Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سورة طه : الآية ٤٠
وإنما قالت أختُ موسى ذلك لهم لِمِا حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال : ثنا
عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُدىِّ، قال: لما ألقَته أمُّه فى اليمِّ وقالت
لأختِه: قصِّيه. فلما التقَطه آل فرعونَ، وأرادوا له المرضِعاتِ ، فلم يأخُذْ من
أحدٍ من النساءِ، وجعَل النساءُ يطلُبْنَ ذلك لينزِلْنَ عندَ فرعونَ فى الرَّضاعِ،
فأتَى أن يأخُذَ، فقالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُّكُمْ عَلَىْ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ
وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ﴾ [ القصص: ١٢]. فأخذوها وقالوا: بل قد عرفتِ هذا الغلامَ،
فِدُلِّينا على أهلِهِ . فقالت: ما أعرِفُه، ولكنى إنما قلتُ: هم للملكِ ناصحون(١).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إِسحاقَ ، قال: قالت - يعنى أمَّ
موسى لأختِه - : قُصِّيه فانظُرى ماذا يفعلون به. فخرَجت فى ذلك، ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ،
عَنْ جُنٍُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١]. وقد احتاج إلى الرَّضاعِ والتَمس
الثدىَ، وجمَعوا له المراضعَ حينَ أَلْقَى اللَّهُ " محبتهم عليه٢٢، فلا يُؤْتَى بامرأةٍ فيقبَلُ
ثَدْيَها، فيُرْمِضُهم(١) ذلك، فيُؤْثَى بُرْضِعٍ بعدَ مُرْضِعٍ، فلا يقبَلُ شيئًا منهن(٤)، فقالت
لهم أختُه حينَ رأت من وَجْدِهم به وحرصِهم عليه: ﴿هَلْ أَدَلَّكُمُ عَلَىَّ أَهْلِ بَيْتٍ
يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ﴾. أى: لمنزلتِه عندَكم وحرصِكم على مسرَّةٍ
(٥)
الملكِ(٥).
وعنَى بقولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهٌ﴾: هل أدلكم على من يضُّه إليه
(١) تقدم أوله فى ص ١٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٤٩/٩، ٢٩٥٠، من طريق عمرو به.
(٢ - ٢) فى ت ٢: ((محبته عليهم)).
(٣) أرمضه: أوجعه. ينظر التاج ( رم ض ) .
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: ((منهم)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٤٩/٩، ٢٩٥٠، من طريق سلمة به .

٦٢
سورة طه : الآية ٤٠
فيحضُنَهُ (١) ويُرْضِعَه ويربِّتُه .
وقيل: معنى ﴿ وَكَفَلَهَا زَكِيًّا ﴾ [آل عمران: ٣٧] : ضمّها .
ج
وقولُه: ﴿فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
فَرَدَدناك إِلى أَمِّك بعدَ ما صرتَ فى أيدى [١٥٩/٣٥] آلٍ فرعونَ، كيما تقرَّ عينُها
بسلامتِك ونجاتِك من القتلِ والغرقِ فى اليمِّ، وكيلا تحزنَ عليك من الخوف من
فرعونَ عليك أن يقتُلَك .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثناسلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قالت أختُ
موسى لهم ما قالت ، قالوا : هاتى . فأتت أمَّه فأخبرتْها ، فانطلقت معها حتى أتّتهم ،
فناولوها إِيَّاه، فلما وَضعته فى حِجْرِها أَخَذْ ثديَها، وسُرُّوا بذلك منه، وردَّه اللَّهُ إلى
أمّه كى تقرَّ عينُها ولا تحزنَ، فبلَغ لطفُ اللَّهِ لها وله أن ردَّ عليها ولدَها، وعطَف
عليها نَفْعَ فرعونَ وأهلٍ بيتِهِ، مع الأَمَنةِ من القتلِ الذى يُتَخَوَّفُ على غيرِهِ ، فكأنَّهم
كانوا من أهلِ بيتٍ فرعونَ فى الأمانِ والسَّعَةِ، فكان على فُرُشِ فرعونَ وسُؤْرِهٍ(١) .
وقولُه: ﴿وَقَثَلْتَ نَفْسًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بذلك قتلَه القِبْطِئَّ الذى قتله حِينَ
استغاثه عليه الإسرائيلى ، فوّزه موسی .
وقولُه: ﴿فَنَجِيْنَكَ مِنَ الْغَمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فنجَّيناك مِن غمِّك
١٦٤/١٦ بقتلِك النفسَ التى / قتلتَ ، إذ أرادوا أن يقتُلوك بها فخلَّصناك منهم، حتى هرَبتَ
إلى أهلِ مَذْینَ، فلم يَصِلُوا إلى قتلِك وقَوَدِك به .
وكان قتلُهُ إِيَّاه، فيما ذُكِر، خطأً .
(١) فى ص، م، ت ١، ف: ((فيحفظه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٥٠/٩، من طريق سلمة به .

