Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة طه : الآيتان ١١٤، ١١٥
وَحْيٌُّ﴾. يعنى: لا تعجَلْ حتى نبيِّنَه لك(١).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ
بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُفْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيٌُّ﴾. أى: بيانُه.
وحدَّثنا الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ " فى
قولِه٢): ﴿مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيٌُّ﴾. قال: تبيانُه(٣).
حدَّثنا ابنُ المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن
قتادةَ: ﴿مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيٌُّ﴾. قال: من قبلِ أن يُسَّنَ لك بيانُه(٤).
وقولُه : ﴿ وَقُل رَبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾. يقول تعالى ذكره: وقلْ [٥٧٨/٣٥] يا
محمدُ: ربِّ زدنى علمًا إلى ما علَّمتنى. أمَرَه بمسألتِهُ(١) من فوائدِ العلمِ ما لا يعلمُ.
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنًا إِلَى ءَدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ
لَهُ عَزْمًا
يقولُ تعالى ذكره: وإن يُضَيِّعْ يا محمدُ هؤلاء الذين نُصَرِّفُ لهم فى هذا
القرآنِ(١) الوعيدَ ، عهدى، ويخالفوا أمرى، ويتركوا طاعتى، ويتَّبعوا أمرَ عدوّهم
إبليسَ، ويطيعوه فى خلافٍ أمرى، فقديمًا ما فعل ذلك أبوهم آدم، ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنًا﴾
إليه. يقولُ: ولقد وصَّينا آدمَ وقلنا له: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَُّها مِنَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٩/٤ إلى عبد بن حميد.
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ف: ((ولا تعجل بالقرآن)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٩/٤ إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه البغوى فى الجعديات (١٠٠٧) عن شعبة به .
(٥) سقط من: ص، ت١، ف، وفى ت٢: ((لمسئلته)).
(٦) بعده فى م، ت٢: ((من)).

١٨٢
سورة طه : الآية ١١٥
اُلْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [ طه: ١١٧]. فوسوس إليه الشيطانُ فأطاعه، وخالَف أمرى، فحلَّ
به من عقوبتی ما حلَّ .
وعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مِن قَبْلُ﴾: من قبل هؤلاء الذين أخبر أنه صرّف
لهم الوعيدَ فى هذا القرآنِ .
وقولُه: ﴿فَنَسِىَ﴾. يقولُ: فترَك عهدى .
كما حدَّثنى علىّ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ
عباس فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ﴾. يقولُ: فترَكَ(١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿فَنَسِىَ﴾. قال: تَرَك أمرَ ربِّه(١) .
٢٢١/١٦
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ
عَهِدْنَا إِلَى ءَدَمَ / مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: قال له: ﴿يَتَّعَادَمُ إِنَّ
هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَ يُخْرِجَنَُّاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَا
تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. وقَرَأْ حتى بلَغ ﴿ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾. قال: فنسِى ما عهِد
اللَّهُ إليه فى ذلك. قال: وهذا عهدُ اللَّهِ إليه . قال: ولو كان له عزمٌ ما أطاع عدوّه
الذى حسَدَه، وأتى أن يَسْجُدَ له مع مَن سجَد له - إبليسَ، وعصَى اللَّه الذى كوّمه
وشرّفه، وأُمَر ملائكته فسجدوا له(٢) .
وحدَّثنا ابنُ المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ ومُؤَمَّلٌ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٩/٩ إلى المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٠/٢.
.(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٥١/١١ عن ابن زيد .

١٨٣
سورة طه : الآية ١١٥
قالوا : ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ، عن مسلم البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ مُبَيْرٍ، عن ابنِ
عباسٍ، قال : إنما سُمِّی الإنسانَ لأنه عهد إليه فنسِى (١).
وقولُه: ﴿ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ((العزمِ))
هلهنا ؛ فقال بعضُهم : معناه الصبر.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ
عَزْمًا﴾. أى: صبرًا.
حدَّثنا محمدُ بنُّ بشارٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن قتادةَ :
﴿ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمَا﴾. قال: صبرًا(٣) .
وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الْجُوزْجانُ، قال: ثنا أبو النَّصْرِ، قال: ثنا شعبةُ ،
عن قتادةَ مثلَه .
وقال آخرون : بل معناه الحفظُ. قالوا: ومعناه : ولم تَجِدْ له حفظًا لما عهِدْنا
إليه .
[٧٨/٣٥ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةً: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩/٢، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٣١٣/٥ - وابن منده فى
الرد على الجهمية (١٨) من طريق سفيان به، وأخرجه الطبرانى فى الصغير ٥٥/٢ من طريق الأعمش به،
وأخرجه الحاكم ٣٨٠/٢، وابن عساكر فى تاريخه ٣٨٧/٧ من طريق ابن جبير به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٠٩/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن منده فى التوحيد .
(٢) أخرجه البغوى فى الجعديات (١٠٠٦) عن شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٠/٤ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

