Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة الكهف : الآية ١٩
دقينوسَ الجبارَ فى طلبِهم والتماسِهم، فلما قضَوْا صلاتَهم كما كانوا يفعلون ، قالوا
ليمليخا (١) صاحبٍ نفقتهم الذى كان يبتاُ لهم طعامَهم وشرابهم من المدينةِ، وجاءَهم
بالخبرِ أن دقينوسَ يُلْتَمِسُهم ويسألُ عنهم: أنبِئْنا يا أخى ، ما الذى قال الناسُ فى شأنِنا
عشىَّ أمسٍ عندَ هذا الجبارِ ؟ وهم يظنُّون أنَّهم رقَدوا كبعضٍ ما كانوا يَرْقُّدون ، وقد
خُيّل إليهم أنَّهم قد ناموا كأطولٍ ما كانوا ينامُون فى الليلةِ التى أصبحوا فيها ، حتى
تساءَلُوا بينَهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: كم لَبِشْتَم نيامًا؟ قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ﴾. قالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. وكلَّ ذلك فى أنفسِهم يسيرٌ، فقال
لهم يمليخا : افتُقِدْتُم والتُمِسْتُم بالمدينةِ ، وهو يُريدُ أن يُؤْتَى بكم اليومَ ، فتَذْبَحون
للطواغيتِ ، أو يقتُلَكم، فما شاء اللَّهُ بعدَ ذلك فعل(٢) . فقال لهم مكسلمينا : يا
إِخْوتاه، اعلَموا أنكم ملاقَوْن، فلا تكفُروا بعدَ إيمانِكم إذا دَعاكم عدوُ اللَّهِ(١)، ولا
تُنكِروا الحياةَ التى لا(3) تَبِيدُ بعدَ إِيمانِكم باللّهِ، والحياةَ من بعدِ الموتِ. ثم قالوا ليمليخا:
انطلِقْ إلى المدينةِ فتَسمَّعْ ما يقالُ لنا بها اليومَ، وما الذى نُذكَرُ به عندَ دقينوسَ،
وتلطّفْ، (" ولا تُشعِرَنَّ بنا أحدًا)، وابتعْ () لنا طعامًا فائتنا به، فإنه قد آن لك ، وزِدْنا
على الطعامِ الذى جِئْتنا به ، فإنه كان قليلاً ، فقد أصبحنا جياعًا . ففعَل يمليخا كما كان
يفعَلُ، ووضَع ثيابَه ، وأخَذ الثيابَ التى كان يَتَنكِّرُ فيها، وأخَذ وَرِقًا من نَفقتهم التى
كانت معهم ، التى ضُرِبت بطابَعِ دقينوسَ الملكِ ، فانطلَق يملیخا خارجًا ، فلما مرَّ ببابِ
(١) بعده فى م: (( وكان هو)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ص وعرائس المجالس: ((غدا)).
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٥ - ٥) فی ص: ((يذكرونه)).
(٦ - ٦) فى م: ((ولا يشعرن بنا أحد)).
(٧) فى ت ١، ف: ((ابتغ)).

.
٢٠٢
سورة الكهف : الآية ١٩
الكهف ، رأی الحجارةَ مَنْزوعةً عن باپ الکھف ، فعجب منھا ، ثم مرّ فلم يُیالِ بها ،
حتى أتى المدينةَ مستخْفِيًّا يصُدُّ عن الطريقِ ؛ تخوُّفًا أن يَراه أحدٌ من أهلِها فيعرِفَه،
فيذهبَ به إلى دقينوسَ ، ولا يَشْعُرُ العبدُ الصالحُ أن دقينوسَ وأهلَ زمانِه قد هلكوا قبلَ
ذلك بثلاثِمائةٍ وتسع سنين، أو ما شاء اللَّهُ من ذلك، إذ كان ما بينَ أن نامُوا إلى أن
اسْتَئِقِظوا ثلاثمائةٍ وتسعَ سنين، فلما رأى يمليخا بابَ المدينةِ رفَع بصرَه، فرأى فوقَ
ظهرِ البابِ علامةٌ تكونُ لأهلِ الإِيمانِ إذا كان (أمرُ أهلِ الإِيمانِ) ظاهرًا فيها، فلما رَآها
عجِب وجعَل ينظُرُ مستخفيًا إليها، فنظَريمينًا وشمالاً، فعجِب (١ بينَه وبينَ نفسِه ، ثم
ترَك ذلك البابَ، فتحوَّل إلى بابٍ آخرَ من أبوابِها، فنظَر فرَأى مِن ذلك ما يُحيطُ
بالمدينةِ كلِّها ، ورَأى على كلِّ بابٍ مثلَ ذلك، فجعَل يُخيَّلُ إليه أن المدينةَ ليست
بالمدينةِ التى كان يَغْرِفُ، ورَأى ناسًا كثيرًا ) [٢٨٦/٢ و] محدثين لم يكنْ يَراهم
قبلَ ذلك، فجعَل يمشِى ويعجَبُ ، ويُخيَّلُ إليه أنَّه حَيْرانُ، ثم رجَع إلى البابِ الذى
أَتَّى منه ، فجعَل يَعْجَبُ بينَه وبينَ نفسِه ويقولُ : يا ليتَ شِعرِى ، أمّا هذه عشيةً أمسٍ
فكان المسلمون يُخْفون هذه العلامةً ويَسْتَحْفُون بها ، وأمّا اليومَ فإنَّها ظاهرةٌ ، لعلِّى
٢١٩/١٥ حالمٌ! ثم يرَى أنه ليس بنائم، فأخَذ كساءَه /فجعَله على رأسِه، ثم دخَل المدينةَ
فجعَل يمشى بينَ ظهرَىْ (١) سوقِها ، فيَسْمَعُ ناسًا كثيرًا يَخْلِفون باسمِ عيسى ابنِ مريمَ،
فزادَه فَرَقًا، ورَأى أنه خَيْرانُ، فقام مُسنِدًا ظهرَه إلى جدارٍ مِن جُدُرِ المدينةِ ويقولُ فى
نفسِه : واللهِ ما أدْرِى ما هذا؟ أمّا عشيةً أمسٍ فليس على الأرضِ إنسانٌ يَذْكُرُ عيسى ابنَ
مريمَ إلا قُتِل، وأما الغداةَ فأسمَعُهم وكلُّ إنسانٍ يَذْكُرُ أَمرَ عيسى لا يخافُ ! ثم قال فى
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.
(٢) فى م، ت ٢: ((فتعجب)).
(٣) فى م: (( کثیرین)).
(٤) فى ص، ت ١، ف: ((ظهرانى)).