٦٣
سورة طه : الآية ٤٠
كما حدَّثنى واصلُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ ، عن أبيه ، عن
سالم، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: سمِعت رسولَ اللّهِ وَ الِ يقولُ: ((إنما قتَل موسى
الذى قتَل من آلٍ فرعونَ خطأ ، فقال اللَّهُ له: ﴿ وَقَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمْ وَفَذَّكَ
قُولاً ﴾(١).
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا : ثنا أبو عاصم،
قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن
ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَنَخَيْنَكَ مِنَ الْغَمْ﴾ (١). قال: من قتلِ النفسِ().
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَنَخَّيْنَكَ مِنَ
اَلْغَمِ ﴾ : النفس التى قتَل .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ وَفَتَّكَ فُونًا ﴾ ؛ فقال بعضُهم: معناه:
ابتليناك ابتلاءً، واختبرناك اختبارًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَفَتَّكَ فُونَ﴾. يقولُ: اختبرناك اختبارًا(٤).
(١) أخرجه مسلم (٥٠/٢٩٠٥)، وأبو عمرو الدانى فى السنن الواردة فى الفتنة (٤٥)، والبيهقى فى الشعب
(٥٣٤٨) من طريق واصل بن عبد الأعلى به، وأخرجه الروياتى (١٤١٠)، والخطيب فى تاريخه ٤٩٢/١٢
من طريق محمد بن فضيل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٤ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٢) بعده فى الأصل، ت ٢: (( وفتناك فتونا)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .

٦٤
سورة طه : الآية ٤٠
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَتَّكَ فُوْنَاً﴾. قال: ابْتُلِيتَ بلاءً(١).
[٥٩/٣٥ظ] حدَّثنى العباسُ بنُ الوليدِ الْآمُلىُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال :
أخبَرنا أَصْبَغُ بنُ زِيدِ الجُهَنىُ، قال: أخبرنا القاسمُ بنُ أبى(٢) أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ
ابنُّ جبيرٍ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ لموسى: ﴿ وَفَتَّكَ فُونًا﴾ .
فسأَلْتُه عن(٣) الفُتُونِ ما هى؟ فقال لى: استأنفِ النهارَ يا بنَ بجبيرٍ؛ فإن لها حديثًا
طويلًا. قال : فلما(٤) أصبحتُ غدوتُ على ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منه ما وعَدنى . قال :
فقال ابنُ عباسٍ: تذاكر فرعونُ وجلساؤُه ما وعَد اللَّهُ إبراهيمَ أن يجعَلَ فى ذرِّيتِه أنبياءَ
وملوكًا، فقال بعضهم: إن بنى إسرائيلَ ينتظرون ذلك وما يشكّون، ولقد كانوا
يظنُّون أنه يوسفُ بنُ يعقوبَ. فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان اللَّهُ وعَد إبراهيمَ .
فقال فرعونُ: فكيف ترَوْن؟ قال: فَأَتَروا بينَهم ، وأَجْمَعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا
معهم الشِّفارُ يطوفون فى بنى إسرائيلَ ، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه، فلما رأَوا
أن الكبارَ من بنى إسرائيلَ يموتون بآجالِهم، وأن الصغارَ يُذْبَحون، قالوا: تُوشِكُون(٥)
أن تُقْنُوا بنى إسرائيلَ، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمالِ والخدمةِ التى كانوا
يَكْفُونكم، فاقتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيَقِلَّ أبناؤهم، ودَعُوا عامًا لا تقتُلوا منهم
أحدًا، فتشُبَّ الصغارُ مكانَ من يموتُ من الكبارِ، فإنهم لن يكثُرُوا بمن تَسْتَحيون
(١) تفسير سفيان ص ١٩٤ من طريق سعيد، عن ابن عباس. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٤، إلى
سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ف .
(٣) فى م: ((على)).
(٤) فى م: (( فلو)).
(٥) فى م: ((يوشك))، وفى ف: (( توشك)).

٦٥
سورة طه : الآية ٤٠
١٦٥/١٦
منهم ، فتخافون مُكاثَرتَهم إيَّاكم ، ولن يَقِلُّوا بمن تقتُلون . فأَجْمَعوا أُمرَهم على ذلك ،
فحمَلت أُمّ موسى بهارونَ فى العامِ المقبلِ الذى لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ ، فولَدته علانيةً
آمنةٌ، حتى إذا كان العامُ المقبلُ حمَلت بموسى (١)، فوقَع فى قلبِها الهمّ والحزنُ ، وذلك
من الفتونِ يا بنَ جبيرٍ؛ مما دخَل عليه فى بطنِ أمّه مما يرادُ به، فأُؤْحَى اللَّهُ / إليها ﴿ وَلَا
تَخَافِىِ وَلَا تَحْزَنِّ إِنَّا رَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِنَ﴾ [القصص: ٧]. وأمرها إذا
ولَدته أن تجعَلَه فى تابوتٍ ، ثم تُلْقِيَه فى اليمّ ، فلما ولَدته فعلت ما أُمِرت به ، حتى إذا
تَوَارَى عنها ابنُها أتاها إبليسُ، فقالت فى نفسِها: ما صنَعْتُ بابنى ، لو ذُبح عندى
فوارَيْتُه وكفّنتُه كان أحبَّ إِلىَّ من أن أُنْقِيَه بيدى إلى حيتانِ البحرِ ودوابِّه. فانطلَق به الماءُ
حتى أَزْفَى(٢) به [٦٠/٣٥ ر] عندَ فُرْضَةٍ(٢) مُسْتَقَى جوارى آلٍ فرعونَ، فرَأَيْنَه فَأَخَذْنَه،
فَهَمَمْنَ أَن يَقْتَحْنَ البابَ، فقال بعضُهن() لبعضٍ: إن فى هذا مالًا، وإنا إن فتخْناه لم
تُصَدَّقْنا امرأةً فرعونَ بما وجَدنا فيه. فحمَلنه كهيئتِه لم يحرِّ كْن منه شيئًا، حتى دفَعنه
إليها، فلما فتَحته رأت فيه الغلامَ، فَأَلْقِى عليه منها محبّةٌ لم يُلْقَ مثلُها(٥) منها على أحدٍ
من الناسِ، ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَدُ أُمِّ مُوسَى فَرًِّا﴾ [ القصص: ١٠]. مِن ذكرٍ(١) كلِّ شيءٍ
إلا من ذكرٍ موسى . فلما سمِع الذبَّ حون بأمرِهِ أَقْتَلوا إلى امرأةِ فرعونَ بشِفارِهم يريدون
أن يذبحوه - وذلك من الفتونِ يا بنَ جبَيرٍ - فقالت للذبَّاحين: انصرفوا عنى. فإن هذا
الواحد لا یزیدُ فی بنی إسرائیلَ ، فآتِی فرعون فاستوهُه إياه، فإن وهبه لی كنتم قد
أَحْسَنتُمْ وأَجْمَلتُم ، وإن أَمَر بذبحِه لم أَلُمْكم. فلما أتَتْ به فرعونَ قالت : ﴿ قُرَّتُ مٍَّ
(١) فى ص، ت١، ف: ((أم موسى)).
(٢) فى الأصل، ونسخة من تاريخ المصنف: ((أرفأ)).
(٣) وفرضة النهر: ثلمته التى منها يستقى. لسان العرب (ف رض).
(٤) فى ص، ت ١، ت٢، ت ٣، ف: ((بعضهم)).
(٥) فى الأصل، ت٢: ((مثله)) .
(٦) سقط من: ص، م، ت!، ت ٣، ف .
( تفسير الطبرى ٥/١٦ )