١٨٤
سورة طه : الآية ١١٥
عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما ((أُمر به١).
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسم، عن الأشْجَعيِّ ، عن
سفيانَ، عن عمرٍو بنٍ قيسٍ، عن عطيةً فى قوله: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . قال:
حفظًا .
وحدَّثنا عباسُ(٢) بنُ محمدٍ ، قال: ثنا قبيصةُ ، عن سفيان ، عن عمرو بنِ قیسٍ ،
عن عطيةً فى قولِهِ: ﴿ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما أُمر به(٢).
وحدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. يقولُ: لم تَجِدْ له حفظًا (٤).
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَمْ
نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: العزمُ المحافظةُ على ("أمرِ اللَّهْ) عزَّ وجلَّ(١) والتمسكِ به(٧).
وحدّثنی علیٌّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمَا﴾. يقولُ: لم نَجْعَلْ(٨) له عزمًا(٢).
(١ - ١) فى ص، م، ت١، ف: ((أمرته)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٠/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى ص، م، ت١، ف: ((عباد)).
(٣) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤٠١/٧ من طريق قبيصة به ، وهو فى تفسير سفيان ص ١٩٧ من قوله
بلفظ حفظا .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٩/٤ إلى المصنف وابن منده .
(٥ - ٥) فى ص، ف: (( ما أمرنى)) وفى م: ((ما أمره))، وفى ت١، ت٣: (( ما أمر)).
(٦) بعده فى م: (( بحفظه)).
(٧) ذكره القرطبی فی تفسيره ٢٥٢/١١ عن ابن زيد .
(٨) فى ف: ((نجد)).
(٩) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

١٨٥
سورة طه : الآيات ١١٥ - ١١٧
وحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا الفرجُ(١) بنُ فَضالةَ، عن لُقْمانَ بنِ
عامرٍ، عن أبى أمامةَ /، قال: لو أن أحلامَ بنى آدمَ جمِعَت منذُ يوم خلق اللَّهُ ٢٢٢/١٦
تعالى ذكره آدمَ إلى يومٍ تقومُ الساعةُ ، ووُضِعت فى كِفَّةٍ ميزانٍ، ووُضِعِ حِلْمُ آدمَ
فى الكِفَّةِ الأُخرى، لَرجَح حِلْمُه بأحلامِهم، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ
عَزْمًا﴾(٢).
قال أبو جعفرٍ : وأصلُ العزمِ اعتقادُ القلبِ على الشىءٍ، يقالُ منه: عزَم فلانٌ
على كذا . إذا اعْتَقَد عليه ونواه، ومِن اعتقادِ القلبِ حفظُ الشىءٍ، ومنه الصبرُ على
الشىءٍ؛ لأنه لا يَجْزَعُ جازٌ إلا مِن خَوَرِ قلبِه وضعفِه .
فإذ كان ذلك كذلك، فلا معنَی لذلك أبلغُ مما بيَّنه اللّهُ تعالی ذکرُه، وهو
قولُه: ﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. فيكونُ تأويلُه: ولم تَجِدْ له عزمَ قلبٍ ("على الصبرِ)
على الوفاءِ للَّهِ بعهدِه، ولا على حفظِ ما عهد إليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ اسْجُدُواْ لَدَمَ
فَقُلْنَا يََّادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُاَ
١١٩
فَسَجَدُوّأْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ
مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْفَىَ
١٧
.
يقولُ تعالى ذكرُه مُعْلِمًا نبيَّه محمدًا عَظِلّهِ ما كان مِن تَضْبِيعِ آدمَ عهدَه،
ومُعَرِّفَه [٧٩/٣٥و] بذلك أن ولدَه لن يَعْدُوا أن يكونوا فى ذلك على مِنهاجِه، إلا مَن
عصَمه اللَّهُ منهم -: واذْكُرْيا محمدُ حينَ قُلْنا لملائِكتِنا: اسجدوا لآدمَ . فسجدوا
(١) فى م: ((الحجاج )). وينظر تهذيب الكمال ١٥٦/٢٣ .
(٢) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤٤٤/٧ من طريق الفرج بن فضالة أبى فضالة به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٠٩/٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٣، ف .

١٨٦
سورة طه : الآيات ١١٦ - ١٢٠
له إلا إِبليسَ أبى أن يَسْجُدَ له، ﴿فَقُلْنَا يَّعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾. ولذلك
مِن شأنِه (١) لم يَسْجُدْ لك، وخالَف أمرى فى ذلك وعصانى، فلا تُطِيعاه فيما
يَأْمُرُكما به، فيُخْرِجَكما - بمعصيتِكما ربَّكما، وطاعتِكما له - من الجنةِ،
فَتَشْقَ﴾. يقولُ: فيكونَ عيشُك مِن كَدِّ يدِك. فذلك شقاؤه الذى حذَّره
ربُّه .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفر، عن سعيدٍ، قال: أَهْبِط
إلى آدمَ ثَوْرٌ أحمرُ، فكان يَحْرُثُ عليه، ويَمْسَحُ العرقَ مِن جبينِه (١) ، فهو الذى قال
. اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَ يُخْرِجَتَُّهَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَوَ﴾ فكان ذلك شقاؤه(١).
وقال تعالى ذكرُه: ﴿فَتَشْقَىَ﴾. ولم يقلْ: فَتَشْقَيا. وقد قال: ﴿فَلاَ
يُخْرِجَنَّكَا﴾. لأن ابتداءَ الخطابِ مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ كان لآدمَ عليه السلام ، فكان فى
إعلامِه العقوبةً - على معصيتِه إياه فيما نهاه عنه مِن أكلِ الشجرةِ - الكفايةُ مِن
ذكرِ المرأةِ، إذ كان معلومًا أن حكمَها فى ذلك حكمُه، كما قال: ﴿عَنِ
اٌلْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَمِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. اجْتِزاءً(٤) بمعرفةِ السامعين معناه مِن ذكرٍ ) فعلٍ
صاحبه .
(١٨) وَأَنَّكَ لَا
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِهَا وَلَا تَعْرَى
(١) فى م: (( شنآنه )).
(٢) فى م: ((جنينه)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٣٠/١، وأبو نعيم فى الحلية ٢٨٢/٤، وابن عساكر فى تاريخه
٤١٢/٧ من طريق ابن حميد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٠/٤ إلى عبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) فى م: ((اجتزئ)).
(٥) بعده فى م: (( من)).