٢٠٣
سورة الكهف : الآية ١٩
نفسِه: لعلَّ هذه ليست بالمدينةِ التى أعْرِفُ ، أسمَعُ كلامَ أهلِها ، ولا أَعْرِفُ أحدًا منهم،
واللَّهِ ما أعلمُ مدينةٌ قُربَ مدينتنا! فقام كالحيرانِ لا يتوجّهُ وجهًا ، ثم لقِى فتًى مِن أهلِ
المدينةِ ، فقال له: ما اسمُ هذه المدينةِ يا فتَى؟ قال: اسمُها أَفْسُوسُ. فقال فى نفسِه: لعلَّ
بى مشًّا، أو بى أمرًا أَذْهَب عقْلى، واللَّهِ يحِقُّ لى أن أُسرِعَ الخُرُوجَ منها قبلَ أن أُحْزَى
فيها، أو يصيبنى شرٌ(١) فأهلِكَ. هذا الذى يُحدِّثُ به يمليخا أصحابَه حينَ بيِّنُ لهم ما
بهم(٢) ، ثم إنه أفاق فقال: واللهِ لو عجّلتُ الخروجَ من المدينةِ قبلَ أن يُفْطَنَ(٤) بى لكان
أكيسَ لى. فدَنا من الذين يَبيعُون الطعامَ ، فأخْرَج الورِقَ التى كانت معه، فأعطاها
رجلًا منهم، فقال: بغنى بهذه الوَرِقِ يا عبدَ اللَّهِ طعامًا. فأخذَها الرجلُ، فنظَر إلى
ضَرْبِ الوَرِقِ ونقشِها، فعجِب منها، ثم طرَحها إلى رجلٍ مِن أصحابِهِ فنظَر إليها ، ثم
جعَلوا يتطارَمحونها بينَهم من رجلٍ إلى رجلٍ، ويتعجُّون منها، ثم جعَلوا يَتَشاوَرون
بينَهم ويقولُ بعضُهم لبعضٍ : إنَّ هذا الرجلَ قد أصاب كنزًا خبيًا فى الأرضِ منذُ زمانٍ
ودهٍ طويلٍ. فلمّا رَآهم يَتَشاوَرُون من أجلِهِ فِرِق فَرَقًا شديدًا، وجعَل يَرْتَعِدُ ويظُنُّ أنهم
قد فطِنوا به وعرَفوه، وأَنَّهم إنما يُريدون أن يَذْهَبوا به إلى ملِكِهم دقينوسَ يُسلِّمونه إليه،
وجعَل ناسٌ آخرون يأْتُونه فيتعرَّفونه ، فقال لهم وهو شديدُ الفَرَقِ منهم : أفْضِلوا علىَّ،
قد(٥) أخَذْتم وَرِقِى فأمْسِكوا، وأما طعامُكم فلا حاجةً لى به. فقالوا له: مَن أنت يا فتَى؟
وما شأنُك؟ واللَّهِ لقد وَجَدْتَ كَنزًا من كُنوزِ الأوَّلين، وأنت تُريدُ أن تُخْفِيَه منا ، انطلِقْ
معنا فأرِناه، وشارِ كْنا فيه نُخْفٍ عليك ما وَجَدْتَ ، فإنَّك إن لا تفعَلْ نأْتِ بك السلطانَ ،
(١) فى ت ٢: ((شىء)).
(٢) فى ص، م، ف: ((تبين)).
(٣) فى م، ت ٢: (( به).
(٤) فى ص، ت ١، ف: ((يظفر)).
(٥) فى م، ت ٢: ((فقد)).

؛
٢٠٤
سورة الكهف : الآية ١٩
فتُسلِّمْك إليه فيَقْتُلْك. فلمّا سمِع قولَهم، عجِب فى نفسِه فقال: قد وقَّعْتُ فى
كلِّ شىءٍ كنتُ أحذَرُ منه. ثم قالوا: يا فتَى، إِنَّك واللَّهِ ما تَسْتَطِيعُ أن تَكْتُمَ ما
وَجَدْتَ، ((ولا تَظُنَّ فى١) نفسِك أنه سيَخْفَى لك(١) . فجعَل يمليخا لا يَدْرِى ما
يقولُ لهم وما يَرْجِعُ إليهم، وفرِق حتى ما يُحِيرُ إليهم جوابًا(١) ، فلمّا رَأؤه لا يتكلّمُ
أخَذوا كساءَه فطوَّقوه (٤) فى عُنقِه، ثم جعَلوا يَقودُونه فى سِكَكِ المدينةِ مُلَيَا(٥)،
حتى سمِع به مَن فيها، فقيل: أَخِذ رجلٌ عندَه كثرٌ. واجتمع عليه أهلُ المدينةِ
صغيرهم وكبيرُهم، فجعلوا ينظُرون إليه ويقولُون: واللَّهِ ما هذا الفتى مِن أهلِ هذه
المدينةِ(١)، وما رَأيناه فيها قطُ ، وما نَعرِفُه. فجعَل يمليخا لا يَدْرِى ما يقولُ لهم ، مع ما
يَسْمَعُ منهم، فلما اجتَمَع عليه أهلُ المدينةِ فِرِق ، فسكَت فلم يتكلَّمْ ، ولو أنه قال :
إنَّه مِن أهلِ المدينةِ ، لم يُصدَّقْ، وكان مُستيقِنًا أنَّ أباه وإخوته بالمدينةِ ، وأَنَّ حَسَبَهمِن
أهلِ المدينةِ مِن عُظماءِ أهلِها، وأنَّهم سيأتونه إذا سمِعوا، وقد استثقَن أَنَّه من(١) عشيةٍ
أمسٍ يعرِفُ كثيرًا من أهلِها، وأنَّه لا يَعْرِفُ اليومَ مِن أهلِها أحدًا، فبينما هو قائمٌ
كالحيرانِ يَنْتَظرُ متى يأتيه بعضُ أهلِه ؛ أبوه أو بعضُ إخوتِه ، فيخلِّصَه مِن أيدِيهم ، إذ
اختطفوه فانطلَقوا به إلى رأسَى ١ المدينةِ ومدبَِّيْها اللذين يُدبِّران أمرَها، وهما
رَجلان صالحانٍ، كان اسمُ أحدِهما أريوسَ، واسم الآخرِ أُسطيوسَ، فلما / انطُلِقٍ به ٢٢٠/١٥
(١ - ١) فى ص، ف: ((ولا وجدت من))، وفى ت ١: ((وما وجدت من)).
(٢) فى م: ((حالك)).
(٣) فى ص، ت ١، ف: ((شيئًا)).
(٤) فى ص، ت ٢: ((فطوره)).
(٥) لبيت الرجل وليّيته: إذا جعلت فى عنقه ثوبًا أو غيره وجررته به. ينظر النهاية ٢٢٣/٤.
(٦) فى ت ٢: ((القرية)).
(٧) سقط من: ص، ت ١، ف.
(٨) فی م: ( رئیسی)).

