Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
سورة الإسراء: الآية ٣٩
يقولُ تعالى ذكره: هذا الذى بينالك يا محمدُ من الأخلاقِ (١) التى أمَرناك
بجميلها، ونهيناك عن قبيحِها، ﴿مِمََّ أَوْحَىَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾. يقولُ: من
الحكمةِ التى أوخَيْناها إليك فى كتابنا هذا.
كما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ ذَلِكَ مِنَّا أَوْحَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾. قال: القرآنُ .
وقد بيَّنا معنى الحكمةِ فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنَى عن إعادته فى هذا
(٢)
الموضعِ ().
﴿ وَلَ تَجْعَلْ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَمَ مَلُومًا مَّدْ خُورًا﴾. يقولُ: ولا تجعَلْ
مع اللَّهِ شريكًا فى عبادتِك، ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَّمَ مَلُومًا﴾: تَلُومُك نفسُك وعارفوك من
الناسِ، ﴿ مَّدْحُورًا﴾. يقولُ: مُبْعَدًا مَقْصِيًّا فى النارِ، ولكن أَخْلِصِ العبادةَ للَّهِ
الواحدِ القهارِ، فتنجوَ من عذابِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى قوله: ﴿ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ . قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةٌ ، عن
علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾. يقولُ: مطرودًا(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((الجميلة)).
(٢) تقدم فى ٥٧٥/٢ - ٥٧٧.
(٣) أخرجه البخارى عقب حديث (٣٢٦٧) معلقا، وذكره الحافظ فى التغليق ٥١١/٣ عن المصنف، وينظر
فتح البارى ٣٤٠/٦.

٦٠٢
سورة الإسراء : الآيات ٣٩ - ٤١
﴿ مَلُومَا مَّدْحُورًا﴾. قال: ملومًا فى عبادةِ اللَّهِ، مدحورًا فى النارِ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَفَأَ صْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَالَّخَذَ مِنَ الْمَلَبِّكَةِ إِنَتَّاً
◌ِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا
٤٠
يقولُ تعالى ذكرُه للذين قالوا من مُشركى العربِ: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ:
أَفَأَصْفَنَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ﴾. يقولُ: أُفَخَصَّكم ربُّكم بالذكورِ
من الأولادِ، ﴿ وَأَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَتَّأَ﴾ وأنتم لا تَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِكم، بل
تَِّدُونهن، وتَقتُلونهن، فجعَلُم للَّهِ ما لا تَرْضَوْنه لأنفسِكم، ﴿إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا
عَظِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين الذين قالوا من الفِرْيَةِ على اللَّهِ ما
ذكرنا : إنكم أيها الناسُ لتقولون بقيلِكم : الملائكةُ بناتُ اللَّهِ . قولًا عظيمًا، وتفترون
على اللَّهِ فِرِيةً منكم .
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك، ما حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن
معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَثَأْ﴾. قال: قالت اليهودُ : الملائكةُ بناتُ
الجنّ(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرّْنَ فِىِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَُّواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا
نُفُورًا
٤١
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ لهؤلاء المشركين المفترِين على اللَّهِ
﴿ فِى هَذَا اُلْقُرْءَانِ﴾ العِبَرَ والآياتِ والحججَ، وضرّبنا لهم فيه الأمثالَ، وحذَّرناهم
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٨/١ عن معمر به .
(٢) فى م: ((الله)، وفى ص، ت ١، ف: ((الخير))، وفى ت ٢: ((الخبر)). والمثبت من مصدر التخريج.
والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٨/١ عن معمر به .