١٨٧
سورة طه : الآيات ١١٨ - ١٢٠
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ بَعَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى
تَظْمَؤُأْ فِهَا وَلَا تَضْحَى
شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىَ
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِه لآدمَ حينَ أسْكنه الجنةَ: إن لك يا آدمُ، ﴿ أَلَّا
تَجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى﴾. و((أن)) فى قوله: ﴿ أَّا تَّجُعَ فِهَا﴾. فى موضعٍ نصبٍ بـ
﴿إِنَّ﴾ التى فى قوله: ﴿ إِنَّ لَكَ﴾ .
٢٢٣/١٠
/وقولُه: ﴿ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِهَا﴾. اخْتَلَفت القرأةُ فى قراءتِها ؛ فقرَأ ذلك
بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ بالكسرِ: (وإنك) (١) على العطفٍ على قوله: ﴿إِنَّ
لَكَ﴾. وقرَ أ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفة والبصرةِ: ﴿ وَأَنَّكَ﴾(١) بفتحِ
ألفِها عطفًا بها على ((أنْ)) التى فى قوله: ﴿ أَلَّا تَّجُعَ﴾. ووجهوا تأويلَ ذلك إلى:
أن لك هذا وهذا، وهذه القراءةُ أعجبُ القراءتين إلىّ؛ لأن الله تعالى ذكرُه وعَد
ذلك آدمَ [٧٩/٣٥ظ] عليه السلامُ حينَ أسْكنه الجنةَ ، فَكَوْنُ ذلك بأن يكونَ عطفًا على :
◌ْ أَلَّا تَجُعَ﴾ أَوْلِى مِن أن يكونَ خبرًا مبتدأٌ، وإن كان الآخرُ غيرَ بعيدٍ مِن الصوابِ.
وعُنِى بقولِه: ﴿لَا تَظْمَؤُاْ فِيَهَا﴾: لا تَعْطَشُ فى الجنةِ ما دُمْتَ فيها، ﴿وَلَا
تَضْحَى﴾. يقولُ: ولا تَظْهَرُ للشمسِ فَيُؤْذِيَك حرُّها. كما قال عمرُ بنُ أبی
(٣)
رَبيعةً (٢) :
فِيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِّ فِيَخْصَهُ(٤)
رَأَتْ رَجُلًا أمَّا إذا الشمسُ عارَضَتْ
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) وهى قراءة نافع وأبى بكر. حجة القراءات ص ٤٦٤ .
(٢) وهى قراءة ابن كثير وحفص وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى وأبى جعفر ويعقوب وخلف. النشر ٢٤٢/٢.
(٣) شرح ديوانه ص ٩٤ .
(٤) خَصِرَ الرجل : آلمه البرد فى أطرافه . اللسان (خ صر).

١٨٨
سورة طه : الآيتان ١١٩، ١٢٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِهَا وَلَا تَضْحَى﴾. يقولُ: لا يُصِيئُك فيها عطشٌ ولا
(١)
. وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِهَا وَلَا تَضْحَى﴾. يقولُ: لا يُصِيئُك
فيها حرّ ولا أذّى(٢).
وحدَّثنى أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حَكيم الأُؤْدىُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
شَريكٍ، قال: ثنى أبى، عن خُصَيْفٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: ﴿ وَلَا تَضْحَى﴾.
قال : لا تُصِيبُك الشمسُ .
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا
تَضْحَى﴾. قال: لا تُصِيئُك الشمسُ.
وقولُه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: فَألْقَى إلى آدمَ الشيطانُ
وحدَّثه، فـ ﴿ قَالَ يَغَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾. يقولُ: قال له : هل أَدُلُّك
على شجرةٍ "مَنْ أَكّل منها خَلَد فلم يَمُتْ، ومَلَك٢ ملكًا لا يَنْقَضى فيَتْلَى.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ قَالَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٠/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٠/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) فى ص، م: ((إن أكلت منها خلدت فلم تمت وملكت))، وفى ت ١، ف: ((إن أكلت منها حدوت
ولم تمت وملك » .