٢٠٥
سورة الكهف : الآية ١٩
إليهما ، ظنَّ يمليخا أنه يُنطَلقُ به إلى دقينوسَ الجبارِ ملكِهم الذى هربوا منه ، فجعَل
يلتفِتُ يمينًا وشمالاً، [٢٨٦/٢] وجعَل الناسُ يسخرون منه كما يُسخَرُ من المجنونِ
والحيرانِ، فجعَل يمليخا بيكِى، ثم رفَع رأسه إلى السماءِ وإلى اللَّهِ، ثم قال: اللهمَّ إِلهَ
السماواتِ (١) والأرضِ، أولِجْ معى رُوحًا منك اليومَ تُؤيدُنى به عندَ هذا الجبارِ .
وجعَل يبكِى ويقولُ فى نفسِه: فَرَّق بينى وبينَ إخوتى ، يا ليتهم يعلمون ما لقِيتُ ،
وأَنِّى(٢) يُذْهَبُ بى إلى دقينوسَ الجبارِ، فلو أنهم يعلمون ، فيأتُّون ، فنقومُ جميعًا بينَ
يدَى دقينوسَ، فإِنا كنا تواثَقْنا لنكونَنَّ معًا، لا نكفُرُ باللّهِ ولا نشرِكُ به شيئًا ، ولا نعبدُ
الطواغيتَ من دونِ اللَّهِ ، فرَّق بينى وبينَهم، فلن يرَوْنى ولن أراهم أبدًا، وقد كنَّا
تواثَقْنا أن لا نفترِقَ فى حياةٍ ولا موتٍ أبدًا ، يا ليت شعرى ما هو فاعلٌ بى؟ أقاتلى هو
أم لا؟ ذلك الذى يحدِّثُ به يمليخا نفسَه فيما (٢) أخبر أصحابَه حينَ رجع إليهم .
حتى (٤) انتُهِىَ به (٥) إلى الرجلين الصالحين أريوسَ وأسطيوسَ، فلما رأى يمليخا
أنه لم يُذهبْ به إلى دقينوسَ أفاق وسكن عنه البكاءُ، فأخذ أريوسُ وأسطيوسُ الورِقَ
فنظَرا إليها وعجِبا منها، ثم قال أحدُهما : أين الكنزُ الذى وجَدتَ يا فتى ؟ هذا
الورِقُ يشهدُ عليك أنك قد وجدتَ كنزًا. فقال لهما يمليخا: ما وجدتُ كنزًا،
ولكنَّ هذه الورِقَ ورِقُ آبائى ونقشُ هذه المدينةِ وضَرْبُها، ولكنْ واللَّهِ ما أدرى ما
شأنى ، وما أدرى ما أقولُ لكم. فقال له أحدُهما: ممن أنت؟ فقال له يمليخا : ( أما
ما أَرَى) فكنتُ أرى أنى من أهلِ هذه القريةِ. قالوا : فمن أبوك ومن يعرفُك بها ؟
(١) فى ص، ت ١، ف: ((السماء)).
(٢) فى ص، ت ١، ف: ((أين)).
(٣) فى ت ٢: (( لما)).
(٤) فى م: ((لما))، وفى ت ٢: ((حين)).
(٥) سقط من: ((م)).
(٦ - ٦) فى م: ((ما أدرى)).

٢٠٦
سورة الكهف : الآية ١٩
فأنبأهم باسم أبيه ، فلم يجِدوا أحدًا يعرِفُه ولا أباه ، فقال له أحدُهما: أنت رجلٌ
كذَّابٌ لا تُنْبِقُنا بالحقِّ. فلم يدرِ يمليخا ما يقولُ لهم، غيرَ أنه نكْس بصرَه إلى
الأرضِ ، فقال له بعضُ من حولَه: هذا رجلٌ مجنونٌ . فقال بعضُهم : ليس بمجنونٍ ،
ولكنَّه يُحَمِّقُ نفسَه عمدًا لكى ينفلِتَ منكم. فقال له (١) أحدُهما، ونظَر إليه نظرًا
شديدًا : أتظُنُّ أنك إذ تتجانَنُ نُرسِلُك ونُصدِّقُك بأن هذا مالُ أبيك، وضربُ هذه
الورِقِ ونقشُها منذ أكثرَ من ثلاثمائة سنةٍ ، وإنما أنت غلامٌ شابٌّ، تظنُّ أنك تأفِكُنا ،
ونحن شُخْطٌ كما ترَى، وحولَك سَراةُ أهلِ المدينةِ وولاةُ أَمرِها؟ إنى لأظُتْنِى(٢) سآمُرُ
بك فتعذَّبُ عذابًا شديدًا ، ثم أُوثِقُك حتى تعترفَ بهذا الكنزِ الذى وجدتَ . فلما
قال ذلك قال له(١٢) يمليخا: أنبئونى عن شىءٍ أسألُكم عنه، فإن فعلتم صدَقْتُكم عمَّا
عندى ؛ أرأيتُم دقينوسَ الملكَ الذى كان فى هذه المدينةِ عشيةً أمسٍ ما فعل ؟ فقال له
الرجلُ : ليس على وجهِ الأرضِ رجلٌ اسمُه دقينوسُ ، ولم يكنْ إلا ملكٌ قد هلك منذ
زمانٍ ودهرٍ طويلٍ، وهلَكت بعدَه قرونٌ كثيرةٌ. فقال له يمليخا: فواللهِ إنى إذًا
لحيرانُ ، وما هو بمصدِّقى(٤) أحدٌ من الناس بما أقولُ، واللَّهِ لقد علِمتُ ، لقد فَرَرنا من
الجبارِ دقينوسَ، وإنى قد رأيتُه عشيةً أمسٍ حينَ(*) دخَل مدينةَ أُفسوسَ، ولكن لا
أدرى ، أمدينةُ أَفسوسَ هذه أم لا؟ فانطلِقا معى إلى الكهفِ الذى فى جبلٍ بنجلوسَ
أُريكم أصحابى. فلما سمِع أريوسُ ما يقولُ يمليخا ، قال: يا قومٍ ، لعلَّ هذه آيَةٌ من
آياتِ اللَّهِ جعَلها اللَّهُ(١) لكم على يدَى هذا الفتى ، فانطلقوا بنا معه يُرِنا أصحابَه كما
(١) سقط من: ص، ت ١، ف.
(٢) فى ص، ت ١، ف: ((لأظن)).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى م: (( بمصدق)).
(٥) فى ص، ت ١، ف: (( حتى).
(٦) سقط من: م، ت ٢.

