Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١
سورة الكهف : الآيات ٣٢ - ٣٤
ثُمُرّ): الثُّمُرُ الأصلُ. قال: (وأُحِيطَ بُثُمُرِهِ). قال: بأصلِه(١).
وكأنَّ الذين وجَّهُوا معناها إلى أنها أنواعٌ من المالِ أرادوا أنها جمعُ ((ثمارٍ))
◌ُجُمِع (( ثُمُرًا))، كما يُجْمَعُ الكتابُ ((كُتُبًا))، والحمارُ (( حُمُرًا)).
وقد قرَأ بعضُ مَن وافَق هؤلاء فى هذه القراءةِ: (ثُمْرٌ) بضمِّ الثاءِ وسكونٍ
الميم(١)، وهو يُرِيدُ الضمَّ فيها، غيرَ أنه سكّنها طلبَ التخفيفِ. وقد يَحتمِلُ أن
يكونَ أراد بها جمعَ ((ثَمَرةٍ))، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ (خُشْبًا)). وقرأ ذلك بعضُ
المدنيّين: ﴿وَكَانَ لَهُ نَمَرٌ﴾. بفتح الثاءِ والميم، بمعنى جمع ((الثَّمَرةِ))، كما
◌ُجمَعُ الخَشَبةُ ((خَشَبًا))، [٢٩٣/٢ظ] والقَصَبةُ ((قَصَبًا)).
وأولى القراءاتِ فى ذلك عندى بالصوابِ (٤) قراءةُ مَن قرأ: ( وكان لَهُ ثُمُرٌ).
بضمّ الثاءِ والميمِ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن ذلك ) جمعُ ((ثمارٍ))، كما
الكُتُبُ جمعُ (( کتابٍ)).
ومعنى الكلام: وفَجَّرنا خلالَهما نهَرًا، وكان له منهما ثُمُرّ - بمعنى من
جَنَّيه (٦) - أنواعٌ من الثمارٍ. وقد بَينَّ ذلك لمن وُفِّق لفَهمِه - قولُه: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا
جَتَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْنَهَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾. ثم قال: وكان له من هذه
الكُرُومِ والنخلِ والزرعِ ثُمُرٌّ .
وقولُه: ﴿فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾. يقولُ عزَّ وجلَّ: فقال هذا الذى
جعَلنا له جنَّتين من أعنابِ، لصاحبِه الذى لا مالَ له وهو يخاطِبُه: ﴿ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ
(١) ينظر البحر المحيط ١٢٥/٦.
(٢) قرأ بها أبو عمرو البصرى فى الموضعين . السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٠ .
(٣) هو أبو جعفر، وبه أيضًا قرأ عاصم وروح. النشر ٢٣٣/٢.
(٤) القراءات الثلاثة متواترة .
(٥) فى ص، م، ف: (( كانت)).
(٦) فى ت٢: ((جنتيهما)).
٢٦٢
سورة الكهف : الآيات ٣٤ - ٣٦
مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. يقولُ: وأعزَّ عشيرةً ورَهْطًا. كما قال عُيينةُ والأقرعُ لرسولِ اللَّهِ
مَ له: نحن ساداتُ العربِ وأربابُ الأموالِ، فتَحّ عنا سلمانَ وخَبَّابًا وصُهيبًا .
احتقارًا لهم، وتكبّرًا عليهم(١).
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَقَالَ
لِصَحِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنْ أَكْثَرُ مِنِكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: وتلك واللّهِ أمنيةٌ " الفاجرِ؛
كثرةُ المالِ ، وعزَّةُ النفرِ(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَيِنِ زُدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَ خَيْراً مِّنْهَا
(٣٥
نِيدَ هَذِهِةِ أَبَدًا
مُنْقَلَبًا
٣٦
يقولُ تعالى ذكره : هذا الذى جعَلنا له جنتين من أعنابٍ ﴿ دَخَلَ جَنَّتَهُ﴾،
وهى بستانُه، ﴿ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ.﴾ . وظلمُه نفسه کفرُه بالبعثِ ، وشكّه فى
قيامِ الساعةِ، ونسيانُه المعادَ إلى اللَّهِ تعالى، فأوجَب لها بذلك سُخْطَ اللَّهِ وأليمَ
عقابه .
وقولُه : ﴿ قَالَ مَآ أَطْنُ أَن تَبِيَدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: قال لما عايَنَ
جنتَه، ورآها وما فيها من الأشجارِ والثمارِ والزروع والأنهارِ المُطَّرِدَةِ ، شكّا فى المعادِ
إلى اللَّهِ: ما أظنُّ أن تَبِيدَ هذه الجنةُ أبدًا ، ولا تفتَى ولا تَخْرَبَ . وما أظنُّ الساعةَ التى
وعَد اللَّهُ خلْقَه الحشرَ فيها تقومُ فتَحدُثُ . ثم تمتَّى أَمنيةً أخرى على شكّ منه، فقال:
﴿ وَلَِن رُدِدْتُ إِلَى رَبِ﴾ فرجَعتُ إليه - وهو غيرُ موقنٍ أنه /راجعٌ إليه: ﴿لَأَجِدَنَ
٢٤٧/١٥
(١) تقدم فى ٢٥٨/٩ - ٢٦٣. وص ٢٣٩ - ٢٤١ من هذا الجزء.
(٢) فى ص، ف: (( أمنة)).
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ١٥٣/٥.
٢٦٣
سورة الكهف : الآيات ٣٦ - ٣٨
خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾. يقولُ: لأجِدنَّ خيرًا من جنتى هذه عندَ اللَّهِ - إن رُدِدتُ
إليه - مرجعًا ومردًّا. يقولُ: لم يُعْطِنِى هذه الجنةَ فى الدنيا إلا ولى عندَه أفضلُ منها
فی المعاد إن ژُدِدتُ إليه .