٦٦
سورة طه : الآية ٤٠
◌ِ وَلَكَ ﴾ [القصص: ٩]. قال فرعونُ: يكونُ لكِ، فأما أنا فلا حاجةَ لى فيه.
فقال "رسولُ اللَّهِ بَلٍ(٢): ((والذى يُحْلَفُ) به، لو أقرّ فرعونُ أن يكونَ له قرّةً عينٍ
كما أقرَّت به، لهداه اللَّهُ به كما هدى به امرأته، ولكنَّ اللَّهَ حَرَمه ذلك)). فأَرْسَلت إلى
من حولها من كلِّ أنثى لها لبنٌ لتختار له ظِئْرًا، فجعَل كلَّما أخَذَته امرأةٌ منهن(١) لتُرضِعَه
لم يَقبَلْ ثديها ، حتى أَشْفَقت امرأةٌ فرعونَ أن يَمتنعَ من اللبنِ فيموتَ، فحَزَنَها ذلك،
فأمَرت به فأَخْرِج إلى السوقِ مجمَع الناسِ ترجو أن تُصيبَ له ظئرًا يأخذُ منها ، فلم يقبَلْ من
أحدٍ ، وأصبحت أمُّ موسى ، فقالت لأختِه: قُصِّيه واطلُبيه، هل تسمعين له ذكرًا ، أُحىّ
ابنى ، أو قد أكَّلْه دوابُ البحرِ وحيتانُه؟ ونَسِيتْ الذى كان اللَّهُ وعَدها ، فَبَصُرت به أُختُه
عن جُنُبٍ وهم لا يشعرون ، فقالت من الفرح حينَ أعياهم الظُّئوراتُ : أنا أدلكم على أهلِ
بيتٍ يكفُلونه لكم وهم له ناصحون . فأخذوها وقالوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم له ، هل
يعرِفونه. حتى شكوا فى ذلك - وذلك من الفتونِ يا بنَ جُبيرٍ - فقالت : نُصْحُهم له
وشفقَتُهم عليه، رغْبتُهم فى ظُتُورةِ الملكِ ، ورجاءُ منفعتِهِ . فترَكوها ، فانطلقت إلى أمُّها
فأخبرتها الخبر ، فجاءت ، فلما وضعتْه فى حَجْرِها نزا إلى ثديها حتى امْتَلأ جنباه ، فانطلق
البُشَراءُ إلى امرأةٍ فرعونَ ببشِّرونها أن قد وجَدنا لابنك ظِقْرًا. فَأَرْسَلت إليها ، فأُتِيَت بها
[٦٠/٣٥ظ] وبه. فلما رأت ما يصنَعُ بها قالت: امْكُثى عندى(٤) تُوْضِعين(٥) ابنى هذا،
فإِنى لم أُحِبَّ حِبَّه شيئًا قطُّ . قال: فقالت: لا أستطيعُ أن أدَعَ بيتى وولدى فيضيعَ ، فإن
طابت نفسكِ أن تُعْطِينِيه ، فأذهبَ به إلى بيتى، فيكونَ معى لا آلوه خيرًا ، فعلتُ ، وإلا
فإنى غيرُ تاركةٍ بيتى وولدى. وذكَرت أمّ موسى ما كان اللَّهُ وعَدها ، فتعاسَرت على
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، ف .
(٢ - ٢) سقط من : م.
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت ٣، ف: ((منهم)).
(٤) بعده فى ص، م، ت١، ت ٣، ف: (( حتى)).
(٥) فى م: (( ترضعی).