٢٠٧
سورة الكهف : الآية ١٩
قال. فانطلَق معه أريوسُ وأسطيوسُ، وانطلَق معهم أهلُ المدينةِ كبيرُهم وصغيرهم،
نحوَ أصحابِ الكهفِ لینظُروا إليهم .
٢٢١/١٥
ولما رأَى الفتيةُ أصحابُ الكهفِ يمليخا قد احتَبَس عنهم بطعامِهم وشرابهم
عن القدر الذی کان یأتی فیه(٢) ، /ظنوا أنه قد أُخِذ فذُهِب به إلى ملكهم دقینوسَ
الذى هرَبوا منه، فبينما هم يظنُّون ذلك ويتخوَّفونه ، إذ سمِعوا الأصواتَ وجَلْبةَ
الخيلِ مُصعِدَةً نحوَهم، فظنُّوا أنَّهم رُسُلُ الجبارِ دقينوسَ بعَث إليهم ليُؤْتَى بهم،
فقاموا حينَ سمِعوا ذلك إلى الصلاةِ، وسلَّم بعضُهم على بعضٍ، وأوصَى بعضُهم
بعضًا، وقالوا: انطلِقُوا بنا نأْتِ أخانا يمليخا ، فإنَّه الآنَ بينَ يدي الجبارِ دَقْنوسَ ينتظِرُ
متى نأتيه. فبينما هم يقولون ذلك، وهم جُلوسٌ بين ظهرَى (١) الكهفِ ، فلم يَرَوْا إلا
أريوسَ وأصحابَه وُقوفًا على بابٍ الكهفِ ، وقد سبقهم يمليخا ، فدخل عليهم وهو
يَتْكى ، فلما رَأوْه يَتْكى بكَوْا معه، ثم سألوه عن شأنِه ، فأخبرّهم خبرَه، وقصَّ عليهم
النبأَ كلَّه، فعرفوا عندَ ذلك أنَّهم كانوا نيامًا بأمرِ اللَّهِ ذلك الزمانَ كلَّه، وإنما أُوقِظُوا
ليكونُوا آيَةً للناسِ، وتصديقًا للبعثِ ، ولِيعلَموا أنَّ الساعةَ آتية لا ريبَ فيها، ثم دخل
على إثْرِ يمليخا أريوسُ ، فرأى تابوتًا من نُحاسٍ مختومًا بخاتَم من فِضةٍ ، فقام ببابِ
الكهفِ ، ثم دَعا رجالًا من عُظماءِ أهلِ المدينةِ ، ففتَح التابوتَ عندَهم، فوجَدوا فيه
لَوحِينِ مِن رَصاصٍ ، مكتوبٌ(٤) فيهما كتابٌ ، فقرَأهما فوجَد فيهما : إن مَكْسَلْمِينا،
ومحسلمينا، وَمْلِيخا، ومَرْطُونَس، وكشطونش، ويبورس، ويكرنوس،
(١) فى ص، م، ف: ((عليهم)).
(٢) فى ص، م، ت ٢، ف: (( به)).
(٣) فى ت ١: ((ظهرانى)).
(٤) فى م، ت ١، ف: ((مكتوبا)).

٢٠٨
سورة الكهف : الآية ١٩
ويطبيونس(١) قالوس(٢)، كانوا ثمانيةٌ(٣) هربوا من ملكهم دقينوسَ الجبارِ؛ مخافةً أن
يَفْتِنَهم عن دينهم، فدخَلوا هذا الكهفَ ، فلما أَخْبِر بمكانِهِم أمَر بالكهفِ فسُدَّ
عليهم بالحجارةِ ، وإنَّ كتبنا شأنَهم وقصةً خبرِهم؛ ليعلَمَه مَن بعدَهم إن عثَر عليهم .
فلما قرَءوه ، عجِبوا وحمِدوا اللَّهَ الذى أَراهم آيةً للبعثِ فيهم، ثم رفَعوا أصواتَهم
بحمدِ اللَّهِ وتسبيحِه، ثم دخَلوا على الفتيةِ الكهفَ، فَوَجَدوهم جُلوسًا بين ظَهْرَيه،
مُشرِقَةً وُجوهُهم، لم تَبْلَ ثيابُهم، فخرَّ أريوسُ وأصحابُه سجودًا، وحمِدوا اللَّهَ
الذى أراهم آيةٌ مِن آياتِه، ثم كلَّم بعضُهم بعضًا، وأنبأهم الفتيةُ عن الذى(٤) لِقُوا من
ملِكِهم دقينوسَ ذلك الجبارِ الذى كانوا هربوا منه، ثم إن أريوسَ وأصحابَه بعَثُوا بَرِيدًا
إلى ملِكِهم الصالح تيذوسيسَ أن عَجِّلْ ، لعلَّك تَنْظُرُ إلى آيةٍ من آياتِ اللَّهِ، جعَلها
اللَّهُ على ملكِك، وجعَلها آيةً للعالمين؛ لتكونَ(١) لهم نورًا وضياءً، وتصديقًا
بالبعثِ ، فاعجَلْ على فتيةٍ بعَثَهم اللَّهُ ، وقد كان توفّاهم منذُ أكثرَ من ثلاثمائةِ سنةٍ .
فلمَّا أتى الملكَ تيذوسيسَ الخبرُ، قام من المُسَنَّدةِ (١) التى كان عليها، ورجَع إليه رأيُه
وعقلُه، وذهَب عنه همُّه، ورجَع إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، فقال: (أَحْمَدُك اللَّهُ(١) ربَّ
السماواتِ والأرضِ، أعْبُدُك وأحمَدُك، وأُسبِّحُ لك، تطوَّلْتَ علىّ، ورحِمتَنِى
برحمَتِك ، فلم تُطْفِئَّ النورَ الذى كنتَ جعلْتَه لآبائى، وللعبدِ الصالح قسطيطينوس
(١) بعده فى م: (( و)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((قالوش)).
(٣) فى ص، م: (( فتية)) .
(٤) فى م: ((الذين)).
(٥) فى ت ٢، ف: ((ليكون)).
(٦) المسنَّدة: ضرب من الثياب. التاج (س ن د ).
(٧ - ٧) فى م: ((أحمدك اللهم))، وفى ص: ((الحمد لله)).

