Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة الكهف : الآية ٤٦ - ٤٨
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : هنَّ جميعُ أعمالِ الخيرِ .
كالذى رُوِى عن علىّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍٍ؛ لأن ذلك كلَّه من الصالحاتِ
التى تَبْقَى لصاحبِها فى الآخرةِ، وعليها يُجازَى ويُثابُ، وأن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه لم
يخصُّصْ من قولِه: ﴿ وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرُّ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾. بعضًا دونَ بعضٍ
فى كتابٍ، ولا بخيرٍ عن رسولِ اللهِ صَّهِ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك مخصوصٌ بالخبرِ الذى روِّيناه عن أبى هريرةً ، عن النبيِّ
عَلَه، فإن ذلك بخلافٍ ما ظَنَّ، وذلك أن الخبرَ عن رسولِ اللَّهِ مَّ ◌ِهِ إنما ورَد بأنَّ
قولَ: سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ. هنَّ مِن الباقياتِ
الصالحاتِ، ولم يقلْ: هُنَّ جميعُ الباقياتِ الصالحاتِ، ولا كُلُّ الباقياتِ
الصالحاتِ. وجائزٌ أن تكونَ هذه باقياتٍ صالحاتٍ، وغيرها من أعمالِ البرِّ -
أيضًا - باقياتٍ صالحاتٍ .
/القولُ فى تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ (١) الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ٢٥٧/١٥
وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ
وَحَشَرْنَهُمْ فَمَ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًّا (®
٤٨
أَوَّلَ مَرَّقْ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن ◌َجْعَلَ لَكُمْ قَّوْعِدًا
يقولُ عزَّ ذكرُه: ويوم نُسَيُِّ(١) الجبالَ عن الأرضِ، فتَبُشُها بَشًا، ونجعَلُها هباءً
مُنْبَثًّا، ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ظاهرةً. وظهورُها لرَّأى أعينِ الناظرين من غيرِ
شىءٍ يستُرُها من جبلٍ ولا شجَرٍ، هو بُروزُها . وبنحوِ ذلك قال جماعةٌ مِن أَهلِ
التأويلِ .
(١) فى ت ١، ت ٢: ((تسير)). وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر. ينظر السبعة ص ٣٩٣،
والكشف عن وجوه القراءات ٦٤/٢.
(٢) فى ت ١، ف: (( تسير)).

٢٨٢
سورة الكهف : الآيتان ٤٧ ، ٤٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ((ح))، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةٌ﴾. قال: لا خَمَرَ(١) فيها ولا غيابةً. يعنى(٢) شجرَ(٣) فيها(٤).
حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ
بَارِزَةً﴾: ليس عليها بناءً ولا شجرَ(٥).
وقيل : معنى ذلك : وترَى الأرضَ بارزًا أهلُها الذين كانوا فى بطنِها ، فصاروا
على ظهرِها. وقولُه: "﴿وَحَشَرْتَهُمْ﴾). يقولُ: (( وجمَغناهم) إلى موقفٍ
الحسابِ. ﴿فَمَّ نُغَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾. يقولُ: فلم نتركْ ، ولم تُبقِ مِنهم تحتَ الأرضِ
أحدًا . يُقالُ منه: ما غادرتُ من القوم أحدًا. وما أغدَرتُ مِنهم أحدًا. ومِن أغدَرتُ
قولُ الراجزِ(٨):
(١) الخمر: كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره . النهاية ٧٧/٢ .
(٢) فى م: (( ولا بناء و)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((حجر)).
(٤) تفسیر مجاهد ص ٤٤٨. وذكره ابن كثير فى تفسير ١٦١/٥. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٤
إلی ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦١/٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ف: ((فحشرناهم)).
(٧ - ٧) فى ص، ت ١، ف: ((فجمعناهم))، وفى م: ((جمعناهم)).
(٨) الرجز لأبى محمد الفقعسى. وهو فى لسان العرب (ق ب ض)، (عرض)، (ع وض)، (هـ جم)،
وليس فى هذه المواضع موضع الشاهد .

