Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة الإسراء : الآية ٩٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿كِسَفًا﴾. قال: السماءُ جميعًا(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
قال ابنُ جريجٍ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا
كِسَفًا﴾. قال: هذه(٢) مرةً واحدةً. والتى فى ((الروم)) ﴿ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم:
٤٨]. قال: قِطَعًا. قال ابنُ جريج: كِسَفًا؛ لقولِ اللَّهِ: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ
الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ﴾ [سبأ: ٩].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [٢٧٠/٢ و] عن قتادةً:
﴿أَوْ تُتَقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. قال: أى: قِطَعًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
كِسَفًا﴾. قال: قِطعًا (٣) .
حدَّثنا علىٍّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿كِسَفًا﴾. يقولُ: قطعًا(٤).
(١) تفسير مجاهد ص ٤٤٢.
(٢) سقط من : م.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٨٩/١ عن معمر به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٤ إلى المصنف.
( تفسير الطبرى ٦/١٥ )

٨٢
سورة الإسراء : الآية ٩٢
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ تُتْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. يعنى:
قطَعًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَئِكَةِ قَبِيلًا
٩٢
يقولُ تعالى ذكرُهُ مُخْبِرًا(١) عن قيلِ المشركين لنبيِّ اللَّهِ عَظِّمِ: أو تأتىَ باللَّهِ
یا محمدُ والملائكة قبيلًا .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((القبيلِ)) فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم:
معناه: حتى تأتىَ باللَّهِ) والملائكةِ كلَّ قبيلةٍ منا قبيلةً قبيلةً . فيُعايِنُونهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
١٦٢/١٥ الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ / قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَالْمَلَئِكَةِ قَبِيلًا﴾. قال: على حِدَتِنا، كلَّ قبيلةٍ(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِالَّهِ وَالْمَلْبِكَةِ قَبِيلًا﴾. قال: قبائلَ على حِدَتِها كلٍّ
قبيلةٍ .
وقال آخرون: معنى ذلك: أو تأتِيَ باللَّهِ والملائكةِ عِيانًا نُقابِلُهم مقابلةٌ ،
فتُعايِنُهم معاينةً .
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.
(٢- ٢) فى م: ((يأتى اللَّه)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٢.

٨٣
سورة الإسراء : الآية ٩٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ
وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا﴾ : نُعايِنُهم معاينةً(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنی حجاج، عن ابنٍ جريج: ﴿ أُوْ
تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَئِكَةِ قَبِيلًا﴾: فتُعانِنَهم(٢) .
ووجَّهه بعضُ أهلِ العربيةِ إلى أنه بمعنى ((الكفيلِ))، من قولهم: هو قَبِيلُ فلانٍ
بما لفلانٍ عليه وزعيمُه .
وأشبهُ الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى قاله قتادةُ من أنه بمعنى المعاينةِ ،
من قولِهم: قابَلتُ فلانًا مُقابلةً، وفلانٌ قَبِيلُ فلانٍ. بمعنى: قُبَالَتُه. كما قال
(٣)
الشاعر(٣):
كصَرْخةٍ حُبْلَى (٢)يَشَرَتْها قبيلُها"
نُصالحكم حتى تَبُوءُوا بمثْلِها
يعنى : قابِلُها .
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقولُ(٥): إذا وصَفُوا
بتقديرِ ((فَعِيلٍ)) من قولهم : قابلتُ . ونحوِها، جعَلُوا لفظَ صفةٍ الاثنين والجميعِ من
المؤنثِ والمذكرِ على لفظٍ واحدٍ، نحوُ قولِهم: هذه قبيلى، وهما قبيلى، وهم
(١) ينظر تفسير البغوى ٥/ ١٣٠، وتفسير القرطبى ١٠/ ٣٣١.
(٢) ينظر تفسير القرطبى ٣٣١/١٠.
(٣) هو الأعشى، والبيت فى ديوانه ص ١٧٧.
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((بشرتها قبيلها)). وهى رواية أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ٣٩٠،
ورواية الديوان: (( يسرتها قبولها)). ولا شاهد فيها .
(٥) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ٣٩١.

٨٤
سورة الإسراء : الآيتان ٩٢، ٩٣
قبیلی ، وهنّ قبیلی .
٤
١٦٣/١٥
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِىِ السَّمَاءِ
وَلَن تُؤْمِنَ لِرُقِّكَ حَتَّى تُغَزِلَ عَلَيْنَا كِنَبًا تَقْرَؤُمُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا
رَسُولًا
٩٣
يقول تعالی ذ کژهمُخْبِرًا عن المشر کین الذین ذكر (١) أمرهم فى هذه الآياتِ : أو
يكونَ لك يا محمدُ بيتٌ من ذهبٍ. وهو الرُّخْرِفُ
كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن زُخْرُفٍ﴾ . يقولُ: بيتٌ من
(٢)
ذهبٍ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿مِّن زُخْرُفٍ﴾ : قال : من ذهب(٢) .
حدَّثنا القاسمُ قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ
مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن
زُخْرُفٍ﴾: والزخرفُ هذا(٤) الذهبُ(٥).
(١) فى م، ف: ((ذكرنا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٤ إلى المصنف.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٢.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((هنا)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٤ إلى عبد بن حميد.

٨٥
سورة الإسراء : الاية ٩٣
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قولِه : ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن زُخْرُفٍ﴾. قال: من ذهبٍ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
رجلٍ، عن الحكم ، قال: قال مجاهدٌ: كنا لا نَدْرِى ما الزخرفُ ، حتى رأيناه فى
قراءةِ ابنِ مسعودٍ : (أَوْ يكونَ لك بَيْتُ مِن ذَهَبٍ)(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثُنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
الحكم، عن مجاهدٍ ، قال: لم أَدْرِ ما الزخرفُ، حتى سمِعنا فى قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ
مسعودٍ : ( بيتٌ مِن ذَهَبٍ)(٢) .
وقولُه: ﴿أَوْ تَّرْقَى فِ السَّمَاءِ﴾. يعنى: أو تَصْعَدَ فى دَرَجِ إلى السماءِ.
وإنما قيل: ﴿فِ السَّمَآءِ﴾. وإنما يُرْقَى إليها لا فيها؛ لأن القومَ قالوا: أو تَزْقَى
فى سُلَّمِ إلى السماءِ. فأُدْخِلَتْ ((فى)) فى الكلام لتدُلَّ على معنى الكلامِ،
[٢٧٠/٢ظ] يقالُ: رَقِيتُ فى السّلَّم، فأنا أَرْقَى رَقْيًا ورُقيًّا ورُقْيًا، كما قال
(٣)
الشاعر(٣):
أنتَ الذى(٤) كَلَّفْتَنِى رَقْىَ الدَّرَجْ
على الكَلالِ والَشِيبِ والعَرَجْ
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٠، وقراءة ابن مسعود هذه شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(٢) أخرجه أبو عبيد فى فضائله ص ١٧٥، والبغوى فى الجعديات (٢٥٤)، وأبو نعيم فى الحلية ٣/ ٢٨٤،
من طريق شعبة به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن
الأنبارى فى المصاحف .
(٣) البيت فى اللسان (رق ى) غير منسوب .
(٤) فى ص، ف: ((التى)).

٨٦
سورة الإسراء : الآية ٩٣
وقولُه: ﴿ وَلَن تُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ﴾. يقولُ: ولن نصدّقَك من أجلِ رُقِيِّك إلى
السماءِ ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَبًا﴾ منشورًا ﴿تَقْرَؤُمُ﴾ فيه أمرنا باتباعِك والإيمانِ
بك .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
١٦٤/١٥ الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، / قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿كِنَبًا تَقْرَؤُمُ﴾. قال: من ربِّ العالمين إلى فلانٍ(١)، عندَ كلّ رجلٍ
صحيفةٌ تُصْبِحُ عندَ رأسِه يَقْرَؤُها(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوِه ، إلا أنه قال: كتابًا نَقْرَؤُه من ربِّ العالمين. وقال أيضًا: تُصْبِحُ عندَ
رأسِه موضوعةً يقْرَؤُها .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتّى تُغَزِّلَ عَلَيْنَا
كِتَبًا تَقْرَؤُهُ﴾: أى: كتابًا خاصًّا(٢) تُؤْمَرُ فيه باتباعِك .
وقولُه: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبٍِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلَه: قُلْ
يا محمدُ لهؤلاء المشركين من قومِك، القائلين لك هذه الأقوالَ: تَنْزِيهًا للَّهِ عما (٤)
يَصِفُونه به، وتعظيمًا له من أن يُؤْتَى(٥) به وبملائكتِه، أو يكونَ لى سبيلٌ إلى شىءٍ مما
(١) بعده فى تفسير مجاهد والدر المنثور: ((بن فلان)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((خاصة)).
(٤) فى ص: ((مما))، وفى ف: ((بما)).
(٥) فى ص، ت ١: ((يأتى))، وفى ت ٢: ((تأتى)).

٨٧
سورة الإسراء : الآية ٩٣
تسألُونيه، ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولاً﴾. يقولُ: هل أنا إلا عبدٌ من عبيدِه من بنی
ءِ
آدمَ، فكيف أَقْدِرُ أن أَفعَلَ ما سأَلْتُمونى من هذه الأمورِ؟ وإنما يَقْدِرُ عليها خالقى
وخالِقُكم ، وإنما أنا رسولٌ أُبلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم، والذى سأَلْتُمونى أن أُفعَلَه بيدِ
اللَّهِ الذى أنا وأنتم عبيدٌ له، لا يَقْدِرُ على ذلك غيرُه.
وهذا الكلامُ الذى أخبرَ اللَّهُ أنه كُلِّم به رسولُ اللَّهِ ◌ِّلمِ فيما ذكَر، كان من ملأ
ءِ
من قريشٍ اجتَمَعُوا لمناظرةِ رسولِ اللَّهِ مَِّلمٍ ومُحاجَتِه، فكلَّموه بما أخبرَ اللَّهُ عنهم فى
هذه الآياتِ .
ذكرُ تسميةِ الذين ناظَرُوا رسولَ اللَّهِ عَمِ بذلك منهم،
والسببِ الذى من أجلِه ناظَرُوه به
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال :
ثنى شيخٌ من أهلِ مصرَ قدِم منذُ بضعٍ وأربعين سنةً ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ ، أن
عتبةً وشيبةً ابنى ربيعةً، وأبا سفيانَ بنَ حربٍ، ورجلاً من بنى عبدِ الدارِ ، وأبا
البَخْتَرِىِّ أخا بنى أسدٍ ، والأسودَ بنَ المطلبِ بنِ أسدٍ ، وزمعةَ بنَ الأسودِ، والوليدَ بنَ
المغيرةٍ ، وأبا جهلٍ بنَ هشام، وعبدَ اللَّهِ بنَ أبى أميةَ، وأميةَ بنَ خلفٍ ، والعاصَ بنَ
وائلٍ، ونُبَيْهَا ومُنَّهًا ابنى الحجاج السَّهْمِيين، اجتَمَعُوا، أو مَن اجتَمَع منهم بعدَ
غروبِ الشمسِ عندَ ظَهْرِ الكعبةِ ، فقال بعضُهم لبعضٍ : ابعثُوا إلى محمدٍ فكلِّموه
وخاصِموه حتى تُعْذِرُوا فيه. فبعَثُوا إليه : إن أشرافَ قومِك قد اجتمعوا إليك
لِيُكلِّموك. فجاءهم رسولُ الله ◌َّهِ سريعًا، وهو يظُنُّ أنه بدًا لهم فى أمرِه بَدَاءٌ،
وكان عليهم حريصًا ، يُحِبُّ رُشْدَهم ويَعِزُّ عليه عَنَتُهم ، حتى جلس إليهم ، فقالوا :
يا محمدُ ، إِنا قد بعَثنا إليك لتُعْذِرَ فيك، وإنا واللَّهِ ما نعلَمُ رجلًا من العربِ أدخَل على

٨٨
سورة الإسراء : الآية ٩٣
قومِه ما أدخَلتَ (١) على قومِك، لقد شتَمتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّينَ، وسفَّهتَ الأحلامَ،
وشتَمتَ الآلهةَ ، وفرَّقتَ الجماعةَ ، فما بَقِى أمرٌ قبيح إلا وقد جِئْتَه فيما بيننا وبينَك ، فإن
كنتَ إنما جئتَ بهذا الحديثِ تَطْلُبُ مالًا ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرَنا
مالًا، وإن كنتَ إنما تطلُبُ الشرفَ فينا، سؤَّدْناك علينا، وإن كنتَ تُرِيدُ به مُلْكًا
ملَّكْنَاك علينا ، وإن كان هذا الذى يَأْتِيك بما يَأْتِيك به رَئيًّا ترَاه قد (٢) غلَب عليك
- وكانوا يسمُون التابِعَ من الجنِّ الرئيّ(١) - فربما كان ذلك، بذَلنا أموالَنا فى طلبٍ
١٦٥/١٥ الطبّ لك حتى نُثْرِئَك منه، أو(٤) تُعْذِرَ فيك. فقال رسولُ اللَّهِ عَه: ((ما بى ما
تقولون، ما جِثْتُكم بما جِئْتُكم به أطلُبُ أموالكم، ولا الشرفَ فيكم، ولا الملكَ
عليكم، ولكنَّ اللَّهَ بعَثنى إليكم رسولًا، وأنزل علىَّ كتابًا، وأمَرنى أن أكونَ لكم
بشیرا ونذيرا ، فبلَّغتُكم رسالةً ربی ، ونصحتُ لكم ، فإن تقبلوا منِّی ما جئتُكم به فهو
حظُكم فى الدُّنيا والآخرةِ ، وإن [٢٧١/٢ ] ترُدُّوه علىَّ أصْبِرْ لأَمرِ اللَّهِ حتى يَحكُمَ
اللَّهُ بينى وبينَكم)). أو كما قال رسولُ اللَّهِ مَِّ. فقالوا: يا محمدُ، فإن كنتَ غيرَ
قابل منا ما عرَضنا عليك ، فقد علِمتَ أنه ليس مِن الناسِ أحدٌ أضيقَ بلادًا ، ولا أقلّ
مالاً، ولا أشدَّ عيشًا منا، فسَلْ ربَّك الذى بعَثك بما بعَثك به، فليُسَيِّرْ عنا هذه الجبالَ
التى قد ضيَّقت علينا، ويَتْسُطْ لنا بلادَنا، وليُفَجِّزْ(٥) فيها أنهارًا كأنهارِ الشام والعراقِ ،
ولْيَبْعَثْ لنا مَن مضَى من آبائِنا، ولْيكنْ فى مَن يَبْعَثُ لنا منهم قُصَىُّ بنُ كلابٍ ، فإنه كان
شيخًا صدوقًا، فتَشْأَلُهم عما تقولُ، حقٌّ هو أم باطلٌ؟ فإن صنَعتَ ما سأَلْناك،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أدخل)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((فقد)).
(٣) فى ت ٢: ((رئیا)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((و)).
(٥) بعده فى م: ((لنا)).

٨٩
سورة الإسراء : الاية ٩٣
وصدَّقُوك، صدَّقْنَاك، وعرَفنا به منزِلتَك عندَ اللَّهِ ، وأنه بعثك بالحقِّ رسولًا كما تقولُ.
فقال لهم رسولُ اللَّهِ يَّمِ: (( ما بهذا بُعِثتُ، إنما جثْتُكم من اللَّهِ بما بعثنى به، فقد
بَلَّغْتُكم ما (١) أُرْسِلتُ به إليكم، فإن تَقْتُلُوه فهو حظُّكم فى الدنيا والآخرةِ ، وإن تَرُدُّوه
علىَّ أَصْبِرْ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحْكُمَ اللَّهُ بينى وبينَكم)). قالوا: فإن لم تَفْعَلْ لنا هذا، فخُذْ
لنفسِك، فسَلْ ربَّك أن يبعَثَ مَلَكًا يُصَدِّقُك بما تقولُ، ويُراجِعُنا عنك، ( وتسألُه
فيجعل٢ُ) لك ◌ِنانًا وكُنوزًا وقُصورًا من ذهبٍ وفضةٍ ، ويُغْنِيك بها عما نراك تَبْتَغِى،
فإنك تقومُ بالأسواقِ ، وتَلْتَمِسُ المعاشَ كما نَلْتَمِسُه، حتى نَعرِفَ فضلَ منزِلِتك من
ربّك إن كنتَ رسولًا كما تَزْعُمُ. فقال لهم رسولُ اللَّهِ عَِّ: (( ما أنا بفاعلٍ، ما أنا
بالذى يسألُ ربَّه هذا، وما يُعِثْتُ إليكم بهذا، ولكنَّ اللَّهَ بعَثنى بشيرًا ونذيرًا، فإن
تَقْتُلُوا ما جئتُكم به فهو حظّكم فى الدنيا والآخرةِ ، وإن تَرُدُّوه علىَّ أَصْبِرْ لأمرِ اللَّهِ
حتى يَحْكُمَ اللَّهُ بينى وبينَكم)) . قالوا: فأسقِطِ السماءَ علينا كِسَفًا كما زعمتَ أن
ربَّك إن شاء فعَل، فإِنا لا نُؤْمِنُ لك إلا أن تفعَلَ. فقال رسولُ اللَّهِ ◌َ له: ((ذلك إلى
اللَّهِ، إن شاء فعَل بكم ذلك)). فقالوا: يا محمدُ ، فمَا عَلِمَ ربُّك أنَّا سنَجْلِسُ معك،
ونسألُك عما سأَلْنَاك عنه، ونَطلُبُ منك ما نَطلُبُ، فيتقدَّمَ إليك، ويُعلِّمَك ما
تُرَاجِعُنا به ، ويُخْبِرَك ما هو صانعٌ فى ذلك بنا ، إذا لم نَقْبَلْ منك ما جِئْتَنا به ، فقد بلَغَنا
أنه إنما يُعَلِّمُك هذا رجلٌ باليمامةِ يقالُ له : الرحمنُ. وإنا واللَّهِ ما تُؤمِنُ بالرحمنِ
أبدًا، أَعْذَرْنا إليك يا محمدُ ، أما واللَّهِ لا نَتْرِكُك وما بلَغْتَ بنا(٣) حتى نُهْلِكَك أو
تُهْلِكَنا . وقال قائلُهم: نحن نعبدُ الملائكةَ، وهنَّ بناتُ اللَّهِ . وقال قائلُهم: لن نُؤْمِنَ لك
حتى تأتينا باللَّهِ والملائكةِ قبيلًا. فلما قالوا ذلك قام رسولُ اللَّهِ مَظَلِ عنهم، وقام معه
(١) فى ص، ت ٢، ف: ((بما)).
(٢ - ٢) فى م: ((واسأله فليجعل )).
(٣) فى م: ((منا)).

٩٠
سورة الإسراء : الآية ٩٣
١٦٦/١٥
عبدُ اللَّهِ بنُ أبي أميةَ بنِ المُغيرةِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ(١) بن مخزومٍ، وهو ابنُ عمتِهِ، ابنُ
عاتكةَ ابنةِ عبدِ المطلبِ، فقال له: يا محمدُ عرّض عليك قومُك ما عرّضُوا، فلم تَقْبَلْه
منهم، ثم سألُوك لأنفسِهم أمورًا ليَعرِفُوا منزلتك من اللَّهِ ، فلم تَفعَلْ ذلك، ثم سأَلُّوك أن
تُعَجِّلَ / ما تُخَوِّفُهم به من العذابِ ، فواللهِ لا أُومِنُ لك أبدًا حتى تَتَّخِذَ إلى السماءِ سُلَّمًا
تَرْقَى فيه وأنا أَنْظُرُ حتى تأتيَها ، وتأتىَ معك بنسخةٍ منشورةٍ ، معك أربعةٌ مِن الملائكةِ
يشهَدُون لك أنك كما تقولُ، وايمُ اللَّهِ، لو فعلتَ ذلك لظننتُ ألَّ أُصَدِّقَك. ثم
انصرَف عن رسولِ اللَّهِ عَه، وانصرفَ رسولُ اللَّهِ مَّهِ إلى أهلِه حزينًا أَسِفًا(٢) لِمَا فاته
مما كان يَطمَعُ فيه من قومِه حينَ دَعَوْه، ولما رأى من مُباعدتِهم إياه، فلما قام عنهم
رسولُ اللَّهِ مَّهِ، قال أبو جهلٍ: يا معشرَ قريشٍ، إن محمدًا قد أتى إلا ما تَرَوْنَ من
عيبٍ ديننا ، وشتم آبائِنا ، وتسفيهِ أحلامِنا، وسبِّ آلهتنا، وإنى أَعاهدُ اللَّهَ لأَجلِسَّ له
غدًا بحجرٍ قدرَ مَا أَطِيقُ حَمْلَه، فإذا سجَد فى صلاتِه فضَخْتُ رأسَه به(٤) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : ثنا ابنُ إسحاقَ ، قال: ثنى محمدُ بنُ
أبى محمدٍ مولی زيد بن ثابتٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، أو عكرمةً مولى ابنِ عباسٍ ، عن
ابنِ عباسٍٍ بنحوِه، إلّا أنَّه قال: وأبا سفيانَ بنَ حربٍ ، والنضرَ بنَ الحارثِ أخا بنى
•(٥)
عبدِ الدارِ ، وأبا البخترىِّ بنَ هشامٍ .
حدَّثنی يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبى بشرٍ ، عن سعيدٍ ، قال :
(١) فى م، ت ١، ف: ((عمرو)).
(٢- ٢) فى م: ((هو لعاتكة بنت).
(٣) فى ص، م، ت ٢، ف: ((أسيفا)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٥/٥ - ١١٧ عن المصنف، وهو فى سيرة ابن هشام ٢٩٥/١ - ٢٩٧،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٢/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) فى ص: ((أما))، وفى م: ((أبناء))، وفى ت ١: ((ابنا))، وفى ت ٢: ((أنا))، وفى ف: ((أن)). والمثبت
من مصادر التخريج .

٩١
سورة الإسراء : الآيات ٩٣ - ٩٥
قلتُ له فى قولِه تعالى: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا
قال: قلتُ له: أَنزَلت [٢٧٠/٢ظ] فى عبدِ اللهِ بنِ أبي أميةَ؟ قال: قد زعَمُوا ذلك(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جََّهُمُ الْهُدَى إِلَّ أَنْ
قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا
٩٤
يقولُ تعالی ذکرُه : وما منَع يا محمدُ مشر کی قومِك الإيمانَ باللَّهِ وبما جئتهم به
من الحقِّ، ﴿إِذْ جَاءَهُ الْهُدَىّ﴾. يقولُ: إذ جاءَهم البيانُ من عندِ اللَّهِ بحقيقةٍ ما
تَدْعُوهم وصحةٍ ما جئتَهم به، إلا قولُهم جهلا منهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
فـ﴿ أَنْ﴾ الأولى فى موضعٍ نصبٍ بوقوعِ ﴿مَنَعَ﴾ عليها ، والثانيةُ فى موضعِ رفعٍ؛
لأن الفعلَ لها .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَكَبِكَةٌ يَمْشُونَ
٩٥
مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين أَبَوُا الإيمانَ بك وتصديقَك
فيما جئتَهم به من عندى ؛ استنكارًا لأن يَبْعَثَ اللَّهُ رسولاً من البشرِ: ﴿لَّوْ كَانَ﴾
أيُّها الناسُ ﴿فِى الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ
مَلَكًا رَسُولًا﴾؛ لأن الملائكةَ إِنما تراهم أمثالُهم من الملائكةِ، أو (٢) مَن خصَّه اللَّهُ
من بنى آدمَ برؤيتها ، فأما غيرُهم فلا يَقْدِرون على رؤيتها ، فکیف یَبعَثُ إلیھم من
الملائكةِ الرسلَ ، وهم لا يَقْدِرون على رؤيتهم وهم/ بهيئاتِهم التى خلقهم بها، ١٦٧/١٥
(١) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٢٣ من طريق عبد الملك بن عمير، عن سعيد ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٠٣/٤ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى م: (( و)).
(٣) بعده فى م، ف: ((اللَّه)).

٩٢
سورة الإسراء : الآيات ٩٥ - ٩٧
وإنما يُرسِلُ إلى البشرِ الرسولَ منهم، كما لو كان فى الأرضِ ملائكةٌ يمِشُون
مُطْمئِين، ثم أرسَلْنا إليهم رسولًا، أرسَلْناه منهم مَلَكًا مثلَهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ
ج
٩٦
كَانَ بِعِبَادِهِه خَبيرًا بَصِيرًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه: قُلْ يا محمدُ للقائلين لك: ﴿ أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرً
رَسُولاً﴾ -: ﴿كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَيَنَكُمْ﴾. فإنه نِعْمَ الكافى
والحاكمُ، ﴿ إِنَُّ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَيْرًا﴾. يقولُ: إن اللَّهَ بعبادِه ذو خبرةٍ وعلم
بأمورِهم وأفعالهم، والمحقِّ منهم والُبُطلِ، والمَهْدِىِّ والضالُ، ﴿ بَصِيرًا﴾ بتدبيرِهم
وسياستهم وتصريفهم فيما شاء، وكيف شاء وأحَبَّ، لا يخفى عليه شيءٌ من
أمورِهم، وهو مجازٍ جميعَهم بما قدَّم عندَ ورودِهم عليه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ(١) وَمَن يُضْلِلْ فَلَن
تَجِدَ لَمُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونٌِّ وَتَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْمَا وَصُمَّا مَأْوَنَهُمْ
٩٧
جَهَنَّةٌ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا
يقولُ تعالى ذكره : ومَن يَهْدِ اللَّهُ يا محمدُ للإيمان به ، ولتصديقك وتصديقٍ ما
جئتَ به مِن عندِ ربِّك، فوقَّقه لذلك، فهو الْمُهْتَدِ الرشيدُ المصيبُ الحقَّ، لا مَن هداه
غيرُه، فإن الهدايةَ بيدِه، ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾. يقولُ: ومَن يُضْلِلْه اللَّهُ عن الحقِّ،
فيَخْذُلْه عن إصابته ، ولم يوفِّقْه للإيمانِ باللَّهِ وتصديقِ رسولِه، فلن تَجِدَ لهم يا محمدُ
أولياءَ يَنْصُرُونهم من دون اللَّهِ، إذا أرادَ اللَّهُ عقوبتَهم، والاستنقاذَ منهم،
﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. يقولُ: ونَجْمَعُهم بموقفِ القيامةِ من بعدٍ
(١) فى ت ١، ت ٢، ف: ((المهتدى)). وبها قرأ نافع وأبو عمرو فى الوصل خاصة. حجة القراءات
٠٥٣/٢

٩٣
سورة الإسراء : الآية ٩٧
تفرُّقِهم فى القبورِ عندَ قيامِ الساعةِ ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبَكْمًا﴾. وهو جمعُ أَبْكَمَ،
ويعنى بالبُكْم الخُرْسَ .
کما حدَّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : ثنا عبد الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمر ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَبِّكْمًا﴾. قال: الخُرْسُ(١).
﴿ وَصُمَّ﴾ . وهو جمعُ أصمّ .
فإن قال قائلٌ: وكيف وصَف اللَّهُ هؤلاء بأنهم يُحشَرون عُمْيًّا وبُكْمًا وصُمًّا ،
وقد قال: ﴿ وَرَءَا اُلْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوَاْ أَنَّهُم ◌ُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣].
فأخبرَهم(١) أنهم يَرَوْنَ، وقال: ﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا
وَزَفِيْرًا ﴿ وَإِذَا أُلّقُواْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيِّقًا مُقَرَّنِنَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴾ [الفرقان: ١٢، ١٣].
فأخبرَ أنهم يَسْمَعُون ويَنْطِقُون ؟
قيل: جائزٌ أن يكونَ ما وصَفهم اللَّهُ به من العَمَى والبَكَم والصَّمَمِ يكونُ
صفتَهم فى حالٍ حشرِهم إلى موقفِ القيامةِ ، ثم يُجْعَلُ لهم أسمائعٌ وأبصارٌ ومنطقٌ
فى أحوالٍ أُخرَ غیرِ حالِ الحشرِ ، ويجوزُ أن يكون ذلك کما رُوِی عن ابنِ عباسٍ
فى الخبرِ الذى حدَّثَنِيه علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن
علىّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَتَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبَكْمًا
وَصُمَّاً﴾. ثم قال: ﴿ وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ﴾. وقال: ﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا
وَزَفِيْرًا﴾ / وقال: ﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أما قولُه: ﴿عُمْيًا﴾. فلا يرون شيئًا ١٦٨/١٥
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٩٠/١.
(٢) فى م: ((فأخبر)).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.

٩٤
سورة الإسراء : الآية ٩٧
يسرُهم (١)، وقولُه: ﴿بُكْمًا﴾. لا يَنْطِقُون بحجةٍ، وقولُه: ﴿مُنَّ﴾. لا
يَسْمَعُون شيئًا یسُهم(١).
. يقولُ جلَّ ثناؤه : مصيرُهم إلى جهنمَ ، وفيها
وقولُه: ﴿ مَّأْوَهُمْ جَهٌَّ:
مساكنُهم، وهم وَقُودُها .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنی
[٢٧٢/٢ و] أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿مَّأْوَهُمْ جَهٌَّ﴾: يعنى أنهم
(٣).
وَقُودُها(٣).
وقولُه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيْرًا﴾. يعنى بقوله: ﴿خَبَتْ﴾: لانَتْ
وسَكَنَتْ. كما قال عدُّ بنُ زيدِ العِبَادىُّ فى وصفٍ مُزْنَةٍ :
حِينًا يَحْبُو وحينًا يُنِيرُ
وَسْطُه كاليَرَاعِ( أَوْ شُرُجُ المِجْدَلِ(٥)
يعنى بقولِه: يَحْبو السُّرُجُ. أنها تَلِيُ وتَضْعُفُ أحيانًا، وتَقْوَى فتُثِيرُ أُخْرى .
ومنه قولُ القُطَامىِّ(٢):
* فيَخْبو ساعَةٌ وَيَهُبُ(٢) ساعا »
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويل على اختلاف منهم فى العبارةِ عن
تأويلِه .
(١) فى ص: ((يسر لهم))، وفى ت ١، ت ٢، ف: ((يستر لهم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤ إلى المصنف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤) اليراع، جمع يراعة : وهى ذباب يطير بالليل كأنه نار، واليراع: فراشة إذا طارت فى الليل لم يشك من
يعرفها أنها شرارة طارت عن نار. اللسان (ى رع).
(٥) المجدل : القصر المشرف لوثاقة بنائه، وجمعه مجادل . اللسان (ج د ل).
(٦) ديوانه ص ٣٤.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((تشب)).
٠

٩٥
سورة الإسراء : الآية ٩٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةٌ ، عن علىّ ، عن ابنِ
عباسٍ فى قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾. (١ يقولُ: كلَّما) سكَنت(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أنی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: كلما
أُحرَقتهم "تسَعَّرُ بهم" حَطَبًا، فإذا أُحرَقتهم فلم تُبْقِ منهم شيئًا، صارَت جمرًا (٤)
تتوهَّجُ، فذلك خَبْوُها، فإذا بُدِّلوا خَلْقًا جديدًا عاوَدَتْهم (٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(٧)
قولَهُ(٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
(١ - ١) فى م: ((قال)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((سعرتهم).
(٤) فى ص: ((حمراء)) .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن الأنبارى فى الأضداد،
وسيأتى تخريجه عند ابن الأنبارى فى الصفحة التالية .
(٦ - ٦) سقط من: م.
(٧) سقط من : م.
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٤٤٢ بلفظ: كلما أطفئت أوقدت . وأخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة النار
(١٠٧) من طريق أبى يحيى، عن مجاهد. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة
وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٩٦
سورة الإسراء : الآيتان ٩٧، ٩٨
١٦٩/١٥
/ حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج ، قال: قال
ابنُ عباسٍ: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ﴾. قال: خَبْوُها أنها تُسَقَّرُ بهم حطبًا ، فإذا أحرَقتهم
فلم يَبْقَ منهم شىءٌ، صارت جمرًا (١) تتوهَّجُ، فإذا بُدِّلوا خلقًا جديدًا عاوَدَتْهم (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ
زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: كلَّما احترَقت جلودُهم بُدِّلوا جلودًا غيرَها لَيَذُوقُوا
(٣)
العذابَ(٣) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾. قال: كلما لان منها شىء ".
حُدِّثْتُ عن مَرْوَانَ ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾. قال :
سكَنت .
وقولُه: ﴿زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: زِدْنا هؤلاء الكفارَ سعيرًا ، وذلك إسعارُ
النارِ عليهم والتهابُها فيهم وتأتجُجُها بعدَ خَبْوِها فى أجسامِهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِشَايَئِنَا وَقَالُواْ أَعِذَا
٩٨
كُتَا عِظَمًا وَرُفَتَّا أَمِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
يقولُ تعالى ذكره : هذا الذى وصَفنا من فعلِنا يومَ القيامةِ بهؤلاءِ المشركين ، ما
(١) فى ص: ((حمراء)).
(٢) أخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ١٧٦ من طريق حجاج به نحوه.
(٣) أخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ١٧٦ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤
إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٣٩٠/١.

٩٧
سورة الإسراء : الآيتان ٩٨، ٩٩
ذكرتُ أنَّا نَفعَلُ بهم من حشرهم علی وجوهِھم ◌ُميًا وبُکمًا وصُمًّا ، وإصلائِناهم"
النارَ على ما بَيَّنا من حالِهم فيها - ثوابُهم بكفرِهم فى الدنيا ﴿ بَِايَتِنَا﴾. يعنى:
بأدلتِه وحججِه، وهم رسلُه الذين دَعَوْهم إلى عبادتِهِ، وإفرادِهم إياه بالألوهةِ دونَ
الأوثان والأصنام، وبقولِهم إذا أَمِروا بالإيمانِ بالمعادِ ، وبثوابِ اللَّهِ وعقابِه فى
الآخرةِ: ﴿أَعِذَا كُتَّا عِظَامًا﴾ باليةً، ﴿ وَرُفَتَّا﴾: قد صِرْنا ترابًا ﴿أَعِنَا لَمَبْعُوثُونَ
خَلْقًا جَدِيدًا﴾. يقولون: نُبْعَثُ بعدَ ذلك خلقًا جديدًا، كما ابتُدِثْنَا(٢) أولَّ مرةٍ فى
الدنيا . استنكارًا منهم لذلك، واستِعظامًا له (٢) ، وتعجّبًا من أن يكونَ ذلك.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَا لَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ
إِلَّا كُفُورًا
(٩٩
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّه: أوَ (٤) لم يَنْظُرْ هؤلاء القائلون من
المشركين: ﴿ أَعِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَاتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ بعيونِ قلوبهم،
فيعلَموا ﴿ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾، فابتدَعها من غيرِ شىءٍ، وأقامَها
بقُدرتِه، ﴿قَادِرُ﴾ بتلك القدرةِ ﴿ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾: أشكالَهم وأمثالَهم
من الخلقِ بعدَ فنائِهم وقبلَ ذلك ، وأن مَن قدَر على ذلك فلا يَمَتَنِعُ عليه إعادتُهم خلقًا
/ جديدًا، بعدَ أن يَصِيروا عظامًا ورُفاتًا.
١٧٠/١٥
وقولُه: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَا لََّ رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل اللَّهُ
(١) فى م: ((إصلائنا إياهم)).
(٢) فى م: ((ابتدأناه)).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((إِذ)).
( تفسير الطبرى ٧/١٥ )

٩٨
سورة الإسراء : الآيتان ٩٩، ١٠٠
لهؤلاء المشركين أجلاً لهلاكِهم، ووقتًا لعذابهم ﴿لَّ رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: لا شكَّ
فيه أنه آتيهم ذلك الأجلُ، ﴿ فَأَبَ الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ﴾. يقولُ: فأتى الكافرون إلا
جحودًا بحقيقة وعيدِه الذى أوعدهم، وتكذيبًا به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُنَ خَزَآَبِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا
١٠٠
لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ آلْإِفَاقِّ وَكَنَ اُلْإِنِسَنُ قَتُورًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيها الناسُ
تَمْلِكُون خزائنَ أملاكِ ربى من الأموالِ - وعَنَى بالرحمةِ فى هذا الموضع المالَ - ﴿ إِذَا
لَأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنِفَاقِ﴾. يقولُ : إذن لَتَخِلْتُم به، فلم ◌َّجُودُوا بها على غيرِكم،
خشيةً من ﴿ اُلْإِنِفَاقِ﴾ (١)؛ الإِقْتَارِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجْ، عن ابنِ مجريجٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿إِذَّا لَّأَمْسَكُمْ خَشْبَةَ الْإِنِفَاقِ﴾. قال: الفقرِ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَشْيَةَ الْإِنِفَاقِ
أى : خشيةً الفاقةِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
(٣)
قتادةً مثلَه(٣) .
وقولُه: ﴿وَكَانَ آلْإِنَنُ قَتُورًا﴾. يقولُ: وكان الإنسانُ بخيلًا تُمْسِكًا .
كما حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ
(١) بعده فى م: ((و)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.

٩٩
سورة الإسراء : الآيتان ١٠٠، ١٠١
عباسٍ فى قولِه : ﴿ وَكَانَ اُلْإِنِسَنُ قَتُورًا﴾. يقولُ: بخيلاً.
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجْ، عن ابنِ جُرَيج، قال: قال
ابنُ عباسٍ فى قولِه : ﴿ وَكَانَ اُلْإِنِسَنُ قَتُورًا﴾. قال: بخيلاً .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَكَانَ اُلْإِنِسَنُ
قَتُورًا ﴾ . قال : بخيلاً تُمْسِكًا .
وفى ((القُتورِ)) فى كلامِ العربِ لغاتٌ أربعٌ، يقالُ: قَتَر فلانٌ يَقْتُرُ ويَقْتِرُ، وَقَتَّر
يُقَتِّرُ، وأَقْتَر يُقْتِرُ، كما قال أبو دُوادَ(١):
لا أَعُدُّ الإِقْتَارَ عُدْمًا ولكنْ
فقدُ مَن قد رُزِيتُه الإِعْدَامُ
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِيّ ١٧١/١٥
إِسْرَِّيِلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوَنُ إِنِّ لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا
١٠١
يقولُ تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى بنَ عِمرانَ ﴿تِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍّ﴾ تَبِيرُ لَّن
رآها أنَّها حُججٌ لموسى شاهدةٌ على صدقِه وحقيقةِ نبوَّتِه .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فيهنَّ وما هُنَّ؛ فقال بعضُهم فى ذلك ما حدَّثنى به
محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أیی ، عن أبيه ، عن ابنٍ
عباسٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ . قال: التسعُ الآيَاتِ
البيناتِ؛ يدُه، وعَصاه، ولسانُه، والبحرُ، والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ،
والضفادعُ، والدمُ ، آياتٌ مفصلاتٌ(٢) .
حُدِّثتُ عن الحسين ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ
(١) ديوانه (ضمن دراسات فى الأدب العربى) ص ٣٣٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥١/٩ (١٦٦٣) من طريق عمرو بن عطية ، عن ابن عباس.

١٠٠
سورة الإسراء : الآية ١٠١
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ ﴾: إلقاءُ العصا
مرّتينِ عندَ فرعونَ ، ونزْعُ يدِه، والعُقدةُ التى كانت بلسانِهِ، وخمسُ آياتٍ فى
((الأعرافِ))؛ الطوفانُ، والجرادُ، والقمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ(١).
وقال آخرون نحوًا من هذا القولِ ، غيرَ أنَّهم جعَلوا اثنتينُ مِنهنَّ؛ إحداهما،
الطَّمسَةَ، والأُخرى، الحَجَرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، عن بريدةَ بنِ سفيان ، عن
محمدِ بنِ كعبِ القُرظىّ ، قال: سألنى عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ عن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا
مُؤَسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾. فقلتُ له: هى الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ،
والضفادعُ، والدُ، والبحرُ، وعَصاه، والطّمْسةُ، والحجَرُ. فقال: وما الطَّمْسةُ؟
فقلتُ: دعا موسى وأمَّن هارونُ، فقال: ﴿قَدْ أُجِيبَتِ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]
وقال عمرُ: كيف يكونُ الفقهُ إلا هكذا! فدعا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بخريطةٍ (١) كانت
لعبدِ العزيزِ بنِ مروانَ أُصيبت بمصرَ، فإذا فيها الجوزةُ(٤) مُتَشَّاةٌ(*)، والبيضةُ والعدسةُ ما
تُنكَرُ، مُسِخت حجارةً ، كانت من أموالٍ فرعونَ أَصِيبت بمصرَ(١).
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٣٣٦/١٠.
(٢) فى م: (( آيتين)) .
(٣) الخريطة: وعاء من أدم وغيره يُشْرَج على ما فيه. التاج (خ ر ط).
(٤) الجوزة : ضرب من العنب لیس بکبیر، ولکنه یصفر جدا إذا أینع. التاج (ج و ز).
(٥) سقط من: م، وفى تاريخ المصنف: ((مقشورة)). والنَّسّ: اليُّيْسِ، نَسّ اللحمُ والخبزُ: يَنُس ويَنِس: إذا
یپِس. ینظر التاج (ن س س).
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤١٨/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥١/٩ (١٦١٦٤) من طريق
سلمة به مختصراً ، وفيهما : ويده. بدلا من: والحجر .