( قال كان نهارًا)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٥٠/٥ عن المصنف ، وأخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٢/ ٢٥٤، ٢٥٩ - ومن
طريقه ابن أبى شيبة ٩/ ٤٣٦ - من طريق إسماعيل به. وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف ( ١٨٤٣٩، ١٨٤٤٠)
من طريق الشعبى به. وأخرجه وكيع فى ٣٢١/٢ من طريق أشعث بن أبى الشعثاء، عن شريح بنحوه.
(٤) الرَّسَل : القطيع من كل شىء، ويجمع على أرسال. والعوارض جمع العريض، وهو ما فوق الفطيم
ودون الجَذَع من المعز. وقيل: هو الجدى إذا نزا. وقيل: هو الذى أتى عليه سنة وتناول الشجر والنبت،
ویجمع على عرضان وُرضان . اللسان (ع ر ض ، ر س ل).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٤/٤ إلى المصنف .

٣٢٦
سورة الأنبياء : الآيتان ٧٨، ٧٩
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والزُّهْرىِّ:
﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: نفشَت غنَمٌّ فى حَرْثِ قومٍ . قال الزَّهْرِىُّ:
والنفْشُ لا يكونُ إلا ليلاً. فقضَى داودُ أن يأخُذَوا الغنمَ ، ففهَّمَها اللَّهُ سليمانَ. قال:
فلما أُخبِر بقضاءِ داودَ ، قال: لا ، ولكن خُذُوا الغنَمَ ، فلكم ما خرَج مِن رَسَلِها
وأولادِها وأصوافِها إلى الحولِ(١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قوله: ﴿ إِذْ
نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: فى حَرْثِ قومٍ. قال معمرٌ: قال الزُّهْرىُّ: النفْشُ
لا يكونُ إلا بالليلِ، والهمَلُ بالنهارِ. قال قتادةُ: فقضَى أن يأْخُذُوا الغنمَ ، ففهَّمها
اللَّهُ سليمانَ. ثم ذكر باقىّ الحديثِ نحوَ حديثِ ابنِ عبدِ الأعلَى(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَدَاوُدَ
وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ الآيَينْ. قال : انفلَتَتْ
غنمُ رجلٍ عَلَى حِرْثٍ رجلٍ فأكلَتْه، فجاءَ إلى داودَ ، فقضَى فيها بالغنم لصاحبٍ
الحوثِ بما أكَلَتْ، وكأنه رأَى أنه وَجْهُ ذاك، فمرُوا بسليمانَ ، فقال: ما قضَى بينكم
نبُ اللَّهِ؟ فأخبروه، فقال: ألا أَقضى بينَكما بقضاءٍ (٢) عسى أن تَرضيا به؟ فقالا:
نعَم. فقال: أما أنتَ يا صاحبَ الحزثِ، فخُذْ غنمَ هذا الرجلِ فكنْ فيها كما كان
صاحبها ، أُصِبْ من لبنها وعارضَتِها و کذا و کذا ما كان يُصيبُ ، واحرُثْ أنت يا
صاحبَ الغنمِ حَرْثَ هذا الرجلِ، حتى إذا كان حَرْثُه مثلَه ليلةَ نفَشَت فيه غنَمُك ،
فأعطِهْ حَوْثَه، وخُذْ غنَمَك. فذلك قولُ اللَّهِ تباركَ وتعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٨٤٣٢) عن معمر ، عن الزهرى.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٤/٢.
(٣) سقط من: م.
٠٠٠

٣٢٧
سورة الأنبياء : الآيتان ٧٨، ٧٩
يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. وقرَأ حتى بلغ قوله: ﴿وَكُلًّا
ءَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَأَ﴾ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن ابنٍ جريج، عن عطاءٍ
الخراسانيّ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اٌلْقَوْمِ﴾. قال:
رِعَتْ(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: النفْشُ الرَّعيةُ تحتَ
الليلِ .
قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ، عن حرامٍ بنِ مُحَيِّصةَ بنِ
مسعودٍ ، قال : دخلت ناقةٌ للبراءِ بن عازبٍ حائطًا لبعضٍ الأنصارِ فأفسدته، فُفِع
ذلك إلى رسولِ اللَّهِ مَه، فقال: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. فقضَى على
البراءِ بما أفسَدتِ الناقةُ، وقال: ((علَى أصحابِ الماشيةِ حِفْظُ الماشيةِ بِاللَّيْلِ، وعلى
أصحابِ الحوائطِ حِفْظُ حيطانِهم بالنَّهارِ)) .
قال الزهرىُّ: وكان قضاءُ داود وسليمانَ فى ذلك أن رجلًا دخلت ماشیتُه
زَرْعًا لرجلٍ فأفسَدتْه - ولا / يكونُ النُّقُوشُ إلا بالليل - فارتفَعا إلى داودَ، فقضَى ٥٤/١٧
بغنمِ صاحبِ الغنمِ لصاحبِ الزرعِ، فانصرَفا، فمرّا بسليمانَ، فقال: بماذا
قضَى بينكما نبىُّ اللَّهِ؟ فقالا: قضَى بالغنم لصاحبِ الزرع. فقال: إن الحُكمَ
[٣٨٥/٢ظ] لعلى غيرِ هذا، انصَرِفا معى. فأتى أباه داودَ فقال: يا نبيَّ اللهِ، قَضَيْتَ
على هذا بغنَمِه لصاحبِ الزرع؟ قال: نعم. قال: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنَّ الحكْمَ لعلَى غيرِ
هذا . قال : وكيف يا بُنَىَّ؟ قال: تدفَعُ الغنمَ إلى صاحبِ الزرع، فيُصيبُ من ألبانِها
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .

٣٢٨
سورة الأنبياء : الآ يتان ٧٨، ٧٩
وسمونِها وأصوافِها ، وتدفَعُ الزرعَ إلى صاحبِ الغنمِ يقومُ عليه، فإذا عادَ الزرعُ إلى
حالِه التى أصابته الغنمُ عليها، رُدَّتِ الغنمُ على صاحبِ الغنمِ، ورُدَّ الزرعُ على
صاحبِ الزرع. فقال داودُ: لا يقطَعُ اللَّهُ فَمَكَ. فقضَى بما قضَى سليمانُ . قال
الزهرىُّ: فذلك قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ﴾ إلى قولِه:
حُكْمًا وَعِلْمَاً﴾(١)
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ وعلىُّ بنُ مجاهدٍ ، عن محمدٍ بن إسحاقَ ،
قال : فحدَّثنى من سمِع الحسنَ يقولُ: كان الحِكْمُ بما قضَى به سليمانُ ، ولم يُعِّفِ
اللَّهُ داودَ فى محُكْمِه(٢) .
وقولُه: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالَّيْرُ﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه:
وسخَّرْنا مع داودَ الجبالَ والطيرَ يُسبّحْنَ معه إذا هو سَبَّح .
وكان قتادةُ يقولُ فى معنَى قوله: ﴿ يُسَبِّحْنَ﴾ فى هذا الموضِعِ ما حدَّثنا به
بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثناسعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ
يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرٌ﴾. أى: يُصلِّينَ مع داودَ إذا صَلَّى(٣).
وقولُه: ﴿وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾. يقولُ: وكنا قد قَضْينا أنَّا فاعِلُو ذلك،
ومُسَخِّرو الجبالِ والطيرِ فى أَمّ الكتابِ مع داود عليه الصلاةُ والسلامُ.
(١) المرفوع أخرجه أحمد ٤٣٦،٤٣٥/٥ (اليمنية)، وأبو داود (٣٥٧٠)، وابن ماجه (٢٣٣٢) من طريق
الزهرى به. وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٨٤٣٨) - ومن طريقه أحمد ٤٣٦/٥ (الميمنية)، وأبو داود
(٣٥٦٩) - من طريق الزهرى ، عن حرام بن محيصة ، عن أبيه .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٤ إلى المصنف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٤ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم
وأبى الشيخ .

٣٢٩
سورة الأنبياء: الآية ٨٠
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مّنُ
٨٠
بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وعلَّمنا داودَ صنعةً لبوسٍ لكم .
واللَّوسُ عندَ العربِ السّلامحُ كُلُّه؛ دِرْعًا كان أو جَوْشَنًا(٢) أو سَيْفًا أو رُمْحًا.
يدُلُّ علَى ذلك قولُ الهُذَلىّ(١) :
رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِى نِعاجِ مُجْفِلٍ
ومعِى لَبُوسٌ للبَئِيسِ (٤) كأنَّهُ
وإنما يصِفُ بذلك رُمْحًا. وأما فى هذا الموضِعِ فإن أهلَ التأويلِ قالوا: عنَى
الدُّرُوعَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَّمْنَهُ
صَنْعَةَ لَبُوُسِ / لَّكُمْ﴾ الآية. قال: كانت قبلَ داودَ صفائحَ. قال: وكان أوّلَ ٥٥/١٧
من صنَع هذا الحلَقَ وسَرَّد ◌ِداودُ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَّمَنَهُ
صَنْعَةَ لَبُوُسٍ لَّكُمْ﴾. قال: كانت صفائحَ، فأولُ من سَرَّدَهَا وحَلَّقها داودُ
عليه السلامُ .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((ليحصنكم)). وهما قراءتان كما سيأتى فى الصفحة الآتية.
(٢) الجوشن : اسم الحديد الذی یلبس من السلاح. اللسان (ج ش ن).
(٣) هو أبو كبير عامر بن الحليس الهذلى، والبيت فى ديوان الهذليين ٢/ ٩٨.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ف: (( لِلَّبيس)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧/٢ عن معمر به، وهو تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة.