٢٠٩
سورة الكهف : الآية ١٩
الملكِ. فلما ◌ُبِى١ُّ به أهلُ المدينةِ ركِبوا إليه، وسارُوا معه حتى أَتَوْا مدينةَ أُقْسُوسَ،
فتلقَّاهم أهلُ المدينةِ ، وسارُوا معه حتى أَصعَدوا (٢) نحوَ الكهفِ حتى أتَوْه، فلما رَأى
الفتيةُ تيذوسيسَ فرِحوا به، وخرُّوا سُجودًا على وُجوهِهم، وقام تيذوسيسُ قُدَّامَهم ،
ثم اغْتَنَقهم وبكى، وهم جُلوسٌ بينَ يدَيه على الأرضِ يُسبِّحون اللَّهَ ويَحمَدونه،
ويقولُ(٢): واللَّهِ ما أشبَهَ بكم إلا الحواريون(٤) حين رأوا المسيحَ. وقال: فَرَّج اللَّهُ
عنكم، كأنَّكم الذين تُدْعَون فتُحْشَرون مِن القُبورِ . فقال الفتيةُ لتيذوسيسَ : إنا
نُودِّعُك السلامَ، والسلامُ عليك ورحمةُ اللَّهِ ، حفظك اللَّهُ، وحفِظ لك مُلكَك
بالسلام، ونُعِيذُك باللّهِ مِن شرّ الجنّ والإنسِ، فَآمِن(٥) بعيشٍ مِن / (٢خُلدٍ وَشِي٢٦ٍ، ٢٢/١٥
إن أسوأَ ما سلَك فى بطنِ الإنسانِ أن لا يعلم شيئًا ، لا (٧) كرامةً إن أُكرِم بها ، ولا
هوانًا إن أُهين به. فبينما الملكُ قائمٌ، إذ رجَعوا إلى مضاجِعِهم فنامُوا، وتوقَّى اللَّهُ
أنفسَهم بأمرِهِ، وقام الملِكُ إليهم فجعَل ثيابَه(٨) عليهم، وأمَر أن يُجْعَلَ لكلِّ رجلٍ(٩)
منهم تابوتٌ من ذهبٍ ، فلما أمْسَوْا ونام ، أتَوْه فى المنامِ فقالوا : إنا لم نُخْلَقْ مِن ذهبٍ
ولا فِضةٍ ، ولکنَّا خُلِقْنا من ترابٍ وإلی الترابِ نصیرُ، فاتركْنا كما كنا فى الكهفِ
على الترابٍ حتى يبعثَنا اللَّهُ منه. فأمَرَ الملكُ حينئذٍ بتابوتٍ من ساج(١) فجعَلوهم فيه،
(١) فى م: (( نبأ)) .
(٢) فى م: ((صعدوا)). وكلاهما بمعنى.
(٣) فى ت ١، ت ٢: ((يقولون)).
(٤) فى ص: ((الحراد))، وفى ت ٢، ف: ((الجراد)).
(٥) فى م: ((فأمر)).
(٦ - ٦) فى م: ((خُلُّر ونشيل)).
(٧) فى ص، م، ف: ((إلا)).
(٨) فى ت ١: ((ثيابهم)).
(٩) فى ت ٢، ف: (( واحد)).
(١٠) الساج: ضرب عظيم من الشجر، قال الزمخشرى: الساج خشب أسود رزين، ولا تكاد الأرض تبليه .
التاج (س و ج).
( تفسير الطبرى ١٤/١٥ )

٢١٠
سورة الكهف : الآية ١٩
وحجَبَهم اللَّهُ حينَ خرَجوا من عندِهم بالرغْبِ، فلم يَقْدِرْ أحدٌ منهم (١) على أن
يَدْخُلَ عليهم، وأمر الملكُ فجعَل كهفَهم مسجدًا يُصَلَّى فيه، وجعَل لهم عيدًا
عظيمًا، وأمر أن يُؤْتَى كلَّ سنةٍ. فهذا حديثُ أصحابٍ الكهفِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبى رَوَّادٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
◌ُبيدِ بنِ عُميرٍ ، قال: بعَثهم اللَّهُ - يعنى الفتيةَ أصحابَ الكهفِ - وقد سُلِّط عليهم
ملِكَ مسلمٌ - يعنى على أهلِ مدينتهم - وسلَّط اللّهُ على الفتيةِ الجوعَ ، فقال قائل
منهم: ﴿كَمْ لَبِئْتُمْ﴾؟ قالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قال: فردُوا علمَ
ذلك إلى اللَّهِ، قالُوا: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ
هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. وإذا معهم وَرِقٌ من ضربِ الملكِ الذى كانوا فى زمانِه،
﴿ فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾. أى بطعامٍ، ﴿ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾. فخرَج
أحدُهم فرَأى المعالِمَ متنكرةً ، حتى انتهى إلى المدينةِ ، فاستقبَله الناسُ لا يَعْرِفُ منهم
أحدًا (٢) ولا يعرِفونه ، حتى انتَهى إلى صاحبٍ طعامٍ ، فسامَه بطعامِه ، فقال صاحبُ
الطعامِ : هاتٍ وَرِقَك. فأخرَج إليه الوَرِقَ، فقال: مِن أين لك هذه () الوَرِقُ؟ قال :
هذه وَرِقُنا ووَرِقُ أهلِ بلادِنا. فقال: هيهاتَ، هذه الوَرِقُ مِن ضَرْبٍ فلانٍ بنٍ فلانٍ ،
منذُ ثلاثمائةٍ سنةٍ(°) وتسع سنينَ، أنت أصبْتَ كَنزًا ، ولستُ بتارِكِك حتى أرْفعَك إلى
الملكِ. " فرفَعه إلى الملكِ)، وإذا الملكُ مسلمٌ وأصحابُه مُسلِمون، ففرح واستبشَر،
(١) سقط من: ص، م.
(٢) ذكره الثعالبى فى عرائس المجالس ٣٧٨ - ٣٨٥، والبغوى ١٥٠/٥-١٥٥ عن ابن إسحاق.
(٣) بعده فى ص، م: (( فخرج)).
(٤) فى م: ((هذا)).
(٥) ليست فى ت ٢، ف .
(٦ - ٦) سقط من: ت ١، ت ٢.