٦٠٣
سورة الإسراء : الآيتان ٤١، ٤٢
فيه وأنذرنَاهم ﴿لِيَذَّكَّرُواْ﴾. يقولُ: ليتذكَّروا تلك الحججَ عليهم، فيعقِلوا خطأ ما
هم عليه مُقيمونَ ، ويَعْتبروا بالعِبَرِ، فيَّعُوا بها، ويُنبيوا من جهالتِهم فما يَعتَبرون
بها ، ولا يتذكَّرون بما يرِدُ عليهم من الآياتِ والنُّذُرِ، [٢٥١/٢ظ] وما يزَيدُهم تذكيرُنا
إِيَّاهِم ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾. يقولُ: إِلا ذَهَابًا عن الحقِّ، وبُعدًا مِنه وهَرَبًا .
والنُّفورُ فى هذا الموضع مصدرٌ من قولهم: نفَر فلانٌ من هذا الأمرِ ينفِرُ منه نفْرًا
ونُفُورًا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُرْ ءَالِمَّةٌ كُمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّبَنَغَوْاْ إِلَى ذِى
اُلْعَرِْ سِيلًا
٤٢
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ عَِّلَّه: قُل يا محمدُ لهؤلاء المشركينَ الذين
جعَلوا مع اللَّهِ إلهًا آخرَ: لو كان الأمر كما تقولون، من أنَّ معه آلهةً ، وليس ذلك كما
تقولون ، إذنْ لا بتغتْ تلك الآلهةُ القربةَ من اللَّهِ ذى العرشِ العظيم ، والتمسَتِ الزُّلْفَةَ
إليه ، والمرتبةَ منه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُل لَّوْ
كَانَ مَعَهُرْ ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّأَ بْنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. يقولُ: لو كان معه آلهةٌ
إذنْ لعرَفُوا له فضلَه ومرتبتَه ومنزلته عليهم، فابتغَوا ما يقرِّبُهم إليهِ (١).
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿إِذَا لَّأَ بْنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَّيْرِ سَبِيلًا﴾. قال: لابتغَوا القُربَ إليه، مع أنَّه ليس كما
(٢)
یقولون
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٨/١ عن معمر به .

٦٠٤
سورة الإسراء : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
تُبِحُ لَهُ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُؤَا كَبِيرًا (١٦)
السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
33
وهذا تنزيهٌ منَ اللَّه تعالى ذكره نفسَه عما وصفه به المشر كون ، الجاعِلون معه
آلهةً غيرَه، المُضيفون إليه البناتِ، فقال: تنزيهًا للَّهِ وعلوًّا له عما تقولون (١) ، أيُّها
القومُ ، عليه من الفِريةِ والكذِبِ ، فإنَّ ما تُضيفون إليه من هذه الأمورِ ليس من صفتِه،
ولا ينبغى أن يكونَ له صفةً .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى
٩٢/١٥ عَمَّا يَقُولُونَ / عُلُوا كَبِيرًا﴾: يُسبِّحُ نفسَه إذا قيلَ عليه البهتانُ.
وقال تعالى: ﴿عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا﴾. ولم يقُلْ: تعاليًا، كما قال: ﴿ وَبَبَثَّلْ إِلَيْهِ
تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. كما قال الشاعرُ():
ونَقَوْتَها بِيَدَيْكَ كُلَّ مُنَقَّرٍ
أَنْتَ الفِداءُ لكَعْبةٍ هَدَّمْتَها
ومِن الْحَظِيمِ فَطارَ كُلَّ مُطَئٍِّ
مُنِعَ الحَمَامُ مَقيلَهُ مِن سَقِفِها
وقولُه: ﴿ شُيِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِنَّ﴾. يقولُ: ثُرَّهُ اللَّهَ أيُّها
المشركون عمَّا وصَفْتُموه به إِعظامًا له وإجلالًا - السمواتُ السبعُ والأرضُ ومَن
فيهنَّ؛ من المؤمنين به من الملائكةِ والإنس والجنِّ، وأنتم مع إنعامِه عليكم وجميلٍ
أياديه عندَ کم تَفتَرون علیه بما تفترون .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((يقولون)).
(٢) ذكرهما ابن جنى فى المحتسب بدون نسبة؛ الأول فى ١/ ٨١، ١٩٤، ٣٠١، وذكر من الثانى عبارة:
فطار كل مطير فى ١/ ٦/٢،٨٢.