١٨٩
سورة طه : الآيات ١٢٠ - ١٢٢
يَعَادَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى﴾. ( يقولُ: هل أدلّك على
شجرةٍ) إن أكَلْتَ منها كنتَ ملِكًا مثلَ اللَّهِ، ﴿أَوْ تَكُنَا مِنَ اْخَالِدِينَ﴾
[الأعراف: ٢٠]. فلا تموتان أبدًا (٢).
/القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا ٢٢٤/١٦
ثُمَّ اجْتَبَهُ رَبُُّ فَبَ عَلَيْهِ
١٢١
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىَ ءَآدَمُ رَبَّهُ فَغَوَكَ
١٢٢
وَهَدَى
يقولُ تعالى ذكره: فأكّل آدم وحواءُ مِن الشجرةِ التى نُهِيا عن الأكلِ منها،
وأطاعا أمرَ إبليسَ، وخالَفا أمرَ ربِّهما، ﴿ فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾. يقولُ:
فانْكَشَفَت لهما عوراتُهما، وكانت مستورةً عن أعينِهما . .
كما حدَّثنا موسى، قال : ثنا عمرو، قال: ثنا أسْباطُ ، عن السدىِّ ، قال: إِنما
أراد - يعنى إبليسَ - بقولِه: ﴿هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾.
لِيُبْدِىَ لهما ما تَوارَى عنهما [٨٠/٣٥ظ] مِن سوآتِهما بهَتْكِ لباسِهما، وكان قد
علِيمٍ أن لهما سوأةً؛ لِمَا كان يَقْرَأُ مِن كتبِ الملائكةِ، ولم يَكُنْ آدمُ يَعْلَمُ ذلك،
وكان لباسُهما الظُّفُرَ، فأَتَّى آدمُ أن يَأْكُلَ منها، فتقَدَّمَت حواءُ فأكَلَت ، ثم
قالت: يا آدمُ كُلْ، فإنى قد أكَلْتُ فلم يَضُرَّنى. فلمَّا أَكَل آدمُ بدَتِ لهما
(٢)
سوآتُهما(٢).
وقولُه: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا ( مِن وَرَقِ الْجَنَّةِّ﴾(٢). يقولُ: أَقْبَلا يَشُدَّان
عليهما مِن ورقِ الجنةِ .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٣، ف .
(٢) تقدم أوله فى ص ١٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٣ إلى ابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) سقط من: الأصل، ص ، ت٢.

١٩٠
سورة طه : الآيات ١٢١ - ١٢٣
كما حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَطَفِقَا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةٍ﴾. يقولُ: أقْبَلا يُغَطِيان عليهما بورقِ التِينِ(١).
وحدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَطَفِقَا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِّ﴾. يقولُ: يُوصِلان عليهما مِن ورقِ الجنةِ(١).
وقولُه: ﴿وَعَصَ ءَادَمُ رَبَُّمْ فَغَوَى﴾. يقولُ: وخالَف أمرَ ربِّه، فتعَدَّى إلى
ما لم يَكْنْ له أن يَتَعَدَّى إليه مِن الأكلِ مِن الشجرةِ التى نهاه اللَّهُ عن الأكل
منها .
وقولُه: ﴿ ثُمَّ أَجْتَبَهُ رَبُُّ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾. يقولُ: ثم اضطفاه ربُّه مِن بعد
معصيتِه إياه ، فرزَقه الرجوعَ إلى ما يَرْضَى عنه ، والعملَ بطاعتِه ، وذلك هو كانت
توبته التی تابها عليه .
وقولُه: ﴿ وَهَدَى﴾. يقولُ: وهداه للتوبةِ، فوقَّقه لها .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه : ﴿ قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاَ فَلاَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى
١٢٣
يقولُ تعالى ذكره : قال اللَّهُ لآدمَ وحواءَ: اهْبِطا مِن الجنةِ جميعًا إلى الأرضِ،
﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾. يقولُ: أنتما عدوًّا(١) إبليس وذريته، وإبليسُ عدُّ كما
وعدوُ ذريتكما .
وقولُه: ﴿فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدَّى﴾. يقولُ: فإن يَأْتِكم يا آدمُ وحواءُ
(١) تقدم أوله فى ص ١٩؛ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/٣ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/٣ إلى ابن حميد وابن أبى حاتم .
(٣) فى م، ت١: ((عدو)).