٢١١
سورة الكهف : الآية ١٩
وأظْهَر لهم أمرَه ، وأخبَرَهم خبرَ أصحابِهِ ، فبعثوا إلى اللوح فى الخِزانةِ فَأَتَوْا به ، فوافَق
ما وَصَف من أمرِهم، فقال المشركون: نحن أحقُّ بهم، هؤلاء أبناءُ آبائِنا (١). وقال
المسلمون : نحن أحقُّ بهم، هم مسلمون منا. فانطلَقوا معه إلى الكهفِ، [٢٨٧/٢ظ]
فلما أتَوْا بابَ الكهفِ قال: دعُونى حتى أَدْخُلَ على أصحابى فَأَبُشِّرَهم(٢) ، فإِنَّهم إن
رَأَوْكم معى أَرْعَبْتُموهم. فدخَل فبشَّرهم، وقبض اللَّهُ أرواحهم. قال: وعمَى اللَّهُ
عليهم مكانَهم فلم يَهْتَدوا، فقال المشركون: نَبْنى عليهم بُنْيانًا، فإنَّهم أبناءُ آبائِنا ،
ونعبْدُ اللَّهَ فيه (١) . وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبنى عليهم مسجدًا
نُصلِّی فيه ، ونعبدُ اللَّهَ فيه .
وأولَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ عندى قولُ من قال: إِنَّ اللّه تعالى بعثَهم مِن
رَقْدِهِم ليتساءَلُوا بِينَهم، كما بيَّنَّا قبلُ؛ لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذكرُه كذلك أخبرَ عبادَه فى
كتابِهِ، وإِنَّ اللَّهَ أعثَر عليهم القومَ الذين أعثَرهم عليهم ؛ ليتحقَّقَ عندَهم ببعثِ اللَّهِ
هؤلاء الفتيةَ مِن رقدتِهم بعدَ طُولٍ مُدَّتِها (" بهيئتهم يومَ رقَدوا ، ولم يَشِيئُوا على مرٌ
الأيامِ والليالى عليهم، ولم يَهْرَموا على كرّ الدُّهورِ) والأزمانِ فيهم - قدرتُه على
بَعْثِ مَن أماته فى الدنيا مِن / قبرِه إلى موقِفِ القيامةِ يومَ القيامةِ؛ لأَنَّ اللَّهَ عزَّ ذكره ٢٢٣/١٥
بذلك أخبرَنا، فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأَنَّ
السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾ [الكهف: ٢١].
واختلفت القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِةٍ
(١) فى ت ٢: ((أبناؤنا)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((حتى أبشرهم)).
(٣) فى ص، م: (( فيها)) .
(٤ - ٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف .
.

٢١٢
سورة الكهف : الآية ١٩
فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةٍ أهل المدينةِ وبعضُ العراقيين: ﴿ بِوَرِقِكُمْ هَذِهٍِ ﴾ . بفتح الواوِ
وكسرِ الراءِ والقافٍ(١).
وقرَأَ عامَّةُ قرَأةِ الكوفة والبصرةِ : ( بوَرْقِكم). بسكونِ الراءِ وكسرِ القافٍ (٢).
وقرأه بعضُ المكيين بكسرِ الراءِ وإدغامِ القافِ فى الكافٍ(٣).
وكلَّ هذه القراءاتِ متَّفِقاتُ المعانى وإن اختلَفتِ الألفاظُ منها، وهنَّ لغاتٌ
معروفاتٌ من كلامِ العربِ، غيرَ أنَّ الأُصلَ فى ذلك فتحُ الواوِ وكسرُ الراءِ والقافِ ؛
لأَنَّه الوَرِقُ، وما عدا ذلك فإنما هو داخلٌ عليه طَلَبَ التخفيفِ . وفيه أيضًا لُغةٌ أُخْرى
وهو ((الوِزْقُ))، كما يقالُ للكَبِدِ : كِبْدٌ . فإذ كان ذلك هو الأصلَ، فالقراءةُ به إلىّ
أعجبُ ، مِن غيرِ أن تكونَ الأُخْريان مدفوعةً صحَّتُهما .
وقد ذَكَوْنا الروايةَ بأن الذى بُعِث معه بالوَرِقِ إلى المدينةِ كان اسمُه يَمْلِيْخا .
وقد حدَّثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ محمدِ الزُّهْرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مقاتل :
﴿ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهٍِ﴾: اسمُهُ يَمْلِيخ(٤).
وأما قولُه: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَ أَزْكَى طَعَامًا﴾ . فإنَّ أهلَ التأويلِ اختَلَفوا فى
تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه : فلْيَنْظُرْ أَىُّ أهلِ المدينةِ أكثرُ طعامًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ بشار، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيان ، عن أمی خَصِینٍ ، عن
(١) هى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائى وحفص عن عاصم. التيسير ص ١١٦.
(٢) هى قراءة أبى عمرو وحمزة وأبى بكر عن عاصم . المصدر السابق .
(٣) القراءة شاذة، وهى قراءة ابن محيصن. ينظر السبعة ٣٨٩، حجة القراءات ٤١٣، إتحاف فضلاء البشر ١٧٦.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((تميخ))، وفى ف: ((تمليخ)).

٢١٣
سورة الكهف : الآية ١٩
عكرِمةَ: ﴿ أَيُّ أَزَكَى طَعَامًا﴾ قال: أكثرٍ(١).
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخبرَنا الثورىُّ، عن أبى
خَصِينٍ، عن عكرمةَ مثلَه، إِلَّا أنه قال: أَيُّهُ أكْثَ(٢) .
وقال آخرون : بل معناه : أيُّها أحلُّ طعامًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبى خصِینٍ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿ أَيُّ أَزَكَى طَعَامًا﴾. قال : أحلُ(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوریُّ، عن
أبى حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه(٤).
وقال آخرون: بل معناه : أيُّها خيرٌ طعامًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿أَزَكَى طَعَامًا﴾. قال: خيرٌ طعامًا(4) .
وأولَى الأقوالِ عندى فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أحلُّ
وأطهَرُ. وذلك أنَّه لا معنَى فى اختيارِ الأكثرِ طعامًا للشراءِ منه ، إلا بمعنَى إذا كان
(١) ينظر البحر المحيط ٦/ ١١١.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠، وتفسير الثورى ص ١٧٧.
(٣) تفسير الثورى ص ١٧٧.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٤٠٠/١.

