Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
سورة مريم : الآيتان ١٤، ١٥
به ، وينتهى عما نُهِىَ عنه ، لا يَعْصِی ربَّه ولا والديه .
وقولُه: ﴿عَصِيًّا﴾. فعيلٌ بمعنى أنه ذو عصيانٍ ، مِن قولِ القائلِ: عصَى
فلانٌ ربَّه فهو يعصِیه (١) .
وقولُه: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. يقولُ: وأمانٌ
من اللَّهِ له يومَ وُلِد مِن أن ينالَه الشيطانُ من السوءِ بما ينالُ به بنى آدمَ . وذلك أنه رُوِى
عن رسولِ اللهِ عَ لَمِ أنه قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِى يَوْمَ القِيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ ، إلَّا ما كانَ
مِنْ يَخْتِی بْنِ زَ كَرِيًّا)).
حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن يحيى بنٍ
سعيدٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: ثنى ابنُ العاصِ، أنه سمِع رسولَ اللَّهِ مَامٍ يقولُ
(٢)
ذلك(٢) .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى
قوله: ﴿ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾. قال: كان ابنُ المسيّبِ يذكُرُ قال: قال رسولُ
اللَّهِ مِّهِ: (( ما مِنْ أحَدٍ يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ إِلَّا ذَا ذَنْبٍ، إِلا يَحْتَى بْنَ زَكَرِيًّا))(١).
قال : وقال قتادةُ : ما أذنَب ، ولا همَّ بامرأةٍ .
وقولُه: ﴿ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾. يقولُ: وأمانٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه له مِن فَتَّانَي
القبرِ ، ومن هولِ المطلع، ﴿ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا﴾. يقولُ: وأمانٌ له مِن عذابِ اللَّهِ يومَ
القيامةِ، يومَ الفزع الأكبرِ مِن أن يروعَه شىءٌ، أو أن يُفزِعَه ما يُفزِعُ الخلقَ .
(١) بعده فى م: ((عَصْيًا)).
(٢) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣٧٣/٢، وابن عساكر فى تاريخه ٨٢/١٨ (مخطوط) من طريق ابن
إسحاق به . وأخرجه أحمد فى الزهد ص ٩٠ من طريق يحيى به موقوفًا .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٦/٢، وأخرجه من طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٨٢/١٨ ( مخطوط).
( تفسير الطبرى ٣١/١٥ )
٤٨٢
سورة مريم : الآيات ١٥ - ١٧
وقد ذُكِر عن ابن عيينةً فى ذلك ما حدَّثنى أحمدُ بنُ منصورِ المَرْوَزِىُّ(١)، قال:
٥٩/١٦ أخبرنى صدقةُ بنُ الفضلِ / قال: سمعتُ ابنَ عبينةً(٢) يقولُ: أوحشُ ما يكونُ الخلقُ
فى ثلاثةِ مواطنَ: يومَ يُولَّدُ فيرَى نفسَه خارجًا مما كان فيه ، ويومَ يَموتُ فیرَی قومًا لم
يكنْ عائَنَهم، ويومَ يُبعَثُ فيرَى نفسَه فى محشرٍ عظيم، قال: فأكرَمِ اللَّهُ فيها
يحيى بنَ زكريا، فخصّه بالسَّلامِ عليه، فقال: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ
وَبَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا ﴾(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن الحسنَ قال: إن
عيسى ويحيى التقَيا . فقال له عيسى: استَغْفِرْ لى، أنتَ خيرٌ مِنِّى. فقال له الآخر:
اسْتَغْفِرْ لى، أنتَ خيرٌ مِنِّى. فقال له عيسى: أنتَ خيرٌ مِنِّى؛ سلَّمتُ على نفسى،
وسلَّم اللَّهُ عليك. فعرّف واللَّهِ فضلَها(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِ اُنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا
فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا
مَكَانًا شَرْقِيًّا
سَوِیًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَ له: واذكرْ يا محمدُ فى كتابِ اللَّهِ الذى أُنزَله
عليك بالحقِّ ، مريم ابنة عمرانَ حينَ اعتزَلتْ مِن أهلِها ، وانفرَدتْ عنهم. وهو افتعَل
(١) فى ص، م، ت ١، ف: ((الفيروزى)). وهو أحمد بن منصور بن راشد الحنظلى أبو صالح المروزى.
ترجمته فى تهذيب الكمال ٤٩١/١، وينظر أيضًا تهذيب الكمال ١٤٤/١٣.
(٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((عطية)).
(٣) أخرجه ابن عساكر ٨٢/١٨ (مخطوط ) من طريق أحمد بن منصور المروزى به .
(٤) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٧٦ من طريق سعيد به . وأخرجه عبد الرزاق ٤/٢- ومن طريقه ابن عساكر
فى تاريخه ٨٣/١٨ (مخطوط) - عن معمر عن قتادة به . ومن طريق جرير عن الحسن أخرجه أيضًا ابن
عساكر فى تاريخه ٨٣/١٨ (مخطوط ).
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٢/٤ إلى أحمد فى الزهد وعبد بن حميد وابن أبى حاتم .
٤٨٣
سورة مريم : الآية ١٦
مِن النَّبذِ. والنَّبذُ: الطَّرحُ. وقد بيَّنَّا ذلك بشواهدِه فيما مضى قبلُ(١).
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَذَكُرْ فِ
اُلْكِتَبِ مَرْيَ إِذِ اُنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ﴾. أى انفرَدتْ مِن أهلِها(٢) .