٦٠٥
سورة الإسراء : الآية ٤٤
وقولُه: ﴿ وَإِنِ مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ مَجْهِهِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: وما مِن شىءٍ مِن
خلقه إلا يُسبح بحمدِه .
كما حدَّثنى به نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِىُّ، قال : ثنا محمدُ بنُ یعلَى ، عن
موسى بنِ عُبيدةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ
اللَّهِ مَاهِ: ((ألا أَخيِرُكُم بشىءٍ أَمَر به نُوحُ ابنَه؟ إنَّ نُوحًا قال لابنِه: يا بُنَىَّ آمُرُكَ أَنْ
تَقَولَ : سُبْحانَ اللَّهِ وبحمدِه ؛ فإنَّها صلاةُ الخَلْقِ، وتَسبيحُ الخَلْقِ، وبها يُرزَقُ الخلْقُ،
قال اللَّهُ: ﴿وَإِن مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحَدِهِ﴾))(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ (٢)،
قال : سمِعتُ عكرمةَ، يقولُ: لا يَعِيبنَّ أحدُ كم دابَتَه ولا ثوبَه ؛ فإنَّ كلَّ شىءٍ يُسبِّحُ
(٣)
بحمده .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا الحسينُ ، عن يزيدَ ، عن
عكرمةَ: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهِ﴾. قال: الشجرةُ تُسبِّحُ، والأُسْطوانةُ(٤)
(٥)
تُسبّحُ(٥).
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١٢٣٧) من طريق محمد بن يعلى به، وأخرجه عبد بن حميد (١١٤٩)،
وابن حبان فى المجروحين ٢/ ٢٣٥، وابن عساكر فى تاريخه ٦٧٢/١٧ (مخطوط) من طريق موسى بن عبيدة
به ضمن حديث مطول، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((حميد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢ / ٦٣٤.
(٣) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهواتف (١٤٥) من طريق أبى تميلة يحيى بن واضح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٨٤/٤ إلى سعيد بن منصور وابن أبى حاتم .
(٤) الأسطوانة : السارية .
(٥) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهواتف (١٤٥) من طريق يحيى بن واضح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٤/٤ إلى ابن أبى حاتم .

٦٠٦
سورة الإسراء : الآية ٤٤
(١)
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا یحیی بنُ واضح وزیدُ بنُ حبابٍ ، قالا : ثنا حديثٌ
أبو الخطابٍ ، قال: كنا مع يزيدَ الرَّقاشىّ ومعه الحسنُ فى طعامٍ ، فقدّموا الخوانَ ، فقال
يزيدُ الرَّقاشىُّ: يا أبا سعيدٍ، يُسبِّحُ هذا الخوانُ؟ فقال: كان يُسبِّحُ مرَّةً (١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مجويبرٌ، عن الضحاكِ ،
ويونسُ، عن الحسنِ أنَّهما قالا فى قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِدِهِ﴾. قالا:
كلُّ شيءٍ فيه الروح (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الكبيرِ بنُ عبدِ المجيدِ ، قال : ثنا سفيانُ ،
(٤)
عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: الطعامُ يُسبِّحُ.
٩٣/١٥
/ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً:
﴿ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِخْدِهِ ﴾. قال: كلَّ شىءٍ فيه الروحُ يُسَبِّحُ؛ من شجرةٍ أو
شیء فيه الروح (٩).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ
بابى (١)، عن عبدِ اللهِ بن عمرو: أن الرجلَ إذا قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ. فهى كلمةُ الإخلاصِ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ف ومصدرى التخريج: ((جرير)). وينظر المقتنى فى سرد الكنى ٢١٧/١.
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهواتف (١٤٣) من طريق أبى تميلة يحيى بن واضح وحده به، وينظر تفسير ابن
کثیر ٥/ ٧٨.
(٣) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١٢٢٩) من طريق هشيم به، وليس فيه ذكر الحسن، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٨٥/٤ إلى أبى الشيخ عن الحسن وحده، وينظر تفسير ابن كثير ٧٨/٥.
(٤) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهواتف (١٣٧) من طريق عبد الكبير بن عبد المجيد به ، وأخرجه أبو الشيخ فى
العظمة (١٢٠٧) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٤/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٥) فى م: ((شجر)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٩/١ عن معمر به .
(٧) فى م، ص، ت ١، ف: ((أبى))، وفى ت ٢: ((أبى عدى)). وهو تحريف. والمثبت من تهذيب الكمال
٠٣٢٠/١٤

