Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة الكهف : الآيتان ١٥، ١٦
وفى الكلام محذوفٌ اجتُزِئ بما ظهَر عمَّا حُذِف، وذلك فى قوله: ﴿ لَّوْلَا
يَأَثُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيٍِّ﴾، فالهاءُ والميمُ فى ﴿ عَلَيْهِمْ﴾ مِن ذِكْرِ الآلهةِ،
والآلهةُ لا يُؤْتَى عليها بسلطانٍ ، ولا يُسألُ السلطانُ عليها، وإنما يُسأَلُ عابِدُوها
السلطانَ على عبادتِهِمُوها ، فمعلومٌ إذا كان الأمر كذلك أنّ معنَى الكلام: لولا
يأتُّون على عبادتِهِمُوها، واتخاذِهُموها آلهةً من دونِ اللَّهِ ، بسلطانٍ بيِّنٍ.
وبنحوِ ما قلنا فى معنَى السلطانِ قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَّوْلَا يَأْتُونَ
عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ . يقولُ : بعذرٍ بيْنٍّ.
وعنَى بقوله عزَّذِكرُه: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . ومَن أشدُّ
اعتداءً وإِشْرَاكًا باللّهِ مَمَّنِ اختَلَق، فتخرَّصَ على اللَّهِ كذبًا ، وأشرَك مع اللَّهِ فى سلطانِه
شَرِيكًا يَعْبُدُه دونَه ، ويَتَّخِذُه إلهًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِ أَعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ فَأْوُواْ إِلَى
١٦
اَلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَبِىْ لَكُ مِنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قِيلِ بعضِ الفتيةِ لبعضٍ: وإذُِ ١١ اعتَزَلْتُم أيُّها الفِتيةُ
قومَكم الذين انَّخذوا مِن / دونِ اللَّهِ آلهةً، ﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ ﴾. يقولُ: وإذ١ ٢٠٩/١٥
اعْتَزَلتم قومَكم و(١) الذين يُعْبَدُون مِن الآلهةِ سوى اللَّهِ. فـ((ما)) - إذ كان ذلك
(١) فى ص، م، ف: ((إذا)).
(٢) فى م: ((إذا)).
(٣) سقط من: م.

١٨٢
سورة الكهف : الآية ١٦
معناه - فى موضع نصبٍ ، عطفًا لها على الهاءِ والميم التى فى قوله: ﴿ وَإِذِ
اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ﴾ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وهى فى مصحفٍ عبدِ اللَّهِ: (ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ)، هذا تفسيرها (١).
وأما قولُه: ﴿فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ ﴾، فإِنَّه يعنى به : فصِيروا إلى غارِ الجبلِ الذى
يسمَّى بنجلوسَ، ﴿يَنْشُرْ لَكُ رَبُّكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾. يقولُ: يَتْشُطْ لکم ربُکم من
رحمته ، بتيسيرِه لكم المخرَجَ من الأمرِ الذى قد رُمِيتم به من الكافرِ دقينوسَ، وطلَبِه
إِيَّاكُم لعَرْضِكم على الفِتْنِةِ .
وقولُه: ﴿فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ﴾ جوابٌ لـ ((إذ))، كأنَّ معنَى الكلام: وإذ
اعتَزَلتم أيُّها القومُ قومَكم، فأُؤُوا إلى الكهفِ. كما يقالُ: إذ أَذْنَبتَ فاستغفِرِ اللَّهَ
وتُبْ إِلَيْه .
وقولُهُ: ﴿وَيُّهَبِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا﴾. يقولُ: ويُسِّزْ لكم من أمرٍكم
الذى أنتم فيه من الغَمِّ والكربِ ، خوفًا مِنكم على أنفسكم ودينِكم ، مِرِفَقًا . ويعنى
بالمِرِفَقِ : ما تَرْتَفِقون به من شىءٍ. وفى المِرفَقِ من اليدِ وغيرِ اليدِ لغَتان ؛ كسرُ الميم
وفتحُ الفاءِ ، وفتځ الميم و کسر الفاءِ. و کان الكسائىُّ يُنكِرُ فی مِْفَقِ الإنسانِ الذی فی
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .

١٨٣
سورة الكهف : الآيتان ١٦، ١٧
اليدِ إلا فتحَ الفاءِ وكسرَ الميم. وكان الفرَّاءُ يحكِى فيهما - أعنى فى مِرفَقِ الأُمْرِ
واليدٍ - اللغتين كِلْتَيهما، وكان يُنْشِدُ فى ذلك قولَ الشاعرِ (١):
- بِتُّ أَجافِى مِرْفَقًا عن مَرْفِقِى *
ويقولُ: كسرُ الميمِ فيه أجودُ(٢).
وكان بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ فى قولِه: ﴿مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا﴾. شيئًا
تَرتَفِقُون به ، مثلَ المِقْطَعِ، ومَرْفِقًا جعَله اسمًا كالمَسجِدِ ، ويكونُ لغةً ، يقولون : رفَق
يَرْفُقُ مَرْفِقًا، وإن شئتَ مَرْقَقًا، تريدُ رِفْقًا، ولم يُقْرأ .
وقد اختلَفتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ : ( ويُهَيُِّ لَكُمْ
مِنْ أمْركُم مَرْفِقًا) بفتح الميم وكسرِ الفاءِ، وقرأته عامَّةُ قرأةِ العراقِ فى المِصْرَينِ :
﴿مِّرْفَفًا﴾ بكسرِ الميمِ وفتحِ الفاءِ .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إِنَّهما قراءتان بمعنى واحدٍ ، قد قرَأ بكلِ
واحدةٍ مِنهما قرأةٌ مِن أهل القرآنِ، فبأنَتِهما قرَأ القارئُّ فمُصِيبٌ ، غيرَ أن الأُمرَ وإن
كان كذلك، فإنَّ الذى أختارُ فى قراءةِ ذلك/: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا﴾. ٢١٠/١٥
بكسرِ الميم وفتح الفاءِ؛ لأن ذلك أفصحُ اللغتين وأشهَرُهما فى العربِ، وكذلك
ذلك فى كلِّ ما ارتُفِق به من شىءٍ (١) .
[٢٨٣/٢ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ
(١) ينظر اللسان (رف ق) .
(٢) معانى القرآن ١٣٦/٢، وليس فيه الشاهد .
(٣) قرأ نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الفاء. ينظر الكشف ٥٦/٢،
وحجة القراءات ص ٤١٢.
(٤) بعده فى ت ١، ف: (( واللَّه تعالى الموفق والملهم للصواب بمنه ويمنه) .