٢٨٣
سورة الكهف : الآيتان ٤٨ ، ٤٩
هل لكِ والعارضُ منكِ عائضُ
فى هَجْمةٍ يغدِرُ منها القابضُ
وقولُه: ﴿ وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: وعُرِض الخلقُ على
ربِّك يا محمدُ صفًّا، ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ عَزَّ ذكرُه : يقال
لهم إذ تُرضوا على اللَّهِ : لقد جئتُمونا أيها الناسُ أحياءً كهيئتِكم حينَ خَلَقْناكم أوَّلَ
مرَّةٍ. ومحُذِف ((يُقالُ)) مِنَ الكلام؛ لمعرفةِ السامعين بأنَّه مرادٌ فى الكلام .
وقولُهُ: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ تَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾. وهذا الكلامُ خرَج مَخْرجَ الخبرِ
عن خطابِ اللَّهِ / به الجميعَ، والمرادُ منه الخصوصُ، وذلك أنه قد يَرِدُ القيامةَ خلْقٌ مِن ٢٥٨/١٥
الأنبياءِ والرسلِ، والمؤمنين باللّهِ ورسلِه وبالبعثِ، ومعلومٌ أنَّه لا يُقالُ يومَئذٍ لمَن
ورَدها من أهلِ التصديقِ بوعدِ اللَّهِ فى الدنيا، وأهلِ اليقينِ فيها بقيامِ الساعةِ : بل
زعَمْتُم أن لن نجعلَ لكم البعثَ بعدَ المماتِ ، والحشرَ إلى القيامةِ موعدًا . وأن ذلك إنما
يقالُ لَمَن كان فى الدنيا مكذِّبًا بالبعثِ وقيامِ الساعةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا
فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِّلَنَنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَاً
٤٩٦
وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا
يقولُ عَزَّ ذكرُه: ووضَعِ اللَّهُ يومَئذٍ كتابَ أعمالٍ عبادِه فى أيدِيهم، (١ فَآَخِذٌ
بيمينه، وآخِذ١ٌ) بشِمالِه، ﴿ فَ الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُّه:
فتَرَى(٢) المشركين باللّهِ ﴿مُشْفِقِينَ﴾. يقولُ: خائِفِين وَجِلِينَ، ﴿مِمَا فِيهِ﴾
(١ - ١) فى م: ((فأخذ واحد بيمينه وأخذ واحد)).
(٢) بعده فى م: ((المجرمين)).

٢٨٤
سورة الكهف : الآية ٤٩
مكتوبٌ من أعمالِهم السيئةِ التى عمِلُوها فى الدنيا ، أن يؤاخذوا بها، ﴿ وَيَقُولُونَ
يَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا﴾. يعنى أنَّهم
يقولون إذا قرَءُوا كتابَهم ، ورأَوْا ما قد كُتِب عليهم فيه من صغائرِ ذنوبِهم وكبائرِها ،
نادَوا بالويلِ حينَ أَيقَنوا بعذابِ اللَّهِ، وضَجوا مما قد عرفوا من أفعالهم الخبيثةِ التى
قد أحصاها كتابُهم، ولم يَقْدِروا أن يُنكِرُوا صحَّتَها .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ مَالِ هَذَا
اَلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾: اشتكَى القومُ، كما
تسمَعون، [٢٩٦/٢ و] الإحصاءَ، ولم يشتكِ أحدٌ ظُلمًا، فإِيَّاكم والمحقّراتِ من
الذنوبِ؛ فإنها تجتَمِعُ على صاحبها حتى تُهلِكَه، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ عَاتٍ كان
يضْرِبُ لها مثلًا، يقولُ: ((كَمَثَلِ قَوْمِ انْطَلَقوا يَسيرُون حتى نَزَلوا بفَلاةٍ من الأرضِ،
وحضَر صَنِيعُ القومِ ، فانطلَق كلَّ رَجُلٍ يحتَطِبُ ، فجَعَل الرَّجُلُ يجِىءُ بالعُودِ ،
ويَجِىءُ الآخرُ بالعُودِ، حتى جمَعوا سَوادًا كثيرًا وأَجَّجُوا نارًا، فإِنَّ الذنبَ الصغيرَ،
يَجْتَمِعُ على صَاحبِهِ حتى يُهلِكَه))(٢).
وقيل : إنَّه عنَى بالصغيرةِ فى هذا الموضع الضحكَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ داودَ ، قال: ثنا
محمدُ بنُّ موسى، عن الزيَّالِ بنِ عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾
(١) فى ت ١: ((أعمالهم)).
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده (٤٠٠)، من طريق قتادة موصولًا من حديث عبد الله بن مسعود،
وأحمد (٣٨١٨)، وفى الزهد ص ٣١، والبيهقى ١٨٧/١٠، ١٨٨، وفى الشعب (٢٨٥) من طريق أبى داود
الطيالسى به .

٢٨٥
سورة الكهف : الآيتان ٤٩ ، ٥٠
قال : الضَّحكُ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازم ، قال: ثنا أبى، قال: حدَّثَتْنى أمِّى حمَّادةُ ابنةُ محمدٍ ،
قالت : سمِعتُ أبى محمدَ بنَ عبد الرحمنِ يقولُ فى هذه الآيةِ فى قولِ اللَّهِ جلَّ
وعزَّ: ﴿مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَاً﴾. قال:
الصغيرةُ الضَّحكُ .
ويعنى بقولِه: ﴿مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ﴾: ما شأنُ هذا الكتابِ)، ﴿لَا
يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً﴾ . يقولُ: لا يُبقِى صغيرةً من ذنوبنا وأعمالِنا ولا كبيرةً
مِنها، ﴿ إِلَّ أَحْصَنِهَا﴾. يقولُ: إلا حفِظها. ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ﴾ / فى الدنيا ٢٥٩/١٥
من عمَلٍ، ﴿ حَاضِرًا﴾ فى كتابِهم ذلك مكتوبًا مُثْبًا، فَجُوزوا بالسيئةِ مثلَها،
وبالحسنةِ ما اللَّهُ جازِيهم بها، ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. يقولُ : ولا يجازِى رِبُّك يا
محمدُ أحدًا بغيرِ ما هو أهلُه؛ لا يُجازِى بالإحسانِ إلا أهلَ الإحسانِ ، ولا بالسيئةِ إلا
أهلَ السيئةِ، وذلك هو العدلُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ اسْجُدُوْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ
إِيْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٍِِّ أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ
لَكُمْ عَدُوٌ بِفْسَ لِظَّالِمِينَ بَدَلًا
٥٠
يقولُ تعالى ذكرُه مذكِّرًا هؤلاء المشركين حسَدَ إبليسَ أباهم، ومُعْلِمَهم ما
كان منه مِن كِبْرِه واستكبارِه عليه حينَ أمَره بالسجودِ له ، وأنه من العَدَارةِ والحسَدِ
اذْكُرْ يا محمدُ ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ
لهم على مثلٍ الذى كان عليه لأبيهم: ﴿
أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ الذى يُطيعُه هؤلاء المشركون، ويتَِّعون أمْرَه،
(١ - ١) سقط من: ت ٢.