كما حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآپِمَةٌ﴾ . قال: شَكَّ . ثم قال : ﴿ وَلپن ﴾ کان ذلك ثم
﴿ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴾ ، ما أعطانی هذه إلا ولی عنده خيرٌ من
ذلك .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ
وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيَدَ هَذِهِ: أَبَدًا (٢٥) وَمَآَ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآَيِمَةً﴾:
كفورٌ لنعمِ ربِّه، مكذِّبٌ بلقائِه، متمنٍّ على اللَّه(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ قَالَ لَهُر صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن
تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلً (® لَكِنَّأْ هُوَ اللَّهُ رَبِّ وَلَاَ أُشْرِكُ بِرَقِيَ أَحَدًا
٣٨
يقولُ تعالى ذكرُه : قال لصاحبِ الجنتين صاحبُه الذى هو أقلَّ منه مالًا وولدًا ،
﴿ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾. يقولُ: وهو يخاطِبُه ويكلِّمُه: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَفَكَ مِن
تُرَابٍ﴾. يعنى: خلَق أباك آدمَ من ترابٍ ﴿ثُمَّ مِن تُظْفَةٍ﴾. يقولُ: ثم أنشأك من
نطفةِ الرجلِ والمرأةِ ، ﴿ثُمَّ سَوَّلِكَ رَجُلًا﴾. يقولُ: ثم عدَّلك بشرًا سويًّا، رجلًا ذكرًا
لا أنثى. يقول: أكفَرتَ بَمَنْ فعَل بك هذا أن يُعِيدَك خلْقًا جديدًا بعدَما تَصِيرُ رُفاتًا ،
﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اَللَّهُ رَبِّ﴾. يقولُ: أما أنا فلا أكفُرُ بربى، ولكن أنا: هو اللَّهُ ربِّى . معناه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٢/٤ إلى ابن أبى حاتم .
٢٦٤
سورة الكهف : الآيتان ٣٨، ٣٩
أنه يقولُ: ولكن أنا أقولُ: هو اللَّهُ رِّى، ﴿ وَلَا أُشْرِلُهُ بِرَبِىَ أَحَدًا﴾ .
وفى قراءةٍ ذلك وجهان؛ أحدهما: ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اَللَّهُ رَبٍِّ﴾ بتشديدِ النونِ
وحذفِ الألفِ فى حالِ الوصلِ، كما يقالُ: أنا قائمٌ. فتُحذَفُ الألفُ من ((أنا))،
وذلك قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ العراقِ (١) . وأما فى الوقفِ فإن القرأةَ كلَّها تُثْبِتُ فيها
الألفَ؛ لأن النونَ إِنما شُدِّدّت لاندغامِ النونِ من ((لَكِنْ))، وهى ساكنٌ فى النونِ
التى من ((أنا))، إذ سقَطَت الهمزةُ التى فى ((أنا))، فإذا وُقِف عليها ظهَرت الألفُ
التى فى ((أنا))، فقيل: لكنَّا؛ لأنه يقالُ فى الوقف على ((أنا)) بإثباتِ الألفِ
لا بإسقاطِها، وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الحجازِ: ﴿لَّكِنَّأْ﴾ بإثباتِ الألفِ فى
الوصلِ والوقفٍ(٢)، وذلك وإن كان مما يُنْطَقُ به فى ضرورةِ الشعرِ، كما قال
(٣)
الشاعر(٣):
حُمَيدًا قد تَذَرَّيْتُ السَّناما
أنا سيفُ العشيرةِ فاعْرِفونى
/ فأَثبَتَ الألفَ فى ((أنا)) - فليس ذلك بالفصيحِ من الكلامِ .
٢٤٨/١٥
والقراءةُ التى هى القراءةُ الصحيحةُ عندَنا ما ذكرنا عن العراقيين، وهو حذفُ
الألفِ من ﴿لَّكِنَّأْ﴾ فى الوصلِ، وإثباتُها فى الوقفِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةً إِلَّا
٣٩
بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالَاً وَوَلَدًا
يقولُ عزَّ ذكرُه : وهلَّ إذ دخَلْتَ بستانَك، فأعجبك ما رأيتَ منه، قلتَ : ما
شاء اللهُ كان . وفى الكلام محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ظهر عليه منه ، وهو جوابُ
(١) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائى ونافع. التيسير ص ١١٧ .
(٢) هى قراءة أبى جعفر - وهى متواترة - وابن عامر. النشر ٢٣٣/٢.
(٣) البيت لحميد بن حريث بن بحدل ، وهو فى الخزانة ٢٤٢/٥.
٢٦٥
سورة الكهف : الآيات ٣٩ - ٤١
الجزاءٍ، وذلك ((كان)).
وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا المعنى الذى قلنا كانت ((ما)) نصبًا بوقوع فعلِ اللَّهِ
عليه، وهو (( شاء))، وجاز طرحُ الجوابِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ [٢٩٤/٢ و] معروفٌ،
كما قيل: ﴿فَإِنِ اَسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقَا فِى الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥]. وتَرَك
الجوابَ، إذ كان مفهومًا معناه، وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: ((ما)) من قولِه:
﴿ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ فى موضعِ رفعٍ بإضمارِ ((هو))، كأنه قيل: قلتَ هو ما شاء اللَّهُ
﴿ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: لا قوّةَ على ما نحاوِلُ من طاعتِه إلا به .