٣٣٠
سورة الأنبياء: الآية ٨٠
واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: (لِيُخْصِنَكُم). فقرأَ ذلك أكثرُ قرأةِ الأمصارِ:
( لِيُخْصِنَكُمْ). بالياءِ(١)، بمعنَى: ليُحصِنَكم اللَّبوسُ من بْسِكم. ذَكَّروه لتذ کیرِ
((الَّبوسِ)). وقرأ ذلك أبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القعقاعِ: ﴿لِنُحْصِنَكُمْ﴾ بالتّاءِ(٣)،
بمعنَى: لتُحصِنَكم الصنعَةُ. فأَنَّث التأنيثِ الصنعَةِ . وقرأ شيبةُ بنُ نِصَاحِ
(٣)
وعاصمُ بنُ أبى النَّجودِ: (لِنُخْصِنَكُمْ) بالنونِ(٤) ، بمعنَى: لنُحصِنَكم نحنُ من
بأسِكم.
قال أبو جعفرٍ : وأولَى القراءاتِ فى ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ من قرأَه بالياءِ؛
لأنها القراءةُ التى عليها الحجةُ مِن قرأةِ الأمصارِ ، وإن كانت القراءاتُ الثلاثُ التى
ذكَرناها متقارباتِ المعانى، وذلك أن الصَّنعَةَ هى اللَّبُوسُ، واللَّبوسَ هى الصنعةُ ،
واللَّهُ هو المحصِنُ به من البأْسِ(٥)، وهو المحصِنُ بتصيرِ اللَّهِ إياه كذلك. ومعنى قوله:
( لِيُخْصنَكُمْ ): لِيُحرِزَكم. وهو من قولِه: قد أحصَن فلانٌ جاريته . وقد بيَّنا معنَى
ذلك بشواهدِه فيما مضى قبلُ(٦).
والبأْسُ: القتالُ. وعلَّمنا داودَ صنعةً سلاحٍ لكم ليُحرِزَكم إذا لَبِستموه،
ولقِيتُم فيه أعداءَ كم من القتلِ .
وقولُه : ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم أيها الناسُ شاكِرُو اللَّهِ على
(١) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٠.
(٢) هى قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم. المصدر السابق .
(٣) فى ت ١، ف: ((فصاح))، وينظر غاية النهاية ٣٢٩/١.
(٤) هى رواية أبى بكر ورويس عن عاصم. النشر ٢٤٣/٢. وتنظر قراءة شيبة فى تفسير القرطبى ٣٢١/١١،
وذكرها فى البحر المحيط ٣٣٢/٦ بالتاء.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الناس)).
(٦) ينظر ما تقدم فى ٦/ ٥٧٥.
:

٣٣١
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٠، ٨١
نِعْمَتِه(١) عليكم بما علَّمكم من صَنْعةِ اللَّوسِ المحصِنِ فى الحزبِ، وغير ذلك من
نعَمِه علیکم . يقولُ : فاشْكُرونی علَى ذلك.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الْرِيحَ عَاصِفَةُ تَجْرِى بِأَمْرِةٍ إِلَى الْأَرْضِ
٨١
الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَاْ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ
يقولُ تعالَى ذكرُه: وسخَّرْنا لِسليمانَ بنِ داودَ ﴿ الْرِيحَ عَاصِفَةٌ﴾ ، وعُصوفُها
شِدَّةُ هبوبِها، ﴿ تَجْرِى بِأَمْرٍِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِىِ بَرَكْتَا فِيهَا﴾ . يقولُ: تجرِى الريحُ بأمرٍ
سليمانَ ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾. يعنى: إلى الشامِ، وذلك أنها كانت
تجرِى بسليمانَ وأصحابِه إلى حيثُ شاءَ سليمانُ، ثم تعودُ به إلى منزلِه بالشامِ ،
فلذلك قيلَ : ﴿ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْنَا فِهَا ﴾.
كما حدّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن
بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبٍ بن منبهٍ، قال: كان سليمانُ إذا خرَج إلى
مجلسه[ ٣٨٦/٢و] عگفت عليه الطير، وقام له الجُّ والإنسُ حتی یجلِسَ إلی سريره ،
وكان امْراً غزَّاءَ ، قَلَّما يقعُدُ عن الغزوِ ، ولا يسمَعُ فى ناحيةٍ من الأرضِ بملِكٍ إلا أتاه
حتى يُذِلَّه ، وكان فيما يزعمونَ إذا أرادَ الغزوَ ، أمَر بعشكرِه فضُرِب له بخشَبٍ ، ثم
نُصِب له على الخشَبِ، ثم حمَل عليه الناسَ والدوابَّ وآلةَ الحربِ كلَّها ، حتى إذا
حمّل معه ما يريدُ ، أمَر العاصِفَ من الريح فدخَلت تحتَ ذلك /الخشبِ فاحتَمَته ، ٥٦/١٧
حتى إذا استقَلَّتْ أمَر الرخاءَ فمدَّتْه شهرًا فى رَوْحتِهِ وشهرًا فى غُدْوتِه إلى حيثُ أرادَ ،
يقولُ اللَّهُ جلّ وعزّ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِيَجَ تَجْرِى ◌ِأَمَّرِهِ، رُغَةُ حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦].
وقال: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. قال: فذُكِرلى
أَن مَنزِلًا بناحيةِ دِجلةَ مكتوبٌ فيه كتابٌ ، كتَبه بعضُ صحابةِ سليمانَ ؛ إِمّا من الجنِّ
(١) فى ت ١: ((نعمه)).

٣٣٢
سورة الأنبياء : الآية ٨١
وإمّا من الإنسِ : نحن نزَلْناه وما بنَئِناه، ومَبْنيًّا وجَدناه، غَدَونا من إِصْطَخْرَ فِقِلناه ،
ونحن راحِلون منه إن شاءَ اللَّهُ قائلونَ الشامَ(١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ
الرِّيحَ عَاصِفَةٌ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾. قال: ورَّثَ اللَّهُ سليمانَ داودَ ،
فورَّتَه نبوَّتَه ومُلكَه، وزادَه على ذلك أن سخّر له الريحَ والشياطينَ(١).
حدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
وَلِسُلَيْمَانَ الْرِيحَ عَاصِفَةٌ تَجْرِى بِأَمْرِوٍ﴾. قال: عاصفةً شديدةً، ﴿ تَجْرِى بِأَمْرِوٍ﴾.
قال : الشامُ .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةٍ
الأمصارِ: ﴿الْرِيْحَ﴾ (١) . بالنصبِ على المعنى الذى ذكرناه . وقرّأْ ذلك عبدُ الرحمنِ
الأعريج: (الريح) رفعًا(٢) باللام(*) فى ((سليمانَ))، على ابتداءِ الخبرِ عن أن لسليمانَ
لريخ .
قال أبو جعفر : والقراءةُ التى لا أستجيزُ القراءةَ بغيرِها فى ذلك ما عليه قرأةُ
الأمصارِ ؛ لإجماع الحجّةِ من القرأةِ عليه .
وقولُه: ﴿ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴾ . يقولُ: و كنا عالمین بأن فى(٦) فعلِنا ما
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٨٦/١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) سقط من : م، ف.
(٤) البحر المحيط ٦/ ٣٣٢.
(٥) فى م: ((بالكلام)).
(٦) سقط من : م .