١٨٤
سورة الكهف : الآية ١٧
عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ
مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن ◌َجِدَ لَهُ
وَلِيًّا قُرْشِدًا (
٧
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ يا محمدُ، ﴿ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَن
كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. يعنى بقوله: ﴿تَزَوَرُ﴾. تعدِلُ وتميلُ، من الزَّوَرِ ، وهو
العِوَجُ والمَيلُ؛ يُقالُ منه: فى هذه الأرضِ زَوَرٌ. إذا كان فيها اعوجاجٌ، و: فى
فلانٍ : عن فلانٍ ازْوِرارٌ. إذا كان فيه عنه إعراضٌ ؛ ومنه قولُ بشرِ بنِ أبي خازمٍ (١):
وَفِيهَا عَنْ أبانَيْنِ(٢) ازْوِرَارُ
تَؤُمُّ بِها الحُدَاةُ مِياهَ نَخْلٍ
يعنى : إعراضًا وصدًّا .
وقد اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ ومكةً والبصرةِ :
( تَزَّاوَرُ) بتشديدِ الزاي ١ ؛ بمعنى: تتزاورُ ، بتاءين، ثم أدغَم إحدى التاءين فى
الزَّايِ، كما قيل: ( تظَاهَرُون عليهم ) [البقرة: ٨٥]. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأَةٍ ( أهلِ
الكوفةِ": ﴿تَزَوَرُ﴾ بتخفيفِ التاءِ والزاي، كأنَّه عنَى به: ((تفاعَل)) من الزَّوَرِ .
وقد روى عن بعضِهم : (تَزْوَرُّ) ، بتخفیفِ التاءِ وتسکینِ الزّای وتشدیدِ الراءِ ،
(١) ديوانه ص ٦٢.
(٢) أبانَين: مثنى أبان، وهو جبل، ويليه جبل آخر يقال له شَرَؤْرَى، فَغَلَّبوا: أبانا عليه فقالوا: أبانان. كما
قالوا : العُمَّران . لأبى بكر وعمر. معجم البلدان ١/ ٧٦.
(٣) كذا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٨.
(٤ - ٤) فى م، ت ٢: ((الكوفيين)).
(٥) كذا قرأ عاصم وحمزة والكسائى. السبعة ص ٣٨٨.
(٦) كذا قرأ ابن عامر. السبعة ص ٣٨٨.

١٨٥
سورة الكهف : الآية ١٧
مثلَ : تَحْمَرُّ، وبعضِهم: (تَزْوَارُ) مثلَ تحمارُ(١).
والصوابُ من القولِ فى قراءةِ ذلك عندَنا أن يُقالَ: إِنهما قراءتان - أعنى
﴿ تَّزَوَرُ﴾ بتخفيفِ الزَّاي، و(تَزَّاوَرُ) بتشديدِها - معروفتان ، مستفيضةٌ القراءةُ
بكلٌ واحدةٍ منهما فى قرأةِ الأمصارِ ، متقاربتا المَغَنى، فبأَّتِهما قرَأ القارئُّ فمُصِيبٌ
الصوابَ . وأما القراءتان الأخريان فإنَّهما قراءتان لا أرى القراءةَ بهما ، وإن كان لهما
فى العربيةِ وجةٌ مفهومٌ؛ لشذوذِهما عمَّا عليه قرأةُ الأمصارِ (١).
وبنحوِ الذى قُلنا فى تأويلٍ قوله: ﴿تَزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
/ذكرُ مَن قال ذلك
٢١١/١٥
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال : ثنا محمدُ بنُ
أبى الوضَّاح، عن سالم الأَقْطَسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا
طَلَعَت تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. قال: تميلُ(٣).
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ:
﴿تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ . يقولُ: تميلُ عنهم(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ
اُلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ﴾ . يقولُ: تميلُ عن كهفِهم يمينًا وشمالاً .
(١) كذا قرأ الجحدرى وأيوب السختيانى. ينظر مختصر الشواذ ص ٨٢ .
(٢) قرأ ابن عامر الشامى: (تَزْوَرُّ) بوزن: تَحْمَرٌ ، متواترة ، والشاذة هى: تَزوارُ؛ بوزن تَحمَارُ .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٩/٥.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ١٣٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن
أبى حاتم .