وقولُه: ﴿إِن تَرَنِ أَنَأْ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. وهو قولُ المؤمنِ الذى لا مالَ
له ولا عشيرةَ ، مثلَ صاحبِ الجنتين وعشيرتِه، وهو مثلُ سَلْمانَ وصُھَیبٍ وخَبابٍ .
يقولُ : قال المؤمنُ للكافرِ: إن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منكَ مالًا وولدًا. فإذا جعَلتَ
(أنا)) عمادًا نصَبتَ ((أقلَّ))، وبه القراءةُ عندَنا؛ لأن عليه قراءةُ الأُمصارِ، وإذا جعَلتَه
اسمًا رَفعتَ ((أقلُّ)).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرً مِّن جَنَِّكَ وَيُرْسِلَ
عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًّا ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ
طَلَبًا
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ المؤمنِ الموقنِ للمعادِ إلى اللَّهِ ، للكافرِ المرتابِ
فى قيامِ الساعةِ : إِن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منك مالًا وولدًا فى الدنيا ، فعسَى ربى أن
يَرْزُقَنى خيرًا من بستانِك هذا ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾. يعنى: على جنةِ الكافرِ التى قال
لها: ﴿ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيَدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ - ﴿حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾. يقولُ: عذابًا من
السماءِ تُرْمَى به رميًا وتُقْذَفُ . والحُشبانُ: جمعُ حُسْبانةٍ. وهى المَرامى.
٢٦٦
سورة الكهف : الآيتان ٤٠، ٤١
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٢٤٩/١٥
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا
حُسْبَانًا مِنَ السَّمَآءِ﴾: عذابًا .
حدِّثتُ عن محمدِ بنِ يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: عذابًا (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَيُرْسِلَ
عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾. قال: عذابًا. قال: الحُسبانُ: قضاءٌ من اللَّهِ يَقْضِيه .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمّی ، قال : ثنى أُبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قال: الحُسبانُ : العذابُ(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ ، ("قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾. قال: عذابًا(٤).
وقولُه: ﴿فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. يقولُ عَزَّ ذكرُه: فتصبحَ جنُّك هذه - أيها
الرجلُ - أرضًا ملساءَ لا شىءَ فيها ، قذ ذهَب كلَّ ما فيها من غَرْسٍ ونَبْتٍ ، وعادت
خرابًا بلاقع ﴿ زَلَقًا ﴾ لا يثبتُ فی أرضها قدمٌ لاملیساسِھا() ، ودُروسٍ ما کان نابتًا
فيها .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَنُصْبِحَ صَعِيدًا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى المصنف .
(٣ - ٣) سقط من : م .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٤٠٤/١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) فى ص، م، ت ١، ف: ((لاملساسها)). يقال: مَلُس ملاسة واملاسّ امليساسًا، وهو أملس ومليس.
وينظر الصحاح، واللسان (م ل س ).
٢٦٧
سورة الكهف : الآيتان ٤٠، ٤١
زَلَفًا﴾. أى: قد حُصِد ما فيها فلم يُترَكْ فيها شىءٌ (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاج، عن ابن جريج، قال : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَفًا﴾. قال: مثلَ الجُزِ().
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ فَنْصپِحَ
صَعِيدًا زَلَقًّا﴾. قال: ﴿ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ و﴿صَعِيدًا جُزًا﴾ [الكهف: ٨] . واحدٌ ،
ليس فيها شىءٌ منَ النباتِ .
وقولُه: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا﴾. يقولُ: أو يصبحَ ماؤُها غائرًا. فوضَع
الغورَ، وهو مصدرٌ، مكانَ الغائرِ، كما قال الشاعرُ() :
تَظَلُّ جِيادُهُ نَوْحًا علَيهِ مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَها صُفُونا(4)
بمعنى نائحةٌ؛ وكما قال الآخر(٥) :
هَرِيقى مِنْ دُموعِهما سِجاما()
ضُباعَ (١) وجَاوِبی نَوْحًا قِيامَا
/والعربُ توحّدُ الغَورَ مع الجمع والاثنين، وتذكِّرُ مع المذكرِ والمؤنثِ، تقولُ: ٢٥٠/١٥
ماءٌ غَورٌ، وماءان غَوْرٌ ، ومياةٌ غَورٌ. ويعنى بقولِه: ﴿ غَوْرًا﴾ : ذاهبًا قد غار فى
الأرضِ فذهَب فلا تلحَقُهُ الرِّشاءُ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) هو عمرو بن كلثوم. من معلقته الشهيرة. والبيت فى مجاز القرآن ٤٠٤/١ كرواية المصنف، وشرح
القصائد السبع الطوال الجاهليات للأنبارى ص ٣٨٩، وشرح القصائد التسع المشهورات للنحاس ٦٣١/٢.
ورواية الشطر الأول فيهما : تركنا الخيل عاكفة عليه .
(٤) الصافن من الخيل : الذى قد قلب أحد حوافره وقام على ثلاث قوائم . اللسان ( ص ف ن ).
(٥) البيت فى مجاز القرآن ٤٠٤/١، وأمالى المرتضى ٢٠١/١. غير منسوب .
(٦) سجّم العينُ والدمعُ الماءَ يَسجُم شُجومًا وسجامًا: إذا سال وانسجم . اللسان ( س ج م).
(٧) اسم امرأة ، على الترخيم من ضباعة .
٢٦٨
سورة الكهف : الآيات ٤١ - ٤٤
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يُصْبِحَ
مَآؤُهَا غَوْرًا﴾. أى : ذاهبًا قد غار فى الأرضِ .