٦٧
سورة طه : الآية ٤٠
امرأةٍ فرعونَ ، وأيقنَت أن اللَّهَ عزَّ وجلَّ منجِزٌ وعدَه ، فرجَعت بابنِها إلى بيتِها من يومِها ،
فأنْبَته اللَّهُ نباتًا حسنًا، وحفظه لما قضَى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم مُجْتمِعون فى
ناحيةِ المدينةِ يمتنعون به من الظلم والسُّخْرةِ التى كانت فيهم، فلما تَرَغْرِعَ قالت امرأةٌ
فرعونَ لأمّ موسى(١) : أَزِيرينى(٢) إبنى. فوعَدَتها يومًا تُزِيرُها(٣) إِيَّه فيه، فقالت
لحواضِنِها(١) وظُئورتِها وقَهارِمَتِها: لا يبقينَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابنى بهديةٍ وكرامةٍ
ليرى ذلك، وأنا باعثةٌ أمينةُ تُخْصِى كلَّ ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم. / فلم تَزَلِ الهديةُ ١٦٦/١٦
والكرامةُ والتَّحَفُ تَشْتَقْبِلُه مِن حِينَ خرَجٍ مِن بيتِ أمِّه إلى أن دخَل على امرأةٍ فرعونَ ،
فلما دخَل عليها نحَلَتْهُ(٥) وأَكْرَمَته، وفرِحَت به، وأعْجَبها ما رأَت مِن حُسنٍ أثرِها
عليه، وقالت: انطلِقِن (١) به إلى فرعونَ، فَلْيَتْحَلْهُ(٧) وليُكْرِفْه. فلمَّا دخَلنُ(٨) به عليه
جعَلْنَهُ(١) فى حَجرِهِ ، فَتَناوَل موسى لحيةً فرعونَ حتى مدَّها، فقال عدوٌّ مِن أعداءِ اللَّهِ :
ألا تَرَى ما وعَد اللَّهُ إبراهيمَ أنه سيَصْرَعُك وَيَغْلُوكُ. فَأرْسَل إلى الذَّباحين لِيَذْبَحوه،
وذلك مِن الفُتونِ يا بنَ جبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلى به وأُرِيد به . فجاءت امرأةٌ فرعونَ
تَشْعَى إلى فرعونَ ، فقالت: ما بدالك فى هذا الصبى الذى قد وهَبْتَه لى؟ قال: أَلا تَرَيْنه
يَزْعُمُ أنه سيَصْرَعُنى ويَغْلُونى! فقالت: أَجْعَلُ بينى وبينَك أمرًا تَغْرِفُ فيه الحقَّ ؛ اثْتِ
(١) بعده فى ت٢: ((أن)).
(٢) فى ص، ف: ((أن ترينى)). وفى ت١: ((لابد أن ترينى))، وفى مسند أبى يعلى: ((أُريد أن ترينى)).
(٣) فى ص، ف: (( تريها)).
(٤) فى ص، م، ت١، ف: ((لخواصتها)، وفى مصادر التخريج: (( لخزانها).
(٥) فى ت١، ٢، ف، وتاريخ المصنف، ومسند أبى يعلى: ((بجلته)).
(٦) فى ص، ت١، ف: ((انطلقوا)).
(٧) سقط من: ص، ف. وفى ت١: ((فلينظره)).
(٨) فى ص، م، ت١، ف: ((دخلوا)).
(٩) فى ص، م، ت١، ت٢: ((جعلته)). وفى فى: ((حملته )).

٦٨
سورة طه : الآية ٤٠
بِجَمْرَتِين ولُؤلؤتَيْ، فقرّبْهن إليه، فإن بطَش باللؤلؤتين واجْتَنَب الجمْرتَيْنْ عِلِمْتَ
أنه يَعْقِلُ، وإن تَنَاوَل الجمرتين ولم يُرِدِ اللؤلؤتين، فَاعْلَمْ أن أحدًا لا يُؤْثِرُ
الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يَعْقِلُ. فقرّب ذلك إليه، فتَناوَل الجمرتين،
فنزَعوهما منه مَخافةَ أن تُحْرِقا يدَه، فقالت المرأةُ: أَلا تَرَى! فصرَفه اللَّهُ عنه بعدَ
ما كان (١) قد هِمَّ به، وكان اللَّهُ بالغًا فيه أمرَه.
فلمَّا بلَغْ أَشُدَّه وكان مِن الرجالِ ، لم يَكُنْ أحدٌ مِن آلٍ فرعونَ يَخْلُصُ إلى .
أحدٍ من بنى إسرائيلَ معه بظلم ولا سُخْرةٍ ، حتى امتنعوا كلّ امتناعٍ، فبينما هو يمشى
ذاتَ يومٍ فى ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجلين [٦١/٣٥و] يَقْتَتِلان؛ أحدُهما مِن بنى
إسرائيلَ، والآخرُ مِن آلٍ فرعونَ ، فاسْتَغاثه الإسرائيلىُّ على الفِرْعَونىِّ، فغضِب
موسى واشْتَدَّ غضبُه؛ لأنه تَناوَله وهو يَعْلَمُ منزلةً موسى مِن بنى إسرائيلَ، وحِفظَه
لهم ، ولا يَعْلَمُ الناسُ إلا أنما ذلك مِن قِبَلِ الرَّضاعةِ غيرَ(١) أمّ موسى، إلا أن يكونَ اللَّهُ
أَطْلَعَ موسى مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه، فوكَز موسى الفرعونىَّ فقتله،
وليس يراهما أحدٌ إلا اللّهُ والإسرائيلىُّ، فقال موسى حينَ قتَل الرجلَ: ﴿هَذَا مِنْ
عَمَلِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ عَدُوٌ مُضِلٌ مُّبِينٌ﴾. ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ
فَغَفَرَ لَهُمْ إِنَّهُمُ هُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥، ١٦]. فأُصبَح فى المدينةِ
خائفًا يَتَقَّبُ الأخبارَ، فأَتِى فرعونُ ، فقيل له : إن بنى إسرائيلَ قد قتلوا رجلًا مِن آلٍ
فرعونَ ، فخُذْ لنا بحقّنا ولا تُرَخِّصْ لهم فى ذلك. فقال: ابْغُونى قاتلَه ومَن يَشْهَدُ
عليه؛ لأنه لا يَسْتَقِيمُ أن نَقْضِىَ بغيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ . فطلبوا له ذلك، فبينما هم
يطوفون لا يَجِدون ثَبَّا ، إذ مرَّ موسى مِن الغدِ، فرأى ذلك الإسرائيلىّ يُقاتِلُ
(١) سقط من: م، ت٢.
(٢) فى الأصل: (( عبر).