١٨٦
سورة الكهف : الآية ١٧
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ
إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. يقولُ: تميلُ ذاتَ اليمينِ، تدَعُهم
ذاتَ اليمين .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ تَزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. قال: تميلُ عن كهفِهم ذاتَ
(١)
اليمين
.
حُدِّثتُ عن يزيدَ بنِ هارونَ، عن سفيانَ بنِ حسين، عن يَعلَى بن مسلم، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو أن الشمسَ تطلُعُ عليهم لأحرَقَتْهم ، ولو
أنهم لا يُقلَّبون(٢) لأكَلَتْهم الأرضُ. قال: وذلك قولُه: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ
تََّوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِمَالِ﴾(٣) ..
حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ القزّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا
محمدُ بنُ مسلمٍ بنٍ(٤) أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال :
﴿تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾. قالُ: تميلُ (١).
وقولُه: ﴿ وَإِذَا غَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا
غرَبتِ الشمسُ تتركُهم من ذاتٍ شمالِهم. وإنما معنى الكلام: وترَى الشمسَ إذا
:
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠.
(٢) فى ص: ((يعلمون))، وفى ت ٢: ((يقبلون)).
(٣) أخرجه عبد بن حميد وابن أبى حاتم من طريق يزيد به مطولًا، كما فى تغليق التعليق ٤/ ٢٤٥.
(٤) فى ت ١، ف: ((عن)). ينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٥٢.
(٥) سقط من: م.
(٦) فى ص: ((يمينًا)).

١٨٧
سورة الكهف : الآية ١٧
طلَعت تعدِلُ عن كهفِهم ، فتطلُعُ عليه (١) من ذاتِ اليمينِ، لئلّا تصيبَ الفِتيةَ؛ لأنها
لو طلَّعت عليهم قُبَالَتَهم لأحرَقتهم وثيابَهم، أو (١) أَشحَبتهم. وإذا غرَبت تتركُهم
بذاتِ الشمالِ ، فلا تصيئُهم ؛ يُقالُ منه : قرَضتُ موضِعَ كذا . إذا قطَعتَه فجاوزتَه ،
وكذلك كان يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ . وأما الكوفيون
فإنهم يزعمون أنه المحاذاةُ، وذكروا أنَّهم سمِعوا من العربِ: قرَضتُه قُبُلًا ودُبُرًّا،
وحذوتُه ذات اليمين وذاتَ الشّمالٍ، وقُثْلًا ودُبُرًا. أى كنتُ بحِذائِه. قالوا :
والقرضُ والحَذْؤُ بمعنَّى واحدٍ . وأصلُ القَرْضِ: القَطْعُ. يُقالُ منه: قَرَضتُ الثوبَ.
إذا قطَعتَه . ومنه قيل للمِقْراضِ مِقراضٌ؛ لأنه يَقْطَعُ . ومنه : قَرَض الفأرُ الثوبَ . ومنه
قولُ ذى الُمَّةِ(٣) :
شِمالًا وعن أيمانِهنَّ الفَوارِسُ
إلى ◌ُُنٍ بَقِضْنَ أُجْوازَ مُشرِفٍ
/يعنى بقوله : يَقْرِضنَ: يَقْطَعْنَ .
وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٢١٢/١٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَإِذَا غَرَت تَّفْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ: تَذَرُهم(٤).
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُّ أبى الوضَّاحِ، عن
(١) فى ت ٢: ((عليهم)).
(٢) فى ت ١: ((أى))، وفى ت ٢: (( و).
(٣) ديوانه ٢ / ١١٢٠.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

١٨٨
سورة الكهف : الآية ١٧
سالمِ الأفطَسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: ﴿ وَإِذَا غَرَبَتَ تَّقْرِضُهُمْ﴾: تترُكُهم ذاتَ
الشِّمالِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى . وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، [٢٨٤/٢و] قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿نَّقْرِضُهُمْ﴾. قال: تؤكُهم(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ
ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ: تدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿ تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. قال: تَدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ(١).
حدَّثنا ابنُ سنانِ القرّازُ، قال: ثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ
ابنِ أبى الوضَّاحِ، عن سالم الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَإِذَا غَرَبَت
تَقْرِضُهُمْ ﴾ . قال : تتركُهم .
وقولُه: ﴿وَهُمْ فِ فَجْوَةٍ مِنًْ﴾. يقولُ : والفِتِيةُ الذين أَوَوْا إليه فى متَّسَعِ منه .
يُجمَغُ فَجوات ، وفِجاءً ، ممدودًا .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) تفسير مجاهد ص ٤٤٦، وأخرجه الفريابى عن ورقاء به - كما فى تغليق التعليق ٢٤٣/٤ - وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٠٠/١.