١٩١
سورة طه : الآية ١٢٣
وإبليسُ، ﴿مِّنِّى هُدَى﴾. يقولُ: بيانٌ لسبيلى، وما أُخْتارُه لخلقى مِن دينٍ،
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ ﴾. يقولُ: فَمَن اتَّبع بيانى ذلك وعمِل به، ولم / يَزِغْ عنه، ٢٢٥/١٦
﴿فَلَا يَضِلُّ﴾. يقولُ: فلا يَزِولُ عن مَحَجَّةِ الحقِّ، ولكنه يَرْشُدُ فى الدنيا
ويَهْتَدِى، ﴿ وَلَا يَشْقَى﴾. (يقولُ: ولا يَشقَى١) فى الآخرةِ بعقابِ اللَّهِ ؛ لأن اللَّهَ
يُدْخِلُه الجنةَ ويُنَجِيه مِن عذابِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الحُسَينُ بنُ يزيدَ الطَّعَانُ، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن عمرو بنِ
قيسٍ المُلائىِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: تضَمَّن اللَّهُ لمن قرأ القرآنَ
[٨٠/٣٥ ظ] واتَّبَع ما فيه ألا يَضِلُّ فى الدنيا، ولا يَشْفَى فى الآخرةِ. ثم تلا: ﴿فَمَنِ اتََّعَ
هُدَاىَ فَلَا يَضِلُ وَلَا يَشْقَى﴾ (٢).
حدّثنی نصرُ بنُ عبد الرحمن الأؤدیُّ، قال : ثنا حگام الرازىُّ ، عن أيوبَ بنِ
موسی ، عن عمرو بن قيس الملائى ، عن ابن عباس أنه قال : إن الله قد ضمن. فذكَر
نحوه .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حَكَّامٌ ، عن أيوبَ بنِ يَسارٍ أبى عبد الرحمنِ ، عن
عمرو بن قيسٍ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه .
حدّثنا علىُّ بنُ سهلِ الرَّمْلُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ محمد النَّسائُ، عن أبى
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ف .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٧١/١٣ عن أبى خالد الأحمر به .

١٩٢
سورة طه : الآيات ١٢٣ - ١٢٦
سلمةً(١) ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال : قال ابنُ عباسٍ: مَن قرأ القرآنَ وائَّبَع ما
فيه عصَمَه اللَّهُ مِن الضَّلالةِ، ووقاه - قال أبو جعفرِ الطبرىُّ: أظنُّه أنا قال(١) -: هَوْلَ يوم
القيامةِ ، وذلك أنَّه قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُذَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ فى الآخرةِ(١).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ
١٢٤
ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى
١٢٦
قَالَ كَذَلِكَ أَنَتَّكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيْنَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُسَى
١٣٥
بصيرًا
يقولُ تعالى ذكره: ومن ( أدبَر معرضًاً) عن ذِكْرِى الذى أُذَكِّرُه به ، فتوَلَّى عنه
ولم يَقْبَلْه ، ولم يَسْتَجِبْ له ، ولم يَتَّعِظُ به، فيَتْرَجِرَ عما هو عليه مُقِيمٌ مِن خلافِهِ أمرَ
ربِّه، ﴿﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: فإن له معيشةً ضيقةً.
والضَّتْكُ مِن المنازلِ والأماكنِ والمعايشِ، الشديدُ، يقالُ: هذا منزلٌ ضَنْكٌ.
إذا كان ضيقًا، وعيشٌ ضنكٌ. الذكر والأنثى، والواحدُ والاثنان والجمعُ، بلفظٍ
واحدٍ ، ومنه قولُ عَنْتَرةً(٥) :
* وإن نزَلوا بضَتْكِ أَنْزِلِ »
(١) بعده فى حاشية الأصل: ((المغيرة بن زياد الموصلى)). والموصلى هذا كنيته أبو هشام أو أبو هاشم وليس أبا
سلمة، أما أبو سلمة فهو المغيرة بن زياد القسملى، السراج. ينظر تهذيب الكمال ٣٥٩/٢٨، ٣٩٥ .
(٢) بعده فى ص، م، ت١، ف: ((من)).
(٣) أخرجه الحاكم ٣٨١/٢، والبيهقى فى الشعب (٢٠٢٩) والخطيب فى الفقيه والمتفقه (١٩٣) من طريق
عطاء به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٦٧/١٠ من طريق عطاء، عن أبيه ، عن سعيد به ، وأخرجه عبد الرزاق فى
مصنفه (٦٠٣٣) من طريق عطاء ، عن ابن عباس .
(٤ - ٤) فى م: ((أعرض)).
(٥) ديوانه ص ١٠٠ وهو جزء من شطر بيت تمامه :
أشدُدْ وإن يُلفَوا بضنكٍ أنْزِل
إن يُلحقوا أكثر وإن يُستلحموا

١٩٣
سورة طه : الآية ١٢٤
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٢٢٦/١٦
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: الشقاءَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ. عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ضَنْكًا﴾. قال: ضيقةً(٢).
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قولِه :
﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةُ ضَنْكً﴾. قال: الضَّنْكُ الضّيقُ(٣) .
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكّام، عن عَنْبَسَةَ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. يقولُ:
ضيقةً .
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ [٨١/٣٥و] جريج،
عن مجاهدٍ مثلَه .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الموضعِ الذى جعَل اللَّهُ لهؤلاء المُغْرِضِين عن ذكرِهِ
المعيشةَ الضَّنْكَ، والحالِ التى جعَلَهم فيها؛ فقال بعضُهم: جعَل ذلك لهم فى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى فتح البارى ٤٣٣/٨ - من طريق على بن طلحة به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣١١/٤ إلى ابن المنذر.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٧، ومن طريقه البيهقى فى عذاب القبر ص ٧٣ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠/٢ .
( تفسير الطبرى ١٣/١٦ )