٢٨٦
سورة الكهف : الآية ٥٠
ويخالفون أمْرَ اللَّهِ، فإِنَّه لم يسجدْ له استكبارًا على اللّهِ، وحسدًا لآدمَ؛ ﴿كَانَ مِنَ
اُلْجِنِّ﴾ .
واختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله : ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾. فقال بعضُهم : إِنَّه
كان من قبيلةٍ يقالُ لهم : الجنُّ .
وقال آخرون: بل كان من خُزَّانِ الجَنَّةِ ، فَنُسِب إلى الجِنَّةِ .
وقال آخرون: بل قيل: ﴿مِنَ الْجِنِ﴾؛ لأنه مِنَ الجِنِّ الذين اسْتَجَنُوا(١) عن
أعينِ بنى آدمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، عن خلَّادِ بنِ عطاءٍ، عن
طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ (١) قبلَ أن يركَبَ المعصيةَ "مِن الملائكةِ)،
اسمُهُ(٤) عزازيلُ، وكان من سكانِ الأرضِ، وكان من أشدِ الملائكةِ اجتهادًا وأكثرِهم
علمًا؛ فذلك(٥) دعاه إلى الكِبرِ، وكان مِن حىٍّ يُسَمَّون(٦) جِنَّا(٧).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى
رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ من حىٍّ من أحياءِ الملائكة
(١) فى ت ٢: (( استخفوا)).
(٢) فى م: ((اسمه)).
(٣ - ٣) سقط من: م .
(٤) سقط من: النسخ . والمثبت مما تقدم فى ٥٣٦/١ .
(٥) بعده فى م: ((هو الذى )).
(٦) فى م: ((يسمى)).
(٧) تقدم تخريجه فى ٥٣٦/١ .

٢٨٧
سورة الكهف : الآية ٥٠
يُقال لهم: الجنَّ. خُلِقوا من نارِ السَّمومِ من بينِ الملائكةِ. قال(١) : وكان اسمُه
الحارثَ. قال: وكان خازِنًا من خُزَّانِ الجَنّةِ . قال: وخُلِقت الملائكةُ من نورٍ غيرَ هذا
الحىِّ. قال: وخُلِقَتِ الجِنُّ الذين ذُكِروا فى القرآنِ من مارجٍ من نارٍ ، وهو لسانُ النارِ
الذى يكونُ فى طرَفِها إذا التَّهَبت(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنى شيبانُ ، قال: ثنا سلَّامُ بنُّ مسكينٍ ، عن قتادةً ، عن
سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، قال: كان إبليسُ رئيسَ ملائكةِ سماءِ الدنياً(١).
حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا أبی ، عن الأعمش، عن حبیبٍ بن أبی ثابت ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿إِلََّ إِبْلِسَ كَانَ مِنَ الْجِنِ﴾. قال:
كان إبليسُ من خُرَّانِ الجَنَّةِ، وكان يدبرُ أَمرَ سماءِ الدنيا(٤) .
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جريج، قال: ٢٦٠/١٥
قال ابنُ عباسٍ : كان إبليسُ من أشرافِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً ، و کان خازِنًا على
الجنانِ ، وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا، وكان له سلطانُ الأرضِ، وكان فيما قضَى
اللَّهُ أنَّه رأى أن له بذلك شرفًا وعظمةً على أهلِ السماءِ، فوقع من ذلك فى قلبِه کبرّلا
يعلَمُه إلا اللَّهُ؛ فلمَّا كان عندَ السجودِ حينَ أمَره أن يسجدَ لآدمَ اسْتَخرَجِ اللَّهُ كِبْرَه
عندَ السجودِ ، فلعَنَه وأُخَّرَه إلى يومِ الدينِ. قال: قال ابنُ عباسٍ: وقولُه: ﴿كَانَ مِنَ
اُلْجِنّ﴾: إنما سُمِّى بالجَنَّانِ أنه كان خازنًا عليها، كما يُقال للرجلِ : مَكىٍّ،
(١) سقط من : م.
(٢) تقدم تخريجه فى ٥٣٥/١ .
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٣٨/١.
(٤) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (١٤٧) من طريق وكيع به ، وذكره أبو الشيخ فى العظمة (١١٤٢)
معلقًا عن وكيع به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/١ إلى ابن المنذر.