٦٩
سورة طه : الآية ٤٠
فرعونيًّا، فاسْتَغاثه الإسرائيلىُّ على الفرعونىّ، فصادف موسى وقد ندم على ما كان
منه بالأمسِ، وكرِه الذى رأَى، فغضِب موسى فمدَّ يدَه وهو يريدُ أن يَتْطِشَ
بالفرعونىٌّ، فقال للإسرائيليّ لما فعَل بالأمسِ واليومَ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ
◌ُبِينٌ ﴾[ القصص: ١٨]. فنظَر الإسرائيلىُّ إلى١٢ موسى بعدَ ما قال "ما قال"،
فإذا هو غضبانُ كغضبِه بالأمسِ الذى قتل فيه الفرعونىّ، فخاف أن يكونَ
بعدَ ما قال له: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾. أن يكونَ إِيَّاه أراد، ولم يَكُنْ
أراده(٢) ، إنما أراد الفرعونيّ، فخاف الإسرائيلىُ، فحاجز الفرعونىَّ فقال:
﴿ يَمُوسَىَّ أَتْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ﴾ [القصص: ١٩]. وإنما قال
ذلك مَخافةً أن يكونَ إياه أراد موسى لِيَقْتُلَه، فَتَارَكًا، فَانْطَلَق الفرعونىُّ إلى قومِه،
فأخبرهم بما سمِعٍ مِن الإسرائيلىِّ مِن الخبرِ حينَ يقولُ: ﴿ أَنْرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كُمَا قَثَلْتَ
نَفْسًا بِالْأَمَسِّ﴾. فأرْسَل فرعونُ إلى الذَّبَّاحين، فسلَك /موسى الطريقَ الأعظمَ،
فطلَبوه وهم لا يخافون أن يَفوتَهم، وكان(٤) رجلٌ مِن شِيعةِ موسى مِن أقصى
المدينةِ، فاخْتَصَر طريقًا قريبًا حتى سبَقَهم إلى موسى، فأخْبَره الخبرَ، وذلك مِن
الفتونِ يابنَ جبيٍ () .
١٦٧/١٦
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت٣، ف .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت٢، ت٣، ف .
(٣) بعده فى ص: (( و)).
(٤) فى م: ((جاء)).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٩٢، وأخرجه النسائى فى الكبرى (١١٣٢٦)، وفى تفسيره (٣٤٦)،
وأحمد بن منيع فى مسنده - كما فى المستزاد من الإتحاف للبوصيرى (٥٣٦٦) - وأبو يعلى (٢٦١٨)، وابن
أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٤٢/٩ - ٢٩٤٤، ٢٩٤٦، ٢٩٤٨ - ٢٩٥٠، ٢٩٥٣ - ٢٩٥٥، ٢٩٥٧-
٢٩٦٠ من طريق يزيد بن هارون به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٤ إلى ابن أبى عمر العدنى فى
مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه .

٧٠
سورة طه : الآية ٤٠
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجِيحِ،
عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُونًا﴾. قال: بلاءً؛ إلقاؤُه فى التابوتِ، ثم فى البحرِ، ثم
التقاطُ آلٍ فرعونَ إياه، ثم خروجُه خائفًا(١) . قال محمدُ بنُ عمرٍو: قال أبو عاصمٍ :
خائفًا أو جائعًا. شكَّ أبو عاصم. وقال الحارثُ " فى حديثه": خائفًا يترقَّبُ . ولم
بُكٌّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريج، عن
مجاهدٍ مثلَه، وقال: خائفًا يترقَّبُ . ولم يَشُكَّ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَفَتَّكَ
فُونَاً﴾. يقولُ: ابْتَلَيْنَاك بلاءً(٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَفَتَّكَ فُونَ﴾: هو (٥) البلاءُ على إِثْرِ البلاء(١) .
وقال آخرون : معنى ذلك : أُخْلَصْناك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ(٢) ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
(١) فى ص، ف: ((الحسين)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٢. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٤ إلى عبد بن حميد.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٣، ف .
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٩٨/١١ .
(٥) فى الأصل: ((قال )).
(٦) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٧٣/٥.
(٧) فى الأصل، ف: ((الحسين)).

٧١
سورة طه : الآية ٤٠
مجاهدٍ: ﴿ وَفَتَّكَ فُونَا﴾: أَخْلَصْناك إِخلاصًا(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعْلَی بنِ
مسلم ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يُفَسِّرُ هذا الحرفَ: ﴿وَفَتَّكَ فُونًا﴾. قال:
أخْلَصْناك إخلاصًا .
وقد بيّنا فيما مضَى مِن كتابِنا [٦١/٣٥ظ] هذا معنى ((الفتنةِ))، وأنها الابتلاءُ
والاختبارُ، بالأدلةِ المُغْنيةِ عن الإعادةِ فى هذا الموضعِ() .
وقولُه: ﴿فَلِثْتَ سِنِينَ فِىَ أَهْلِ مَدْيَّنَ﴾. وهذا كلامٌ(٢) قد حُذِف منه بعضُ
ما به تمامُّه؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِر عما حُذِف. ومعنى الكلام: وفتَنَّاك ◌ُتُونًا،
فخرَجْتَ خائفًا إلى أهلِ مَدْيِنَ، فلبِثْتَ سنينَ فيهم .
وقولُه: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾. يقولُ جلُّ ثناؤه: ثم جئتَ للوقتِ
الذى أَرَدْنا إرسالَك إلى فرعونَ رسولاً ولمقدارِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی اُبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أُبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾. يقولُ: لقد جئتَ لميقاتٍ
(٤)
يا موسى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٥٦/٢، ٣٥٧.
(٣) فى الأصل، م، ف: ((الكلام)) .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٤ إلى المصنف .