١٩٤
سورة طه : الآية ١٢٤
الآخرةِ فى جهنمَ ، وذلك أنهم جعل طعامُهم فيها الضَّرِيعَ والزَّقُومَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرَ بنِ علىِّ المقدَّمىُ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن عوفٍ ،
عن الحسنِ فى قولِهِ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِشَةً ضَنكًا﴾. قال: فى جهنمَ(١).
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُّ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿ وَلَمْ يُؤْمِنُّ ◌َِايَتِ
رَبِهِ،﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ. قال: و﴿ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ فى النارِ؛ شَوْكٌ مِن نارٍ
وزَقُّومٌ وغِسلينٌ، والضَّريعُ شوكٌ مِن نارٍ ، وليس فى القبرِ ولا فى الدنيا معيشةٌ، ما
المعيشةُ والحياةُ إلا فى الآخرةِ. وقرَأْ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ لِيَاتِ﴾
[ الفجر: ٢٤]. قال: لمعيشتى. قال: والغِسلينُ والزقُّومُ شىءٌ لا يَعْرِفُه أهلُ الدنيا(١)
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ فَإِنَّ لَهُ
مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقول: ضنكًا فى النارِ(٣) .
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك : فإن له معيشةً فى الدنيا حرامًا . قال : ووصَف
اللَّهُ جلَّ ثناؤه معيشتهم بالضَّنْكِ لأن الحرامَ وإن اتَّسَع فهو ضنكٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا الحسينُ(*) بنُ
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٨٦/٦ عن الحسن .
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ١٩٤/٧ عن ابن زيد مختصرًا .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠/٢، بلفظ: ((الضنك الضيق، يقال: ضنكا فى النار)).
(٤) فى ص، ت١، ف: ((الحسن)).

١٩٥
سورة طه : الآية ١٢٤
واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. قال: هى المعيشةُ التى
أوْسَع اللَّهُ عليه مِن الحرامِ)).
حدَّثنّى داودُ بنُ سليمانَ بنِ يزيدَ المُكْتِبُ مِن أهلِ البصرةِ ، قال : ثنا عمرُو بنُّ
جريرِ البَجَلَىُّ ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن قيسٍ بنِ أبى حازمٍ فى قولِ اللَّهِ :
مَعِيِشَةً ضَنكًا﴾. قال: رزقًا فى معصيةٍ(١).
/حدَّثنى عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا يعْلَى بنُ عُبيدٍ، قال: ثنا أبو بِسْطامَ، ٢٢٧/١٦
عن الضحاكِ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: الكسبَ الخَبِيثَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ إسماعيلَ الضَّرَارِىُّ(٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ ، قال : ثنا أبو
اليَقْظانِ عمارُ بنُ محمدٍ ، عن هارونَ بنِ محمدِ التَّيْميِّ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿ فَإِنَ
لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. قال: العملَ الخبيثَ، والرزقَ السيىءٍ (١).
وقال آخرون ممن قال : عُنِى أن لهؤلاء القوم المعيشةَ الضنكَ فى الدنيا : إنما قيل
لها : ضَنْكٌ وإن كانت واسعةٌ ؛ لأنهم يُنْفِقون ما يُنْفِقون مِن أموالهم على تكذيبٍ
منهم بالخَلَفِ مِن اللَّهِ ، وإياسٍ مِن فضلِ اللَّهِ ، وسوءِ ظنٍّ منهم بربِّهم، فتَشْتَدُّ لذلك
عليهم معيشتُهم وتَضِيقُ .
[٨١/٣٥ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أنی ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١١/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) فى م، ت٢: ((معصيته)). والأثر ذكره الحافظ فى الفتح ٤٣٣/٨.
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٠١/٥ .
(٤) فى ص، ف: ((الصدارى))، وفى ت١: ((الصدائى)). وينظر الأنساب ١٥/٤.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم، بلفظ: ((العمل السىء والرزق الخبيث)).

١٩٦
سورة طه : الآية ١٢٤
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكً﴾ .
يقولُ : كلُّ مالٍ أعْطَيْتُه عبدًا مِن عبادی قلَّ أو كثُر ، لا يَتَّقِینی فيه ، فلا خير فيه ، وهو
الضَّنْكُ فى المعيشةِ. ويقالُ أيضًا: إن قومًا ضُلَّلًا أعْرَضوا عن الحقِّ، وكانوا أُولى
سَعَةٍ مِن الدنيا مُكْثِرِين، فكانت معيشتُهم ضنكًا ، وذلك أنهم كانوا يَرَوْن أن اللَّهَ
ليس بُمُخْلِفٍ لهم معايشَهم مِن سوءٍ ظنِّهم باللّهِ، والتكذيبِ به، فإذا كان العبدُ
يُكَذِّبُ بِاللَّهِ ويُسِىءُ الظنّ به، اشْتَدَّت عليه معيشتُه، فذلك الضنكُ(١).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: أن ذلك لهم فى البَرْزَخ. قالوا: وهو عذابُ
القبرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يزيدُ بنُ مَخْلَدِ الواسطىُ ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، عن عبد الرحمنِ
ابن إسحاقَ ، عن أبى حازم ، عن النعمانِ بنِ أبی عَیَاشِ ، عن أبى سعيد الخدرىِّ ،
قال فى قولِ اللَّهِ: ﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. قال: عذاب القبرِ ".
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيع، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا عبدُ
الرحمنِ بنُ إسحاقَ ، عن أبى حازمٍ ، عن النعمانِ بنِ أبى عيَّاشٍ، عن أبى سعيد
الخدرىِّ، قال: إِن المعيشةَ الضنكَ التى قال اللَّهُ؛ عذابُ القبرِ.
حدَّثنَى حَوْثَرَةُ بنُ محمدٍ المِنْقَرِىُّ ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى حازمٍ، عن أبى
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣١٦/٥ عن عطية العوفى، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣١١/٤ إلى ابن أبى حاتم مقتصرًا على أوله .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٣٩٢/١٣ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به ، وأخرجه الحاكم فى
٣٨١/٢ من طريق أبى حازم به .