٣٣٣
سورة الأنبياء : الآيات ٨١ - ٨٤
فَعَلنا لسليمانَ من تسخيرِنا له ، وإعطائنا ما أعطَيْناه من الملكِ - صلاحَ (١) الخَلْقِ،
فعلى علّمِ منا بموضِع ما فعلنا به من ذلك فعَلنا ونحنُ عالمونَ بكل شىءٍ، لا يخفَی
علينا منه شىءٌ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ
عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌَ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ
٨٢
يقولُ تعالى ذكره: وسخَّرنا أيضًا لسليمانَ من الشياطين من يغوصونَ له فى
البحرِ، ﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًّا دُونَ ذَلِكٌ﴾؛ من البنيانِ والتماثيلِ والمحاريبِ.
﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾. يقولُ: وكنا لأعمالهم ولأعدادِهم حافظينَ، لا يثودُنا
حفظُ ذلك كلِّه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِ مَسَّنِىَ الُّرُّ وَأَنْتَ
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ
أَرْحَمُ الزَّحِينَ
(٨٤
وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ
/يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: واذكُرْ أيوبَ يا محمدُ إِذ نادَى رَبَّه وقد ٥٧/١٧
مَسَّه الضرّ والبلاءُ: ربِّ ﴿أَنِّ مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ -
﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاستَجَبنا لأيوبَ دعاءَه إذ نادانا، فكَشَفنا
ما كان به مِن ضُرٍّ وبلاءٍ وجَهْدٍ .
وكان الضُّرُّ الذى أصَابه، والبلاءُ الذى نزَل به ، امْتِحانًا من اللَّهِ له واخْتِبارًا .
و کان سبب ذلك کما حدّثنی محمدُ بنُ سَهْلٍ بن عَسْگر البخارئُّ ، قال : ثنا
١١) فى م: ((وصلاح)).

٣٣٤
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٤،٨٣
إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم أبو (١) هشام، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلِ، قال :
سمِعتُ وهبَ بنَ منِبِّهِ يقولُ : كان بَدُ أَمْرِ أيوبَ الصديقِ صلواتُ اللَّهِ عليه ، أنه كان
صابرًا، نِعْمَ العبدُ . قال وهبّ : إن لجبريلَ بينَ يديِ اللَّهِ مقامًا ليس لأحدٍ من الملائكةِ
فى القُرْبةِ من اللَّهِ والفضيلةِ عندَه، وإن جبريلَ هو الذى يتلَقَّى الكلامَ، فإذا ذكَر اللَّهُ
عبدًا بخيرٍ ، تلقَّه منه جبريلُ ، ثم تلقَّاه ميكائيلُ ، وحَوْلَه الملائكةُ المقرَّبونَ حافِّينَ مِن
حولِ العرشِ ، وشاعَ ذلك فى الملائكةِ المقرَّبينَ، صارتِ الصلاةُ على ذلك العبدِ من
أهلِ السماواتِ ، فإذا صلَّت عليه ملائكةُ السماواتِ هبطَت عليه بالصلاةِ إلى
ملائكةِ الأرضِ، وكان إبليسُ لا١٢) يُحْجَبُ بشىءٍ من السماواتِ، وكان يقِفُ
فيهنَّ "حيثُما أراد)، ومن هنالِك وصَل إلى آدمَ حينَ أُخرَجه من الجنةِ، فلم يزَلْ
على ذلك يصعَدُ فى السماواتِ حتى رفَع اللَّهُ عيسىَ ابنَ مريمَ ، فحُجِبَ من أُربعٍ،
وكان يصعَدُ فى ثلاثٍ، فلما بعَث اللَّهُ محمدًا عَ لَّهِ محُجِب من الثلاثِ الباقيةِ ، فهو
محجوبٌ هو وجميعُ جنودِه من جميعِ السماواتِ إلى يومِ القيامةِ ، إلّا مَنِ اسْتَرَقَ
السَّمْعَ فَأَتْبَعه شهابٌ ثاقبٌ. [٣٨٦/٢] ولذلك أنكَرَت الجنُّ ما كانت تعرِف حينَ
قالت: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾، إلى قوله: ﴿ شِهَابًا
رَّصَدًا ﴾ [الجن: ٨، ٩].
قال وهبّ : فلم يَرُعْ إبليسَ إلا تجاوبُ ملائكتِها بالصلاةِ على أيوبَ ، وذلك
حينَ ذكَره اللَّهُ وأثنَى عليه، فلما سمِع إبليسُ صلاةَ الملائكةِ أَدْرَ كه البغْىُ والحسَدُ ،
وصعِد سريعًا حتى وقَف من اللَّهِ مكانًا كان يقِفُه، فقال: يا إلهى، نظَرتُ فى أمْرِ
عبدِك أيوبَ ، فوجَدتُه عبدًا أَنْعَمتَ عليه فشكَركَ، وعافَيَتَهِ فحمِدَك، ثم لم تُجرّبْه
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((بن)). وينظر تهذيب الكمال ١٣٨/٣.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٣ - ٣) فى م: ((حيث شاء ما أرادوا)).