٢١٤
سورة الكهف : الآية ١٩
٢٢٤/١٥
أكثرُهم طعامًا كان خليقًا أن يكونَ الأفضلُ منه عندَه (٢١ / أوجدَ، وإذا شُرِط على
المأمورِ الشراءُ من صاحبِ الأفضل ، فقد أمر بشراء الجيدِ ، كان ما عندَ المشترَى ذلك
منه قليلًا الجيدُ أو كثيرًا. وإنَّما وجه من وجّه تأويلَ ﴿أَزْكَى﴾ إلى الأكثرِ؛ لأنَّه وجَد
العربَ تقولُ: قد زَكا مالُ فلانٍ. إذا كثُر. وكما قال الشاعرُ(١):
قَبائلُنا سَبْعٌ وأنتم ثَلاثةٌ ولَلَبْعُ أَزْكَى مِن ثلاثٍ وَأَطْيبُ
بمعنى: أكثرُ. وذلك وإن كان كذلك، فإِنَّ الحلالَ الجيّدَ، وإن قلَّ، أكثرُ من
الحرامِ الخبيثِ وإن كثُر.
وقيل: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيَُّ﴾ . فأَضِيف إلى كنايةِ المدينةِ، والمرادُ بها أهلُها؛ لأنَّ
تأويلَ الكلام: فلْيَنْظُرْ أَىُّ أهلِها أزكى طعامًا . لمعرفةِ السامعِ بالمرادِ مِن الكلامِ .
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونوا عَنَوا بقولِهِم: ﴿ أَيُّ أَزَكَى طَعَامًا﴾: أيُّها أحلٌ؛ من
أجل أنَّهم كانوا فارَقوا قومَهم وهم أهلُ أوثانٍ ، فلم يَسْتَجِيزوا أكلَ ذبيحتِهم .
وقولُه : ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِزْقٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: فَلْيَأْتِكم بقوتٍ منه تَقْتَاتُونه ،
وطعامٍ أْكُلونه.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبِى رَوَّادٍ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عبيدِ بنِ عُميرٍ: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. قال بطعامٍ .
وقوله: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾. يقولُ: وليترفقْ فى شرائه ما يَشْتَرِىءُ وفى طريقِه
ودخولِه المدينةَ، ﴿ وَلَا يُشْعِرَنَ بِكُمْ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يُعْلِمَنَّ بكم أحدًا
(١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.
(٢) البيت فى كتاب سيبويه ٥٦٥/٣ للقتال الكلابى، وفى مجاز القرآن لأبى عبيدة ٢٣٧/١، ٣٩٧ غير
منسوب، وفيه: ((أكثر)) بدل (( أطيب)).

٢١٥
سورة الكهف : الآيات ١٩ - ٢١
من الناسٍ .
وقولُه: ﴿إِنَهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُنْ يَرْجُمُوَكُمْ﴾. يَعِنُون بذلك دقينوسَ
وأصحابَه . قالوا : إنَّ دقينوسَ وأصحابَه إن يَظْهَروا عليكم فيَعْلَموا مكانكم،
يَرْجُموكم [٢٨٨/٢و] شتمًا بالقولِ .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ فى
قوله: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُنْ يَرْجُمُوَكُمْ ﴾. قال: يَشْتُموكم بالقولِ،
(١)
يُؤْذُوكم(١).
وقولُه: ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ﴾. يقولُ: أو يردُّوكم فى دينهم،
فتصِيروا كفارًا بعبادة الأوثانِ، ﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوْاْ إِذَا أَبَدًا﴾. يقولُ: ولن تُذْرِكوا(٢)
الفلاحَ، وهو البقاءُ الدائمُ والخلودُ فى الجنانِ، ﴿ إِذَا﴾. أى: إن أنتم عُدْتم فى
ملتِهم ، ﴿ أَبَدًا ﴾ : أيامَ حياتِكم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الَّهِ
حَقٌّ وَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمّ فَقَالُواْ أَبْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَنَّا رَتْهُمْ
٢١
أَعْلَمُ بِهِذَّ قَالَ الَّذِينَ غَبُواْ عَلَىَ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا
/یقول تعالی ذکژه: و کما بعثناهم بعد طولِ رَقْدَتِھم کھیئتهم ساعةَ رقَدوا، ٢٢٥/١٥
ليتساءَلوا بينَهم فيزْدادوا بعظيم سلطانِ اللَّه بصيرةٌ، وبحُسنِ دِفاع اللَّهِ عن أوليائِه
معرفةٌ، ﴿ كَذَلِكَ أَعْثَرَنَا عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: كذلك أطلَعْنا عليهم الفريقَ الآخرَ
الذين كانوا فى شكُّ من(١) قُدرةِ اللَّهِ على إحياءِ الموتَى، وفى مِرْيةٍ مِن إنشاءِ أجسامٍ
(١) ينظر تفسير البغوى ١٦٠/٥.
(٢) بعده فى ت ٢: (( به )) .
(٣) فى ت ١: ((فى)).

٢١٦
سورة الكهف : الآية ٢١
خلقِه كهيئتِهم يومَ قبَضهم ١ بعد البِلَى، فيَعْلَموا أنَّ وَعْدَ اللَّهِ خلقَه أنَّه باعثُهم من
قبورِهم بعد بَلائِهم، ومحييهم بعد فنائِهم، كما بدَأهم " أولَ مرةٍ ١ حقٌّ، ويُوقِنوا
أنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريب فيها .
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَكَذَلِكَ
أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: أَطْلَغْنا عليهم؛ ليعلَمَ من كذَّب بهذا الحديثِ أنَّ وعدَ اللَّهِ
حقٍّ، وأنَّ الساعةَ آتيةٌ (٤) لا ريب فيها .
وقولُهُ: ﴿إِذْ يَتَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمّ ﴾. يعنى الذين أُغْثِروا على الفتيةِ.
يقولُ تعالى: وكذلك أْثَوْنا هؤلاء المختلفين فى قيامِ الساعةِ وإحياءِ اللَّهِ الموتَى بعدَ
ماتِهم من قومٍ تيذوسيسَ ، حينَ يَتنازَعُون بينهم أمرَهم فيما اللَّهُ فاعلٌ بمن أقْناه من
عبادِهِ فأبْلاه فى قبرِهِ بعدَ مماتِهِ، أَمُنْشِئُهم هو أم غيرُ مُنْشِئِهم .
وقولُه: ﴿فَقَالُواْ أَبْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَقًا ﴾. يقولُ: فقال الذين أَعْثَوْناهم على
أصحابِ الكهفِ: ابْنُوا عليهم بُنيانًا، ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾. يقولُ: ربُّ الفتيةِ
أعلمُ بالفتيةِ وشأنِهم .
(١) فى ص: ((قبضتهم)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) فى ف: ((كإبدائهم)).
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.
(٥) فى ص: ((منشئهم)) .