٢٨٨
سورة الكهف : الآية ٥٠
ومدنىٍّ، وكوفيٍّ، وبصْرىٍّ. قاله(١) ابنُ جريجٍ(٢).
وقال آخرون : هم سبطٌ من الملائكةِ قبيلةٌ، وكان اسمُ قبيلتِه الجنَّ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
صالحٍ مولى التَّوأمةِ وشَريكِ بنِ أبى نَمِرٍ - أحدُهما أو كلاهما - عن ابنِ عباسٍ،
قال : إن من الملائكةِ قبيلةً من الجنِّ ، وكان إبليسُ منها ، وكان يَسُوسُ ما بينَ السماءِ
والأرضِ، فعصَى، فسَخِط اللَّهُ عليه فمسَخه شَيْطَانًا رجِيمًا، لعَنه اللَّهُ ممشوخًا .
قال: وإذا كانت خطيئةُ الرجلِ فى كبْرٍ فلا تَوْجُه ، وإذا كانت خطيئتُه فى معصيةٍ
فاژجه، و کانت خطيئةُ آدمَ فى معصيةٍ ، وخطيئةُ إبليسَ فی کِبْرٍ () .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلَئِكَةِ اسْجُدُواْ لِلَّدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبِلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِ﴾: قبيلٌ من الملائكةِ يقال
لھم الجُّ . وقال ابنُ عباسٍ : لو لم یکن من الملائكة لم يؤمر بالسجودِ ، و کان على
خزانةِ السماءِ الدنيا . قال : وكان قتادةُ يقولُ : جَنَّ عن طاعةِ ربِّه (٤) .
وكان الحسنُ يقولُ: ألجأه اللّهُ إلى نَسَبِه(٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾. قال: كان من قبيلٍ مِن الملائكةٍ
يقالُ لهم: الجِنُّ(١).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قال)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٥٣٧/١.
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٣٧/١.
(٤) تقدم تخريجه فى ٥٣٨/١ .
(٥) تقدم تخريجه فى ٥٤٠/١ .
(٦) تقدم تخريجه فى ٥٣٨/١ .

٢٨٩
سورة الكهف : الآية ٥٠
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن عوفٍ ، عن الحسنِ، قال : ما
كان إبليسُ من الملائكةِ طَرْفةً عينٍ قطُّ ، وإنه لأَصْلُ الجنِّ كما أن آدمَ أَصْلُ الإنسِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال : ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ: كان إبليسُ على السماءِ الدُّنيا، وعلى الأرضِ، وخازنَ الجِنَانِ .
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: كان
ابنُ عباسٍ يقولُ : إن إبليسَ كان من أشرافِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةٌ، وكان خازِنًا
على الجِنَّانِ ، وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا وسلطانُ الأرضِ، وكان مما سؤَّلت له
نفسُه من قضاءِ اللَّهِ أَنَّه رأَى أن له بذلك شرفًا على أهلِ السماءِ، فوقَع من ذلك فى
قلبِهِ كِبْرٌ لا يعلَمُه إلَّ اللَّهُ، فاسْتَخْرَجِ اللَّهُ ذلك الكِبْرَ منه حينَ أمَرَه بالسجودِ لآدمَ ،
فاسْتكبر وكان من الكافرين، فذلك قولُه للملائكةِ: ﴿ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَتِ
وَاْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: ٣٣]. يعنى: ما أسرَّ إبليسُ فى
نفسِه من الکِبْرِ .
/وقولُه: ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾. كان ابنُ عباس يقولُ: قال اللَّهُ: ﴿كَانَ مِنَ ٢٦١/١٥
اُلْجِنِّ﴾؛ لأنه كان خازِنًا على الجنانِ، كما يقالُ للرجلِ: مكِّ، ومدنىٌّ،
وبصرٌّ، وکوفئٍ(١).
وقال آخرون : كان اسمُ قبيلةٍ إبليسَ الجنَّ، وهم سبطٌ من الملائكةِ يقالُ لهم :
الجنّ. فلذلك قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِ﴾ فنسَبه إلى قبيلتِه .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ فى قوله: ﴿ كَانَ
(١) تقدم تخريجه فى ٥٣٧/١ .
( تفسير الطبرى ١٩/١٥ )