وقولُه: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُمْ طَلَبًا﴾. يقولُ: فلن تُطيقَ أن تُدرِكَ الماءَ الذى
كان فى جنَّتِك بعدَ غَوْرِهِ، بطلبِكَ إِيَّاهُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِشَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَقَّيْهٍ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيَهَا
٤٢
وَهِىَ خَاوِيَّةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّ أَحَدًا
يقولُ تعالى ذكره: وأحاط الهلاكُ والجوائحُ بثمرِهِ، وهى صنوفُ ثمارٍ جنَّتِه
التى كان يقولُ لها: ﴿ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِةٍ أَبَدًا ﴾ . فأصبح هذا الكافرُ صاحبُ
هاتين الجنَّتَين ، يقلِّبُ كفَّتِهِ ظهرا لبطنِ، تَلَهُفّا وأسفًا على ذَهابٍ نفقتِه التى أَنفَق
فى جنَتْه، ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ . يقولُ: وهى خاليةٌ على نباتِها وبيوتِها .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ
كَقَّيْهِ﴾. أى: يُصَفِّقُ كفَّيْه ﴿ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فَِهَا﴾ مُتَلهِّفًا على ما فاته وهو يقولُ:
﴿لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِيَ أَحَدًا
﴿ وَيَقُولُ يَيْنَنِ﴾. يقولُ: يتمَنَّى هذا الكافر، بعد ما أُصِيب بجنته ، أنَّه لم یکنْ
كان أشرّك بربّه أحدًا . يعنى بذلك: هذا الكافر إذا هلك وزالت عنه دنياه وانفرد
بعملِه، ودَّ أنه لم يكنْ كفَر باللَّهِ ولا أشرَك به شيئًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِتَّةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ
مُنَصِرًا ﴿ هُنَالِكَ الْوَيَةُ لِلَّهِ الْحَقَّ هُوَ خَيْرٌ نَوَابًا وَخَيْرُّ عُقْبًا
٤٤
٢٦٩
سورة الكهف : الآيتان ٤٣، ٤٤
يقولُ تعالى ذكرُه : ولم يكنْ لصاحبٍ هاتين الجَّتَين فِئَةٌ . وهم الجماعةُ، كما
قال العَجَّاج(١) :
كمَا يَجُوزُ الفِئَةَ الكَمِىُّ
/وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالَف بعضُهم فى العبارةِ عنه ٢٥١/١٥
عبارتنا ، فإن معناهم نظیرُ معنانا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثناعيسى ((ح))، وحدّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِتَةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ الَّهِ﴾. قال: عشِيرةٌ(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَُّر فِئَةٌ
يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. أى: جندٌ ينصُرونَه(٣) .
وقولُه: ﴿ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يقولُ: يمِنَعونه من عقابِ اللَّهِ وعذابِه إذا
عاقبه وعذَّبه .
وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ مُنَصِرًا﴾. يقولُ: ولم يكنْ ممتَنِعا من عذابِ اللَّهِ إِذا عذَّبه.
(١) ديوانه ص ٣٣٢ .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٧، ٤٤٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى ابن أبى حاتم.
٢٧٠
سورة الكهف : الآيتان ٤٣، ٤٤
كما حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَا كَانَ
مُنْتَصِرًا﴾. أى: مُمْتَنِعًا(١).
وقولُه: ﴿هُنَالِكَ الْوَيَةُ لِلَّهِ الْحَّ﴾. يقولُ عَّ ذكرُه: ثَمّ، وذلك حينَ حلَّ
عذابُ اللَّهِ بصاحبِ الجَنَّتَيْنِ فى القيامةِ .
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ اٌلْوَلَةُ﴾ ؛ فقرَأ بعضُ أهلِ المدينةِ والبصرةِ
والكوفةِ: ﴿ هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ﴾، بفتح الواوِ من ﴿ الْوَلَةُ﴾ (١) يعْنُون بذلك: هُنالِك
المُوالاةُ للَّهِ. كقولِ اللَّهِ: ﴿اَللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وكقوله :
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [محمد: ١١]. يذهبون بها إلى الولايةِ فى الدِّينِ.
وقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ : (هُنالك الوِلايَةُ). بكسرِ الواوِ (٣)، من المُلْكِ
والسلطانِ ، من قولِ القائلِ: وَلِيتُ عملَ كذا، أو بْدَ كذا أَلِيه ولايَةً .
وأولى القراءتين فى ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأ بكسرٍ الواوِ ، وذلك أنَّ اللَّهَ
عقَّبَ ذلك خبرَه عن مُلكِه وسُلطانِهِ ، وأن مَن أحَلَّ به نِقْمتَه يومَ القيامةِ فلا ناصرَ له
يومئذٍ ، فإتباعُ ذلك الخبرَ عن انفرادِه بالمملكةِ والسلطانِ أولى من الخبرِ عن المُوالاةِ
التى لم يجرِ لها ذكرٌ، ولا معنىّ لقولٍ من قال: لا يُسمَّى سلطانُ اللَّهِ ولايةً، وإنما
يُسمَّى ذلك سلطانُ البشرِ؛ لأَنَّ الولايةَ معناها أنَّ يَلى أمرَ خلقِه منفردًا به دونَ جميعٍ
خَلْقِهِ ، لا أنه يكونُ أميرًا عليهم .
واخْتَلَفوا أيضًا فى قراءةِ قولِه: ﴿الْحَقَّ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ المدينةِ والعراقِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٢) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم ونافع وابن عامر. حجة القراءات ص ٤١٨ .
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى. حجة القراءات ص ٤١٨.