١٩٧
سورة طه : الآية ١٢٤
سلمةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ . قال : يَضِيقُ علیه قبرُه
حتى تَخْتَلِفَ أضلاعُه(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : ثنا أبى وشعيبُ بنُّ الليثِ ، عن
الليثِ ، قال : ثنا خالدُ بنُ زيدٍ ، عن ابنِ أبى هلالٍ ، عن أبى حازم، عن أبى سعيدٍ أنه
كان يقولُ: المعيشةُ الضنكُ عذابُ القبرِ، إنه يُسَلَّطُ على الكافرِ فى قبرِه تسعةٌ
وتسعون ◌ِنِينًا تَنْهَشُه وتَخْدِشُ لحمَه حتى يُبْعَثَ. وكان يقالُ: لو أن تِنِينًا منها يَنْفُخُ(١)
الأرضَ لم تُتْبِتْ زرعًا(٢) .
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبى
سلمةً، عن أبى هريرةَ /، قال: يُضَيَّقُ(٤) على الكافرِ قبره حتى تَخْتَلِفَ فيه أضلاعُه، ٢٢٨/١٦
وهى المعيشةُ الضنكُ التى قال اللَّهُ عز وجل: ﴿ مَعِيشَةً ضَنكًا وَتَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
(٥)
أَعْمَى ﴾(٥).
حدّثنا أبو گُریبٍ ، قال : ثنا جاہُ بنُ نوح ، عن إسماعيلَ بنِ أبی خالدٍ ، عن أبى
صالحٍ والسدىِّ فى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قالا) : عذاب القبرِ ).
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١/٢، وفى مصنفه (٦٧٤١)، والبيهقى فى عذاب القبر ص ٧٢ من
طريق سفيان به .
(٢) فى ص: ((نفح بفج))، وفى م: ((نفخ))، وفى ت١، ف: (( نفح يفح)).
(٣) أخرجه البيهقى فى عذاب القبر (٧٤) من طريق أبى الهيثم ، عن أبى سعيد ، وأخرجه ابن أبى شيبة
١٧٥/١٣، وأحمد ٤٣٣/١٧ (١١٣٣٤)، وعبد بن حميد (٩٢٩)، والدرامى ٣٣١/٢، والترمذى
(٢٤٦٠)، وابن حبان (٣١٢١)، والآجرى فى الشريعة (٨٤١) من طريق أبى الهيثم، عن أبى سعيد مرفوعا .
(٤) فى ص، م، ت١، ف: ((يطبق)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٦٧٠٣)، وهناد (٣٥٤) من طريق محمد بن عمرو به .
(٦) فى م، ت٢، ف: (( قال )).
(٧) أخرجه هناد (٣٥٣)، وعبد الله بن أحمد فى السنة (١٤٥٤، ١٤٥٨) والبيهقى فى عذاب القبر (٧٦) من طريق
إسماعيل بن أبى خالد عن أبى صالح وحده ، وأخرجه البيهقى فى عذاب القبر (٧٧) من طريق شعبة ، عن السدى .

١٩٨
سورة طه : الآية ١٢٤
وحذَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ الأُخمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ [٨٢/٣٥و] بنُ عبيدٍ،
قال : ثنا سفيان الثورىُّ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن أبى صالح فى قوله: ﴿ فَإِنَّ
لَهُ سَبِشَةً ضَنْكً﴾. قال: عذابَ القِبرِ".
وحذَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُّ الأسودِ ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنا أبو
عُمَيْسٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُخَارِقٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ فى قوله: ﴿مَعِيشَةٌ
منً﴾ . قال: عذاب القبر".
وحذَّقنا ابنُ عبدِ الرَّحيم البرقي، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ ، قال: ثنا محمدُ بنُّ
جعفرٍ وابن أبى حازمٍ ، قالا: ثنا أبو حازم، عن النعمان بن أبى عَيَّاشٍ، عن أبى سعيد
الخدرىٌّ: ﴿ مَعِيشَةً ضَنًَا﴾. قال: عذابَ القبرِ".
وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال: «وعذاب القبر. الذى حدَّثنا
به أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، قال: ثناعمى عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبرنى
عمرُو بنُّ الحارثِ، عن دَرَّاج، عن ابنِ حُجَيْرةَ، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ
◌ِ أنه قال: ((أَتَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ
يَوْمَ الْفِيَدَمَةِ أَعْمَى ﴾ أَتَذْزُون ما المعيشةُ الضنكُ؟)). قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ.
قال : ((عذاب الكافر فى قبره، والذى نفسى ببيه، إنه يُسْلِّطُ عليه تسعةٌ وتسعون
(١) أخرجه البيهقى فى عذاب القبر (٧٦) من طريق سفيان الثورى به .
(٢) أخرجه عناد (٣٥٢)، وعبد الله بن أحمد فى السنة (١٤٢٩) من طريق أبى العميس به ، وأخرجه
الطبرانى (٩١٤٣) والبيهقى فى عذاب القبر (٧٥) من طريق عبد الله بن المخارق به، وعزاه السيوطى فى الدر
التور ٣١٠/٤ إلى عبد بن حميد وبين النار.
(٣) سقط في فى، م، ١٥، ٣٥، ف، وفى ٥:٢٥ أحمد).
(أ) أخرجه الحاكم ٣٨١/٧ من طريق فى حازم، مرفوعا.
(٥) فى م : ( ليسليط) .