٢٩٠
سورة الكهف : الآية ٥٠
مِنَ اُلْجِنِّ﴾. قال: من الجَنَّانينَ الذين يعملون فى الجِنانِ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو سعيد التحمدىُّ
إسماعيلُ بنُ إبراهیم ، قال : ثنی سؤَّارُ بن الجعدِ التحمدىُّ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ
قولَه: ﴿مِّنَ اُلْجِنّ﴾. قال: كان إبليسُ من الجنِّ الذين طرَدتهمُ الملائكةُ ، فَأَسَرَه
بعضُ الملائكةِ، فذهَب به إلى السماءِ (١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنٍ عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ(١)﴾. قال: كان خازِنَ
الجنانِ فسمى بالجَنَانِ(١) .
حدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأُودىُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، عن سفيانَ ،
عن(٥) أبى المِقْدامِ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كان إبليسُ من خَزِنَةِ الْجَنَّةِ(٦).
وقد بيَّنا القولَ فى ذلك فيما مضى من كتابِنا هذا، وذكَرْنا اختلافَ المُخْتَلِفِين
فيه ، فأغنَى ذلك عن إعادته فى هذا الموضِعِ() .
وقولُه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾. يقولُ: فخرَج عن أمرِ ربِّه، وعدَل عنه
ومال، کما قال رؤبةٌ():
(١) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (١٤٨) من طريق يعقوب به.
(٢) تقدم تخريجه فى ٥٤٠/١ .
(٣) بعده فى م: (( ففسق عن أمر ربه)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٤ إلى المصنف .
(٥) فى م: ((بن)). ينظر تهذيب الكمال ٣٨٠/٤.
(٦) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة ص ٤٢٨ من طريق سفيان به .
(٧) تقدم فى ٥٣٥/١ - ٥٤٢ .
(٨) ديوانه ص ١٩٠ .

٢٩١
سورة الكهف : الآية ٥٠
يَهْوِينَ فى نَجْدٍ وغَوْرًا غائرًا
فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوَائِرًا
يعنى بالفواسقِ : الإبلَ المنعدلةَ عن قصدٍ نجدٍ . وكذلك الفِشْقُ فى الدين ؛ إنّما
هو الانْعِدالُ عن القَصْدِ ، والميْلُ عن الاستقامةِ. ويُحكَى عن العربِ سماعًا: فسَقتٍ
الرُّطَبةُ من قِشْرِها؛ إذا خرجت منه. و: فسَقتِ الفأرةُ؛ إذا خرجت من مجحرِها .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ : إِنما قيل: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ
رَيِّدٌِّ﴾؛ لأنَّه مرادٌ به : ففسَق عن ردّه أمرَ اللَّهِ. كما تقولُ العربُ: أنَّخمتُ عن
الطّعام. بمعنى: أنَّخمتُ لما أكَلتُه. وقد بيَّنَا القولَ فى ذلك(١) ، وأن معناه: عدَل
وجار عن أمرِ اللّهِ، وخرَج عنه .
وقال بعضُ أهلِ العلم بكلامِ العربِ : معنى الفسقِ الاتسامُ . وزعَم أن العربَ
تقولُ : فسَق فى النَّفقةِ . بمعنى اتَّسَعَ فيها. قال: وإنما سُمِّى الفاسقُ فاسقًا، لاتساعِه
فى محارمِ اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ذكرُ مَن قال ذلك
٢٦٢/١٥
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى ((ح))، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِِّةٍ﴾. قال: فى السجودِ لآدمَ(١).
(١) تقدم فى ٤٣٤/١.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى
حاتم .

٢٩٢
سورة الكهف : الآية ٥٠
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٌِِّّ﴾. قال: عصَى فى السجودِ لآدمَ .
وقوله: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ ﴾ . يقولُ
تعالى ذكرُه: أَفْتُوالون يا بنى آدمَ من استكبَرَ على أبيكم (١ وحسّده(٢)، وكفَر( ١)
نِعْمَتى عليه، وغرَّه حتى أخرَجَه من الجنةِ ونعيم عَيْشِه فيها إلى الأرضِ وضِيقٍ
[٢٩٧/٢ظ] العيشِ فيها، وتُطيعونَه وذريته من دونِ اللَّهِ مع عداوتِه لكم قديمًا
وحديثًا ، وتتر کون طاعةً ربّكم الذى أنعم عليكم وأكرمكم ، بأن أسجد لوالدِ كم
ملائكته، وأسكنه جَنَّاتِه ، وآتاكم من فواضلٍ نعَمِه ما لا يُحصَى عددُه . وذرِّیةُ
إبليسَ : الشياطينُ الذين يُغوون(٣) بنى آدمَ.
كما حدَّثُنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ﴾. قال: ذرِّيْتُهُ الشياطينُ،
وكان يعدُّهم ؛ زَلَتْبورُ صاحبُ الأسواقِ ويضَعُ رايتَه فى كلِّ سوقٍ ما بينَ السماءِ
والأرضِ، ثَتْرُ صاحبُ المصائبِ ، والأعورُ صاحبُ الزِّنا، ومِشْوَطُ صاحبُ الأخبارِ
يأتى بها فيُلْقِيها فى أفواهِ الناسِ ولا يجِدُون لها أصْلًا ، وداسِمٌ الذى إذا دخَل الرجلُ
بيتَه ولم يُسلِّم ولم يذكرِ اللَّهَ بصَّرَه من المتاعِ ما لم يُؤْفَعْ، وإذا أُكَل ولم يذكرِ اسمَ اللَّهِ
(٥)
أكَل معه(٥) .
(١ - ١) فى ت ١: ((وحسد)).
(٢) فى ص، ت ٢، ف: ((حسدكم)).
(٣) فى م: (( يغرون)).
(٤) بعده فى م: ( هم)).
(٥) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١١٤٤) من طريق ابن جريج به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٤
إلی ابن أبى الدنيا .

٢٩٣
سورة الكهف : الاية ٥٠
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : ثنا حفصُ بنُ
غياثٍ ، قال: سمِعتُ الأعمشَ يقولُ: إذا دخَلْتُ البيتَ ولم أُسلِّمْ، رأيتُ مطهرةً ،
فقلتُ: ارْفَعوا ارْفَعوا. وخاصَمْتُهم، ثم أذكُرُ فأقولُ: داسمٌ داسمٌ(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن
مجاهدٍ ، قال: هم أربعةٌ : ثبرٌ، وداسمٌ، وزلنبورُ، والأعورُ، ومِشْوَطٌ أحدُها (١).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ:
أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ﴾ الآية، وهم يتَوالدُون كما يتوالدُ بنو آدمَ"، وهم أكثر
٤)
عددًا" .
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
ج
أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ﴾: وهو أبو الجنِّ، كما آدمُ
أبو الإنس . وقال: قال اللَّهُ لإبليسَ: إنى لا أذرَأُ لآدمَ ذرِّيَّةً إِلَّ ذرَأْتُ لك مثلَها . فليس
من ولدِ آدمَ أحدٌ إلا له شيطانٌ قد قُرِن به .
وقولُهُ: ﴿يْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: بئسَ البدلُ للكافرين باللّهِ
اتخاذُ إِبليسَ وذرِّيتِه أولياء من دونِ اللهِ وهم لكم عدوٌّ، مِن تَرْكِهم اتخاذَ اللَّهِ ولِيًّا
باتِّباعِهم أمرَه ونهيَه، وهو المُعِمُ عليهم وعلى أبيهم آدمَ من قبلِهم ، المتفضِّلُ عليهم
من الفواضلٍ ما لا يُحصَى بدلًا .
(١) تفسير البغوى ١٧٩/٥ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٤ إلى ابن أبى الدنيا وابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) سقط من : ص .
(٤ - ٤) فى النسخ: ((لكم عدو)). والمثبت من مصدرى التخريج، والأثر أخرجه أبو الشيخ فى العظمة
(١١٤٨) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٤ إلى ابن أبى حاتم.

٢٩٤
سورة الكهف : الآيتان ٥٠، ٥١
/ وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٢٦٣/١٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ
بَدَلًا﴾: بئسما استبدَلوا بعبادةِ ربِّهم إذا أطاعوا إبليسَ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَّا أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ
أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اٌلْمُضِلِينَ عَضُدًا
٥١
يقولُ عزَّ ذكرُه: ما أشهَدتُ إبليسَ وذرِّيتَه ﴿خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يقولُ: ما أحضَرتُهم ذلك فأسْتَعينَ بهم على خلقِها، ﴿ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾.
یقولُ : ولا أَشْهَدتُ بعضهم أيضًا خلق بعضٍ مِنهم، فأستعینَ به على خلقِه، بل
تَفَرَّدتُ بخلقِ جميعِ ذلك بغيرٍ مُعينٍ ولا ظَهِيرٍ . يقولُ: فكيف اتَّخَذوا عدوّهم أولياءَ
من دُونى، وهم خلقٌ مِن خلقى (٢) أمثالُهم، وترَكوا عبادتى وأنا المُنْعِمُ عليهم وعلى
أسلافِهم، وخالقُهم وخالقُ مَن يُؤَالونه من دونى منفردًا بذلك من غيرٍ مُعينٍ ولا
ظھیرِ .
وقولُه: ﴿ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضْدًا﴾. يقولُ: وما كنتُ مُتَّخِذَ مَن لا
يهدِى إلى الحقِّ ولكنَّه يُضلَّ فمَن تَبِعَه يجورُ به عن قصدِ السبيلِ، أعوانًا وأنصارًا .
وهو من قولهم: فلانٌ يَعضُدُ فلانًا؛ إذا كان يقوِّيه ويُعينُه .
وبنحوِ ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) فى م: (( خلق)).

٢٩٥
سورة الكهف : الآيات ٥١ - ٥٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنتُ
مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضُدًا﴾. أى: أعوانًا .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(١)
قتادةَ مثلَهُ(١) .
وإنما يعنى بذلك أن إبليسَ وذرِّيتَه يُضلُّون بنى آدمَ عن الحقِّ، ولا يَهدُونهم
للؤُّشدِ، وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ عنى بالمُضِلِّين الذين هم أتبائحٌ على الصَّلالةِ،
وأصحابٌ على غيرِ هُدَىّ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ
فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنْهُمْ قَوْبِقًا (٢٥) وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظُنُّوَاْ أَنَّهُم ◌ُّوَافِعُوهَا
(٥٣)
وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا
يقولُ عزَّ ذكرُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ اللَّهُ للمشركين به الآلهةَ والأندادَ: ﴿نَادُواْ
شُرَكَآءِىَ / الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾. يقولُ لهم: ادْعُوا الذين كنتم تزعمون أنَّهم شركائى ٢٦٤/١٥
فى العبادةِ لِيَنصُرُوكم ويمنعُوكم منِّى. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَمْ﴾ . يقولُ:
فاستغاثوا بهم فلم يُغيثوهم، ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنْهُمُ قَّوْبِقًا﴾ .
فاختلف أهلُ التأويلِ فى معنَى ذلك؛ فقال [٢٩٨/٢و] بعضُهم: معناه :
وجعَلنا بينَ هؤلاء المشركين وما كانوا يدْعُون من دونِ اللهِ شركاء فى الدنيا يومئذٍ
عداوةً .
(١) تفسير عبد الرزاق ٤٠٤/١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.