٢٧١
سورة الكهف : الآيتان ٤٣، ٤٤
خفضًا (١) ، على توجيههِ إلى أنَّه من نعتِ اللَّهِ ، وإلى أن معنَى الكلام: هُنالِك الولايةُ
اللَّهِ الحقُّ ألوهتُه، لا الباطل بطولَ "ألوهةِ الآلهةِ" التى يَدْعوها المشركون باللَّهِ آلهةً.
وقرّأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ وبعضُ متأخّرِى الكوفيِّين: (للَّهِ الحَقُّ). برفع
((الحقُّ))(٢) توجيهًا منهما) إلى أنه من نعتِ الولاية، ومعناه: هنالك الولايةُ الحقُّ لا
الباطلُ ، للَّهِ وحده لا شريك له .
/وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصواب (٢) قراءةُ مَن قرأه خفضًا على أنه من ٢٠٢/١٥
نعتِ اللَّهِ ، وأن معناه ما وصَفتُ على قراءةٍ مَن قرَأَه كذلك.
وقولُه: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: اللَّهُ(١) خيرٌ للمُنيبين فى العاجلِ
والآجلِ ثوابًا، ﴿ وَخَيْرُ عُقْبًا﴾. يقولُ: وخيرُهم عاقبةً فى الآجلِ إذا صار إليه المطيعُ
له ، العاملُ بما أمَرَه اللّهُ، والمُنْتَهِى عمَّا نهاه عنه . والعُقْبُ هو العاقبةُ ، يُقالُ : عاقبةُ أمرٍ
كذا وعُقْباه وعُقْبُه. وذلك آخِرُه وما يصيرُ إليه مُنتَهاهُ .
وقد اختلَف القرأةُ فى قراءةِ ذلك فقرَأَتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ عُقْبًا﴾ بضمِّ
العينِ وتسكينِ القافِ(٧) .
والقولُ فى ذلك عندنا، أنهما قراءتان مُستَفيضَتانٍ فى قرَأةِ الأمصارِ بمعنَّى
واحدٍ ، فبأيّتِهما قرَأ القارئُّ فمُصِيبٌ .
(١) وهى قراءة ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر وحمزة. حجة القراءات ص ٤١٩.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ف: ((ألوهيته)).
(٣) وهى قراءة أبى عمرو والكسائى . حجة القراءات ص ٤١٩ .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((منها)).
(٥) القراءتان متواترتان .
(٦) سقط من : م ، ت ١، ف .
(٧) وهى قراءة عاصم وحمزة . والقراءة الأخرى بضم العين والقاف - لم تُذْكر، لعلها سقطت من =
٢٧٢
سورة الكهف : الآية ٤٥
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه : ﴿ وَأَضْرِبْ لَمُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَْتَهُ مِنَ
السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُؤُهُ الرَِّحُ وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
مُقْنَدِرًا
٤٥
يقولُ عزَّ ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ ◌ّهِ: واضرِبْ لحياةٍ هؤلاء المُستَكبِرين - الذين
قالوا لك : اطرُدْ عنك هؤلاء الذين يَدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيّ ، إذا نحن جئناك -
الدُّنيا مِنهم مَثَلًا. يقولُ: شَبَهًا. ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. يقولُ: كمطرٍ أَنزَلْناه
من السماءِ إلى الأرضِ) ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فاختَلَط بالماءِ
نباتُ الأرضِ، ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾. يقولُ: فأصبَح نباتُ الأرضِ يابسًا مُتَفَتًَّا،
﴿ نَذْرُوهُ الْرَّجُ﴾. يقولُ: تُطيُّه الرياحُ وتُفرّقُه، يقالُ منه: ذَرَته الريحُ تَذْرُوه ذَرْوًا،
وذَرَتْه ذَرْيًا، وأَذْرَته تُذْرِيهِ إذْرَاءٌ(١) ، كما قال الشاعرُ(٢):
فَيَذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطاةِ فَتُزْلَقِ
فَقُلْتُ لَهُ صَوِّبْ وَلا تُجْهِدَنَّه
يُقال: أَذْرَيتُ الرجلَ عن الدَّابةِ والبعيرِ : إذا أَلْقَيْتُه عنه.
وقولُه: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ يقولُ: وكان اللَّهُ على تخريبِ جَنَّةٍ
هذا القائلِ حينَ دخَل ◌َنَّتَه: ﴿ مَآ أَظُنُّ أَنْ تِيدَ هَذِهٍِ أَبَدًا وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ
قَآئِمَةٌ﴾ . وإهلاكِ أموالِ ذى الأموالِ الباخلين بها عن حقوقِها، وإزالةِ دنْيا
الكافرين به عنهم، [٢٩٥/٢ و] وغير ذلك مما یشاءُ، قادرًا لا يُعجِزُه شىءٌ أرادَه، ولا
يُغْيِيه أمرٌ أرادَه، يقولُ: فلا يَفْخَرْ ذو الأموالِ بكثرةِ أموالِه ، ولا يستكبِرْ على غيرِهِ
= الناسخ - هى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى عمرو والكسائى. السبعة ص ٣٩٢ .
(١ - ١) سقط من: م، ف .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((اذراه)). وينظر اللسان ( ذرا).
(٣) هو امرؤ القيس . ديوانه ص ١٧٤ .