٧٢
سورة طه : الآيات ٤٠ - ٤٣
١٦٨/١٦
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا " عن ابن أبى نجيجٍ))، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾. قال: موعدٍ(٤) .
" حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ ، قال : على ذى موعدٍ" .
حدَّثْنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾. قال: قدَرِ الرسالةِ والنبوةٍ(٢).
والعربُ تقولُ: جاء فلانٌ على قدرٍ. إذا جاء لميقاتِ الحاجة إليه، ومنه قولُ الشاعر(٥):
" نال الخلافةَ أو ) كانتْ له قَدَرًا
كما أَتَّى ربَّه موسى على قدَرِ
اذْهَبْ أَنَتَ وَأَخُوَكَ
٤١
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿ وَأَصْطَعْتُكَ لِنَفْسِى
پِثَايَتِ وَلَا نِیَا فِى ذِكْرِى
٤٣
اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
٤٢
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾: أَنْعَمْتُ عليك يا موسى هذه
النعمَ ، ومنَنْتُ عليك هذه المننَ؛ اجتباءً منى لك، واختيارًا لرسالتى والبلاغ عنى ،
والقيامٍ بأمرى ونهبى، ﴿ اَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ﴾ هارونُ، ﴿ِثَايَتِ﴾. يقولُ:
(١ - ١) سقط من : م .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٢، ومن طريقه الفريابي - كما فى تغليق التعليق ٢٥٦/٤ - وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٠١/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) سقط من: ص .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٧/٢. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٤، إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن
أبى حاتم .
(٥) هو جرير، وتقدم البيت فى ٣٥٥/١°.
(٦ - ٦) فى ص، ت١، ف: ((تلك الخلافة لو)).

٧٣
سورة طه : الآية ٤٢
بأدِلَّتى وحُجَجِى ، اذْهَبا إلى فرعونَ بها ، إنه تمَّد فى ضلالِه وغيّه، فأبلغاه رسالتى ،
﴿ وَلَا نَنِيَا فِ ذِكْرِى﴾. يقولُ: ولا تَضْعُفا فى أن تَذْكُرانى فيما أَمَرْتُكما ونَهَيْتُكما،
فإِن ذِكْرَ كما إياى يُقَوِّى عَزائمَكما، ويَُبَّتُ أفئدتَكما(١)؛ لأنكما إذا ذكَرُمانى ،
ذكَرْتُمَا منى عليكما نعمًا جَمَّةٌ، ومِنًا لا تُحْصَى كثرةً.
يقالُ منه: ونَى فلانٌ فى هذا الأمرِ، وعن هذا الأمرِ . إذا ضعف ، وهو يَنِى
وَنِّى، كما قال العَيَّاجُ(١) :
فما ونَى محمدٌ مُذْ أن غَفَرْ
له الإِلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿ وَلَا نِيَا﴾. يقولُ: [٦٢/١٥و] لا تُبْطِئًا(١).
/حدَّثنی محمدُ بنُّ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى ، عن ١٦٩/١٦
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا تَنِيَا فِ ذِكْرِى﴾. يقولُ: ولا تَضْعُفا فى ذكرى(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١) فى ص، م، ت١، ت٣، ف: ((أقدامكما)).
(٢) ديوانه ص ٨ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٧٤
سورة طه : الآيات ٤٢ - ٤٥
قولَه: ﴿ وَلَا نَنِيَا فِ ذِكْرِى﴾. قال: لا تَضْعُفا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿يَنِيَا﴾ : تَضْعُفا .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَلَا نِیَا فِ
ذِكْرِىٌ﴾. يقولُ: لا تَضْعُفا فی ذکری .
حدَّثنا الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، ("قال: أخبرنا معمر، عن قتادةً فى
قوله: ﴿ وَلَا نَنِيَا فِ ذِكْرِى﴾. قال: لا تَضْعُفا(٢) .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ (* يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال:
سمِعْتُ الضحاكَ) يقولُ فى قولِه: ﴿وَلَا نَِّيَا فِ ذِكْرِى﴾. يقولُ: لا تَضْعُفا.
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا نَنِيَا
فِى ذِكْرِى﴾. قال: الوانى هو الغافلُ الْمُفَرّطُ ، ذلك الوانى.
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيْنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى
٤٤
٤٥
قَالَا رَبَّنَاً إِنََّا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَنْ يَطْغَى
يقولُ تعالى ذكرُه لموسى وهارونَ: فقولا لفرعونَ قولاً ليّنًا. ذُكِر أن القولَ اللينَ
الذى أمَرَهما اللَّهُ أن يقولاه له، هو أن يُكَتِياه .
(١) تفسير مجاهد ص ٤٦٢، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٥٧/٤، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٠١/٤ إلى عبد بن حميد .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((عن)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٧/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٤ إلى عبد بن حميد.
(٤ - ٤) سقط من: ص ، ت١.