٢٩٦
سورة الكهف : الآيتان ٥٢ ، ٥٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزيع، قال : ثنا بشرُ بنُّ المفضَّلِ ، عن عوف ، عن
الحسنِ فى قولِ اللّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْهُمُ قَوِْقًا﴾. قال: جعَل بينَهم عداوةٌ يومَ
القيامةِ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، عن عوفٍ ، عن الحسنِ: ﴿ وَجَعَلْنَا
بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾. قال: عداوةٌ (١).
وقال آخرون : معناه : وجعَلنا فِعْلَهم ذلك لهم مَهْلِكًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَحَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾. قال: مَهْلِكًا(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿ قَوْيِقًا﴾. قال: هلاكًا(٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا
بَيْنَهُم قَوْيِقًا﴾. قال: الموبقُ المَهْلِكُ، الذى أَهْلَك بعضُهم بعضًا فيه ، أوْبَق بعضُهم
بعضًا. وقرَأ: ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩].
حُدِّثتُ عن محمدٍ بنِ يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ مَّوْبِقًا﴾ قال:
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٦/٥ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٤٠٤/١ .

٢٩٧
سورة الكهف : الآيتان ٥٢ ، ٥٣
ملاكًا .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن عَرْفَجةَ فى قولِه: ﴿ وَجَعَلْنَا
بَيْنَهُم مَّوْيِقًا﴾ قال: مهْلِكًا(١).
وقال آخرون : هو اسمُ وادٍ فى جَهِنَّمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ ، عن أبى
أيوبَ، عن عمرٍو البِكَالىِّ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾ . قال: وادٍ عميقٍ فُصِل به بينَ
أهلِ الضَّلالةِ وأهلِ الهُدَى ، وأهلِ الجَنَّةِ وأهلِ النارِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم
قَوْبِقًا﴾ ذُكِر لنا أن عَمرًا البِكَاليَّ حدَّث عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: هو وادٍ عميقٍ
فُرِق به يومَ القيامةِ بينَ أهلِ الهُدَى وأهلِ الضَّلالةِ(١) .
/حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن حجَّاج بن أرطاةً، قال: قال ٢٦٥/١٥
مجاهدٌ : ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ قَوْيِقًا﴾ . قال : واديًا فى النارِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، ((ح)) ، وحدَّثنا
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ قَّوْبِقًا﴾. قال: واديًا فى جَهَّمَ(٢).
(١) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٥٢٥) ، من طريق جرير به.
(٢) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٥٢١) من طريق سعيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٤
إلى أحمد فى الزهد وابن أبى حاتم .
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٨ من طريق ورقاء به ، ومن طريقه البيهقى فى البعث والنشور (٥٢٣)، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.

٢٩٨
سورة الكهف : الآيتان ٥٢ ، ٥٣
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال : ثنا عبدُ الصمدِ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ دِرْهمِ،
قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكِ يقولُ فى قولِ اللّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنْهُم مَّوْبِقًا﴾.
قال : وادٍ فى جَهنَّمَ من فَتِحٍ ودٍ(١).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ، القولُ الذى ذكرناه عن ابنِ عباسٍ، ومَن
وافَقه فى تأويلِ المَوْبِقِ : أنه المَهْلِكُ ، وذلك أنَّ العربَ تقولُ فى كلامِها : قد أَوْبَقتُ
فلانًا. إذا أُهْلَكْتَه. ومنه قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ﴾
[الشورى: ٣٤]. بمعنى: يُهلِكْهنَّ. ويُقالُ للمُهلِكِ نفسَه : قد وَبِق فلانٌ فهو يَوبَقُ
وبَقًا. ولغةُ بنى (١) عامٍ : يابِقُ، بغيرِ همزٍ. ومحكِى عن تميم أنها تقولُ: يَبِقُ. وقد
محكى وبَقَ تَيْقُ وبُوقًا، حكاها الكسائىُّ. وكان بعضُ أهلِ العلم بكلامِ العربِ مِن
أهلِ البصرةِ يقولُ: المَوَبِقُ المَوْعِدُ ، وَيَستشهِدُ لِقِيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ () :
وحادَ شَرَوْرَى فالسِّارَ فلَمْ يَدَعْ تِعارًا له و(٤) الوَادِيَيْنْ بَمَوْبِقٍ
ويتأوّلُهُ : بِمَوْعِدٍ . وجائزٌ أن يكونَ ذلك المَهْلِكُ الذى جعَل جلَّ ثناؤُه بينَ هؤلاءِ
المشركين، هو الوادى الذى ذُكِر عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو. وجائزٌ أن تكونَ العداوةُ
التى قالَها الحسنُ.
(١) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٣١١، ٣١٢، والبيهقى فى البعث والنشور (٥٢٠) من طريق عبد الصمد به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٢) فى ص، ت ٢: ((لبنى)).
(٣) البيت لخفاف بن ندبة، وهو فى ديوانه ( المجموع) ص ٣٨. وليس فيه الشاهد، وفى مجاز القرآن
ص ٤٠٦، ولسان العرب (وب ق)، بلفظه .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((فى)).