حدَّثنى سليمانُ بنُ عبدِ الجَّارِ(١) ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلتِ ، قال : ثنا أبو
كُدَيْنَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِذِ انتَبَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا
شَرْقِيًّا﴾. قال: خرَجتْ مكانًا شرقيًّا .
حدَّثنا موسى، قال): ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: خرَجتْ
مريمُ إلى جانبِ المحرابِ؛ لحيض أصابها، وهو قولُه: فـ ﴿اَنتَبَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا
شَرْقِيًّا﴾ : فى شرقىّ المحرابِ ().
وقولُه: ﴿ مَكَنَا شَرْقِيًّا﴾ يقولُ: تنخَّتْ(١) واعتزَلتْ مِن أهلِها فى موضعِ قِبَلَ
مشرقِ الشَّمس دون مغربها .
(١) تقدم فى ٣٠٩/٢ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣) فى ت ٢: ((الغفار)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠/١٢.
(٤ - ٤) سقط من : ت ٢ .
(٥) جزء من أثر طويل أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٩٩/١ - ٦٠١ بإسناده إلى السدى بسنده المعروف،
وفيه: ((فانتبذت)). كما هنا، وصواب التلاوة: ﴿إِذ انتبذت﴾. وأخرجه بعضه الحاكم ٥٩٣/٢، والبيهقى
فى الأسماء والصفات ٢١١/٢، وابن عساكر فى تاريخه ٥٢٧/١٩ (مخطوط) من طريق عمرو عن أسباط
عن السدى بإسناده المعروف .
(٦) سقط من: ص، ت ١ . وفى ف م: ((فتنحت)).
٤٨٤
سورة مريم : الآية ١٦
كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ
فى قوله: ﴿ مَكَانًا شَرِفِيًّا﴾. قال: مِن قِبَلِ المشرقِ (١).
حدَّثنی إسحاقُ بنُ شاهينِ ، قال : ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود ، عن عامٍ ،
عن ابنِ عباسٍ ، قال: إنى لأعلمُ خلْقِ اللَّهِ لأىِّ شىءٍ اتخذتِ النَّصارى المشرقَ قِبلةً ؛
لقولِ اللَّهِ: فـ﴿ أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. فانَّخذوا ميلادَ عيسى قِبلةً(١).
/ حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، [٣٢١/٢و] قال: ثنا داودُ، عن
عامٍ، عن ابنٍ عباسٍ مثلَه .
٦٠/١٦
حدَّثنى سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ ، قال : ثنا أبو
كُدَيْنَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال : إن أهلَ الكتابِ كُتِب عليهم
الصلاةُ إلى البيتِ، والحُّ إليه (٣)، وما صرّفهم عنهما(٤) إلا قِيلُ ربِّك: فـ﴿أَنْتَبَذَتْ
مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْفِيًّا﴾. فصلَّوا قِيلَ مطلعِ الشَّمسِ(٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذِ اُنْتَبَذَتْ مِنْ
أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. قال: شاسعًا متنحيًا(٦).
وقيل : إنها إنما صارت بمكانٍ يلى مشرقَ الشمسِ؛ لأن ما يلى المشرقَ عندَهم
(١) تفسير عبد الرزاق ٦/٢. زاد فى آخره: ((منتحيًا)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢١٤/٥ عن المصنف، وتقدم طرف منه فى ٥٤٣/١٠. وقد خرجناه ثم .
(٣) فى النسخ: ((لله)). والمثبت من مصدر التخريج ، وهو ما يقتضيه السياق.
(٤) فى ت ٢: ((عنها)). وفى مصدر التخريج: ((عنه)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٤، ٢٦٥ إلى ابن أبى حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٢١٣/٥، والرواية
فيهما : ((فانتبذت)) .
(٦) فى ص، ت ١، ف: ((فسيحا)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤ /٢٦٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . وينظر تفسير ابن كثير ٢١٤/٥.
٤٨٥
سورة مريم : الآية ١٧
كان خيرًا مما يلى المغربَ، وكذلك ذلك فيما ذُكِرِ عندَ العربِ .
وقولُه : ﴿فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا ﴾ . يقولُ: فاتخذتْ من دونِ أهلِها
سِتْرًا يَشْتُؤُها عنهم وعن الناسِ .
وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنها صارتْ بمكانٍ يلى المشرقَ؛ لأن اللَّهَ أظلَّها بالشمسِ،
وجعَل لها منها حجابًا .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنٍ عباسٍ قولَه: ﴿أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. قال: مكانًا
أظلَّتْها(١) الشمسُ؛ أن يراها أحدٌ منهم(١).
وقال غيرُه فى ذلك ما حدَّثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدئِّ: ﴿ فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ : من الجدرانِ(١) .
وقولُه: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأرسَلنا إليها حينَ
انتبذتْ من أهلِها مكانًا شرقيًّا، واتخذتْ من دونِهم حجابًا - جبريلَ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا
رُوُحَنَا﴾. قال: أُرْسِل إليها، فيما ذُكِر لنا، جبريلُ (٤).
(١) فى ص، ت ١: ((أضلتها)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٣) تقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٤ إلى ابن أبى حاتم .
٤٨٦
سورة مريم : الآيات ١٧ - ١٩
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عمَّن لا يَتَّهِمُ ، عن وهبِ
ابنِ مُنَبِّهٍ، قال: وجَدتْ عندها جبريلَ قد مثَّله اللَّهُ بشرًا سويًّا .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيج قولَه:
فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾. قال: جبريلَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم، قال : ثنى
عبدُ الصمدِ بنُ مَعقِلِ ، ابنُ أخى وهبٍ ، قال : سمعتُ وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ ، قال : أرسَل
اللَّهُ جبريلَ إلى مريمَ، فَمَثَلُ(١) لها بشرًا سويًّا (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدىِّ، قال : فلما
طهُرتْ يعنى مريمَ - من حيضِها، إذا هى برجلٍ معها، وهو قولُه: ﴿فَأَرْسِلْنَآَ إِلَيْهَا
رُوحَنَا ﴾. " وهو جبريل .
وقولُهُ): ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فَتَشَبَّه لها فى
صورةٍ آدمىٌّ سوىِّ الخَلْقِ منهم . يعنى : فى صورةٍ رجلٍ من بنى آدمَ معتدلِ الخَلْقِ .
٦١/١٦
/القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا
١٩
قَالَ إِنَّمَآ أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا
يقولُ تعالى ذكره : فخافتْ مريمُ رسولَنا ، إذ تمثَّل لها بشرًا سويًّا، وظنَّتُه رجلاً
يُرِيدُها على نفسِها .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيج قولَه :
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢١٤/٥ عن ابن جريج.
(٢) فى ت ٢: ((فتمثل)).
(٣) جزء من أثر مطول أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٩٣/١ - ٥٩٩.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف .
(٥) تقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
٤٨٧
سورة مريم : الآيتان ١٨، ١٩
﴿ قَالَتْ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَّقِيًّا﴾. قال: خَشِيَتْ(١) أن يكونَ(٥)
[١/٣٥و] إنما يُرِيدُها على نفسِها.
حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا
بَشَرًا سَوِيًّا﴾: فلمَّا رأتْه فزِعتْ منه، وقالت: ﴿ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِن كُنْتَ
(٢)
تَقِيًّا﴾ (٢).
"قال أبو جعفرٍ " : فقالت: إنى أعوذُ، أيُّها الرجلُ، بالرحمنِ منك. تقولُ:
أستجيرُ بالرحمنِ منك ، أن تنالَ منى ما حرَّمه عليك ، إن كنتَ ذا تقوَى له تَتَّقى
محارمَه ، وَجَتَنِبُ معاصِيَه. لأن مَن كان للَّهِ تقيًّا، فإنه يَجْتَنِبُ ذلك، ولو وُجِّه ذلك
إلى أنها عَنَتْ: إنى أعوذُ بالرحمنِ منك؛ إن كنتَ تَتَّقَى اللّهَ فى استجارتى
واستعاذتی به منك . کان وجهًا .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ ، عمن لا يَتَّهِمُ ، عن
وهبِ بنِ مُنَبِّهِ: ﴿ قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا﴾: ولا تَرَى إلا أنه
رجلٌ من بنى آدمَ .
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، قال: قال (أبو وائلٍ)،
وذكَر قَصَصَ مريمَ ، فقال: قد علِمتْ أن التقىَّ ذو نُهيةٍ حينَ قالتْ: ﴿ إِنَِّ أَعُوذُ
بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٥).
(١) فى ص، ت ١: ((حسبت).
* من هنا يبدأ الجزء الخامس والثلاثون من مخطوط مكتبة جامعة القرويين ( الأصل ).
(٢) تقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
(٣ - ٣) ليست فى الأصل، ص، م، ت ١ ، ف .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ف: ((ابن زيد)).
(٥) أخرجه عبد بن حميد وابن أبى حاتم - كما فى تغليق التعليق ٣٧/٤ - من طريق عاصم به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٤ إلى ابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٢١٤/٥ .
٤٨٨
سورة مريم : الآيات ١٨ - ٢١
(" وقولُه١): ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ . يقولُ تعالى ذكره: فقال لها
رُوحُنا "الذى أرسلناه إليها؟ : إنما أنا رسولُ ربِّكِ، يا مريمُ، أرسلنى إليك:
لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ غيرَ أبى
عمرٍو: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾. بمعنى: إنما أنا رسولُ ربِّكِ. يقولُ: أرسَلنى إليكِ
﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾. على الحكايةِ، وقرَأ ذلك أبو عمرٍو بنُ العلاءِ:
( لِيَهَبَ لَكِ غُلاما زَكِيًّا). بمعنى: إنما أنا رسولُ ربِّكِ، أَرسَلنى إليكِ، لِيَهَبَ اللَّهُ لك
غلامًا زكيًّا(٣).
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو: ﴿لِأَهَبَ
لَكِ ﴾ . بالألفِ دونَ الياءِ؛ لأن ذلك كذلك فى مصاحفِ المسلمينَ، وعليه قرأةُ
قديمِهِم وحديثِهم ، غيرَ أبى عمرٍو ، وغيرُ جائزٍ خلافُهم فيما أجَمعوا عليه، ولا سائقٌ
لأحدٍ خلافُ مصاحفھم .
والغلامُ الزكىُّ: هو الطاهرُ من الذنوبِ، وكذلك تقولُ العربُ: غلامٌ زاكٍ
وز کیّ ، وعالٍ وعلىٍّ .
أَلُ بَغِيًّا
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ
قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُوْ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً
٢١
مِنَّأَ وَكَانَ أَمْرًّا مَقْضِيًّا
/ يقولُ تعالى ذكره: قالتْ مريمُ لجبريلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ﴾: من أىِّ وجهٍ
٦٢/١٦
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف .
(٣) ينظر السبعة ص ٤٠٨ .
٤٨٩
سورة مريم : الآيتان ٢٠، ٢١
يكونُ لى غلام؟ أَمِنْ قِبَلٍ زوجٍ [٣٥/ ٢] أتزوَّجُ، فَأَرْزَقَه منه؟ أم يَبْتَدِئُ اللَّهُ فَّ
خلْقَه ابتداءً؟ ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ﴾ مِن ولدِ آدمَ بنكاحٍ حلالٍ، ﴿ وَلَمْ أَلٌ﴾ - إذ
لم يَمْسَسْنى منهم أحدٌ على وجهِ الحلالِ - ﴿ بَغِيًّا﴾ِ بِغَيتُ ففعَلتُ ذلك من الوجهِ
الحرامِ، فحمَلتُ من زِنّى .
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدىِّ: ﴿وَلَمْ
أَكُ بَغِيًّا﴾. يقولُ: زانيةً(١).
﴿قَالَ كَذَلِكٍ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: قال لها
جبريلُ : هكذا الأمرُ كما تصِفين؛ مِن أنكِ لم يَمْسَسْكِ بشرٌ، ولم تَكُونى بغيًّا .
ولكنَّ ربَّك قال: ﴿هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾. أى: خَلْقُ الغلام الذى قلتُ إِنِّى(٢) أَهَبُه لك
عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾: لا يَتَعَذَّرُ علىَّ خَلقُهُ وهِبتُه لكِ مِن غيرِ فحلِ يَفتَحِلُكِ .
وقولُه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: وكى نجعَلَ الغلامَ الذى نَهَبُه
لكِ علامةً وحُجَّةٌ لى على خلقى، أَهَبُه لكِ. ﴿ وَرَحْمَةً مِنَّاً﴾. يقولُ: ورحمةٌ مِنَّا
لكِ، ولَن آمَن به (٢) وصدَّقه، أخلُقُه مِنك. ﴿ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾. يقولُ:
وكان خلْقُهُ مِنكِ أمرًا قد قضَاه اللَّهُ، ومضَى فى حكمِه وسابقِ علمِه أنه كائنٌ مِنكِ .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال: ثنى مَن لا
أنَّهِمُ عن وهبٍ بنِ مُنبِّهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أى: إن اللَّهَ قد عزَم على
هذا(٤) ، فليس منه بدِّ(٥).
(١) تقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
(٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((أن)) .
(٣) فى ت ٢: ((بك)).
(٤) فى م: ((ذلك)).
(٥) ينظر تفسير ابن كثير ٢١٦/٥ .
٤٩٠
سورة مريم : الآيتان ٢٣،٢٢
٢٢
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانًا قَصِيًّا
القول فى تأويل قوله تعالی :
فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنْسِيًّا
٢٣
وفى هذا الكلام متروك ، تُرك ذكره استغناءً بدلالةِ ما ذُکِر مِنه عنه، وهو :
فَنَفَحْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ ؛ بغلامِ ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَأَنْتَبَذَتْ بِهِ،﴾. وبذلك
جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكَريم، قال : ثنى
عبدُ الصمدِ بنُ مَعقِلٍ ، ابنُ أخى وهبٍ بنِ منبِّهِ، قال: سمِعتُ وهبّا قال: لما أرسَل
اللَّهُ جبريلَ إلى مريمَ تمثَّل لها بشرًا سويًّا، فقالتْ له: ﴿إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِن
كُنْتَ تَفِيًّا﴾. ثمَّ نفَخ فى جيبِ درعِها حتى وصَلتِ النفخةُ إلى الرحم
فاشتمَلتْ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبٍ
ابنِ منبّهِ اليمانيّ، قال: لما قال ذلك - يَعْنِى لما قال جبريلُ: ﴿قَالَ
كَذَلِكِ قَالَ رَبِّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ [٢/٣٥و) الآية - استشلَمتْ لأمرِ اللهِ،
فنفَخ فى جيبِها ثمَّ انصرَف عنها .
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال:
فخرَجتْ(١) عليها جلبابُها لما قال جبريلُ ذلك لها، فأخَذ جبريلُ
(١) بعده فى مصدر التخريج: ((على عيسى)). وقد تقدم طرف منه فى ص ٤٨٦.
(٢) فى م: ((طرحت))، وفى ت ٢: ((فرخت)). وينظر مصادر التخريج.
٤٩١
سورة مريم : الآ يتان ٢٢، ٢٣
بكُمَّيْها (١) ، فنفَخ فى جيبٍ دِرعِها، وكان مَشقوقًا من قُدَّامِها، فدخَلتِ النفخةُ
صدرَها، فحمَلتْ، فأتتها أختُها امرأةُ زكريا ليلةً تزورُها ، فلما فتَحتْ لها البابَ
الْتَزَمتْها، فقالتِ امرأةٌ / زكريا: يا مريم أُشْعِرتُ أنَّى مُبْلَى. قالتْ مريمُ: أُشْعِرتُ أنَّى ٦٣/١٦
أيضًا حُبْلَى . قالت امرأةُ زكريا : فإِنِّى وجدتُ ما فى بطنى يَسْجُدُ لما فى بطنِك.
فذلك قوله: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: ٣٩].
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ ، قال : قال ابنُ جريج :
يقولون : إنه إنّما نفَخ فى جيبٍ دِرعِها وكمِّها) .
وقولُه: ﴿ فَأَنْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَنَا قَصِيًّا﴾. يقولُ: فاعتزَلت بالذى حمَلْه،
وهو عيسى، وتنَّتْ به عن النَّاسِ، ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾. يقولُ: مكانًا نائِيًّا قاصِيًا
عن الناس. يقالُ: هو بمكانٍ قاصٍ، وقَصِىٌّ. بمعنَى واحدٍ، كما قال الراجزُ(4):
لتَقْعُدِنَّ مَقْعدَ القصِىِّ
مِنِّىَ ذى القاذُورةِ المقلىِّ
يُقالُ منه: قصَا المكانُ يقْصُو قُصُوًّا. إذا تباعَد، و: أقصَيتُ الشىءَ. إِذا أَبعَدتَه
وأخَّرتَه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى ف، ومصادر التخريج عدا تاريخ المصنف: ((بكمها)).
(٢) تقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢ . وينظر تفسير القرطبى ٩٢/٤ .
(٤) هو رؤية بن العجاج ، ديوانه ( مجموع أشعار العرب ) ص ١٨٨ .
٤٩٢
سورة مريم: الآيتان ٢٣،٢٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَنْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَنَا قَصِيًّا﴾. قال: مكانًا نائِيًا(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾. قال: قاصِيًا(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ) مثلَه .
حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: لما بلَغ أن
تَضَعَ مريمُ، خرَجتْ إلى جانبِ المحرابِ الشرقيِّ مِنه فَأَتَتْ أقصَاه (٤) .
وقولُه: ﴿فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : فجَاء بها
المخاضُ إلى جذع) . ثم قِيل: لما أُسقِطتِ الباءُ منه: أَجَاءَهَا. كما يُقالُ: أَتَيْتُك
بزيدٍ. فإذا حُذِفتِ الباءُ قِيل: آتيتُك زيدًا. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ ءَاتُونِ زُبَرَ
الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]. والمعنَى: ائتونى بزُيَرِ الحديدِ. ولكنَّ الألفَ مُدَّثْ لَّ
حُذِفتِ الباءُ، وكما قالوا: خرَجتُ به وأخرَجتُه، [٣٥/ ٢ظ] وذهبتُ به وأُذهَبتُه .
(١) فى ص: ((بائنا)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٤ إلى المصنف.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن
أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢ .
(٤) تقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
(٥) بعده فى م: ((النخلة)).
٤٩٣
سورة مريم : الآيتان ٢٣،٢٢
وإنما هو أفعلُ مِن المجىءِ، كما يُقالُ: جَاء هو، وأجاَتُّه أنا . أى: جئتُ به . ومَثلٌ مِن
أمثالِ العربِ: شرٌّ ما أَجَاءَنى إلى مُخَّةٍ عُرقُوبٍ وأشاءنى(١). ويُقالُ: شرٌّما يُجيئُكَ
ويُشِئُكَ إلى ذلك. ومنه قولُ زُهيٍ(٢) :
/وجارٍ سَار مُعتَمِدًا إليكم أَجَاءَتْه المخَافةُ والرّجاءُ ٦٤/١٦
يَعنى: جَاء به وألجأه(٢) إلينا. وأشاءَك مِن لغةٍ تميم، وأجاءَك مِن لغةٍ أهلٍ
العاليةِ ، وإنما تأوَّل مَن تأوَّل ذلك بمعنى: ألجأَها(4)؛ لأن المخاضَ لَّا (٥ جاء بهاْ) إلى
جذع النخلةِ كان قد أجأَّها إليه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿فَأَجَءَهَا الْمَخَاضُ﴾. قال: المخاضُ أَجَأَها(٦).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : ألجأَّها المخاضُ .
(١) فى م: ((أشاء)). ويضرب للمضطر جدًّا؛ لأن العرقوب لا مخ له. يقول: ما ألجأك إليها إلا شرّ. مجمع
الأمثال ١٥١/٢.
(٢) شرح ديوانه ص ٧٧ .
(٣) فى م: ((أجاءه)).
(٤) فى ص، ت ١، ف: ((أجاءها)).
(٥ - ٥) فى م، ت ١، ف: ((جاءها)).
(٦) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن
أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .
٤٩٤
سورة مريم : الآيتان ٢٢، ٢٣
قال ابنُ جريج: وقال ابنُ عباسٍ : ألجأها المخاضُ إلى جذع النخلةِ .
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَأَجَآءَهَا
اَلْمَخَاضُ إِلَى ◌ِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. (١ يقولُ: ألجأَها المخاضُ إلى جذع النخلة(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَجَاءَهَا
اَلْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: اضْطَرَّها إلى جذع النخلةِ".
واختلفوا فى أىِّ المكانِ الذى انتبَذتْ مريمُ بعيسى لوضعِه وأجاءَها (٤) إليه
المخاضُ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك فى أدانى(٥) أرضِ مصرَ، وآخرِ أرضِ الشامِ،
وذلك أنها هرَبتْ مِن قومِها لمََّ حمَلتْ، فتوجّهتْ نحوَ مصرَ هاربةً مِنهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكَريمِ، قال: ثنى
عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنبِّهِ يقولُ: لما اشتمَلتْ مريم على الحملِ
كان معها ذو (١) قَرَابةٍ لها يُقالُ له: يوسفُ النَّجارُ. وكانَا مُنطلِقَينٍ إلى المسجدِ الذى
عندَ جبلٍ صِهْيَوْنَ(١) ، وكان ذلك المسجدُ يومئذٍ من أعظم مساجدِهم ، فكانتْ مريمُ
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) تقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٤) فى ت ٢: ((ألجأها)).
(٥) فى م، ت ٢، ف: ((أدنى)).
(٦) سقط من: ص، م ، ت ١، ف .
(٧) فى الأصل، ت ٢: ((صيهون)). وينظر مصدر التخريج .
قال فى معجم البلدان ٤٣٨/٣: ((قال أبو عمرو: صهيون هى الروم. وقيل: البيت المقدس ... قلت : هو
موضع معروف بالبيت المقدس، محلة فيها كنيسة صهيون، وصهيون أيضًا حصن حصين من أعمال سواحل بحر
الشام من أعمال حمص)) . اهـ .
فأما صيهون فقد قال فى معجم البلدان ٤٥٨/٣: ((لا أدرى ما أصله إلا أن العمرانى قال: صيهون اسم =
٤٩٥
سورة مريم: الآ يتان ٢٢، ٢٣
ويوسفُ يَخْدُمانِ فى ذلك المسجدِ فى ذلك الزَّمانِ ، وكان لخدمتِه فضلٌ عظيمٌ ،
فرَغِبًا فى ذلك، فكانَا يليانِ معالجته بأنفسِهما ( وتجميرَه وكُناسَتَه وطُهُورَه، وكلَّ
عَملِ يُعْمَلُ فيه، وكان لا يُعلَمُ (١) مِن أهلِ زمانِهما [ ٣٥/ ٣و] أحدٌ أشدُّ اجتهادًا وعبادةٌ
منهما، فكان أوَّلَ مَن أَنْكَر حَمْلَ مريمَ صاحبُها يوسفُ ، فلمَّا رأى الذى بها
استعظَمه (٣) وعظُم عليه، وفَظِع به ، ولم يدرِ على ماذا يَضَعُ أَمَرَها ، فإذا أراد يوسفُ
أن يتَّهمَها ذكَر صلاحَها وبراءَتَها ، وأنها لم تغِبْ عنه ساعةً قطُّ ، وإذا أراد أن يُبرِّئَها
رأى الذى ظهَر عليها، فلما اشتدَّ عليه ذلك كلَّمها، فكان أوَّلَ كلامِه إِيَّاها أن قال ٦٥/١٦
لها: إنه قد حدث فى نفسى مِن أمرِك أمرٌ قد خشِيتُه، وقد حرصتُ على أن أُمِيتَهوأَكْتُمَهفى
نفسى، فغلَبنى ذلك، فرأيتُ الكلامَ فيه أَشْفَى لصدرِى. قالتْ: فقلْ قولًا جميلًا. قال:
ما كنتُ لأقولَ لكِ إلا ذلك، فحدِّثينى، هل يَنْبُتُ زرعٌ بغيرِ بذرٍ؟ قالتْ: نعم. قال:
فهل تَنْبُتُ شجرةٌ مِن غيرِ غيثٍ يُصِيبُها(٤) ؟ قالتْ: نعم . قال : فهل يكونُ ولدٌ من
غيرِ ذَكَرٍ ؟ قالتْ : نعم . قالت (٥): ألم تَعلَمْ أن اللَّهَ تبارك وتعالى أَنْبَتَ الزَّرعَ يومَ
خَلَقْه مِن غيرِ بذرٍ ؟ والبذرُ يومئذٍ إنما صار مِن الزرع الذى أَنْبَتَه اللَّهُ مِن غيرٍ بذرٍ ، أوَلم
تعلمْ أن اللَّهَ بقدرتِه أنبتَ الشجرَ بغيرِ غيثٍ ، وأنه جعَل بتلك القدرةِ الغيثَ حياةٌ
للشجرِ بعدَ ما خلَق كلَّ واحدٍ مِنهما وحدَه؟ أوْ (١) تقولُ: لن يَقدِرَ اللَّهُ على أن يُنِتَ
= جبل وذكره هكذا بتقديم الياء على الهاء . والله أعلم بالصواب)). اهـ.
قلت : ولعلهما واحد ، كما يحدث تقديم وتأخير فى حروف غير هذا من الكلمات والمراد واحد . والله أعلم .
(١ - ١) فى ص، ف: ((وتخيره))، وفى م: ((تحبيره))، وفى ت ١: ((تحبره)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((يعمل)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((استفظعه)). وينظر مصدر التخريج.
(٤) سقط من : ت ١ .
(٥) سقط من : م، ف .
(٦) فى ص، م، ت ١، ف: ((أم)). وينظر مصدر التخريج.
٤٩٦
سورة مريم : الآيتان ٢٢، ٢٣
الشجرَ حتى استعان عليه بالماءِ ، ولولا ذلك لم يَقدِرْ على إنباتِه ؟! قال يوسفُ لها : لا
أقولُ هذا، ولكنِّى أَعلَمُ أن اللَّهَ تبارك وتعالى بقدرتِه على(١) ما يشاءُ، يقولُ
لذلك: كنْ. فيكونُ. قالتْ مريمُ: أوَ لَم تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى خلق آدمَ
وامرأتَه مِن غيرٍ أَنثى ولا ذَكَرٍ؟! قال: بلى. فلمَّا قالتْ لَه ذلك، وقَع فى نفسِه أن
الذى بها شىءٌ مِن اللَّهِ تبارك وتعالى، وأنه لا يَستُه أن يسألَها عنه، وذلك لما رأَى
مِن كِتمانِها لذلك، ثم تَوَلَّى يوسُفُ خدمةَ المسجدِ، وكَفَاها كُلَّ عَمَلٍ كانتْ
تَعْمَلُ فيه؛ وذلك لما رأَى مِن رقَّةٍ جسمِها، واصفرارٍ لونِها، وكَلَفِ وجهِها ،
ونتوءٍ (١) بطنِها، وضَعفٍ قوَّتِها، ودأبٍ نظرِها، ولم تكنْ مريمُ قبلَ ذلك كذلك؛
فلمَّا دَنا نِفاسُها أُوحَى اللَّهُ إليها أن اخْرُجِى مِن أرضٍ قومِك، فإِنَّهم إِن ظَفِرُوا بكِ
عيَّروكٍ وقتلوا ولدَكِ، فأَفْضَتْ ذلك إلى أُختِها ، وأختُها حينئذٍ مُبْلَى، وقد بُشِّرَتْ
بيحيى، فلما التقَتا وجَدتْ أمُّ يحيى ما فى بطنِها خرّ لوجهِه ساجِدًا مُعترِفًا
بعيسى )، فاحتمَلها يوسفُ إلى أرضٍ [٣/٣٥ظ] مصرَ على حمارٍ له، ليس بينَها
حينَ ركِبت الحمارَ() وبينَ الإِكافِ شىءٌ، فانطلَق يوسفُ بها حتى إذا كان
مُتَاخِمًا لأرضٍ مصرَ فى مُنقَطَعِ بلادٍ قومِها، أدرَك مريمَ النّفاسُ، فألجأَها إلى آرِىِّ
حمارٍ - يَعنِى مِذْودَ الحمارِ - وأصلِ نخلةٍ ، وذلك فى زمانٍ (°بردٍ أو حرٌّ - الشكُّ مِن
أبى جعفرٍْ - فاشتدَّ على مريمَ المخاضُ، فلمَّا وَدتْ منه شدَّةً التجَأتْ إلى النخلةِ
."
(١) فى ت ١، ف: (علم)).
(٢) فى الأصل: ((بناء))، وفى ص، ف: ((ما))، وفى ت ١: ((بنا))، وفى ت ٢: (( نبل)). وينظر مصدر
التخريج .
(٣) فى ص، م، ت ٢: ((لعيسى)).
(٤) سقط من : م .
(٥ - ٥) فى الأصل: ((برد أو حر، يحسبه أبو جعفر)). وفى ص، ت ١: ((أحسبه برد أو حر)). وفى م:
((أحسبه بردًا أو حرًّا، الشك من أبى جعفر)). وفى مصدر التخريج: ((الشتاء)).
٤٩٧
سورة مريم: الآيتان ٢٢، ٢٣
فاحتضَنْها، واحتوَشتْها الملائكةُ؛ قاموا (١) صفوفًا مُحدِقِينَ بها (٢).
وقد رُوِى عن وهبِ بنِ منبِّهِ قولٌ آخرُ غيرُ هذا ، وذلك ما حدَّثنا به ابنُ حمیدٍ ،
قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، عمَّن لا يُتَّھِمُ ، عن وهپٍ بنِ منبِّهِ ، قال : لما حضر
وِلادُها ، يعنى مريمَ، ووجَدتْ ما تَجِدُ المرأةُ مِن الطَّلْقِ، خرَجتْ مِن المدينةِ مُغَرِّبَةٌ مِن
إيلياءَ، حتى تُدرِكَها الولادةُ إلى قريةٍ مِن إيلياءَ على ستةِ أميالٍ يُقالُ لها : بيتُ لحم .
فأجَاءها المخاضُ إلى أصلِ نخلةٍ إليها مِذودُ بقرةٍ تحتَها رَبِيعٌ مِن الماءِ، فوضَعتْه
(٣)
عندَها(٣).
وقال آخرون : بل خرَجتْ لما حضَر وضعُها ما فى بطنِها إلى جانبٍ المحرابِ
الشَّرقيّ منه، فأتَتْ أقصَاه فألجَأها المخاضُ إلى جذع النخلةِ . وذلك قولُ الشّدىِّ،
وقد ذكرتُ الروايةَ به قبلُ(٤) .
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةً ، قال: ثنا حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ :
أُخبرنى المغيرةُ بنُ عثمانَ ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ما هى إلا أن حَمَلتْ
(٥)
فوضَعتْ(٥).
حدثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاج، عن ابن جريج، قال :
وأخبرنى المغيرةُ بنُ عثمانَ بنِ عبدِ اللَّهِ أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ليس إلا أن حمَلتْ
فولَدتْ .
(١) فى الأصل: ((قياما)). وينظر مصدر التخريج.
(٢) تقدم أوله فى ص ٤٨٦ .
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ٢١٧/٥ .
(٤) تقدم فى ص ٤٩٢ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧/٢ عن الثورى عن رجل عمن سمع ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٦٦/٤ إلى الفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم، وينظر تفسير الثورى ص ١٨٢ وتفسير ابن كثير ٢١٦/٥.
( تفسير الطبرى ٣٢/١٥ )
٤٩٨
سورة مريم: الآيتان ٢٢، ٢٣
٦٦/١٦
٣) ﴾ .ذُكِر
/ وقولُه: ﴿ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا
أنها قالتْ ذلك فى حالِ الطَّلْقِ استحياءً مِن النَّاسِ.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ ، قال:
قالتْ وهى تُطلَقُ مِن الحَبَلِ استحياءً مِن الناسِ: (﴿يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ
نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ (١).
(" وقولُه: ﴿وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ ": تقولُ) : يا ليتَنِى متُّ قبلَ هذا
الكَربِ الذى أنا فيه ، والحزنِ بولادتى المولودَ مِن غيرِ بعلِ، ﴿وَكُنتُ نَسْيًا﴾:
شيئًا (٩) نُسِى فَتْرِكِ طلبُه كخِرَقِ الحيضِ التى إذا أُلْقِيتْ وطُرِحَتْ لم تُطلَبْ ولم
تُذْكَوْ، وكذلك كلُّ شيءٍ نُسِى وتُرِك ولم يُطْلَبْ فهو نَسْىٌّ ونِشْىٌّ بفتحِ النونِ
وكسرِها، وهما لُغتانِ معروفَتَانِ مِن لغاتِ العربِ بمعنَّى واحدٍ ، مثلُ الوَتِرِ والوِتْرِ ،
والجَسرِ والجِسرِ، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ (فَمُصِيبٌ عندَنا°)، وبالكسرِ قرأتْ عامَّةُ قرَأَةِ
الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ ، وبالفتح قرَأ أكثرُ قرأةِ الكوفةِ()،
ومِنه قولُ الشاعرِ(4) :
إذا ما غدَتْ وإن تُحدِّثْك (٩) تَبْلَتِ
كأن لها فى الأرضِ نِشيًا تَقُصُّهُ
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) تقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
(٣ - ٣) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ف.
(٤) سقط من: ت ٢، وفى م: ((منسيا شيئا)).
(٥ - ٥) سقط من: ص ، ت ١، ف .
(٦) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر والكسائى وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٨.
(٧) هى قراءة حمزة وحفص عن عاصم . ينظر المصدر السابق .
(٨) هو الشنفرى الأزدى، والبيت فى المفضليات ص ١٠٩، والرواية فيها :
على أَمها وإن تكلمك تبلت
(٩) فى ص، ت ١، ت ٢: ((تحدث)).
٤٩٩
سورة مريم : الآيتان ٢٢، ٢٣
يَعنى بقولِه: تقُصُّه: تَطلبُه؛ لأنها كانت نَسِيتْه حتى ضَاع، ثم ذكرتْه
فطلَبْه، ويَعْنِى بقولِه: تَبَلَتِ: تُحسِنُ وتَصْدُقُ، ولو وُجّه النَّسْئُ إلى المصدرِ مِن
النِّسيانِ كان صوابًا، وذلك أن العربَ، فيما ذُكِر عنها، تقولُ : نَسِيتُه نِسيانًا
ونَشْيًا. كما قال بعضُهم: مِن طاعةِ الرَّبِّ وعَصْي الشَّيطانِ . يَعْنِى: وعِصيانِ .
وكما تَقُولُ: أَتَيْتُه إتيانًا وأَنْيًّا. كما قال الشاعرُ:
ويَرَوْنَ فِعلَ المَكْرُماتِ حراما
أَثْئُ الفواحشِ فيهمُ مَعْروفٌ
وقولُه: ﴿ مَنْسِيًّا﴾: مَفعولٌ مِن نَسِيتُ الشىءَ، كأنها قالتْ: ليتنى كُنتُ
الشىءَ الذى أَلْقِى، فَتُرِكُ ونُسِىَ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ ، قال :
أخبرنى عطاءٌ الخراسانُ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ
نَسِيًّا مَّنسِيًّا﴾ لم أُخَلَقْ، ولم أُ شيئًا(١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ ﴿وَكُنتُ
نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾، يقولُ: نَشْيًا)؛ نُسِى ذِكرِى. و﴿ مَنسِيًّا﴾. يقولُ: نُسى
أَثْرِى، فلا يُرى لى أثرٌ ولا عينٌ(٣) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُنتُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٤ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر فتح البارى ٤٧٩/٦.
(٢) فى الأصل: ((شيئًا)).
(٣) تقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
٥٠٠
سورة مريم : الآيات ٢٣ - ٢٥
نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾: أى شيئًا لا يُعرَفُ ولا يُذكَوُ(١).
/حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:
٦٧/١٦
﴿ وَكُنتُ نَسْيًّا مَنْسِيًّا﴾، قال: "لا أُعْرَفُ، ولا يُدرَى٢) مَن أنا(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ(٤) ، عن أبى جعفرٍ، عن
الربيعِ بنِ أنسٍٍ : ﴿نَسْيًّا مَّنْسِيًّا﴾. قال: هو السّقْطُ (٥).
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَلَيْتَنِىِ
مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾ لم أكنْ فى الأشياءِ(٦) قطُّ .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: [٣٥/ ٤ظ] ﴿فَنَادَنهَا مِن تَحْنِهَاَ أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ
جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّا
وَهُزِّىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًّاً
٢٤
اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأتْه عامَّةُ قرَأَةِ الحجازِ والعراقِ ﴿ فَنَادَتهَا مِنْ
تَحْنِهَا﴾ بمَعنَى : فنادَاها جبريلُ مِن بينِ يَدَيْها . على اختلافٍ مِنهم فى تأويله ؛ فمِن
متأوِّلٍ مِنهم إذا قرَأَه ﴿ مِن تَحْنِهَا﴾ كذلك؛ ومِن متأوّلٍ مِنهم أنه عيسى ، وأنه نادَاها
من تحتِها بعدَ مَا ولدَتْه (١) . وقرَأ ذلك بعضُ قرَأَةِ أهلِ الكوفة والبصرةِ ( فنَادَاها مَن
تحتَها) بفتح التاءّين مِن (تَحتَ)، بمعنى: فناداها الذى تحتَها ، على أن الذى تحتَها
(١) ذكره الحافظ فى الفتح ٤٧٩/٦ عن سعيد عن قتادة وعزاه إلى المصنف.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ف: ((لا يعرف ولا يدرى))، وفى ت ٢: ((لا أعرف ولا أدرى)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٦/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) بعده فى: ص، م، ت١، ف: ((عن ابن جريج))، والمثبت هو الصواب ، وهو إسناد دائر.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٤ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٦) فى ص، ت ١: ((الأرض شىء))، وفى م، فى: ((الأرض شيئا)).
(٧) هي قراءة نافع وحمزة والكسائى وحفص عن عاصم . السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٩، والكشف عن
وجوه القراءات ٨٧،٨٦/٢.