٧٥
سورة طه : الآية ٤٤
حدَّثنى جعفرُ ابنُّ بنتِ إسحاقَ بنِ يوسُفَ الأزرقِ (١) ، قال: ثنا سعيدُ بنُ محمدٍ
الثقفىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُّ صالح، عن السدىِّ " فى قولِه": ﴿فَقُولَا لَهُ فَوْلاً لَِّنَا﴾ .
قال : كَثِيَاهُ(٣) .
وقولُه: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. اخْتُلِف فى معنى قوله: ﴿لَّعَلَُّ()﴾
فى هذا الموضع ؛ فقال بعضُهم: معناها هلهنا الاستفهامُ. كأنهم وجَّهوا معنى الكلامِ
إلى(٥): فقولا له قولا لينًا، فانْظُرَا هل يَتَذَكَّرُ فِيُراجِعَ(١)، أو يَخْشَى اللَّهَ فيَرْتَدِعَ عن
طغیانه ؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. يقولُ: هل يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى()؟
وقال آخرون: معنى ((لعلٌّ)) هلهنا: كى. ووجَّهوا معنى الكلام إلى: اذهبا إلى
فرعونَ إِنه طغَى فادْعُواه وعِظاه ليَتَذَكَّرَ أو يَخْشَى. كما(٨) يقولُ القائلُ: اعْمَلْ عملك
لعلك تَأْخُذُ أجرَك. بمعنى: لِتَأْخُذَ أَجْرَك. واقْرُعْ / من عملِك لعلنا نَتَغَدَّى. بمعنى: ١٧٠/١٦
لَتَغَدَّى، أو حتى نَتَغَدَّى. ولكلا هذين القولين وجةٌ حسنٌّ، ومذهبٌ صحيحٌ .
(١) فى ت١: ((الأددى))، وفى ف: ((الأزدى)).
(٢ - ٢) ليس فى: ص، م، ت١، ت٣، ف .
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٧٤/٥ .
(٤) فى الأصل، ت٢: ((لعل)).
(٥) سقط من : الأصل، ت٢ .
(٦) فى ص، م، ت٢، ف: (( ويراجع)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٨) سقط من: ص ، ت١.

٧٦
سورة طه : الآية ٤٥
وقولُه: ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا فَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ . يقولُ تعالى
ذكرُه : قال موسى وهارونُ: ربنا إننا نخافُ فرعون إن نحن[٦٢/٣٥ظ] دعَوْناه إلى ما
أُمَوْتَنَا أن نَدْعُوَه إليه، أن يَعْجَلَ علينا بالعقوبة. وهو من قولهم: فرط منى إلى فلانٍ
أمرٌ. إذا سبق منه ذلك إليه، ومنه فارِطُ القوم، وهو المتعجّلُ المتقدمُ أمامَهم إلى الماءِ أو
المنزل، كما قال الراجزُ(١) :.
قد فرَط العِلْجُ علينا وعجَلْ
فأما الإفراطُ فهو الإِسرافُ والاشتطاطُ والتَعَدِّى، يقالُ منه: أفْرَطْتَ فى
قولِك . إِذا أُشْرَف فيه وتعَدَّى. وأما التفريطُ فإنه التَّوانى، يقالُ منه: فرَّطْتَ فى هذا
الأمرِ حتى فات . إذا تَوانَى فيه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآَ﴾. قال: عقوبةً منه(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُّ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّنَاَ
(١) مجاز القرآن لأبى عبيدة ٥٤١/٢، وتفسير القرطبى ٢٠١/١١.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٢، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٥٧/٤، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٠١/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٧٧
سورة طه : الآيات ٤٥ - ٤٧
تَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾. قال: نَخَافُ أَن يَعْجَلَ علينا إِذُ(١) نُبَلِّغُه كلامَك
أو أَمَرَك، يَفْرُطُ(٢)؛ يغْجَلُ. وقرأ: ﴿ قَالَ لَا تَخَافَ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾(١).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ لَا تَخَافًّا إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ
٤٦
وَأَرَى
فَأَنْيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَيِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيَلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ قَدْ
٤٧
جِئْنَكَ بِشَايَةٍ مِّن رَبِكٌ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَبَعَ الْمُدَىّ
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللّهُ لموسى وهارونَ: ﴿لَا تَخَافَآ﴾ فرعونَ، ﴿إِنَّنِى
مَعَكُمَا﴾ أعِينُكما عليه وأنصُرُ كما)، ﴿أَسْمَعُ﴾ ما يَجْرِى بينَكما وبينَه،
فأَفْهِمُكما ما تُحاوِرانِه به، ﴿ وَأَرَى﴾ ما تَفْعَلان وِيَفْعَلُ، لا يَخْفَى علىَّ مِن ذلك
شىءٌ، ﴿فَأْنِيَاءُ فَقُولَا﴾ له: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَآَ إِنَّنِى
مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَرَى﴾. (قال ابنُ جريجٍ: أسمع وأرى) ما يُحاوِرُ كما(٩)،
فَأُوحِى إليكما فتُجاوِبانِه (١) .
(١) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ف: ((إن)).
(٢) بعده فى م، ف: (( و)) .
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ٢٨٩/٥.
(٤) فى م، ت٢، ف: ((أبصر كما)).
(٥ - ٥) سقط من : ص ، م، ت١ ، ف .
(٦) فى الدر المنثور: ((يجاوبكما)).
(٧) فى ص، ت١، ف: ((فتحاوراته)) .
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٤ إلى ابن المنذر ،