١٩٩
سورة طه : الآية ١٢٤
تِنِينًا، أَتَدْرُون ما التّينُ؟ تسعةٌ وتسعون حيّةً ، لكلِّ حيةٍ سبعةُ أرؤسٍ(١) ، يَتْفُخون فى
جسمِه ويَلْسَعونه ويَحْدِشونه إلى يومِ القيامةِ))(١).
وأن اللَّهَ تبارك وتعالى أتْبَع ذلك قوله: ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَ﴾. فكان
معلومًا بذلك أن المعيشةَ الضنكَ التى جعَلَها اللَّهُ لهم قبلَ عذابِ الآخرةِ(٢)؛ لأن ذلك
لو كان فى الآخرةِ لم يكنْ لقولِه: ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُ وَأَبْقَ﴾. معنَى مفهومٌ؛
لأن ذلك إن لم يكنْ تقَدَّمه عذابٌ لهم قبلَ الآخرةِ، حتى يكونَ الذى فى الآخرةِ
أشدَّ منه، بطَل معنى قوله: ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَ﴾ .
* فإذا كان ذلك كذلك، فلا تَخْلو تلك المعيشةُ الضنكُ التى جعَلَها اللَّهُ لهم مِن
أن تكونَ لهم فى حياتِهم الدنيا، أو فى قبورِهم قبلَ البعثِ - إذا كان لا وجه لأن
تكونَ فى الآخرةِ؛ لما قد بيَّنا - فإن كانت لهم فى حياتِهم الدنيا، فقد يَجِبُ أن
يكونَ كلُّ مَن أَعْرَض عن ذكر اللهِمِن الكفار ، فإن معيشته فيها ضنكٌ ، وفى وجودِنا
كثيرًا منهم أوْسَعَ معيشةً من كثيرٍ مِن المُقْبِلِين على ذكرِ اللَّهِ تبارك وتعالى القابلين(٤) له
المؤمنين - ما يَدُلَّ على أن ذلك ليس كذلك ، فإذ خلا القول فى ذلك مِن هذين
(١) فى ص، ت٢، ف: ((أرس))، وفى م: ((رءوس)).
(٢) أخرجه أبو يعلى (٦٦٤٤) وابن حبان (٣١٢٢) والأجرى فى الشريعة ص ١٢٧٣، والبيهقى فى عذاب
القبر (٨٠) من طريق ابن وهب به ، وأخرجه البزار (٢٢٣٣ - كشف) من طريق ابن حجيرة به ، وأخرجه ابن
أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٣١٦/٥ - من طريق دراج به ، وقال ابن كثير: رفعه منكر جدا . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٤١١/٤ إلى ابن أبى الدنيا فى ذكر الموت والحكيم الترمذى وابن المنذر وابن مردويه .
وعندهم سوى البزار زيادة فى أوله: ((المؤمن فى قبره فى روضة خضراء ويرحب قبره سبعين ذراعا وينور له
كالقمر ليلة البدر)). وعند البيهقى: ((تسعة رءوس)) بدل من ((سبعة أرؤس)).
(٣) فى ت٢: ((القبر)).
(٤) فى م: ((القائلين)).

٢٠٠
سورة طه : الآية ١٢٤
الوجهين، صحَّ الوجهُ الثالثُ، وهو أن ذلك فى البَرْزَخِ .
وقولُه: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. (١ يقولُ تعالى ذكرُه: ونحشُرُه
مِن قبرِه إلى موقفِ القيامةِ يومَ القيامةِ أعمَى ).
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ العَمَى الذى ذكَر اللَّهُ فى هذه الآيةِ أنه
[٨٢/٣٥ظ] يَبْعَثُ يومَ القيامةِ هؤلاء الكفارَ به؛ فقال بعضُهم: ذلك عَمّى عن الحجةِ ،
.. (٢)
لا عمَى(٢) البصرِ.
٢٢٩/١٦
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ ، قال: ثنا
سفيانُ الثورىُّ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن أبى صالح فى قوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُ
يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال: ليس له حجةٌ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال: عن الحجةِ" .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
وقيل: يُحْشَرُ أعمى البصرِ .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، ف.
(٢) بعده فى م: ((عن)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٦٨، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١/٢ من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .