Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١
سورة مريم : الآيات ٧٨ - ٨٠
قرَءوا ذلك بالضمّ فيما اختاروا فيه الضمَّ، إنما قرَءوه كذلك ليفرُقوا به بين الجمع
والواحدٍ .
والذى هو أولى بالصوابٍ من القولٍ فى ذلك عندى أن الفتحَ فى الواوٍ من
الوَلْدِ [٣٦/٣٥ و] والضمَّ فيها بمعنَّى واحدٍ، وهما لغتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ
الصوابَ، غيرَ أن الفتحَ أشهرُ اللغتَين فيهما ؛ فالقراءةُ به أعجبُ إلىَّ لذلك.
وقولُه: ﴿ أَطَلَعَ الْغَيْبَ ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُهُ: أَعَلِمَ هذا القائلُ هذا القولَ عِلْمَ
الغيبِ، فَعَلِم أنَّ له فى الآخرةِ مالًا وولدًا باطلاعِه على علم ما غاب عنه؟ ﴿أَمِ أَخَذَ
عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. يقولُ: أمْ آمَن باللهِ وعمِل بما أمرهُ به ، وانتهى عما نهاه عنه ،
فكان له بذلك عندَ اللهِ عهدًا أن يؤتيَه ما يقولُ من المالِ والولدِ ؟.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ اَّخَذَ عِندَ
الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. بعملٍ صالحٍ قدَّمه(١).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿كَلَّأَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ
الْعَذَابِ مَدَّا (٩ثَ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِينَا فَرْدًا
(٨٠
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿كَلَّأَ﴾ ليس الأمرُ كذلك، ما اطَّلَع الغيبَ،
فَعَلِم صدقَ ما يقولُ، وحقيقةَ ما يَذْكُرُ، ولا اتخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا بالإيمانِ به
وبرسولِه، والعملِ بطاعتِهِ، بلْ كذَّب وكفَر. ثم قال تعالى ذكْرُه: ﴿ سَنَكْتُبُ مَا
يَقُولُ﴾. يقولُ: سنكتُبُ ما يقولُ هذا الكافر بربِّه، القائلُ: لأَوتَينَّ فى الآخرةِ مالًا
وَوَلَدًا. ﴿ وَنَمُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدَّا﴾ . يقولُ: ونَزِيدُه من العذابِ فى جهنمَ بقيلِه
الكذبَ والباطلَ فى الدنيا ، زيادةً على عذابِهِ ؛ بكفْرِهِ باللهِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى ابن أبى حاتم .
٦٢٢
سورة مريم : الآيتان ٧٩، ٨٠
وقولُه: ﴿ وَزَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. يقولُ جل ثناؤه: ونُهلِكُ(١) هذا القائلَ : -
لأوتينَّ فى الآخرةِ مالًا وولدًا - ومالَه وولدَه، ويصيرُ لنا مالُه وولدُه دونَه ،
﴿ وَيَأْنِينَا﴾ هو يومَ القيامةِ ﴿فَرْدًا﴾ وحدَه لا مالَ معه ولا ولدَ.
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٢٣/١٦
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾: مالَه وولدَه، وذلك الذى قال العاصُ بنُ وائلِ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه [٣٦/٣٥ظ]:
﴿ وَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِينَا فَرْدًا﴾ لا مالَ له ولا ولدَ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. قال: ما عندَه، وهو قولُه: ﴿لَأُوتَيَّ مَالًا
وَوَلَدًا﴾. وفى حرفِ ابنِ مسعودٍ : (وَثَرِثُهُ مَا عِنْدَه )(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَنَرِثُهُ
مَا يَقُولُ﴾. قال: ما جمَع من الدنيا وما عمِل فيها. قال: ﴿ وَيَأْثِنَا فَرْدًا﴾. قال :
(١) فى م: ((نسلب)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٩ .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ٢٥٦، وهذه القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
٦٢٣
سورة مريم : الآ یات ٨٠ - ٨٢
فردًا من ذلك، لا يَتْبَعُه قليلٌ ولا كثيرٌ(١).
حدَّثنى علىٍّ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. يقولُ: نرتُه(١).
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُواْ لَهُمْ
(٨٢
كَلَّأَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا(
٨١
عِزّاً
يقولُ تعالى ذكْرُه : واتخَذ يا محمدُ هؤلاءِ المشرِكون من قومِك آلهةً يَعْبُدونها
من دونِ اللهِ ؛ لتكونَ هؤلاءِ الآلهةُ لهم عزَّا ، يَمْنَعُونهم من عذابِ اللهِ ، ويتخِذون
عبادَتَهموها عندَ اللهِ زُلْفَى. وقولُه: ﴿ كَلَّأَ﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه: ليس الأمر كما
ظنُّوا وأمَّلوا من هذه الآلهةِ التى يَعْبُدُونها من دونِ اللهِ فى أنها تُنْقِذُهم من عذابٍ
اللهِ، وتُنْجيهم منه، ومن سوءٍ إنْ أراده بهم ربُّهم. وقولُه: ﴿سَيَكْفُرُونَ
بِعِبَادَتِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: ولكن ستكفُرُ الآلهةُ فى الآخرةِ بعبادةِ هؤلاءِ
المشرِكين يومَ القيامةِ إياها. وكفرهم بها قيلُهم لربّهم: ﴿تَبَرَأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّنَا
يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]، فجحَدوا أن يكونُوا عبَدوهم أو أمَروهم بذلك، وتبرُّوا
منهم ، وذلك كفرهم بعبادتهم .
وأما قولُه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَّهِمْ ضِذًّا﴾ . فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى تأويلِ
ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وتكونُ آلهتُهم عليهم عونًا. قال: الضدُّ:
العونُ .
(١) کذا فى النسخ، و کذا ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥٦/٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى
ابن المنذر وابن أبى حاتم بلفظ : ماله وولده .
(٢) فى ص: (تبعدهم))، وفى ت ١، ف: ((تعيذهم)).
٦٢٤
سورة مريم : الآيتان ٨٢،٨١
ذكرُ من قال ذلك
/ حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿وَكُونُونَ عَلَّهِمْ ضِذًا﴾. يقولُ: أعوانًا(١) .
١٢٤/١٦
حدَّثْنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: [٣٧/٣٥ و] ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَتِهِمْ ضِدًّا﴾. قال: عونًا عليهم تُخاصِمُهم
وتُگذّئهم(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًا﴾ . قال: أوثانُهم يومَ القيامةِ فى النارِ.
وقال آخرون : بل ◌ُنِى بالضدِّ فى هذا الموضع القُرَناءُ.
ذكْرُ من قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أُبی ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَيَكُونُونَ عَتِهِمْ ضِذًا﴾. يقولُ: ويكونُون عليهم
(٣)
قرناءً(٣) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ٢٥٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥٧/٥.
٦٢٥
سورة مريم: الآيتان ٨١، ٨٢
ضِدًّا﴾: قرناءَ فى النارِ؛ يلعَنُ بعضُهم بعضًا، ويتبرأُ بعضُهم من بعضٍ(١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿ضِذًا﴾. قال: قرناءَ فى النارِ(٢) .
وقال آخرون : معنى الضدِّ ههنا : العدوُّ.
ذكْرُ من قال ذلك
حُدِّثت عن الحسينِ ، قال : سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبِيدٌ ، قال : سَمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًا﴾. قال: أعداءً(٣).
وقال آخرون : معنى الضدِّ فى هذا الموضع: البلاءُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَيَكُونُونَ
عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال: يكونُون عليهم بلاءٍ (٢).
الضدُّ: البلاءُ، والضدُّ فى كلام العربِ: هو الخلافُ، يقالُ: فلانٌ يضارُ
فلانًا فى كذا، إذا كان يخالِفُه فى صنيعِه ، فيُفسِدُ ما أصلَحه، ويُصلِحُ ما أفسده .
وإذا كان ذلك معناه ، وكانت آلهةُ هؤلاءِ المشركين الذين ذكَرَهم اللهُ فى هذا الموضعِ
يتبَّءون منهم، ويَنْتَفُون (١) يومئذٍ، صاروا لهم أضدادًا، فوُصِفُوا بذلك.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٤) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٥/ ٢٥٧.
(٥) ينتفون: يبتعدون. الوسيط (ن ف ی).
( تفسير الطبرى ٤٠/١٥ )
٦٢٦
سورة مريم : الآيات ٨٢ - ٨٤
وقد اختلف أهلُ العربيةِ فى وجهٍ توحيدِ الضدّ، وهو صفةٌ لجماعةٍ ؛ فكان
بعضُ نحوِّى البصرةِ يقولُ: / وُحَد لأنه يكونُ جماعةً وواحدًا، مثْلَ الرَّصَدِ
والأرصادِ . قال: ويكونُ الرَّصَدُ أيضًا للجماعةِ.
١٢٥/١٦
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ : وُحِّد لأن معناه: عونًا .
وذُكِر أن أبا نَهِيٍ كان يقرأُ ذلك، كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا
يحيى بنُ واضح، قال: ثنا عبدُ المؤمن، قال: سمِعت أبا نهيكِ الأزديَّ يقرأُ:
(كُلََّ(١) سَيَكْفُرون). يعنى: الآلهةَ [٣٧/٣٥ط] كلَّها(٢) أنهم سيكفُرون
(٣)
ـم ).
بعبادتهم
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ أَوْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَفِينَ تَؤُهُمْ
أَزَّا ﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا
(٨٤
يقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لَه: ألم ترَ يا محمدُ أنا أرسَلنا الشياطينَ على
أهلِ الكفرِ باللهِ ﴿ تَؤُزُّهُمْ﴾. يقولُ: تحرّكُهم بالإغواءِ والإضلالِ، فتُزعِجُهم إلى
معاصى اللهِ، وتغريهم بها حتى يُواقِعوها، ﴿أَزَّا﴾: إزعاجًا وإغراءً ".
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكْرُ من قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ،
(١) فى ت ٢: (( كل)).
(٢) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢: (( كلا).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى ابن أبى حاتم. وينظر تفسير ابن كثير ٢٥٧/٥.
(٤) فى ص، م، ت ١، ف: ((إغواء)).
٦٢٧
سورة مريم : الآيتان ٨٣، ٨٤
قوله: ﴿تَؤُزُهُمْ أَزَّا﴾. يقولُ: تُغرِيهم إغراءً(١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابن جريج، قال : قال
ابنُ عباسٍ : تؤزُّ الكافِرِين إغراءً فى الشركِ : امضِ امضٍ فى هذا الأمرِ ، حتى تُوقِعَهم
فى النارِ، امضُوا فى الغيّ، امضُوا (١) .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ فى قولِه :
تَؤُزُّهُمْ أَزَّا﴾. قال: تُغْرِيهم إغراءً).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّ ﴾.
قال: تُرْعِجُهم إزعاجًا فى معصيةِ اللهِ(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا ابنُ عَثْمَةَ ، قال : ثنا سعيدُ بنُّ بَشيرٍ ، عن قتادةَ
فى قولِ اللهِ جل وعز: ﴿تَؤُزُهُمْ أَزَّا﴾. قال: تُزِعِجُهم إلى معاصى اللهِ إزعاجًا .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ تَؤُزُهُمْ أَزَّا﴾. قال: تُزعِجُهم إزعاجًا فى معاصى اللهِ(٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ
أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِينَ تَؤُزُّهُمْ أَذًّا﴾. فقرَأ: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ
نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. قال: تؤرُّهم أزًّا، قال: تُشلِيهم
إشلاءً على معاصى اللهِ تبارك وتعالى، وتُغرِيهم عليها، / كما يُغرى الإنسانُ الآخرَ ١٢٦/١٦
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ١١/ ١٥٠.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢.
(٥) الإشلاء: الإغراء. اللسان (ش ل ا).
٦٢٨
سورة مريم : الآيات ٨٤ - ٨٦
على الشىءٍ(١).
يقالُ منه: أَزَزْتُ فلانًا بكذا . إذا أغريتَه به، أؤزُّه أزًّا وأزيزًا، وسمعتُ أزيزَ
القِدْرِ ، وهو صوتُ غلیانها على النار ؛ ومنه حدیثُ مطرّف عن أبيه ، أنه انتهى إلى
النبيِّ عَّهِ وهو يصلِّى، ولجوفِه أزيزٌ كأزيزِ المَرْجَلِ".
[٣٨/٣٥ و] وقوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا﴾. يقولُ عزَّ ذْرُّه:
فلا تَعْجَلْ على هؤلاءِ الكافِرِين بطلبِ العذابِ لهم والهلاكِ يا محمدُ ، ﴿ إِنَّمَا نَعُذُ
لَهُمْ عَذَّا﴾. يقولُ: فإنا إنما تُؤَخِّرُ إهلاكَهم ليزدادُوا إثمًا، ونحن نعدُّ أعمالَهم كلَّها
ونُخْصِیھا ، حتى أنفاسهم ؛ لُجازِیھم علی جميعها ، ولم نُْك تعجيلَ هلا کھم لخير
أردناه بھم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكْرُ من قال ذلك
حدّثنا علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدَّا﴾. يقولُ: أنفاسَهم التى يتنفَّسون فى الدنيا، فهى
معدودةٌ کسِنُهم وآجالِھم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ
٨٦
الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا
يقولُ تعالى ذكْرُه: يومَ نجمعُ الذين اتَّقَوا اللهَ(٢) فى الدنيا، فخافُوا عقابَه،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى ابن أبى حاتم. وينظر تفسير ابن كثير ٢٥٨/٥.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٣١٢، ١٦٣١٧، ١٦٣٢٦)، وأبو داود (٩٠٤)، والنسائى (١٢١٣).
(٣) سقط من: م.
٦٢٩
سورة مريم : الآيتان ٨٥، ٨٦
فاجتنَبوا لذلك معاصِيَه، وأَدَّوْا فرائضَه - إلى ربِّهم ﴿ وَفْدًا﴾، يَعْنى بالوفدِ (١)
الُكْبانَ . يقالُ : وَفَدْتُ على فلانٍ . إذا قَدِمتَ عليه . وأَوْفَدَ القومُ وفدًا على أميرِهم.
إذا بعَثُوا مِن قِبَلِهم بَعْثًا. والوفدُ فى هذا الموضعِ بمعنى الجمع، ولكنَّه وُحِّد؛ لأنه
مصدرٌ، واحدُهم وافدٌ ، وقد يُجمَعُ الوفدُ: الوفودَ كما قال بعضُ بنى حَنِيفةً:
رأسَ الوفودِ مُزاحِمَ بنَ جِسَاسٍ
إنی لَمُمْتَدِخ بما ) هو صانعٌ
وقد یکونُ الوفودُ فی هذا الموضع جمع وافدٍ، کما الجلوسُ جمعُ جالسٍ .
وبنحوِ الذي قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى زكريا (" بنُ يحيى٣) بن أبى زائِدَةً، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ
ابن إسحاقَ، عن التُّعْمانِ بنِ سعدٍ ، عن علىٍّ فى قوله: ﴿ يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى
الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: أما واللهِ ما يُحْشَرُ الوفدُ على أرْجُلِهم، ولا يُساقُون سَوْقًا؛
ولكنَّهم يُؤْتَوْن بنُوقٍ لم يَرَ الخلائقُ مثلَها، عليها [٣٨/٣٥] رِحالُ الذهبِ، وأَزِمَّتُها
الزَّبَرْ جَدُ ، فَيَرْكَبون عليها حتى يَضْرِبُوا أبوابَ الجنةِ(٤).
/ حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، عن شُعْبةَ، عن ١٢٧/١٦
(١) فى ص، ت ١، ف: ((بالوفود)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((فما)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢. وينظر الجرح والتعديل ٥٩٣/٣، ٦٠١، وتهذيب الكمال ٣٥٩/٩، وتهذيب
التهذيب ٣٢٩/٣، ٣٣٥.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٩/١٣، وعبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند: المسند ٤٤٧/٢
(١٣٣٣)، والحاكم ٤/ ٥٦٥، والبيهقى فى شعب الإيمان (٣٥٨)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/٤ لابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه وغيرهم.
٦٣٠
سورة مريم: الآيتان ٨٥، ٨٦
إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبى هريرةَ: ﴿ يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾
قال : على الإبلِ).
حدَّثنا عليّ بنُ سهلِ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. يقولُ: ركبانًا(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُّ بَشيرٍ(٣) ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائُّ،
قال: إنَّ المؤمنَ إذا خرج من قبرِه استقبله أحسنَ صورةً، وأَطْيَبَه(٤) ريحًا، فيقولُ: هل
تعرفُنى؟ فيقولُ: لا، إلا أن الله قد(٥) طيّب ريحَك، وحسَّن صورتَك. فيقولُ:
كذلك كنتَ فى الدنيا، أنا عملك الصالحُ، طالما رَكِبْتُك فى الدنيا، فارْكَبْنى أنت
اليومَ. وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: وفدًا إلى الجنةِ(٧).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريج فی
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٩/١٣ من طريق شعبة عن إسماعيل عن أبى هريرة، بدون ذكر ((رجل )) بين
إسماعيل وأبى هريرة. وذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٢٥٥، ونقله ابن كثير فى تفسيره ٢٥٩/٥ پإسناده
ولفظه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن حجر فى تغليق التعليق ٥٠٩/٣ من طريق عبد الله به، وذكره الطوسى فى التبيان ١٣٣/٧،
والبغوى فى تفسيره ٥/ ٢٥٥، وابن كثير فى تفسيره ٢٥٨/٥، وعلقه البيهقى فى شعب الإيمان ٣١٧/١ عن
على بن أبى طلحة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وغيرهما.
(٣) فى ص، ت ١، ف: (( بشر)).
(٤) فى م: ((أطيبها)). وتقدم على الصواب فى ٢١٦/٩.
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف .
(٦) تقدم تخريجه فى ٩/ ٢١٧.
(٧) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣/٢ عن معمر به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥٩/٥، وعزاه
السیوطی فی الدر المنثور ٢٨٤/٤، ٢٨٥ إلی عبد بن حميد .
٦٣١
سورة مريم: الآيتان ٨٥، ٨٦
قولِه : ﴿ يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: على النَّجائِبِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سَمِعتُ سفيانَ
الثَّوْرِىَّ يقولُ: ﴿يَوْمَ نَّحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: على الإبلِ النُوقِ(١).
وقولُه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ . يقولُ تعالى ذكْرُه: ونَسوقُ
الكافرين باللهِ ، الذين أجَرمُوا ، إلى جهنمَ عِطَاشًا .
والوِرْدُ مصدرٌ، مِن قولِ القائلِ: وَرَدتُ كذا أرِدُه وِرْدًا. ولذلك لم يُجمَعْ،
وقد ◌ُصِف به الجمعُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٍّ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطَاشًا(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، عن شعبةً ، عن
إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبى هريرةَ: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال:
(٣)
عِطاشًا(٣).
(١) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٢٥٩/٥.
(٢) أخرجه البخارى معلقا عن ابن عباس (فتح البارى ٨/ ٤٢٧)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره من طريق
عبد الله به، كما فى تغليق التعليق ٣/ ٥٠٩، وأخرجه الحافظ ابن حجر فى التغليق ٥٠٩/٣ من طريق عبد الله
به، وعلقه البيهقى فى شعب الإيمان ٣١٧/١ عن على بن أبى طلحة به .
(٣) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٦/ ٢١٧، والقرطبى فى تفسيره ١١/ ١٥٢، ١٥٣، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٨٦/٤ إلى ابن المنذر.
٦٣٢
سورة مريم: الآيتان ٨٦، ٨٧
[٣٩/٣٥و] حدَّثنى يعقوبُ والفضلُ بنُ الصََّّاح، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ
عُلَيَّةَ ، عن أبى رجاءٍ، قال: سَمِعتُ الحسنَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى
جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطَاشًا(١).
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ(١)، عن يونس١َ ، عن الحسنِ مثلَه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: ظِمَاءً إلى النارِ(٤).
١٢٨/١٦
/ حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَسُوقُ
الْمُجْرِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾: سِيقوا (٥) إليها وهم ظِمَاءُ(٦) عِطاشٌ.
حدَّثُنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سمِعتُ سفيانَ
يقولُ فى قولِه: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ . قال : عِطاشًا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ
عَهْدًا
يقولُ تعالى ذْرُه : لا يملكُ هؤلاءِ الكافرون بربِّهم، يا محمدُ - يومَ يَحشرُ اللهُ
المتقينَ إليه وفدًا - الشفاعةً؛ حينَ يَشْفَعُ أهلُ الإِيمانِ بعضُهم لبعضٍ عندَ اللهِ ،
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٢/١٣ (١٦٠٢٥)، وهناد فى الزهد (٢٨٦، ٢٨٧) من طريقين آخرين عن
الحسن .
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ف: ((قال: ثنا سعيد)). وسعيد بن أبى عروبة لم يرو عن يونس بن عبيد. ينظر
تهذيب الكمال ١٢٤/٣٢،٥/١١، ٥١٧.
(٣) فى ت ١: ((قتادة)) .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٣/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٤ إلى عبد بن حميد.
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((سوقوا)).
(٦) فى م: (ظمء)).
٦٣٣
سورة مريم : الآية ٨٧
فيشفعُ(١) بعضُهم لبعضٍ ﴿إِلَّا مَنِ أَّخَذَ ﴾ منهم ﴿عِندَ الرَّحْمَنِ﴾ فى الدنيا
عَهْدًا﴾ بالإِيمانِ به، وتصديقٍ رسولِه، والإقرارِ بما جاء به، والعملِ بما أمر به.
كما حدَّثنى " علىّ، قال: ثنا٢) عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىِّ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنِ أَنَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: العهدُ ؛ شهادةُ أن لا
إلهَ إلا اللهُ، ويَتَبَرَّأَ إلى اللهِ مِن الْحَوْلِ والقُوَّةِ، ولا يرجو إلا اللهَ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن ابنِ نجريج قوله: ﴿لَّا
ه. قال : المؤمنون يومئذٍ
(٨٧)
يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا
بعضُهم لبعضٍ شفعاءُ: ﴿إِلَّا مَنِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: عَمَلًا صالحً(٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ
الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ الَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أى بطاعتِه، وقال فى آيةٍ أُخرى: ﴿لََّ
نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، تَعَلَّمُوا (٥) أن
اللهَ " مُشَفِّعٌ يومَ القيامةِ المؤمنينَ بعضَهم فى بعضٍ؛ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللـهِ عِ لّه كان
يقولُ: ((إنَّ فِى أَمَّتِى رجلًا، لَيُدخِلَنَّ اللهُ الجنةَ بشفاعتِه أكثرَ مِن بنى تَمِيم)). وكنا
(١) أى فيشفع هؤلاء الكفار بعضهم لبعض، كما يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض .
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ف.
(٣) أخرجه الطبرانى فى الدعاء ١٥١٨/٣ (١٥٧٠)، والبيهقى فى الأسماء والصفات ٢٧٢/١ (٢٠٦)،
كلاهما من طريق عبد الله به، وفى الدعاء: ((وهى رأس كل تقوى)) بدل ((ولا يرجو إلا الله))، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٤) عزا السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٤ شطره الأول إلى ابن المنذر، وذكر الطوسى فى التبيان ١٣٤/٧،
وأبو حيان فى البحر المحيط ٢١٧/٦ شطره الأخير.
(٥) فى م: ((ليعلموا))، وفى ت ١، ف: ((يعلمون))، وفى ت ٢: ((يعلموا)). وتعلَّموا: اعلَمُوا. ينظر
اللسان (ع ل م).
(٦ - ٦) فى م: ((يوم القيامة يشفع)). وجاءت العبارة فى الدر المنثور: يشفع المؤمنين يوم القيامة .
٦٣٤
سورة مريم : الآية ٨٧
نُحَدَّثُ أن الشهيدَ يُشَفَّعُ فى سبعين مِن أهلِ بيتِهُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً، عن أبى المَلِيحِ، عن
عَوْفٍ بنِ مالكِ، قال: قال رسولُ اللهِ مَِّلَّهِ: ((إن شَفَاعَتِى لِمَنْ مات مِن أَمَّتى لا
1
يُشركُ باللهِ شيئًا))(٢).
و «مَن)) فى قوله: ﴿ إِلَّا مَنْ﴾ فى موضعِ [٣٩/٣٥ظ] نصبٍ على الاستثناءِ،
ولا يكونُ خفضًا بضميرِ اللام، ولكن قد يكونُ نصبًا فى الكلامِ فى غيرِ هذا
الموضعِ، وذلك كقول القائلِ: أردتُ المرورَ اليومَ إلا العَدُوَّ، فإنى لا أمُهُ به .