٣٣٥
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤
بشدّةٍ ولم تجرِّبْه ببلاءٍ، وأنا لك زَعيم لئن ضربتَه بالبلاءِ ليكفُرَنَّ بك ولينسَينَّك ،
وليعبْدَنَّ غيرَك. قال اللَّهُ تبارك وتعالى له : انطلِقْ فقد سلَّطتُك على مالِه، فإنه الأمرُ
الذى تزعُمُ أنه من أجلِه يشكُّرُنى ، ليس لك سلطانٌ على جسدِه ، ولا على عقلِهِ .
فانقَضَّ عدوُّ اللَّهِ حتى وقَع على الأرضِ ، ثم جمَع عفاريتَ الشياطينِ وعظماءَهم ،
وكان لأيوبَ البَثَنِيةُ(١) من الشام كلِّها بما فيها من شرقِها وغربها، وكان له بها ألفُ
شاةٍ برعاتِها وخمسمائةٍ فدَّانٍ (١) يَتْبَعُها خمسمائةٍ عبدٍ، لكلِّ عبدٍ امرأةٌ وولَدٌ ومالٌ،
ويحمِلُ آلةَ كلِّ فدانٍ أتانٌ ، لكلِّ أتانٍ ولدٌ من اثنين وثلاثةٍ وأربعةٍ وخمسةٍ وفوقَ
ذلك . فلما جمعَ إِبليسُ الشياطينَ، قال لهم : ماذا عندَ كم من القوَّةِ والمعرفةِ ، فإِنى
قد سُلِّطتُ على مالِ أيوبَ، فهى المصيبةُ الفادِحةُ، والفتنةُ التى لا يصبِرُ عليها
الرجالُ ؟ قال عفريتٌ من الشياطينِ : أُعطيتُ من القوَّةِ ما إذا شئتُ تحوَّلتُ إعصارًا
من نارٍ فأحرَقتُ كلَّ شىءٍ آتى عليه. فقال له /إبليسُ: فَأْتِ الإبلَ ورُعاتَها . فانطلَق
يؤمُّ الإِبلَ، وذلك حينَ وضَعت رُءُوسَها وثبتَتْ فى مراعِيها، فلم يَشعُرِ الناسُ حتى
ثار من تحتِ الأرضِ إعصارٌ من نارٍ تُنفَخُ منها أرواحُ السَّمومِ، لا يَدْنُو منها أحدٌ إلا
احتَرِقَ ، فلم يزَلْ يَخْرِقُها ورُعاتَها حتى أتَى على آخرِها، فلما فرغ منها تمثَّل إبليسُ
على قَعودٍ (١) منها براعيها ، ثم انطلَق يؤمُ أیوب حتى وجَدہ قائمًا يُصلِّى ، فقال : يا
أيوبُ . قال: لَيكَ. قال: هل تدرِى ما الذى صنَع ربُّكُ(٤) الذى اختَوْتَ وعبَدْتَ
ووحَّدْتَ بإِبلِكَ ورُعاتِها؟ قال أيوبُ: إنها مالُه أعارَنيه، وهو أولى به إذا شاءَ نزَعه،
٥٨/١٧
(١) البثنية والبثنة: اسم ناحية من نواحى دمشق، وقيل: هى قرية بين دمشق وأذرعات، كان أيوب عليه
السلام منها . معجم البلدان ١/ ٤٩٣.
(٢) الفدَّان : الذی یحرث به. اللسان (ف د ن).
(٣) القعود من الإبل: هو البكر حين يركب، أى: يمكن ظهره من الركوب، وأدنى ذلك أن يأتى عليه
سنتان ، ولا تكون البكرة قعودا، وإنما تكون قلوصا. اللسان (ق ع د).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((بك)).