٢٧٣
سورة الكهف : الآيتان ٤٥، ٤٦
بها ، ولا يغترَّنَّ أهلُ الدنيا بدُنْياهم ؛ فإنَّا مَثَلُها مَثَلُ هذا النباتِ الذى حسُن اسْتِواؤه
بالمطرِ، فلم يكنْ إِلا رَيْثَ أن انْقطَع / عنه الماءُ، فتناهى نهايتَه، عاد يَبِسًا تَذْرُوه ٢٥٣/١٥
الرياح، فاسدًا ، تَنْبُو عنه أعينُ الناظرين، ولكنْ ليعمَلْ للباقى الذى لا يَفْنَى ، والدائم
الذى لا يَبِيدُ ولا يتغيَّرُ.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأُ وَالْبَقِيَتُ
الصَِّحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرُّ أَمَلًا
٤٦٦
يقولُ تعالى ذكرُه : المالُ والبنونَ ، أيُّها الناسُ، التى يفخَرُ بها عيينةُ والأقرعُ،
ويتكبَّران بها على سلمانَ وخبابٍ وصهيبٍ ، مما يُتَزِيَّنُ به فى الحياةِ الدنيا ، وليسا من
عُدَدٍ(٢) الآخرةِ، ﴿ وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيُّ عِندَ رَبِّكَ ثَّوَابًا﴾. يقولُ: وما يعمَلُ
سلمانُ وخبابٌ وصهيبٌ من طاعةِ اللَّهِ ودعائِهم ربَّهم بالغداةِ والعشىِّ يُرِيدُون
وجهَه، الباقى لهم من الأعمالِ الصالحةِ بعدَ فناءِ الحياةِ الدُّنيا ، خيرٌ يا محمدُ عندَ
ربِّك ثوابًا من المالِ والبنينَ التى يَفتخِرُ هؤلاء المشرِكون بها ، التى تَفْنَى ، فلا تَبْقَى
لأهلِها، ﴿ وَخَيْرُ أَمَلًا﴾. يقولُ: وما يُؤْمِّلُ من ذلك سلمانُ وصهيبٌ وخبابٌ،
خيرٌ مما يُؤْمِّلُ عبينةُ والأقرُ من أموالِهما وأولادِهما . وهذه الآياتُ من لَدُنِ قولِه :
﴿ وَآَتْلُ مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٢٧]. إلى هذا الموضع، ذُكِر
أنها نزلت فى عيينةَ والأقرع .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ عمرٍو العنقزىُّ، قال: ثنا أبى، قال : ثنا أسباطُ بنُّ نصرٍ ، عن
السدئِ ، عن أبی سعد (٢) الأزدئِّ، و کان قارئًّالأزدِ ، عن أبی الکنودِ ، عن خبابٍ
(١) فى م: ((يابسًا)).
(٢) فى م: (( عداد )).
(٣) فى م: ((سعيد)). وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٤٤/٣٣.
( تفسير الطبرى ١٨/١٥ )
٢٧٤
سورة الكهف : الآية ٤٦
فى قوله: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ اُلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَدِ والعَشِ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ثم ذكر
القصةَ التى قد ذكرناها فى سورة الأنعامِ فى قصةٍ عيينةً والأفرع، إلى قوله: (١ ﴿ وَلَا
نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾. قال: عيينةُ والأقرعُ. ﴿ وَأَتَّبَعَ هَوَئِهُ﴾
(٢)
[الكهف: ٢٨]. قال: ثم ضرَب لهم مثلًا رجلين، ومثلَ الحياةِ الدنيا(*).
واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بالباقياتِ الصالحاتِ ، اختلافَهم فى المعنىِّ
بالدعاءِ الذى وصَف جلَّ ثناؤه به الذين(٥) نَهَى رسولَ اللَّهِ يَ ◌ِّ عن طردِهم، وأمَرهُ(١)
بالصبرِ معهم ؛ فقال بعضُهم: هى الصلواتُ الخمسُ. وقال بعضُهم: هى ذكرُ اللَّهِ
بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ والتَّهليلِ، ونحوِ ذلك . وقال بعضُهم: هى العملُ بطاعةِ اللَّهِ .
وقال بعضُهم : الكلامُ الطيّبُ .
ذكرُ مَن قال: هى الصلوات الخمسُ
حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ الأنماطىُّ ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ كاسب ، قال : ثنا
عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ الأموىُّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ بنِ هرمزَ يُحدِّثُ عن
عبيدِ اللَّهِ بن عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿ الْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ﴾ : الصلواتُ
الخمس .
حدَّثنی زُرِيقُ بنُ السَّختِ(٢) ، قال: ثنا قَبِيصَةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ
(١ - ١) سقط من: ت ١، ف .
(٢) بعده فى م، ت ١، ف: ((قال)).
(٣) بعده فى م: ((قال)) .
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٥٩/٩، ٢٦٠ .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((والذى)).
(٦) فى ص، ت ٢، ف: (( أمرهم)) .
(٧) فى م: ((إسحاق)). وينظر الإكمال لابن ماكولا ٥٦/٤ .
٢٧٥
سورة الكهف : الآية ٤٦
مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿ وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾. قال: الصلواتُ
(١)
الخمس(١).
/ حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمُ المسعودىُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن ٢٥٤/١٥
الأعمش، عن أبى إسحاقَ عن عمرو بنٍ شُرَحبيلَ فى هذه الآيةِ: ﴿ وَاَلْبَقِيَتُ
الصَّلِحَتُ﴾. قال: هى الصلواتُ(٢) المكتوباتُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
عبدِ اللهِ بنِ مسلم، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿ اٌلْبَقِيَتُ
الصَّلِحَتُ﴾: الصلواتُ الخمسُ() .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن الحسنِ بنِ
عبيدِ (٤) اللَّهِ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿الْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾: الصلواتُ الخمسُ().
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى
ميْسرةَ: ﴿ وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ.
ذكرُ مَن قال: هنَّ ذكرُ اللَّهِ بِالتَّسبيحِ والتَّحميدِ ونحوِ ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ ومحمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ ، قالوا : ثنا
عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ ، قال: أخبرنا حَيْوةُ ، قال: أخبرنا أبو عَقيلِ زُهرةُ بنُ مَعْبَدِ القرشىُّ ،
من بنى تَيْم من رَهطِ أبى بكرِ الصدِّيقِ، أَنَّه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ ،
(١) تفسير سفيان الثورى ص ٥٤١ .