٧٨
سورة طه : الآيات ٤٧ - ٥٠
١٧١/١٦
/وقولُه: ﴿فَأْنِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾. (١ يقولُ تعالى ذكره: فأُتيا
فرعونَ فقولا: إنا رسولا ربِّك١) (٢ إليك(٣)، أرْسَلَنا٢) إليك يَأْمُك أن تُؤْسِلَ معنا بنى
إسرائيلَ، فأرْسِلْهم معنا ولا تُعَذِّبهم بما تُكَلِّفُهم مِنِ الأعمالِ الرديئةِ، ﴿قَدْ جِثْنَكَ
بِشَايَةٍ﴾ مُعْجِزةٍ، ﴿مِّن رَّبِّكَ﴾ على أنه أَرْسَلَنا إليك بذلك، إن أنت لم تُصَدِّقْنا
فيما نقولُ لك أَرَيْناكها، ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْمُدَى﴾. يقولُ: والسلامةُ لمن
اتََّع هدى اللّهِ. وهو بيانُه. يقالُ: السلامُ على مَن اتَّبعُ(١٢، ولمن اتََّع. بمعنى واحدٍ .
*القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن
قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ
٤٩
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى
كَذَّبَ وَتَوَلَّى
ثُمَّ هَدَى
٠
يقولُ تعالى ذكرُه لرسوليه ١ موسى وهارونَ: قولا لفرعون: إنا قد أَوْحَی إلینا
ربُّك أن عذابَه الذى لا نفادَ له ولا انقطاعَ، على مَن كذّب بما نَدْعوه إليه مِن
توحيدِ اللَّهِ وطاعتِه وإجابةِ رسلِه، ﴿وَتَوَلَّى﴾. يقولُ: وأَذْبَر مُعْرِضًا عما جثْناه به
"مِن عندِه) مِن الحقِّ .
كما حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ أَنَّ
اَلْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذَّب بكتابِ اللَّهِ، وتوَلَّى عن طاعةِ اللّهِ(١).
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ف.
(٢ - ٢) سقط من: ت٢.
(٣) سقط من : م .
(٤) بعده فى م، ف: (( الهدى)) .
* من هنا خرم فى نسخة جامعة القرويين، والمشار إليها بـ((الأصل))، وينتهى فى ص ١١٣، وسيجد القارئ
أرقام النسخة ت١ فى مكان هذا الخرم .
(٥) فى م، ت١، ف: ((لرسوله)).
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت٣، ف .
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٤، ٣٠٢ إلى ابن أبى حاتم .

٧٩
سورة طه : الآيتان ٤٩ ، ٥٠
وقولُه : ﴿ قَالَ فَمَنْ رَّيِّكُمَا يَمُوسَى﴾. وفى هذا الكلامِ متروكٌ، تُرِك ذكرُه
استغناءً بدَلالةِ ما ذُكِر عليه عنه، وهو قولُه: فَأَتَياه فقالا له ما أمَرَهما به ربُّهما ، وأَبْلَغاه
رسالتَه، فقال فرعونُ لهما: ﴿فَمَنْ رَّيِّكُمَا يَمُوسَى﴾. فخاطَب موسى وحدَه
بقوله: ﴿يَمُوسَى﴾. وقد وجَّه الكلامَ قبلَ ذلك إلى موسى وأخيه . وإنما فعَل ذلك
كذلك؛ لأن المجاوبةَ إنما تكونُ مِن الواحدِ - وإن كان الخطابُ لجماعةٍ (٢ - لا مِن
الجميعِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿فَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]. وكان الذى يَحْمِلُ
الحوتَ واحدًا، وهو فتى موسى. يَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿ فَإِنِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَاَ
ج
أَنْسَئِهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣].
وقولُه: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: قال موسى له مُجيبًا: ربَّنا الذى أُعْطَى كلُّ شيءٍ خلقَه . يعنى: نظيرَ خلقِه
فى الصورةِ والهيئةِ؛ كالذكورِ مِن بنى آدمَ أعطاهم نظيرَ خلقِهم [٣٥١/٢ظ] مِن
الإناثِ أزواجًا، وكالذكورِ مِن البهائم أعطاها نظيرَ خلقِها وفى صورتِها
وهيئتِها مِن الإناثِ أزواجًا، فلم يُعْطِ الإنسانَ خلافَ خلقِه فیُزَوِّجَه بالإناثِ
مِن البهائم، ولا البهائمَ بالإناثِ مِن الإنسِ، ثم هداهم للمَأْنَى الذى منه النسلُ
والنَّماءُ كيف يَأْتِيه، ولسائرِ منافعِه من المطاعم والمشاربِ وغيرِ ذلك.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذى قلْنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يقولُ: خَلَق لكلِّ شىءٍ زرجَه(٢)، ثم
(١) فى م: ((بالجماعة)).
(٢) فى م، ت١: ((زوجة)).

٨٠
سورة طه : الآية ٥٠
هداه لمَنَّكَحِه ومَطْعَمِه ومَشْرَبِه ومسكنِه ومولدِه (١).
حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ
أَعْطَى / كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ(٢ثُمَّ هَدَى﴾. يقول٢ُ): أعْطَى كلَّ دابةٍ خَلَقَها زوجًا، ثم هدَى
(٣)
للنكاح .
١٧٢/١٦
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾. أنه هداهم إلى الأُلفةِ والاجتماع
والمُناكَحةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿الَّذِىّ أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلَقَكُمْ ثُمَّ هَدَى﴾. يعنى: هَدى
بعضَهم إلى بعضٍ ، أَلّف بينَ قلوبِهم وهداهم للتزويج ؛ أن يُزَوِّجَ بعضُهم بعضًا .
وقال آخرون: بل(٤) معنى ذلك: أَغْطَى كلَّ شىءٍ صورتَه، وهى خلقُه الذى
خلَقَه به ، ثم هداه لما يُصْلِحُه مِن الاحتيالِ للغِذاءِ والمعاشِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ ، قالا : ثنا ابنُ إدريسَ ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ ،
فى قوله : ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: أعْطَى كلَّ شيءٍ صورته، ثم
(١) فى ت٢: ((مولوده)).
والأثر أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٣٩) من طريق عبد الله بن صالح به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٠٢/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢.
(٣) تقدم أوله فى ص ١٩ .
(٤) زيادة من : ت٢ .