٣٣٦
سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣، ٨٤
وقديمًا ما وطّنْتُ نفسِى ومالى على الفناءِ. قال إبليسُ : وإن ربَّك أرسَل عليها نارًا من
السَماءِ فاحترقَتْ ورُعاتُها حتى أتَى على آخرِ شىءٍ منها ومن رُعاتِها ، فترَكْتُ الناسَ
مَبهوتينَ وهم وُقوفٌ عليها يتعَجَّبون؛ منهم من يقولُ: ما كان أيوبُ يعبُدُ شيئًا ، وما
كان إلا فى غُرورٍ. ومنهم من يقولُ: لو كان إلهُ أيوبَ يقدِرُ على أن يصنَعَ (١) من
ذلك شيئًا لمنَعِ وَلِيَّه. ومنهم من يقولُ: بل هو فعَل الذى فَعَل لِيُشمِتَ(١) به عدوّه،
وليُفجِعَ به صديقه. قال أيوبُ: الحمدُ للَّهِ حينَ أعطانى، وحينَ نزَع منى، عُرْيانًا
خرجتُ من بطنٍ أُمِّى، وعُريانًا أعودُ فى الترابِ، وُريانًا أُحشَرُ إلى اللَّهِ، ليس ينتَغى
لك أن تفرَّعَ حينَ أعارَكُ اللَّهُ، وتجزَعَ حينَ قبَض عاريَتَه ، اللَّهُ أولَى بك وبما أعْطاكَ،
ولو علِيمِ اللَّهُ فيك أيُّها العبدُ خيرًا لنقَل(٣) رُوحَك مع ملَكِ(٤) الأرواح، فأجرى(٥)
فيك وصوتَ شهيدًا، ولكنه علِيمٍ منك شرًّا فأخّرك من أجلِه ، فعرَّاك اللَّهُ من المصيبةِ،
وخلَّصَك من البلاءِ كما يُخلَّصُ الزُّوانُ(١) من القمح الخَلَاصِ.
ثم رجَع إبليسُ إلى أصحابِهِ خاسئًا ذليلًا، فقال لهم: ماذا عندَكم من القوَّةِ،
فإنى لم أُكلِّمْ قلبَه؟ قال عفريتٌ من عظمائِهِم: عندِى من القوَّةِ ما إذا شئتُ صِحتُ
صوتًا لا يسمَعُه ذو رُوح إلا خرَجتِ مهجةُ نفسِهِ. قال له إبليسُ: فَأتِ الغنَمَ
ورُعاتَها. فانطلَق يؤمُّ الغنمَ ورُعاتَها، حتى إذا وَسَطها (١) صاحَ صوتًا جَثَمت أمواتًا
(١) فى م: ((يمنع)).
(٢) فى ص، ت ٢، ف: ((وليشمت)).
(٣) فى ت ١: ((ليتقبل))، وفى ف: ((ليقبل)).
(٤) فى ف، وعرائس المجالس: ((تلك)).
(٥) فى م: (( فآجرنى )) ..
(٦) الزوان والزؤان : عشب ينبت بين أعواد الحنطة غالبا، حبه كحبها ، إلا أنه أسود وأصفر، وهو يخالط البر،
فيكسبه رداءة . الوسيط (زأن ، زون).
(٧) فى ت ١، وعرائس المجالس: ((توسطها)).

٣٣٧
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤
من عندِ آخرِها ورعاؤُها. ثم خرَج إبليسُ متمثِّلًا بقَهْرمانٍ(١) الرّعاءِ، حتى إذا جاءَ
أيوبَ وجَده وهو قائمٌ يُصلِّى، فقال له القولَ الأوّلَ، وَرَدَّ عليه أيوبُ الردَّ الأوَّلَ ، ثم
إن إبليسَ رجَع إلى أصحابِهِ ، فقال لهم: ماذا عندَ كم من القوَّةِ ، فإنى لم أُكلِّمْ قلبَ
أيوبَ ؟ فقال عفريتٌ من عظمائهم : عندى من القوَّةِ إذا شئتُ تحوَّلتُ ريحًا عاصِفًا
تنسِفُ كلَّ شىءٍ تأتِى عليه، حتى لا أَبْقِىَ شيئًا. فقال له إبليسُ: فَأَتِ الفدادينَ
والحوثَ . فانطلَق يؤمّهم، وذلك حين قَّبوا الفَدادينَ، وأنشَئوا فى الحوثِ، والأُثُرُ
وأولادها رُتوع، فلم يشعروا حتی هبّت [٣٨٧/٢و] ری} عاصف تنسِفُ كلَّ شىءٍ من
ذلك ، حتی کأنه لم یکنْ. ثم خرجإبليسُ متمثّلا بقهرمان الحوث حتى جاء ایوب
وهو قائمٌ يصلِّى ، فقال له مثلَ قولِهِ الأوَّلِ، وَرَدَّ عليه أيوبُ مثلَ ردِّه الأوَّلِ .
فلما رأی إبليسُ أنه قد أفنَی ماله ، ولم يُنْجِخ منه ، صعِد سريعًا حتى وقَف من
اللَّهِ الموقِفَ الذى كان يقِفُه، فقال: يا إلهى، إن أيوبَ يرَى أنك ما متَّعتَه بنفسِه
وولَدِهِ، فأنت مُعْطِيه المالَ، فهل أنت مُسلِّطى على ولَدِه ؟ فإنها الفتنةُ المضلةُ،
والمصيبةُ التى لا تقومُ لها قلوبُ الرجالٍ، ولا يقوَى عليها صبرُهم. فقال اللَّهُ تعالى:
انْطَلِقْ، فقد سلَّطتُك على ولدِه، ولا سلطانَ لك على قلبِه ولا جسَدِه، ولا على
عَقْلِهِ . فانقَضَّ/ عدوُ اللَّهِ جوادًا حتى جاءَ بنى أيوبَ وهم فى قَصْرِهم ، فلم يزَلْ مُلْزِلُ
بهم حتى تداعى من قواعدِه، ثم جعَل يناطِحُ جُدُرَ بعضِها ببعضٍ، ويرمِيهم
بالخشَبِ والجندَلِ، حتى إذا مَثَّل بهم كلَّ مُثْلَةٍ، رفَع بهم القصْرَ، حتى إذا أقلَّه بهم
فصاروا فيه مُنَكْسين، وانطلَق إلى أيوبَ متمثِّلًا بالمعلِّم الذى كان يعلِّمُهم الحكمةَ،
وهو جريح مشدوخُ الوجهِ ، يسيلُ دمُّه ودِماغُه ، متغيّرًا لا يكادُ يُعرَفُ من شدَّةِ التغيُّرِ
والمُثْلَةِ التى جاء متمثِّلًا فيها، فلما نظَر إليه أيوبُ هالَه، وحزِن ودَمَعت عيناه، وقال
٥٩/١٧
(١) القهرمان: هو المسيطر الحفيظ على من تحت يديه . اللسان (قهرم).
( تفسير الطبرى ٢٢/١٦)

٣٣٨
سورة الأنبياء: الآيتان ٨٤،٨٣
له : يا أيوبُ، لو (١) رأيتَ كيف أَقْلَتُّ من حيثُ أفلتُّ ، والذی رمانًا به من فوقِنا ومن
تحتنا! ولو رأيتَ بنيكَ كيف عُذِّبوا وكيف مُثِّل بهم ! وكيف قُلبوا فكانوا منكّسين
على رءوسهم، تسيلُ دماؤُهم ودماغُهم من أُنوفِهم وأجوافِهم، وتقطُرُ من
أشفارِهم ! ولو رأيتَ كيف شُقَّتْ(٢) بطونُهم فتناثَرَت أمعاؤهم! ولو رأيتَ كيف
قُذِفوا بالخشَبِ والجندَلِ يشدَخُ دِماغَهم ! وكيف دقَّ بالخشبِ + عظامهم ، وخرَق
جلودهم، وقطَعَ عصَبَهم ! ولو رأيتَ العَصَبَّ عُريانًا! ولو رأيتَ العظامَ مُتَهَشِّمةً فى
الأجوافِ ! ولو رأيتَ الوجوهَ مَشدوخةً ! ولو رأيتَ الجُّدُرَ تَنَاطَحُ عليهم! ولو رأيتَ
ما رأيتُ لقُطِّعَ قلبُك . فلم يزَلْ يقولُ هذا ونحوَه، ولم يزَلْ يرفِّقُه حتى رَقَّ أيوبُ
فبكَى ، وقبض قبضةً من ترابٍ فوضَعها على رأسِه ، فاغتنَم إبليسُ الفرصةَ منه عندَ
ذلك، فصعِد سريعًا بالذى كان من جزَع أيوبَ مسرورًا به، ثم لم يلبَثْ أيوبُ أن فاء
وأبصَرَ فاستغْفَر ، وصَعِد قرناؤه من الملائكةِ بتوبةٍ منه، فبدَروا إبليسَ إلى اللَّهِ،
فوجدوه قد علم بالذی رُفع إلیه من توبة أیوب ، فوقف إبليسُ خازیًا ذليلا ، فقال : يا
إلهى، إنما هوَّن على أيوبَ خَطَرُ المالِ والولَدِ أنه يرَى أنكِ ما متَّعتَه بنفسِهِ ، فأنت تعيدُ
له المالَ والولدَ ، فهل أنت مسلِّطى على جسَدِه؟ فأنا لك زعيم، لئن ابتليتَه فى جسدِه
لِيَتسَيِنَّك، ولِيَكْفُرَنَّ بكِ، ولَيَجْحَدنَّك نعمتَك. قال اللَّهُ: انطلِقْ فقد سلَّطتُك على
جِسَدِهِ، ولكن ليس لك سلطانٌ على لسانِه، ولا على قلبِه، ولا على عقلِه .
فانقضَّ عدوُّ اللَّهِ جوادًا ، فوجَد أيوبَ ساجدًا، فَعَجَّل قبلَ أن يرفَعَ رأسَه ، فأتاه
من قِبَلِ الأرضِ فى موضع وَجْهِه، فنفخ فى مِنخَرِه نفخةً اشتعل منها جسده، فترهَّل
(١) فى ص، ت ١، ت٢: ((قد )).
(٢) فى ت ١، ت ٢: ((عضت))، وفى ف: ((عقب))، وغير منقوطة فى ص.
(٣) فى م: ((الخشب)).

٣٣٩
سورة الأنبياء: الآيتان ٨٤،٨٣
ونبتَت به ثآليلُ(١) مثلُ ألياتِ الغنَم ، ووقَعت فيه حِكَّةٌ لا يملِكُها ، فحَكَّ بأظفاره حتى
سقَطت كلُّها، ثم حَكَّ بالعظام، وحَكَّ بالحجارةِ الخَشِنَةِ، وبقطَعِ المُسوحِ
الخشِنَةِ، فلم يزَلْ يحُكُّه حتى نَفِد لحمُه وتقطَّع، ولما نَغِل(٢) جلدُ أيوبَ وتغيَّر
وأنتَنَّ ، أخرَجه أهلُ القريةِ، فجعَلوه على تَلِّ وجعَلوا له عَريشًا ، ورفضه خلقُ اللَّهِ غيرَ
امرأتِهِ ، فكانت(١) تختَلِفُ إليه بما يُصلِحُه ويلزَمُه، وكان ثلاثةٌ من أصحابِهِ اتََّعوه
على دينه، فلما رأوا ما ابتلاه اللَّهُ به رفَضوه من غيرِ أن يتركوا دينَه واتَّهَموه ؛ يُقال
لأحدِهم : بلددُ ، وأليفزُ، وصافرُ. قال: فانطلَق إليه الثلاثةُ وهو فى بلائه، فبكتوه ،
فلما سمِع منهم أقبَل على ربِّه، فقال أيوبُ عليه السلامُ: ربِّ لأىِّ شىءٍ خَلَقتَنِى؟ لو
كنتَ إِذْ كرِهْتنى فى الخيرِ تَرَكتَنى فلم تخلُقْنى ، يا لَيتنى كنتُ حَيْضةٌ الْقَتْنِى أُمِّى ،
ويا لَيتنى مِتُّ فى بطنِها فلم أعرِفْ شيئًا ولم تَغْرِفْنى(٤) ، ما الذنبُ الذى أذنبتُ لم
يُذْنِه أحدٌ غيرِى، وما العمَلُ الذى عمِلتُ فصرَفتَ وجْهَك الكريمَ عنِّى، لو كنتَ
أمتَّنِى فألحَقْتَنى بآبائى، فالموتُ كان أجملَ بى، فأسوةٌ لى بالسلاطينِ [٣٨٧/٢ظ]
الذين صُفَّتْ من دونِهم الجيوشُ يضربون عنهم بالسيوفِ بخلًا بهم عن الموتِ ،
وحرصًا على بقائهم، أصبَحوا فى القبورِ جاثِمينَ، /حتى ظنُّوا أنهم سيُخلِّدون، ٦٠/١٧
وأُسوةٌ لى بالملوكِ الذين كَتَزوا الكنوزَ، وطَمروا المطاميرَ، وجمَعوا الجموعَ، وظُّوا
أنهم سيُخلَّدون، وأسوةٌ لى بالجبارينَ الذين بنوا المدائنَ والحصونَ، وعاشُوا فيها
المِئين من السنينَ ، ثم أصبَحَت خرابًا مأوَى للوحوشِ ومَبَِّى() للشياطينِ.
(١) الثآليل جمع التّؤلول، وهو الخُراج. اللسان (ث أل).
(٢) نغل: عفن وفسد. التاج (ن غ ل).
(٣) فى ت ٢: (( فإنها كانت)).
(٤) فى ت ١، ت ٢، ف: ((يعرفنى)).
(٥) المطامير جمع المطمورة: وهى الحفيرة تحت الأرض يوسع أسفلها، تخبأ فيها الحبوب. التاج (ط مر).
(٦) فى م: ((مثنى))، وفى ت ١، ت ٢: ((مبنى))، وفى ف: ((مبتغى)). ومبتى من قولهم: بتا بالمكان بتوا:
أقام . اللسان (ب ت و).

٣٤٠
سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤
(٢)
قال أليفزُ التيمانيُ(١): قد أعيانا أمرك يا أيوبُ، إن كلَّمْنَاكَ فما نَرْجُ للكلامِ
منك موضعًا ، وإن نشگتْ عنك مع الذی نری فیك من البلاءِ ، فذلك علینا ، قد كنا
نرى من أعمالِك أعمالًا كنا نَوجو لك عليها من الثوابِ غيرَ ما رَأَيْنا ، فإنما يحصُدُ
امرؤٌ ما زرَع، ويُجزَى بما عمِل، أشهَدُ على اللَّهِ الذى لا يُقدَّرُ قَدْرُ عظمَتِه، ولا
يُحصَى عددُ نعَمِه، الذى يُنزِلُ الماءَ من السماءِ ، فيُحبى به الميّتَ ، ويرفَعُ به الخافِضَ،
ويقوِّى به الضعيفَ ، الذى تَضِلَّ حكمةُ الحكماءِ عندَ حكمتِهِ، وعلْمُ العلماءِ عندَ
علْمِه، حتى تراهم من العِيِّ فى ظلمةٍ يموجونَ - أن من رَجا معونةَ اللَّهِ هو القوىُّ،
وأن من توكّل عليه هو المكفِئُ، هو الذى يُكسِرُ ويَجُرُ، ويجرَحُ ويُداوِى .
قال أيوبُ: لذلك سكتُّ فعضَضْتُ على لسانى، ووضَعتُ لسوء الخدمةِ
رأسِى ؛ لأنى علِمتُ أن عقوبتَه غيَّرت نورَ وجْهِى ، وأن قوته نزَعت قوَّةً جسدِى ،
فأنا عبدُه، ما قضَى علىَّ أصابَنى ، ولا قوَّةَ لى إلا ما حمَل علىَّ، لو كانت عِظامى من
حديدٍ، وجسَدِى من نُحاسٍٍ، وقلبى من حجارةٍ، لم أَطِقْ هذا الأمرَ، ولكن هو
ابتلانى به (٤)، وهو يحمِلُه عنّى، أتيتُمونى غِضابًا، رَهِبتُم قبلَ أن تُستَزْهَبوا، وبَكَيُم
من قبلٍ أن تُضْرَبوا، كيف بى لو قلتُ لكم: تَصدَّقوا عنى بأموالِكم لعلَّ اللَّهَ أن
يُخلِّصَنى، أو قَرَّبوا عنّى قربانًا لعلَّ اللَّهَ أن يتقبّلَه منى ويرْضَى عنى. إذا استيقَظْتُ
تمثَّيْتُ النومَ ؛ رجاءَ أن أستريحَ ، فإِذا نِمْتُ كادَت تجودُ نفسِى، تقطّعتْ أَصابِعِى،
فإنى لأرفعُ اللَّقمةَ من الطعام بيدىَّ جميعًا، فما تبلغانِ فَمى إلا على الجهْدِ منى،
تساقَطَتْ لَهَواتِى، ونُخِر رأسِى، فما بينَ أَذُنيَّ من سِدادٍ ، حتى إن إحداهما لتُّرَى
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((اليمانى)).
(٢) فى م: ((للحديث )) .
(٣) فى ص: (( لنبو)).
(٤) سقط من: م، ت ١، ف .