(٢) بعده فى ت ٢: (( الخمس)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٢/٢، وتفسير الثورى ص ١٨٩.
(٤) فى م: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ١٩٩/٦.
(٥) تفسير الثورى ص ١٨٩ .
(٦) فى ص، ت١، ت ٢، ف: ((تميم)).
٢٧٦
سورة الكهف : الآية ٤٦
يقولُ: قيل لعثمانَ: ما الباقياتُ الصالحاتُ؟ قال: هنَّ لا إلهَ إلَّ اللَّهُ، وسبحانَ اللَّهِ،
والحمدُ للَّهِ، واللَّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُؤَّةَ إلَّ بِاللَّهِ(١) .
حدَّثنى سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال: ثنا أبو زرعةَ، قال: ثنا حَيْوةُ ،
قال : ثنا أبو عَقيلِ زهرةُ بنُ معبدٍ ، أنه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ يقولُ : قيل
لعثمانَ بنِ عفانَ: ما الباقياتُ الصالحاتِ؟ قال: هى لا إلهَ إلَّ اللَّهُ، وسبحانَ اللَّهِ
وبحمدِهِ، واللَّهُ أكبرُ، والحمدُ للَّهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّ باللّهِ.
حدَّثنى ابنُ عبدِ الرحيمِ البرقيُّ ، قال : ثنا ابنُ أبى مريمَ ، قال : ثنا نافعُ بنُ یزیدَ
ورِشْدِينُ بنُ سعدٍ ، قالا : ثنا زهرةُ بنُ معبدٍ ، قال : سمِعتُ الحارثَ مولى عثمانَ بنِ
عفانَ يقولُ : قالوا لعثمانَ : ما الباقياتُ الصالحاتُ ؟ فذكَر مثلَه .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن
مسلم بن هرمزَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَالْنَقِيَتُ
الصَّلِحَتُ﴾. قال: سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ(٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعت عبدَ المَلِكِ، عن عطاءٍ ،
عن ابنِ عباسٍ [٢٩٥/٢ ظ] فى قوله: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾. قال: سبحانَ اللَّهِ ،
والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غنّامٍ، عن زائدةً، عن عبدِ الملكِ ، عن
عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
(١) هذا الأثر والأثران اللذان بعده تقدم طرف من كل منهما فى ٦١٥/١٢، ٦١٦. فى تفسير قوله تعالى:
﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات﴾. وينظر تخريج هذا الأثر ثم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
٢٧٧
سورة الكهف : الآية ٤٦
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا مالكٌ، عن عمارةَ بنِ عبدِ اللهِ
ابنِ صَّدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: ﴿اٌلْنَقِيَتُ الصَّالِحَتُ﴾: سبحانَ اللَّهِ،
والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّ بِاللَّهِ(١).
/حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنی حجاج، عن ابن جريج، عن ٢٥٥/١٥
مجاهدٍ ، قال: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيمٍ ، عن نافعِ بنِ سَرْجَسٍ ، أنه أخبرَه
أنه سأل ابنَ عمرَ عن الباقياتِ الصالحاتِ، قال: لا إلهَ إلَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، وسبحانَ
اللَّهِ ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ(٢).
قال ابنُ جريج: وقال عطاءُ بنُ أبى رَباح مثلَ ذلك(٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ ، قال: ﴿ اٌلْنَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾: سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلَّا
اللَّهُ ، واللَّهُ أكبرُ(٤) .
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ بنحوِه .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه :
﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾. قال: سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلَّ اللَّهُ، واللَّهُ
أكبرُ.
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٥٨/٥ عن مالك به .
(٢) أخرجه البخارى فى تاريخه ٧٧/١ من طريق آخر عن ابن عمر. وزاد فيه: ((والحمد لله)). وينظر تفسير
ابن کثیر ١٥٨/٥.
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ١٥٧/٥، ١٥٨.
(٤) تفسير الثوری ص ١٨٩ .
٢٧٨
سورة الكهف : الآية ٤٦
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى أبو صخرٍ : أن عبدَ اللهِ بنّ
عبدِ الرحمنِ، مولى سالم بنِ عبدِ اللهِ ، حدَّثه قال: أرسَلنى سالمٌ إلى(١) محمدِ بنِ
كعبِ القُرَظِىِّ، فقال: قل له: القَنِى عندَ زاويةِ القبرِ ؛ فإنَّ لى إليكَ حاجةٌ . قال:
فالْتَقَيا، فسَلَّم أحدُهما على الآخرِ، ثم قال سالمٌ: ما تعدُّ الباقياتِ الصالحاتِ ؟
فقال: لا إلهَ إلَّ اللَّهُ، والحمدُ للَّهِ، وسبحانَ اللَّهِ، واللَّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّ
باللّهِ . فقال له سالمٌ: متى جعَلت فيها لا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّ باللَّهِ؟ فقال: ما زلتُ
أَجعَلُها . قال: فراجَعه مرَّتين أو ثلاثًا فلم ينزِعْ. قال: فَأَتْبِتْ . قال سالم : أجَلْ
فَأَثْبِتُ؛ فإنَّ أبا أيوبَ الأنصارىَّ حدَّثنى أنه سمِع رسولَ اللّهِ مَ له وهو يقولُ: ((عُرِجَ
بِى إلى السّماءِ فَأُرِيتُ إِثْرَاهِيمَ، فقال: يا جِبِرِيلُ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فقالَ: محمَّدٌ .