١٨٩
سورة الكهف : الآية ١٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ : ﴿ وَهُمْ فِى فَجْرَةٍ
مِنْهُ﴾. يقولُ: فى فضاءٍ من الكهفِ، قال اللَّهُ: ﴿ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهُ﴾ .
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا محمدُ بنُّ أبى الوضَّاحِ، عن
سالم الأفطَسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. قال: المكانُ
الداخلُ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ فِ فَجْوَةٍ مِنْةً﴾. قال: المكانُ الذاهبُ(١).
/ حدَّثنا ابنُ سِنانٍ(١) ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلم أبو ٢١٣/١٥
سعيدِ بنُّ أبى الوضَّاحِ، عن سالمِ الأفطَسِ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿فِ فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ .
قال : فی مکانٍ داخلٍ(٣).
وقولُه: ﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اُللَّهِ ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: فِعْلُنا هذا الذى فعَلنا
بهؤلاء الفِتيةِ الذين قصَصْنا عليكم أمرَهم من تصيِيرِناهم ، إذ أَرَدْنا أن نَضْرِبَ على
آذانهم بحيثُ تزَاوَرُ الشمسُ عن مضاجِعِهم ذاتَ اليمينِ إذا هى طلَعت ، وتقرِضُهم
ذاتَ الشِّمالِ إذا هى غَرَبت، مع كونِهم فى المتَّسَعِ من المكانِ ، حيثُ (٤) لا تَحِرقُهم
الشمسُ فَتُشْحِبَهم ، ولا تَبْلَى على طولِ رَقْدَتِهِم ثيابُهم، فتعفَنَ على أجسادِهم(٥) -
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى ص، ت ١، ف: (( بشار)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٤) فى م، ت ٢: ( بحيث)).
(٥) فى ص، ت ١، ف: ((أجسامهم)).

١٩٠
سورة الكهف : الآيتان ١٧، ١٨
من حجّج اللَّهِ وأدلتِه (١) على خلقِه، والأدلةِ التى يستدِلَّ بها أولو الألبابِ على عظيم
قدرتِهِ وسلطانِه، وأنه لا يُعجِزُه شىءٌ أرادَه .
وقولُه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِ﴾. يقولُ عزَّ وجلَّ: مَن يوفِّقْه اللَّهُ
للاهتداءِ بآياتِه وحُجَجِه إلى الحقِّ الذى(٢) جعَلها أدلةً عليه ﴿فَهُوَ اُلْمُهْتَّدِّ﴾ .
يقولُ : فهو الذى قد أصاب سبيلَ الحقِّ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾. يقولُ: ومَن أضَلَّه
اللَّهُ عن آياتِهِ وأدلتِهِ ، فلم يوفِّقْه للاستدلال بها على سبيلِ الرشادِ، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا
مُرْشِدًا﴾. يقولُ: فلن تجِدَ له يا محمدُ خليلًا وحليفًا يُرشدُه لإصابتِها؛ لأن التَّوفيقَ
والخِذْلانَ بيدِ اللَّهِ ، يوفِّقُ مَن يشاءُ من عبادِه، ويَخذُلُ مَن أرادَ . يقولُ: فلا يَحْزُّنْك
إدبارُ مَن أدبرَ عنك من قومِك وتكذيبُهم إِيَّاكَ(٢)، فإنى لو شئتُ هدَيتُهم فَآمَنوا،
وبيدى الهِدايةُ والضَّلالُ(٤) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَنْقََاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَتُقَلِّيُهُمْ ذَاتَ
ج
اَلْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدٍ لَوِ الطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَيْتَ
١٨
مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَهُلِثْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَّهِ: وتحسَبُ يا محمدُ هؤلاء الفِتيةَ الذين
قصَصْنا عليك قصَّتَهم ، لو رأيتَهم فى حالٍ ضَرْبنا على آذانهم فى كهفِهم الذى أوَوْا
إليه - أيقاظً. والأيقاظُ: جمعُ يَقِظٍ، ومنه قولُ الراجِ(*) :
(١) سقط من: ص، ت ١، ف.
(٢) فى م، ت ٢: ((التى))، وغير واضحة فى: ف.
(٣) فى ت ٢: ((إیای)).
(٤) فى ص: ((الضلالة)).
(٥) نسبهما أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٣٩٧/١ لرؤية، وليسا فى الديوان .

١٩١
سورة الكهف : الآية ١٨
ووجَدوا إخْوتَهم أيْقاظا
وسَيْفَ غَيَّاظٍ لهم غَيَّاظا
وقولُه: ﴿ وَهُمْ رُقُودٌ﴾. يقولُ: وهم نِيام. والرُّقودُ: جمعُ راقدٍ ، كما
ج
الجُلُوسُ(١) جمعُ جالسٍ، والقُعودُ جمعُ قاعِدٍ. وقولُه: ﴿وَتُقَلُِّهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ
اُلِشِمَالِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ونقلِّبُ هؤلاء الفتيةَ فى رقْدَتِهِم مرَّةً للجنبِ الأيمنِ،
ومرّةً للجنبِ الأَيْسَرِ.
كما حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنُقَلِيُهُمْ
ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَذَاتَ الشِمَالِ﴾: وهذا التَّقَلِيبُ فى رقْدَتِهم الأُولى(٢).
قال: وذُكِر لنا أن أبا عِياضٍ قال : لهم فى كلِّ عامٍ تَقْلِيَتانِ(٣).
/حُدِّثتُ عن يزيدَ، قال: أخبرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن يَعْلَى بن مسلم، عن ٢١٤/١٥
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَنُقَلُِّهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. قال: لو
أنهم لا يُقلَّبون لأَكَلتْهم الأرضُ(٤) .
وقولُه: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطْ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى الذى
عنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿ وَكَلْبُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: هو كلبٌّ من كلابِهم كان معهم.
وقد ذكّرنا كثيرًا ممّن قال ذلك فيما مضى . وقال بعضُهم: كان إنسانًا مِن الناسِ
(١ - ١) فى م، ت ٢: ((كالجلوس)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٤) تقدم تخريجه فى ص ١٨٦.
(٥) كذا فى النسخ، وفى ابن كثير ٥/ ١٤١: ((وقيل كان كلب طباخ الملك، وكان قد وافقهم على الدين،
فصحبهم كلبه، فالله أعلم)) .