فِيَسْتَثْنِى العدوَّ مِن المعنى. وليس ذلك كذلك فى قوله: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا
مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؛ لأن معنى الكلام: لا يَمْلِكُ هؤلاءِ الكفارُ إلا مَن آمَن
باللهِ. فالمؤمنون ليسوا مِن ◌ِدادٍ (١) الكافِرِين. ومَن نصبه على أن معناه: إلا لمنِ اتَّخَذ
عندَ الرحمنِ عهدًا ، فإنه يَنْبَغي أن يَجعلَ قولَه: لا يملكون الشفاعةَ للمتقين . فيكونُ
معنى الكلامِ حينئذٍ: يومَ نَحشرُ المتقين إلى الرحمنِ وفدًا ، لا يَمْلكون الشفاعةَ ، إلا
مَن اتَّخَذ / عندَ الرحمنِ عهدًا. فيكونُ معناه عندَ ذلك: إلا لمن اتَّخَذ عندَ الرحمنِ
١٢٩/١٦
(١) ذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/٦ مطولا ، وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وليس
عنده قوله: ((أى بطاعته ... ورضى له قولا)). وأخرج الطبرانى فى الكبير ٧٦/٢٢ (١٨٨)، وأبو نعيم فى
الحلية ١٠/ ٣٠٤، ٣٠٥، والخطيب فى تاريخ بغداد ٢٦/٥، من طريق قتادة عن أبى المليح عن واثلة بن
الأسقع مرفوعًا، قوله: ((إن فى أمتى رجلا)) ((تميم)). أما قول قتادة: وكنا نحدث أن الشهيد ... بيته؛ فقد
أخرج هذا الحديث مرفوعا: أبو داود (٢٥٢٢)، وابن حبان (٤٦٦٠)، والآجرى فى الشريعة ١٢٤٤/٣،
١٢٤٥ (٨١٣، ٨١٤)، والبيهقى فى السنن الكبرى ١٦٤/٩، من حديث أبى الدرداء عنه علمائهم .
(٢) أخرجه أحمد ٢٩/٦، والترمذى (٢٤٤١)، كلاهما من طريق سعيد به، مطولًا بزيادة فى أوله
عندهما. وأخرجه أحمد ٢٨/٦، ٢٩، والترمذى (٢٤٤١) كلاهما من طريق أبى عوانة عن قتادة به ،
مطولا بزيادة أوله عندهما .
(٣) فى ص، ت ١، ف: ((عذاب))، وفى م: ((أعداد)).
٦٣٥
سورة مريم : الآيات ٨٧ - ٩٠
عهدًا. فأما إذا جعَل: ((لا يملكون الشفاعةَ)) خبرًا عن المجرمين، فإن ((مَنْ)) تكونُ
حينئذٍ نصبًا على أنه استثناءٌ منقطعٌ، فيكونُ معنى الكلام: لا يملكون الشفاعةً ، لكنْ
مَنْ اتخذ منهم عندَ الرحمنِ عهدًا ، يَمْلِكُه .
لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًّا لَيْهَ
(٩٠
إِذًا
تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِرُ الْجِبَالُ
هَذَّا
يقولُ تعالى ذكْرُه: وقال هؤلاء الكافِرون باللهِ: ﴿أَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ .
﴿لَّقَدْ جِئْتُمٌ شَيْئًا إِذَا﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه للقائلين ذلك من خَلْقِه : لقد جئتم
أيُّها الناسُ شيئًا عظيمًا، ومِن القولِ مُتَكرًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علٍّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿شَيْئًا إِذَّا﴾. يقولُ: قولًا عظيمًا (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا﴾. يقولُ: لقد جئتم شيئًا
عظيمًا، وهو المنكَرُ مِن القولِ(١).
(١) علقه البخارى عن ابن عباس (الفتح ٤٢٧/٨)، وأخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تغليق التعليق ٢٤٩/٤-
من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٤ إلى ابن المنذر.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ١٣٤/٧ بلفظ ((منكرا عظيما))، والبغوى فى تفسيره ٢٥٦/٥ بلفظ
((منكرا))، والقرطبى فى تفسيره ١٥٦/١١ بنفى لفظ التبيان .
٦٣٦
سورة مريم : الآيات ٨٨ - ٩٠
[١٤٠/٣٥] حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عنٍ (١) ابنِ أبِى تَجَميعٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿ شَيْئًا إِذَّا﴾. قال: عظيمًا(٢) ..
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ شَيْئًا إِذَا﴾. قال: عظيمًا(٣).
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَقَدْ
جِئْتُمْ شَيْئًا إًِّا﴾. قال: قد جئتم شيئًا كبيرًا من الأمْرِ، حينَ دعَوْا للرحمن ولدًا(٤).
وفى ((الإِدِّ)) لغاتٌ ثلاثٌ، يقالُ: لقد جئتَ شيئًا إذًّا. بكسرِ الألفِ. وأدًّا.
بفتح الألفِ. وآدًّا. بفتح الألفِ ومدِّها، على مثالٍ مادِّ؛ فاعِلٍ. وقرأه قرأةُ
الأمصارِ بكسرِ الألفِ)، وبها نقراً. وقد ذُكِر عن أبى عبد الرحمنِ السُّلَميِّ أنه قرأ
ذلك بفتح الألفِ (١)، ولا أَرَى قراءته كذلك؛ لخلافِها قراءةَ قرأةِ الأمصارِ . والعربُ
(١) فى ص، م، ف: ((ثنا)).
(٢) تفسير مجاهد ص٤٥٩ من طريق ورقاء به، وأخرجه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٤٩/٤ - عن
ورقاء به، وذكره البغوى فى تفسيره ٢٥٦/٥، وابن کثیر فی تفسيره ٥/ ٢٦١.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٣/٢ عن معمر به، وذكره البغوى فى تفسيره ٢٥٦/٥، وابن كثير فى تفسيره
٢٦١/٥.
(٤) ذكره الطوسى فى التبيان ١٣٤/٧ بلفظ ((منكرا عظيما)).
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦) وكذا قراءة: على بن أبى طالب، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٨٩، وتفسير القرطبى
١٥٦/١١، والبحر المحيط ٢١٨/٦.
٦٣٧
سورة مريم : الآيات ٨٨ - ٩٠
تقولُ لكلِّ أمرٍ عظيمٍ: إِدٌّ ، وإِمْرٌ، وتُكْرَ. ومنه قولُ الراجٍ (١):
قد لَقِىَ الأعداءُ منى نُكْرًا
داهِيَةً دَهْياءَ إِذًّا إِمْرًا
١٣٠/١٦
/ ومنه قولُ الآخرِ (٢):
* فى لَهَثٍ (٣) منه وخَثْلٍ(٤) إِذّ »
وقولُه: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: تكادُ
السماواتُ يَتَشَقَّقْن قِطَعًا مِن قِيلِهِم: ﴿أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ومنه قيل: فَطَر نابُه .
(٥)
إذا انْشَقَّ(٥).
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ قال : ثنى معاويةُ ، عن علىَّ عن ابنِ عباسٍ قولَه:
﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ لَلْجِبَالُ هَدَّا هَا أَنْ دَعَوْا
.. قال: إن الشِّرْكَ فِزِعَت منه السماواتُ والأرضُ والجبالُ
لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
وجميعُ الخلائقِ إلَّ النَّقَلَيْ، وكادت أن تَزُولَ منه لعَظَمَةِ اللهِ، وكما لا ينفَعُ مع
الشركِ إحسانُ المشركِ، كذلك نَرْجُو أن يغفرَ اللهُ ذنوبَ الموَحَّدين . وقال رسولُ اللهِ
عَلَمِ: ((لَقِّنوا مَوْتاكم شَهادَةَ أن لا إلهَ إلَّ اللهُ، فمَن قالَها عندَ موتِهِ وَجَبَتْ له الجنَّةُ)).
(١) تقدم فى ص ٣٣٧، وفيه ((الأقران)) بدلا من ((الأعداء)).
(٢) البيت فى التبيان ١٣٤/٧ غير منسوب .
(٣) اللَّهث واللّهاث : حوّ العطش فی الجوف. اللسان (ل ھـ ث).
(٤) فى ص،م، ت ١، ف: ((حثل))، وفى التبيان: ((حبل)). والخَتْل: تَخَادٌُ عن غَفلةٍ . اللسان (خت ل).
(٥) فى ص، ت ١: ((شق)). وينظر التبيان ٧/ ١٣٥.
٦٣٨
سورة مريم : الآيات ٨٨ - ٩٠
قالوا: يا رسولَ اللهِ، فمَن قالَها فى صِحَّتِهِ (١)؟ قال: ((تلك أَوْجَبُ وأوجبُ)). ثم
قال: (( والَّذِى نَفْسى بيَدِه لو جِىءَ بالسَّمَاوَاتِ والأَرَضِينَ() وما فيهنَّ، وما بينَهنّ، وما
تحتَهنَّ، فَوُضِعنَ فى كِفَّةِ الميزانِ، ووُضِعَت شَهادَةُ أن لا إلهَ إلَّ اللهُ فى الكِفَّةِ
الأُخرَى ؛ [٤٠/٣٥ظ] لَرَجُحتْ بهِنَّ))(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَفَطّرْنَ مِنْهُ﴾. قال: الانْفِطارُ هو الانْشِقاقُ(٥).
وحدثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَكَادُ
السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا﴾ ). ذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان
يقولُ : غَضِبتِ الملائكةُ، واسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ حينَ قالوا ما قالوا(٦).
وقولُه: ﴿ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: وتكادُ الأرضُ تنشقُّ، فَتَنْصَدِعُ (١ مِن
ذلك، ﴿ وَتَخِرُ لَلِبَالُ هَذَّا﴾. يقولُ: وتكادُ الجبالُ يسقُطُ بعضُها على بعضٍ
سُقوطًا. والهَدُّ الشُقوطُ. وهو مصدرُ هَدَدتُ، فأنا أَهُدُّ هَدًّا .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) فى المعجم الكبير: ((صحة)).
(٢) فى الأصل، ت ١: ((الأرض)).
(٣) نقله ابن كثير فى تفسيره ٢٦١/٥ بإسناده ولفظه، وأخرج الطبرانى فى المعجم الكبير ٢٥٤/١٢
(١٣٠٢٤) من طريق عبد الله به الجزء المرفوع من ابن عباس للنبى معَّئم، وذكر السيوطى فى الدر المنثور
٢٨٦/٤ الجزء الموقوف على ابن عباس وعزاه إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.
(٥) ذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٧/٤ وعزاه إلى ابن المنذر.
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٢/٥ عن كعب .
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢: ((فتصدع)).
٠
٦٣٩
سورة مريم : الايات ٩٠ - ٩٣
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا﴾. يقولُ: هَدْمًا(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج ، قال : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿ وَتَّخِرُ لَلْجِبَالُ هَذَّا﴾. قال: الهَدُّ : الانْقِضَاضُ.
/ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ١٣١/١٦
﴿ وَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا﴾. قال: غضَبًا للهِ. قال: ولقد دَعا هؤلاءِ الذين جعلوا للهِ هذا
الذى غَضِبتِ السماواتُ والأرضُ والجبالُ مِن قولهم، لقد اسْتَتَابَهم ودعاهم إلى
التَّوبةِ، فقال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قالوا : هو
وصاحبتُه وابنُه. جَعَلُوهما (٢) إلهَيْ ( مع اللهِ) ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهُ وَحِدٌ﴾
إلى قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَةٍ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣، ٧٤].
وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
٩٣
إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِىِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا
(٩٢
يَتَّخِذَ وَلَدًا
يقولُ تعالى ذِكرُه: وتكادُ الجبالُ أن تَخِرَّ انْقِضَاضًا؛ لأَنْ دَعَوْا للرَّحْمنِ وَلَدًا؛
فـ ((أن )) فى موضِع نصبٍ فى قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ لاَتِّصَالِها بالفعلِ ، وفى قولٍ غيرِهِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تغليق التعليق ٢٥١/٤ - من طريق أبی صالح عبد الله بن صالح به،
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ٢٦١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن
أبی حاتم .
(٢) فى ص: ((وجعلوهما)).
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((معه)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦١/٥ مختصرا بلفظ ((غضبا لله)).
٦٤٠
سورة مريم : الآيات ٩١ - ٩٣
فى موضِعِ خَفْضٍ بضمِيرٍ الخافضِ ، وقد بيًّّا الصوابَ مِن القول فى ذلك فی غیرِ
موضعٍ مِن كتابِنا هذا، بما أغنى عن إعادتِه فى هذا المؤضِعِ(١).
وقال [٤١/٣٥و]: ﴿أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾. يعنى بقولِه: ﴿أَنْ دَعَوْاْ﴾: أن
جعَلوا له ولدًا . كما قال الشاعرُ(١):
ألا رُبَّ مَن تَدعُو نَصِيحًا وإن تَغِبْ(٤)
تَجِدْه بِغَيْبٍ غيرَ مُنْتَصِحِ الصَّدرِ
وقال ابنُ أحمرَ(٥):
هوَى(١) لها مِشْقَصًا حَشْرًا فَشَبْرَقَها(١).
وكنتُ أَدْعُو قَذَاها الإِثْمِدَ القَرِدَا(٨)
وقولُه: ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾. يقولُ: وما يَصْلُحُ للهِ أن يَتَّخِذَ
(١) ينظر معانى القرآن ١٧٣/٢.
(٢) تقدم فى ٧٢٦/٧ .
(٣) البيت فى مجاز القرآن ١٢/٢، والتبيان ١٣٦/٧، والبحر المحيط ٢١٩/٦، واللسان (د ع و)، غير
منسوب عندهم جميعًا . وجاء فى البحر المحيط هكذا :
تجده بغيب منك غير نصيح
ألاربمنيُدعی نصیحا وإنیغب
(٤) فى الأصل: ((يغب)).
(٥) البيت فى مجاز القرآن ١٣/٢، و((من اسمه عمرو من الشعراء)) لمحمد بن داود الجراح ص ١٣١ -
والشاعر اسمه عمرو بن أحمر، على ما فى هذا المصدر ص ١٣٠ - والتبيان ٧/ ١٣٦، واللسان (د ع و)،
(هـ و ی).
(٦) فى م، ومصادر التخريج: ((أهوى)). وهوى وأهوى، فى هذا السياق: أسرع. ينظر شرح ديوان زهير
ص ٢٤٢، واللسان (هـ وى).
(٧) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض. وسهمٌ حَشرٌ: مستوى قُذَذ الرِّيش - وقدٌّ الريش:
قطعُ أطرافه وحذفُه على نحو الحذو والتدوير والتسوية -. وشَبرقَها: مزَّقها . ينظر اللسان (ش ق ص)،
(ح ش ر)، (ق ذ ذ)، (شرق).
(٨) القرد: المتجمّع الذى يركب بعضُه بعضًا. والمعنى أن عدوه صؤَّب لعينه سهما فمزَّقها، وقد كان الشاعر
يعُدُّها للكحل. ينظر اللسان (ق ر د) ..