فَرَخَّبَ بِى وسَهَّلَ، ثمّ قال: مُرْ أمتكَ فليُكْثِروا(٢) من ◌ِراسِ الجنَّةِ؛ فإن تربتها طيّةٌ ،
وأَرْضَها واسِعةٌ . فقلتُ : وما غِراسُ الجنةِ؟ قال: لا حول ولا قوةَ إلا باللّهِ))(٣).
وجَدتُ فى كتابى عن الحسنِ بنِ الصَّباحِ البزَّارِ، عن أبى نصرِ التَّمارِ، عن
عبدِ العزيزِ بنِ مسلمٍ، عن محمدِ بنِ عَجلانَ، عن سعيدِ المَقْتُرِىِّ ، عن أبيه، عن أبى
هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ◌َِّهِ: ((سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ
أْبرُ، هن الباقياتُ الصالحاتُ))(٤).
(١) فى م: (( بن)).
(٢) فى ص، م، ت ٢: ((فلتكثر)).
(٣) أخرجه أحمد ٤١٨/٥ (اليمنية)، وابن حبان (٨٢١) من طريق أبى صخر به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٥٣/٤ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه ، جميعهم بدون القصة فى أوله .
(٤) أخرجه النسائى (١٠٦٨٤)، والطبرانى فى الأوسط (٤٠٢٧)، وفى الصغير ١٤٥/١، والبيهقى فى.
شعب الإيمان (٦٠٦)، والحاكم ٥٤١/١ من طريق عبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عجلان عن سعيد .
المقبرى عن أبى هريرة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٥/٤ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه.
٢٧٩
سورة الكهف : الآية ٤٦
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
الحسنِ وقتادةً فى قولِه: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ﴾. قال: لا إلهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ،
والحمدُ للَّهِ، وسبحانَ اللَّهِ ، هنَّ الباقياتُ الصالحاتُ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنا عمرُو بنُ الحارثِ ، أن
دَرَّاجًا أبا السمح حدَّثه عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد الخُدرىِّ، أن رسولَ اللَّهِ عَلٍ
قال: ((اسْتَكْثِرُوا مِن الباقياتِ الصَّالحاتِ)). قيل: وما هن يا رسولَ اللَّهِ؟ قال:
((المِلَّةُ)). قيل: وما هى يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((التَّكْبِيرُ، والتَّهْلِيلُ، والتَّشْبِيحُ،
والحَمْدُ ، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ))(١).
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى مالكٌ، عن عُمارةَ ابنٍ
صيادٍ، أَنَّه سمِع سعيدَ / بنَ المسيَّبِ يقولُ فى الباقياتِ الصالحاتِ: إنها قولُ العبدِ: ٢٥٦/١٥
اللَّهُ أكبرُ، وسبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ) (٢) ولا إلهَ إلَّ اللَّهُ)، ولا حول ولا قوةَ إلَّ باللَّهِ.
حدَّثنى ابنُ البَرْقِيِّ، قال : ثنا ابنُ أبى مريمَ ، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ ، قال :
ثنى ابنُ عَجْلانَ ، عن عُمارةَ بنِ صِيَّدٍ ، قال: سألنى سعيدُ بنُ المسيَّبِ ، عن الباقياتِ
الصالحاتِ، فقلتُ : الصلاةُ والصيامُ. قال: لم تُصِبْ. فقلتُ : الزكاةُ والحجّ .
فقال: لم تُصِبْ ، ولكنهنَّ الكلماتُ الخمسُ: لا إلهَ إلَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، وسبحانَ
اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ(٣).
(١) أخرجه ابن حبان (٨٤٠)، والطبرانى فى الدعاء (١٦٩٧)، والحاكم ٥١٢/١، ٥١٣، والبيهقى فى
شعب الإيمان (٦٠٥) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أبو يعلى (١٣٨٤)، والطبرانى فى الدعاء (١٦٩٦)،
والبغوى فى شرح السنة (١٢٨٢) عن دراج به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٤ إلى سعيد بن منصور
وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ف .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٥٨/٥ عن محمد بن عجلان .
٢٨٠
سورة الكهف : الآية ٤٦
ذكْرُ مَن قال: هى العملُ بطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ
الخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَبًا وَخَيْرٌّ
أَمَلًا﴾. قال: الأعمالُ الصالحةُ؛ سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلَّ اللَّهُ، واللَّهُ
أكبر.
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَاُلْنَقِيَتُ الصَّالِحَتُ﴾. قال: هى ذكرُ اللَّهِ؛ قولُ: لا إلهَ إِلَّ اللَّهُ، واللَّهُ
أكبرُ، وسبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، وتبارَكَ اللَّهُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّ باللّهِ، وأستغفرُ
اللَّهَ ، وصلَّى اللَّهُ على رسولِ اللَّهِ، والصيامُ والصلاةُ والحُ والصَّدَقَةُ والعتقُ والجهادُ
والصلةُ، وجميعُ أعمالِ الحسناتِ، وهنَّ الباقياتُ الصالحاتُ، [٢٩٦/٢ و] التى تَبْقَى
لأَهلِها فى الجنةِ ما دامتِ السماواتُ والأرضُ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَالْبَقِيَتُ الصَِّلِحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرَّ أَمَلًا﴾. قال: الأعمالُ الصالحةُ(٢).
ذكرُ مَن قال: هى الكلمُ الطَّبُ
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿وَالْنَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾. قال: الكلامُ الطيبُ(٣).
:
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٠/٥ عن على بن أبى طلحة.
(٢) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ١٦٠/٥ عن ابن زيد .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٠/٥ عن العوفى به .