١٩٢
سورة الكهف : الآية ١٨
طبَّاخًا لهم تَبِعهم (١).
وأما الوصيدُ ، فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو الفِناءُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ بِالْوَصِيدٍ﴾. يقولُ: بالفِناءِ(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِیٍّ، قال : ثنا محمدُ بنُ
أبى الوضَّاحِ، عن سالم الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿ وَكَلْبُهُم بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ
بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالفِناءِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا [٢٨٤/٢ظ] عيسى ،
وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالفِناءِ).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالفِناءِ.
قال ابنُ جريج: يُمسِكُ بابَ الكهفِ ().
(١) بعده فى ص، ت ١، ف: ((ذكر ذلك ولم يذكر الحديث)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ١٤٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن
أبی حاتم .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ١٤٠.
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٤٦.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى ابن المنذر.

١٩٣
سورة الكهف : الآية ١٨
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَسِطٌ
ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. يقولُ: بفِناءِ الكهفِ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿ بِالْوَصِيدٍ﴾. قال: فناءُ(٢) الكهفِ(٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: يعنى بالفِناءِ.
وقال آخرون : الوَصِيدُ الصَّعيدُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَكَلْبُهُم بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. يعنى فِناءَهم،
ويُقالُ: الوَصيدُ الصَّعيدُ .
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا یعقوبُ ، عن هارونَ بنِ عنترةَ ، عن سعیدِ بنِ جبیرٍ
فى قولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالصَّعيدِ (١).
٢١٥/١٥
/حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، عن عمرٍو فى قوله: ﴿وَكَلْبُهُم
بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: الوَصيدُ الصَّعيدُ ؛ التُّرابُ.
٦
(١) تقدم تخريجه فى ص ١٩١.
(٢) فى م: ((بفناء)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٩٩/١- ٤٠٠.
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ١٥٨، وأبو حيان فى البحر المحيط ٦/ ١٠٩.
(٥) فى م: ((عن)). وينظر ترجمة هارون بن عنترة فى تهذيب الكمال ١٠٠/٣٠.
(٦) فى م: ((الوصيد الصعيد)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
( تفسير الطبرى ١٣/١٥)

١٩٤
سورة الكهف : الآية ١٨
وقال آخرون : الوَصیدُ البابُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةً، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيبٍ ، عن
عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال : بالبابِ،
وقالوا : بالفِناءِ (١).
وأولی الأقوالِ فى ذلك بالصواب قولُ مَن قال : الوَصیدُ البابُ ، أو فناءُ البابِ
حيثُ يُغلَقُ البابُ . وذلك أن البابَ يُوصَدُ ، وإيصادُه إطباقُه وإغْلاقُه، من قولِ اللَّهِ
عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم ◌ُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]. وفيه لُغَتانِ: الأَصِيدُ، وهى لغةُ
أهلِ نجدٍ . والوَصيدُ ، وهى لغةُ أهلِ تِهامةً. وذُكِر عن أبى عمرٍو بنِ العلاءِ، قال : إنها
لغةُ أهلِ اليمنِ. وذلك نَظيرُ قولِهم: ورَّختُ الكتابَ وأَّخْتُه، ووَّدتُ الأمرَ
وأكّدتُه(٢) . فمَن قال : الوَصيدُ . قال: أوصدتُ البابَ، فأنا أُوصِدُه، وهو مُوصَدٌ.
ومَن قال: الأَصِيدُ. قال: آصَدتُ البابَ، فهو مُؤْصَدٌ. فكأن معنى الكلامِ :
وكلبُهم باسطٌ ذراعَيْه بفِناءِ كهفِهم عندَ البابِ ، يحفَظُ عليهم بابَه .
وقولُه: ﴿ لَوِ آَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾. يقولُ: لو اطَّلَعتَ عليهم
فى رَقْدَتِهِم التى رَقَدوها فى كهفِهم، لأَذْبَرتَ عنهم هارِبًا مِنهم فارًّا، ﴿وَلَمُلِثْتَ
مِنْهُمْ رُعْبًا﴾. يقولُ: ولمُلِقَتْ نفسُك من اطّلاعِك عليهم فَرَعًا؛ لِمَا كان اللَّهُ
ألبَسَهم من الهَيْئَةِ؛ (٢ كى لا) يصلَ إليهم واصِلٌ، ولا تَلْمِسَهم يدُ لامِسٍ، حتى يبلُغَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أكدت)).
(٣ - ٣) فى ت ٢: ((لئلا)).

١٩٥
سورة الكهف : الآيتان ١٨ - ٢٠
الكتابُ فيهم أجلَه، ويوقِظَهم من رَقْدِتِهم قدْرتُه وسلطانُه فى الوقتِ الذى أراد أن
يجعَلَهم ◌ِبْرةً لمن شاء من خلْقِه، وآيةً لمن أراد الاحتجاجَ بهم عليه من عبادِه؛
لِيَعْلَمُوَّأْ أَنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١].
واختلفتِ القرأةُ فى قراءةٍ قولِهِ: ﴿ وَلَهُلِثْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ؛ فقرَأَتْه عامةُ قَرَأَةٍ
المدينةِ بتشديدِ اللام من قوله: ( ولَمُلِّئْتَ). بمعنى أنه كان يمتَلِىُّ مرّةً بعدَ مرَّةٍ . وقرَأ
ذلك عامةُ قَرَأَةِ العراقِ: ﴿ وَلَمُلِئْتَ﴾. بالتخفيفِ، بمعنى: لمُلِئْتَ مرَّةً(١). وهما
عندَنا قراءتان مُستفيضَتان فى القراءةِ، مُتقارٍبَتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُّ فمُصِيبٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَآءَ لُواْ بَيْنَهُمْ قَالَ قَآئِلٌ
مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمٌ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْءٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ
فَأَبْعَثُّواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِةٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ
بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًّا ﴿﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُنْ
٢٠
يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِ مِلَتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا
/ يقول تعالى ذكره: كما أرْقَدْنا هؤلاء الفتيةَ فى الكهفِ ، فحفظناهم من ٢١٦/١٥
وُصولِ واصلٍ إليهم، وعينِ ناظرٍ أن يَنْظُرَ إليهم، وحفِظْنا أجسامهم من البِلَى(٢) على
طُولِ الزمانِ ، وثيابَهم من العفَنِ على مرّ الأيامِ بقُدرتِنا، فكذلك بعَثْناهم من
رقْدِتِهم، وأيقَظْناهم من نومِهم١ُ ؛ لنُعرِّفَهم عظيمَ سُلطانِنا، وعجيبَ فِعلِنا فى
(١) قرأ ابن كثير ونافع: (ولمّنت) مشددة، وقرأ عاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائى:
﴿ولمُلِئت﴾ خفيفة. وروى إسماعيل بن مسلم عن ابن كثير: ﴿ولمُلِئت﴾ خفيفة. ينظر السبعة لابن
مجاهد ص ٣٨٩.
(٢) فى م: ((البلاء)).
(٣) فى ت ٢: (نومتهم)).

١٩٦
سورة الكهف : الآية ١٩
خلْقِنا ، ولِيزدادُوا بصيرةً فى أمرِهم الذى هم عليه ؛ من براءتهم من عبادة الآلهةِ ،
وإخلاصِهم (العبادةَ للَّه١ِ) وحده لا شريكَ له، إذا تبيَّنوا طولَ مَرْ (٢) الزمانِ عليهم،
وهم بهيئتِهم حينَ رقَدوا .
وقولُه: ﴿لِتَسَآءَ لُواْ بَيْنَهُمّ﴾. يقولُ: لِيسألَ بعضُهم بعضًا، ﴿قَالَ قَآَبٌِّ
مِنْهُمْ كَمْ لَبِئْتُمْ﴾. يقولُ عزّ ذكرُه: فَتَساءلوا فقال قائلٌ منهم لأصحابِهِ :
﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟ وذلك أنَّهم استنكروا مِن أنفسِهم طولَ رقْدِتِهم ، ﴿ قَالُواْ لَبِثْنَا
يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوٍْ﴾. يقولُ: فأجابَه الآخرون فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ﴾. ظنًّا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخَرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا
◌َبِئْتُمْ﴾. فسلَّموا العلم إلى اللَّهِ.
وقولُه: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهٍِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. يعنى
مدينتَهم التى خرَجوا منها هِرابًا، التى تُسمَّى أَفْسُوسَ، [٢٨٥/٢و] ﴿فَلْيَنُظُرْ أَيُّهَا
أَزَكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾. ذُكر أنَّهم بُعِثوا من رقدتِهم چياعًا ، فلذلك
طلبوا الطعامَ .
ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السببِ
الذى من أجله ذُكر أنهم بُعثوا من رقدتِهم حينَ بُعثوا منها
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال :
(١ - ١) فى م: ((لعبادة اللَّه)).
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.
(٣) فى ص: ((دقينوس))، وفى ت ١، ت ٢: ((دفسوس))، وفى ف: ((دقيانوس)). وينظر معجم البلدان ٣٣٠/١.
(٤) فى ص، م، ت ١، ف: ((هبوا)).

١٩٧
سورة الكهف : الآية ١٩
أخبرَنى إسماعيلُ بنُ شَرُوسٍ(١) ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنبهٍ يقولُ: إنهم غبّروا - يعنى
الفتيةَ من أصحابِ الكهفِ - بعدَ ما بُنى عليهم بابُ الكهفِ زمانًا بعد زمانٍ ، ثم إنَّ
راعيًا أدرَ كه المطرُ عندَ الكهفِ، فقال: لو فتَحتُ هذا الكهفَ وأدخَلْتُهُ(١) غنمى من
المطرِ. فلم يَزَلْ يُعالجُهُ حتى فتح ما أُدخِل(٣) فيه، ورَدَّ اللَّهُ(٤) إليهم أرواحَهم فى
أجسامِهم من الغدِ حينَ أصبحوا ، فبعثوا أحدَهم بوَرِقٍ يشترى لهم طعامًا، فكلما(١)
أَتَّى بابَ مدينِهم، رأى شيئًا يُنكِرُه، حتى دخَل على رجلٍ فقال: بِعنى بهذه الدراهم
طعامًا . فقال: ومِن أين لك هذه الدراهمُ؟ قال: خرَجْتُ(١) وأصحابٌ لى أمسٍ،
فآوانا الليلُ، ثم أصبَحوا فأرسَلونى. فقال: هذه الدراهمُ كانت على عهدِ الملكِ"
(٨)
فلانٍ ، فَأَتَّى لك بها؟ فرفَعه إلى الملكِ، وكان ملِكًا صالحًا، فقال: مِن أين لك هذه
الوَرِقُ؟ قال: خرَجْتُ أنا وأصحابٌ لى أمسٍ، حتى أدرَكَنا الليلُ فى كهفٍ كذا
وكذا، ثم أمَرونى أن أشترِىَ لهم طعامًا. قال: وأين أصحابُك؟ قال: فى
الكهفِ. قال: فانطلَقوا(٩) معه حتى أتوا بابَ الكهفِ، فقال: دعونى أدخُلْ على
أصحابى قبلَكم. فلما رأَوْه ودنا منهم، ضُرِب على أَذنِه وآذانِهم، فجعلوا كلما
دَخَل رجلٌ أَزْعِب، فلم يَقْدِروا على أن يَدخُلوا إليهم (١١) ، فبنَوْا عندَهم كنيسةً،
(١) فى م، ت ١: ((بشروس)).
(٢) فى م، ت ٢: ((أدخلت)).
(٣) فى م: ((أدخله)).
(٤) سقط من النسخ ، والمثبت موافق لما فى مصادر التخريج .
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.
(٦) فى م: ((فلما)).
(٧) بعده فى م، وتفسير عبد الرزاق: ((أنا)).
(٨) فى ص، م، ت ١، ف: ((ملك)).
(٩) فى ص، وتفسير عبد الرزاق: ((فانطلق)).
(١٠) فى ص، م، ت ١، ف: ((عليهم).

١٩٨
سورة الكهف : الآية ١٩
واتَّخذوها مسجِدًا يُصلُّون فيه(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: كان أصحابُ الكهفِ أبناءَ ملوكٍ الروم، رزقهم اللَّهُ
الإسلامَ، فتعوَّذوا بدينِهم، واعتزَلوا قومَهم، حتى انتهَوْا إلى الكهفِ ، فضرَب اللَّهُ
على سُمْخانِهِمُ(١) فليِثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت ◌ُمْثُهم، وجاءت أُمّةٌ مسلمةٌ،
وكان ملكُهم مسلمًا ، فاختلفوا فى الروح والجسدِ ؛ فقال قائلٌ: تُبعثُ الروح والجسدُ
جميعًا .
٢١٧/١٥
/وقال قائلٌ: تُبعثُ الروح، فأما الجسدُ فتأكلُه الأرضُ فلا يكونُ شيئًا. فشقَّ
على ملِكِهم اختلافُهم ، فانطلَق فليس المُسُوحَ، وجلس على الرَّمادِ ، ثم دَعا اللَّه
تعالى فقال : أى ربِّ، قد تَرى اختلافَ هؤلاء، فابعَثْ لهم آيةٌ تُبيِّنْ لهم . فبعَث اللَّهُ
أصحاب الکھف ، فبعثوا أحدهم یشْتری لهم طعامًا ، فدخل السوقَ ، فجعَل ◌ُنکِرُ
الؤُجوة ، ويَعرِفُ الطُّرقَ، ويَرَى الإِيمانَ بالمدينةِ ظاهرًا، فانطلَق وهو مُستَخْفٍ ،
حتى أتَى رجلًا يَشترى منه طعامًا، فلما نظَرَ الرجلُ إلى الوَرِقِ أنكرها . قال: حسِبتُ
أنه قال: كأنَّها أخفافُ الرُّبَع - يعنى الإبلَ الصَّغَارَ - فقال له الفتى: أليس مَلِكَكم
فلانٌ(٣) ؟ قال : بل مَلِكُنا فلانٌ . فلم يزَلْ ذلك بينَهما حتى رفَعه إلى الملِكِ ، فسأله،
فأخبرَه الفتى خبرَ أصحابِهِ، فبعث الملكُ فى الناسِ فجمَعهم، فقال: إنَّكم قد
اختلَفْتُم فى الرُّوح والجسدِ ، وإِنَّ اللَّهَ قد بعَث لكم آيةً؛ فهذا رجلٌ من قومٍ فلانٍ.
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٧ - ٣٩٩، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٧/٢ - ٩ مطولًاً .
(٢) فى م: ((سمعهم))، وفى ت ١: ((آذانهم)) وفى ت ٢: ((أسماعهم))، وفى ف: ((سمناهم))،
والسماخ: ثقب الأذن الذى يدخل فيه الصوت، ويقال بالصاد لمكان الخاء. النهاية ٢/ ٣٩٨.
(٣) فى م: ((فلانا)).

١٩٩
سورة الكهف : الآية ١٩
يعنى ملِكَهم الذى مضَى، فقال الفتى: انطلقوا بى إلى أصحابى. فركِب الملكُ،
وركِب معه الناسُ، حتى انتهَى (١) إلى الكهفِ، فقال الفتى: دعُونى أدخُلْ إلى
أصحابى. فلمّا أَبْصَرهم ضرّب اللَّهُ(٢) على أُذنه وعلى آذانِهم، فلما استبطَئوه دخَل
الملِكُ ، ودخَل الناسُ معه ، فإذا أجسادٌ لا يُنكِرون منها شيئًا، غيرَ أنَّها لا أرَواحَ فيها،
فقال الملِكُ : هذه آيةٌ بعَثها اللَّهُ لكم . قال قتادةُ : (وغزا ابنُ عباسٍ" مع حَبيبٍ بن
مَسلَمَةَ، فمرُّوا بالكهفِ، فإذا فيه عظامٌ، فقال رجلٌ: هذه عظامُ أصحاب
الكهفِ . فقال ابنُ عباس: لقد ذهَبت عظامُهم منذ أكثرَ من ثلاثمائةِ سنةٍ().
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ فيما ذكَر من حديثٍ
أصحاب الكهفِ، قال: ثم ملَك أهلَ تلك البلادِ رجلٌ صالحٌ، يقالُ له :
تيذوسيسُ(٥) . فلمّا ملَك بقِى فى(٦) مُلكِه ثمانيًا وستِّين سنةٌ، فتحزَّب الناسُ فى مُلكِه،
فكانوا أحزابًا، فمنهم من يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويعلَمُ أنَّ الساعةَ حقٍّ، ومنهم من يُكذِّبُ بها()،
فکثر ذلك على الملك الصالح تیذوسیس ، وبکی إلى اللّهِ وتضرّع إليه، وحزِن حزنًا
شديدًا لَمّ رَأى أهلَ الباطلِ يَزيدون ويظهَرون على أهلِ الحقِّ ويقولون: لا حياةَ إِلا الحياةُ
الدُّنيا، وإنما تُبعثُ النُّفوسُ، ولا تُبعثُ الأجسادُ. ونسُوا ما فى الكتابِ، فجعَل
تيذوسيسُ يُرسِلُ إلى من يظُنُّ فيه خيرًا، وأنَّهم أئمةٌ فى الحقِّ، فجعَلوا يُكَذِّبون(٧)
بالساعةِ ، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناسَ عن الحقِّ وملةِ الحَوارِبين، فلمّا رَأى ذلك الملكُ
(١) فى م: ((انتهوا)).
(٢) سقط من: ص، م، ف .
(٣ - ٣) فى م: ((وعن ابن عباس كان قد غزا)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ٣٩٥/١، ٣٩٦، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٩، ١٠.
(٥) هنا وفیما یأتی فی ص: (( تیدوسیس))، وفى ف: (( بیذوسیس)).
(٦) سقط من: م.
(٧) بعده فى ت ١: ((الناس ويكذبون)).

٢٠٠
سورة الكهف : الآية ١٩
الصالحُ تيذوسيسُ، دخَل بيتَه فأغلَقه عليه، ولبِس مِشْحًا، وجعَل تحتَه رَمادًا،
ثم جلس عليه، فدَأَب ذلك ليله ونهارَه زمانًا يتضوُّ إلى اللَّهِ ، ویتکی إلیه مما يرَى
[٢٨٥/٢ ظ] فيه الناسَ، ثم إنَّ الرحمنَ الرحيمَ الذى يكرّهُ هلكةَ العبادِ، أراد أن يُظْهِرَ
على الفتيةِ أصحابِ الكهفِ، ويبيِّنَ للناسِ شأنَهم، ويجعلَهم آيةً لهم، وحُجةً
عليهم؛ ليعلَموا أن الساعةَ آتية لا ريبَ فيها، وأن يَستجِيبَ لعبدِه الصالحِ
تيذوسيسَ، ويُمَّ نعمتَه عليه، فلا يَنْزِعَ منه مُلْكَه، ولا الإيمانَ الذى أعطاه، وأَن يَعْبُدَ
اللَّهَ لا يُشرِكُ به شيئًا ، وأن يَجْمَعَ مَن كان تبدَّدَ من المؤمِنین ؛ فألقَى اللهُ فى نفسٍ رجلٍ
من أهلِ ذلك البلدِ الذى به الكهفُ - وكان الجبلُ بنجلوسُ الذى فيه الكهفُ لذلك
الرجلِ ، وكان اسمُ ذلك الرجلِ أولياسَ - أَن يَهْدِمَ البنيانَ الذى على فمِ الكهفِ،
فيبنىَ به حظيرةً لغنمِه ، فاستأجَر عامِلَين، فجعَلا يَنزِعان تلك الحجارةَ ، ويَتْنيان بها
تلك الحظيرةَ، حتى نزَعا ما على فم الكهفِ، حتى فتَحا عنهم باب الكهفِ ،
وحجَبَهم اللَّهُ من الناسِ بالرُّعبِ، فَيَزْعُمون أن أشجَعَ من يُريدُ أن ينظُرَ إليهم / ١ غايةً
ما يُمكنُه ) أن يَدْخُلَ من بابِ الکھفِ ، ثم يتقدّمَ حتی یری کلتهم دونهم إلى بابٍ
الكهفِ نائمًا، فلما نزَعا الحجارةَ وفتَحا (١) بابَ الكهفِ، أذِن اللَّهُ ذو القدرةِ والعظَمةِ
والسلطانِ محبى الموتَى للفتيةِ أن يجلِسوا بينَ ظهرَي الكهفِ، فجلسوا فرِحين، مُشْفِرةٌ
وجوهُهم، طيّةً أنفسُهم، فسلَّم بعضُهم على بعضٍ، حتى كأنَّما استَيْقَظوا من
ساعتهم التى كانوا يَشْتَيقظون لها إذا أصبحوا مِن ليلتهم التى يَبيتُون فيها ، ثم قاموا إلى
الصلاة فصلُّوا کالذی کانوا یفْعَلون ، لا یَرَون ولا یُرَی فی ؤُجوهِهم ولا أنْشارِهم ولا
ألوانِهم شىءٌ يُنْكِرونه، كهيئتِهم ١١ حينَ رقَدوا بعشىّ أمسٍ، وهم يَرَون أن ملِكَهم
٢١٨/١٥
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٢) بعده فى م: ((عليهم)) .
(٣) فى ت ٢: ((كهيئاتهم)).