٢١٧
سورة الكهف : الآيتان ٢٢،٢١
وقولُه: ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىَّ أَمْرِهِمْ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: قال القومُ الذين
غلبوا على أمرٍ أصحابِ الكهفِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾.
وقد اخْتُلِف (فى قائلى هذه المقالةِ، أهم الرهطُ المسلمون، أم هم
الكفارُ(٢)؟ وقد ذَكَوْنا بعضَ ذلك فيما مضَى(٣)، وسنذكُرُ إن شاء اللَّهُ ما لم يَمْضٍ
منه .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم
مَسْجِدًا﴾. قال : يعنى عدوّهم .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبى رؤَّادٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
عبيدِ بنِ عميرٍ، قال: عمَّى اللَّهُ على الذين أعْثَرهم(٤) على أصحابِ الكهفِ مكانَهم
فلم يَهْتَدوا، فقال المشركون: نَبنى عليهم بُنيانًا ، فإِنَّهم أبناءُ آبائِنا ، ونعبُدُ اللَّهَ فيها .
وقال المسلمون : بل نحن أحقُّ بهم، هم منا ، نَبْنى عليهم مسجِدًا نُصلِّى فيه، ونَعْبُدُ
اللَّهَ فيه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ
(١ - ١) فى ص: ((قائل هذا القول)).
(٢) قال ابن كثير فى تفسيره ٥/ ١٤٣: والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل
هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبى معَّم قال: ((لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم
وصالحيهم مساجد)). يحذر ما فعلوا. وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه لما وجد
قبر دانيال فى زمانه بالعراق ، أمر أن يخفى عن الناس ، وأن تدفن تلك الرقعة التى وجدوها عنده ، فيها شىء من
الملاحم وغيرها .
(٣) تقدم فى ص ٢١١.
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الله)).

٢١٨
سورة الكهف : الآية ٢٢
خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَُّهُمْ رَجْمَا بِالْغَيْبٍ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَبَِّ أَعْلَمُ
&
بِعِدَتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِآءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ
أَحَدًا
٢٢
يقولُ تعالى ذكره : سيقولُ بعضُ الخائِضِين فى أمرِ الفتيةِ مِن أصحابٍ
الكهفِ : هم ثلاثةٌ رابعُهم / كلبُهم . ويقولُ بعضُهم : هم خمسةٌ سادسُهم كلبُهم .
٢٢٦/١٥
﴿رَهْمًا بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ: قذفًا بالظنِّ غيرَ يقين علم. كما قال الشاعرُ:
* وأجْعَلَ منى الحقَّ غيبًا مُرجَّمَا»
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ
رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِمُهُمْ كَبُهُمْ رَبْمًا بِالْغَيْبٍ﴾. أى: قذفًا
بالغيب .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾. قال: قذفًا بالظنّ(٢).
وقولُه: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. يقولُ: ويقولُ بعضُهم:
هم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم. ﴿قُل رَبِّ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم﴾ . يقولُ عزَّ ذ کرُه لنبيُّه محمدٍ
مَاهِ: قلْ يا محمدُ لقائلى هذه الأقوالِ فى عددِ الفتيةِ مِن أصحابِ الكهفِ رجمًا
(١) تقدم تخريجه فى ٦٢٤/١.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٠٠/١ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٧/٤ إلى ابن أبى حاتم.

٢١٩
سورة الكهف : الآية ٢٢
منهم بالغيبِ: ربِّى أَعْلَمُ بعِدَّتهم، ﴿ مَا يَعْلَمُهُمْ﴾. يقولُ: ما يعلمُ عددَهم ﴿إِلَّا
تے
قَلِيلٌ﴾ مِن خلقِه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ مَّا يَعْلَمُهُمْ
إِلَّا قَلِيلٌ﴾. يقولُ: قليلٌ من الناسِ . وقال آخرون(١) : عنَى بالقليلِ أهلَ الكتابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ
الخراسانيٌ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿َّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ﴾. قال : يعنى أهلَ الكتابِ .
[٢٨٨/٢ظ] وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: أنا ممَّن استَثْنَاه اللَّهُ. ويقولُ: عدَّتُهم
(٢)
سبعةٌ(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال: أنا مِن القليلِ، كانوا
=(٣)
سبعةٌ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أنَّ ابنَ عباسٍ
كان يقولُ: أنا مِن أولئك القليلِ الذين استَثْنى اللَّهُ، كانوا سبعةً وثامنُهم كلبُهم "
(١) بعده فى م، ت ٢: ((بل)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٤٤/٥ عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. ولكن الظاهر - والله
أعلم - أن هذا من كلام المصنف - كما فصلناه نحن عن الأثر قبله - سيستشهد له بالآثار بعده .
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٥، وأخرجه ابن سعد فى الطبقات ٣٦٦/٢ من طريق الضحاك عن ابن
عباس به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٤٤/٥ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٧/٤ إلى
الغريانى وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥/٢.

٢٢٠
سورة الكهف : الآية ٢٢
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريج: قال
ابنُ عباسٍ : عدَّتُهم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم، وأنا ممن استثنى اللَّهُ.
/حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ : أنا مِن
القليلِ، هم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم .
٢٢٧/١٥
وقولُه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِهِمْ إِلَّا مِرَآءَ ظَاهِرًا﴾. يقولُ عزّذكرُه لنبيِّه محمدٍ ◌َّائعٍ:
﴿فَلَا تُمَارِ ﴾ يا محمدُ . يقولُ : لا تُجادِل أهلَ الكتابِ، ﴿فِهِمْ﴾. يعنى: فى
عدَّةِ أهلِ الكهفِ. وحُذِفت ((العِدَّةُ)) اكتفاءً بذكرِ ((هُمْ))(١١ منها لمعرفةِ السامِعين
بالمرادِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُّ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَلَا
ثُمَارِ فِيهِمْ ﴾. قال : لا تُمارٍ فی عدَّتِهم.
وقولُه: ﴿ إِلَّا مِرَءَ ظَهِرًا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى معنَى المِراءِ الظاهرِ
الذى استثناه اللَّهُ ورخَّص فيه لنبيُّه عَ لَه؛ فقال بعضُهم: هو ما قصَّ اللَّهُ عليه(٤) فى
كتابِهِ، أُبِيح له أن يَتْلُوَه عليهم ، ولا يُماريَهم بغيرِ ذلك.
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠.
(٢) أى التى فى قوله تعالى : ﴿ فیھم ﴾.
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((فيها)).
(٤) سقط من: م.