٢٩٩
سورة الكهف : الآ يتان ٥٣ ، ٥٤
وقولُه: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾. يقولُ: وعايَن المشركون النارَ يومَئذٍ :
فَظَنُّوَاْ أَنَّهُم ◌ُوَافِعُوهَا﴾. يقولُ: فَعَلِموا أنَّهم داخِلُوها. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ
يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿فَظَنُّواْ
أَنَّهُم ◌ُّوَاقِعُوهَا﴾. قال: عَلِموا(١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى عمرُو بن الحارثِ ، عن
درَّاجِ، عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد الخدرىِّ، عن رسولِ اللَّهِ ◌ِ ◌ِّهِ، أَنَّه قال: ((إنَّ
الكافرَ لِيَرَى جَهَنَّمَ فَيَظُنُّ أنَّها مُواقِعَتُه مِن مَسيرَةٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً))(٢).
٢٦٦/١٥
/وقولُه: ﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا﴾. يقولُ: ولم يجدوا عن النَّارِ التى رأوا
مَعْدِلًا يَعْدِلون عنها إليه ، يقولُ: لم يجدوا من مواقعتِها بُدًّا؛ لأنَّ اللَّهَ قد حثَّم عليهم
ذلك .
ومن المَصْرِفِ بمعنى المَغَدِلِ قولُ أبى كبيرٍ(٣) الهذلىّ:
أم لا خُلُودَ لباذِلٍ مُتَكَلِّفٍ
أَزُهَيْرُ هلْ عن شَيبَةٍ مِن مَصْرِفٍ
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِىِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن
٥٤
كُلّ مَثَلٍّ وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا
يقولُ عزَّ ذكرُه : ولقد مثَّلْنا فى هذا القرآنِ للنَّاسِ مِن كلِّ مَثَلِ ، ووعَظْناهم فيه
مِن كلِّ عِظَةٍ ، واحتَجَْنا عليهم بكلِّ حُجَّةٍ ليتذكّروا فيُنِيبُوا، وَيَعْتَبِروا فيتَّعِظوا،
(١) تفسير عبد الرزاق ٤٠٤/١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) أخرجه الحاكم ٥٩٧/٤ من طريق عمرو بن الحارث. وأخرجه أحمد ٢٤٢/١٨، ٢٤٣ (١١٧١٤)،
وأبو يعلى (١٣٨٥) من طريق دراج به .
(٣) فى ت ١: ((بكر))، وفى ت ٢، ف: ((كثير)). والبيت فى ديوان الهذليين ١٠٤/٢، ومجاز
القرآن ٤٠٧/١ .

٣٠٠
سورة الكهف : الآيتان ٥٤ ، ٥٥
وينْزَجِروا عمَّا هم عليه مُقيمون مِن الشركِ باللَّهِ وعبادة الأوثانِ، ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَنُ
أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً﴾. يقولُ: وكان(١) الإنسانُ أكثرَ شىءٍ مِراءً وخُصومةً ، لا يُنیبُ
لحقِّ، ولا يَنْزِجِرُ لموعِظةٍ .
کما حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ ، فی قولِه :
وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً﴾. قال: الجدلُ الخصومةُ؛ خصومةُ القومِ
لأنبيائِهم، وردُّهم عليهم ما جاءوا به. وقرَأ: ﴿ مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا
تَأْكُونَ مِنْهُ وَشْرَبُ مِمَا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]. وقَرَأْ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ
عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]. [٢٩٨/٢ظ] وقرَأْ: ﴿حَتَّى نُؤْثَى﴾ ... الآية
[الأنعام: ١٢٤]، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى قِرْطَاسِ﴾ ... الآية [الأنعام: ٧] .
وقرّأ : ﴿ وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِهِ يَعْرُجُونَ ﴾ قال : هم ليس
أنت. ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْخُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥].
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى
٥٥
وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَنْ تَأْنَهُمْ سُنَّهُ آلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا
يقولُ عزَّ ذكرُه: وما منَع هؤلاء المشركين يا محمدُ الإيمانَ باللّهِ إذ جاءهم(٣)
بيانُ اللَّهِ، وعَلِموا صحَّةَ ما تدعوهم إليه وحقيقته، والاستغفارَ مما هم عليه مُقِيمون
من شِرْكِهم ، إلا مجيئُهم سُنَّتُنا فى أمثالِهم من الأمم المُكَذِّبةِ رسُلَها قبلَهم ، أو إتيانُهم
العذابُ قُبُلًا .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك، فقال بعضُهم: معناه: أو يأتِيهَم
(١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٤ إلى ابن أبى حاتم مختصرًا.
(٣) بعده فى ت ١، ف: ((الهدى)).