٦٠٧
سورة الإسراء : الآيتان ٤٤، ٤٥
التى لا يَقْبَلُ اللَّهُ من أحدٍ عملًا حتى يقولَها، فإذا قال: الحمدُ للَّهِ [٢٥٢/٢و]. فهى كلمةُ
الشكرِ، التى لم يَشْكُرِ اللَّهَ عبدٌ قطُّ حتى يقولَها ، فإذا قال: اللَّهُ أكبرُ. فهى تملأُ ما
بينَ السماءِ والأرضِ، فإذا قال: سبحانَ اللهِ . فهى صلاةُ الخلائقِ التى لم يَدْعُ اللَّهُ
أحدًا من خلقِه إلا قرَّهُ بالصلاةِ والتسبيح، فإذا قال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللّه.
قال : أسلَم عبدى واستسلم(٢) .
وقولُه: ﴿ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : ولكن لا تفقَهون
تسبيحَ ما عدا تسبيحَ مَن كان يُسبِّحُ بمثلِ ألسنتِكم. ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ يقولُ: إن
اللَّهَ كان حليمًا ، لا يَعْجَلُ على خلقِه الذين يخالفون أمرَه ويكفُرون به ، ولولا ذلك
لعاجل هؤلاء المشركين الذين يدْعُون معه الآلهةَ والأندادَ بالعقوبةِ. ﴿ غَفُورًا﴾
يقولُ : ساترًا عليهم ذنوبَهم ، إذا هم تابوا منها بالعفوِ منه لهم .
كما حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ إِنَّهُ كَانَ
حَلِيمًا﴾: عن خلقِه، فلا يَعْجَلُ كعجلةِ بعضِهم على بعضٍ، ﴿غَفُورًا﴾ لهم إذا
(٣)
تابوا (١).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا
٤٥
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا
.
يقولُ تعالى ذكره : وإذا قرأْتَ يا محمدُ القرآنَ على هؤلاء المشركين الذين لا
(١) فى م: ((نوره))، وفى ت ١: ((أمره)). وقرره بالصلاة والتسبيح: جعله يُقِرّ بهما ويعترف.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٦٠٢)، والخطيب فى الموضح ٣٠٢/١ من طريق سعيد به، وأخرجه أبو
نعيم في الحلية ١٧/٩ من طريق قتادة به ، وأخرجه معمر فى جامعه (٢٠٥٧٩) عن قتادة أن عبد الله بن عمرو
ابن العاص قال ... فذكره، كما ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٦/٥.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .

٦٠٨
سورة الإسراء : الآية ٤٥
يُصَدِّقون بالبعثِ، ولا يُقرِّون بالثوابِ والعقابِ، جعَلنا بينك وبينَهم حجابًا ،
يَحُبُ قلوبَهم عن أن يَفْهَموا ما تقرؤُه عليهم ؛ فينتفِعوا به، عقوبةٌ منا لهم على
کفرهم. والحجابُ ههنا هو الساترُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَإِذَا
قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ : الحجابُ
المستورُ أكثَّةٌ على قلوبِهم أن يَفْقَهوه وأن ينتفِعوا به، أطاعوا الشيطانَ فاستحوذ
(١)
علیھم
.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ حِجَابًا
مَسْتُورًا﴾. قال: هى الأكتَّةُ(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا
قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾. قال:
قال أبى: لا يَفقَهونه، وقرَأ: ﴿("وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ مَاذَانِهِمْ
وَقْرَأْ﴾. فهم لا يَخْلُصُ ذلك إليهم.
وكان بعضُ نحوييٌّ أهلِ البصرةِ يقولُ: معنى قوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ :
حِجابًا ساترًا، ولكنه أُخرِج وهو فاعلٌ فى لفظِ المفعولِ، كما يقالُ : إنك مشئومٌ
٩٤/١٥ علينا وميمونٌ. وإنما هو شائمٌ ويامنٌ؛ لأنه مِن شأمهم / ويَمِنَهم. قال: والحجابُ
ههنا هو الساترُ. وقال: ﴿ مَسْتُورًا ﴾ .
وكان غيرُه من أهلِ العربيةِ يقولُ : معنى ذلك : حجابًا مستورًا عن العبادِ فلا
يرونه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٦/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٩/١ عن معمر به .
(٣ - ٣) فى النسخ: ((قلوبهم فى أكنة)). والصواب ما أثبتناه.

٦٠٩
سورة الإسراء : الآيتان ٤٥، ٤٦
وهذا القولُ الثانى أظهرُ بمعنى الكلام، أن يكونَ المستورُ هو الحجابَ ، فيكونُ
معناه : أنَّ اللَّهَ ستَره عن أبصارِ الناسِ فلا تُدْرِكُه أبصارُهم . وإن كان للقولِ الأوّلِ
وجة مفهوم .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرًا
﴾
٤٦٦
وَإِذَا ذَّكَّرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَمُ وَلَوْ عَلَّ أَدْبَرِهِمِ نُفُورً
يقولُ تعالى ذكره : وجعَلنا على قلوبٍ هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة عند
قراءتِك عليهم القرآنَ أكثَّةً . وهى جمعُ كَنانٍ ، وذلك ما يتغشَّاها من خِذْلانِ اللَّهِ
إِيَّاها (١) عن فَهم ما يُتْلَى عليهم، ﴿ وَفِّ مَاذَانِهِمْ وَقَرَّا ﴾ يقولُ: وجعَلنا فى آذانِهم وقرًا
عن سماعِه، وصممًا ، والوَقرُ بالفتح، فى الأذنِ: الثِّقَلُ، والوِقرُ بالكسرِ من الحِمْلِ.
وقولُه: ﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾. يقولُ: وإذا قلتَ : لا إلهَ
إِلا اللَّهُ فى القرآنِ وأنت تتلوه، ﴿ وَلَّوْ عَلَىَّ أَدْبَِهِمِ نُفُورًا﴾. يقولُ: انفضُّوا،
فذهَبوا عنك نفورًا من قولِك ذلك، استكبارًا له واستعظامًا من أن تُوحِّدَ اللَّه تعالى
ذكرُه .
وبما قلنا فى ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ
فِىِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ﴾. وإن المسلمين لما قالوا: لا إلهَ إلا اللّهُ. أنكر ذلك المشركون
وكثرت عليهم، فضاقَها إِبليسُ وجنودُه، فأَتَّى اللَّهُ إِلا أن يُمْضِيَها ويَنْصُرَها ويُفْلِجَها
:
(١) فى م: ((إياهم)).
( تفسير الطبرى ٣٩/١٤ )

٦١٠
سورة الإسراء : الآية ٤٦
ويُظْهِرَها على مَن ناوَأَها، إنها كلمةٌ مَن خاصَم بها فَلَج، ومن قاتَل بها نُصِر ، إنما
يَعرِفُها أهلُ هذه الجزيرةِ من المسلمين، التى يَقْطَعُها الراكبُ فى ليالٍ قلائلَ، ويسيرُ
الدهرَ فى فِئامٍ من الناسِ لا يَعرِفُونها ولا يُقِرُّون بها (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا
ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِىِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ عَلَّ أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا﴾. قال: بغضًا لما تكلّم به ، لئلا
یسمعوه، کما کان قوم نوح يجعلون أصابعهم فى آذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرُهم به
من [٢٥٢/٢ظ] الاستغفارِ والتوبةِ، ويَسْتغشُون ثيابَهم. قال: يَلْتَقُّون بثيابِهم،
ويجعلون أصابعَهم فى آذانهم لئلا يسمَعوا ولا يُنظرُ إليهم(١) .
وقال آخرون: إنما عُنِى بقولِه: ﴿وَلَوْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا﴾. الشياطينُ، وإنها
تَهرُبُ من قراءةِ القرآنِ وذكرِ اللَّهِ .
٩٥/١٥
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الحسينُ بنُ محمدِ الذَّارعُ، قال: ثنا روحُ بنُ المسيبِ أبو رجاءٍ
الكُلييئُ(٢) ، قال : ثنا عمرُو بنُ مالكِ، عن أبى الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله :
﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَوْ عَلَىّ أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا﴾: هم الشياطينُ(٤).
والقولُ الذى قلنا فى ذلك أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل ، وذلك أن اللَّه تعالى
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٠/٥ عن قتادة .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) فى النسخ: ((الكلبى)). وهو تصحيف. والمثبت من التاريخ الكبير ٣٠٩/٣، والجرح والتعديل ٤٩٦/٣،
والأنساب ٥/ ٩١.
(٤) أخرجه الطبرانى (١٢٨٠٢) من طريق روح بن المسيب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى
ابن أبى حاتم وابن مردويه، نقله ابن كثير فى تفسيره ٨٠/٥ عن المصنف .
٠٠

٦١١
سورة الإسراء : الآيتان ٤٦، ٤٧
ذكرُه أَنْبَع ذلك قوله: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَّءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
جَ﴾ . فأن يكونَ ذلك خبرًا عنهم أولى ، إذ كان بخبرِهم
بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (
متصلًا ، من أن یکون خبرًا عمن لم يجرِ له ذکرٌ .
وأما النفورُ، فإنها جمعُ نافرٍ، كما القُعودُ جمعُ قاعدٍ، والجُلُوسُ جمعُ
جالسٍ، وجائزٌ أن يكونَ مصدرًا أَخرِج من غيرِ لفظِهِ؛ إذ كان قولُه: ﴿ وَلَوْ﴾ .
بمعنى : نفَروا، فيكونَ معنى الكلامِ: نفَروا نُفورًا، كما قال امرؤُ القيس :
وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَّ إِذْلالٍ».
إذا كان ((رُضْتُ)) بمعنى: أذلَلْتُ، فَأُخْرِج الإذلالُ من معناه، لا من لفظِهِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْهُمْ
(٤٧
تَجْوَ إِذْ يَقُولُ الَّالِمُونَ إِن تَنَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا
يقولُ تعالى ذكره : نحن أعلمُ يا محمدُ بما يستمِعُ به هؤلاء الذين لا يؤمنون
بالآخرةِ من مشركى قومِك ، إذ يستمعون إليك وأنتَ تقرأ كتابَ اللَّهِ ، ﴿ وَإِذْ هُمْ
نَجْوٌَ﴾ .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهل البصرةِ يقولُ : النجوّى فِعْلُهم ، فجعلهم هم
النجوى، كما يقولُ: هم قومٌ رضًا، وإنما رضًا فِعْلُهم .
وقولُه: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَنَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْخُورًا﴾. يقولُ: حينَ
يقولُ المشركون باللّهِ : ما تَتَّبِعون إلا رجلًا مسحورًا .
وُنِى، فيما ذكَر، بالنجوى الذين تَشاوَروا فى أمرِ رسولِ اللهِ صَ لّهِ فى دارِ النَّدوةِ.
(١) ديوانه ص ٣٢، وهو عجز بيت صدره: وصِرْنا إلى الحسنى ورقَّ كلامُنا.

٦١٢
سورة الإسراء : الآية ٤٧
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
٩٦/١٥ الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، / قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ . قال: هى مِثْلُ قيلِ الوليدِ بنِ المُغيرةِ ومَن معه فى
(١)
دارِ الندوةِ() .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ نحوه .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ
إِلَيْكَ وَإِذْ هُ نَجْوَ إِذْ يَقُولُ اُلَِّمُونَ﴾ الآية: ونجواهم أن زعَمُوا أنه مجنونٌ، وأنه
ساحٌ، وقالوا: أساطيرُ الأوَّلين(٢) .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةٍ(٢) يذهبُ بقولِه: ﴿إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا
رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ إلى معنى: ما تَتَّبِعُون إلا رجلًا له سَخْرٌ؛ أى له رِئَةٌ ، والعربُ تُسَمِّى
الرئةَ سَحْرًا، والسَّخْرُ من قولِهم للرجلِ إذا جبُ: قد انتفَخ سَخْرُه. وكذلك يقالُ :
لكلِّ ما أكّل أو شرِب من آدمىٌّ وغيرِه: مسحورٌ، ومُسَخَّرٌ. كما قال لبيدٌ(٤):
فإِنْ تَسْأَلِينا فِيمَ نَحْنُ فإنَّنا
عَصَافِرُ مِنْ هَذَا الأنامِ المُسَخَّرِ
(١) تفسير مجاهد ص ٤٣٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن
أبی حاتم .
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٧٢/١٠ عن قتادة.
(٣) هذا قول أبى عبيدة فى مجاز القرآن ٣٨١/١.
(٤) دیوانه ص ٥٦.

٦١٣
سورة الإسراء : الآيتان ٤٧، ٤٨
وقال(١):
(١)
* ونُسْحَرُ بالطعامِ وبالشرابِ *
أى: نغَذَّى بهما، فكأن معناه عندَه كان: إن تَتَّبِعون إلا رجلًا له رِئَةٌ ، يأكلُ
الطعامَ، ويشرَبُ الشَّرابَ ، لا مَلَكا لا حاجَةَ به إلى الطعام والشرابِ . والذى قال من
ذلك غيرُ بعيدٍ من الصوابِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُواْ فَلَاَ
يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
٤٨٠
/ يقول تعالى ذكرُه: انظُرْيا محمدُ بعينِ قلبك فاعتبِرْ كيفَ مثَّلوا لك الأمثالَ، ٩٧/١٥
وشبّهوا لك الأشباه، بقولهم: هو مسحورٌ، وهو شاعرٌ، وهو مجنونٌ .
﴿ فَضَلُواْ﴾. يقولُ: فجاروا عن قصدِ السبيلِ بقيلهم ما قالوا، ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
سَبِيلًا﴾. يقولُ: فلا يَهْتَدون لطريقِ الحقِّ لضلالِهم عنه وبُعدِهم منه، وأن اللَّهَ قد
خذَلهم عن إصابته، فهم لا يَقْدِرون على المخرَج مما هم فيه من كفرِهم بربّهم إلى
الإيمانِ به .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنِ
أبى نجيح، عن مجاهدٍ ، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن
ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ : ﴿فَلَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. قال: مخرجًا ، الوليدُ بنُ
المغيرةِ وأصحابُه أيضًا (٢) .
(١) فى النسخ: ((وقال آخرون))، والمثبت من مجاز القرآن. وهو عجز بيت لامرئ القيس فى ديوانه ص ٩٧
وصدره : أرانا مُوضِعين لأمرٍ غَيبٍ .
(٢) فى ص، ت ٢، ف: ((موفهم))، وفى م: ((بتوفقهم))، وفى ت ١: (( وتوفيقهم)). وكل هذا تحريف
والمثبت هو الصواب .
(٣) تفسير مجاهد (٤٣٧)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن
أبى حاتم .

٦١٤
سورة الإسراء : الآيتان ٤٨ ، ٤٩
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ: ﴿ أَنْظُرُ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ :
مخرجًا ، الوليدُ بنُ المغيرةِ وأصحابُه .
[٢٥٣/٢ و] القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَقَالُواْ أَِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَنَا أَوِنَا
لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
٤٩
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ من مشركى
قريشٍ، وقالوا بعَنَّتِهم(١): ﴿أَِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾، لم نَتَحَطَّمْ ولم نَتَكَسَّرْ بعدَ مماتِنا
وبِلانا، ﴿ وَرُفَنًا﴾ . يعنى ترابًا فى قُبُورِنا .
كما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثناعيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
يقولُ اللَّهُ: ﴿ وَرُفَنَا﴾. قال: ترابًا (٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
٠
حدَّثنى علىّ(٢) ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ وَقَالُواْ أَِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَنَا﴾. يقولُ: غبارًا(٤).
(١) العنت هنا: الجور. وينظر التاج ((ع ن ت)).
(٢) تفسير مجاهد ٤٣٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣) بياض فى ص، ت ٢، ف، وفى ت ١: ((أبو صالح)). وفى م: ((المثنى))، والمثبت هو الصواب، وقد
رجحنا أنه على بن داود وذلك أن إسناد المثنى وإن كان أكثر دورانا فيما سبق فإنه قد انقطع وصارابن جرير
يروى آثار عبد الله بن صالح عن على لا المثنى، والله أعلم بالصواب .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم، وينظر تفسير ابن
کثیر ٨٢/٥.

٦١٥
سورة الإسراء : الآيات ٤٩ - ٥١
ولا واحدَ للهِفاتِ، وهو بمنزلةِ الدُّقاقِ والْحُطَام. يقالُ منه: رُفِتَ يُؤْفَتُ رَقْتًا
فهو مرفوتٌ ؛ إذا صُيِّر كالحُطامِ والرُّضاضِ.
وقولُه: ﴿أَمِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. قالوا إنكارًا منهم للبعثِ بعدَ الموتِ:
إنَّا لمبعوثون بعدَ مصيرنا فى القبورِ عظامًا غيرَ مُنخَطِمَةٍ ورفاتًا مُنْخَطِمةً ، وقد بَلِينا
فصِرْنا فيها ترابًا - خلقًا مُنْشَأْ، كما كُنَّا قبلَ المماتِ ، جديدًا؛ نُعادُ كما بُدِثْنَا؟
فأجابَهم جلَّ جلالُه مُعرِّفَهم قُدرتَه على بعثِه إياهم بعدَ مماتِهم، وإنشائِه لهم كما
كانوا قبلَ بِلاهم خلقًا جديدًا، على أىِّ حالٍ كانوا من الأحوالِ ، عظامًا أو رفاتًا أو
حجارةً أو حديدًا، أو غيرَ ذلك مما يَعْظُمُ عندَهم أن يُحْدِثَ مِثْلَه خَلْقًا أمثالَهم أحياءً .
أَوْ خَلَقًّا مِّمَا يَكْبُرُ فِي
٥٠
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا
صُدُورِكُمْ﴾ .
/القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴿ أَوْ خَلْقًا مِّمَا ٩٨/١٥
يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّوَّ فَسَيُنْغِضُونَ
٥١
إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَ هُوَّ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: قل يا محمدُ للمكذّبين بالبعثِ بعدَ
المماتِ من قومِك القائلين: ﴿أَِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَنَا أَِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ :
كونوا - إن عجِبتُم من إنشاءِ اللَّهِ إياكم، وإعادتِه أجسامَكم، خلقًا جديدًا بعد
بِلاكم فى الترابِ، ومصيرِكم رفاتًا، وأنكرتم ذلك من قُدرتِه - ﴿حِجَارَةً أَوَ
حَدِيدًا ﴿ أَوْ خَلْقًا مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ إن قدَرْتُم على ذلك ، فإنى أُخْبِيكم
ءُ
وأبعَثُكم خلقًا جديدًا بعد مصيرٍ كم كذلك كما بدأتُكم أول مرةٍ .
واختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَا يَكْبُرُ فِي
صُدُورِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الموتُ، وأرِيد به: أو كونوا الموتَ، فإنكم إن

٦١٦
سورة الإسراء : الآية ٥١
كُتْتُموه أَمَتُّكم ثم بَعَثْتُكم بعدَ ذلك يومَ البعثِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن
عطيةَ، عن ابنِ عمرَ: ﴿ أَوْ خَلْقًا مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: الموتُ ، قال:
لو كنتمُ موتَى لأُخْيَشُكم(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. يعنى الموتَ.
يقولُ: إن كنتُم الموتَ أَخْيَتُكم(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكِ الجَنَبُ، قال: ثنا ابنُ أبى
خالدٍ، عن أبى صالحٍ فى قوله: ﴿أَوْ خَلْقًّا مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال:
(٣)
الموتُ(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى
رجاءٍ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال:
الموتُ(٤) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال : قال
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢٦/١٣ عن ابن إدريس به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى عبد الله
ابن أحمد فى زوائد الزهد، وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه الحاكم ٣٦٢/٢ من طريق ابن إسحاق عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس، وهو فى سيرة
ابن هشام ٣١٧/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى عبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد .
(٣) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٨٢/٥ عن أبى صالح .
(٤) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٤٦١) من طريق آخر عن الحسن .

٦١٧
سورة الإسراء : الآية ٥١
سعيدُ بنُ جبيرٍ فى قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾: كونوا الموتّ إن
استَطَعْتُم؛ فإن الموتَ سيموتُ. قال: وليس شىءٌ أكبرَ فى نفسٍ ابنِ آدمَ من
(١)
الموتِ(١) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ، قال :
بلَغنى عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو الموتُ(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن عبدِ اللهِ / بن عمرَ، أنه كان يقولُ: يُجاءُ بالموتِ يومَ القيامةِ كأنه كبشٌ ٩٩/١٥
أملحُ حتى يُجعَلَ بينَ الجنةِ والنارِ، فيُنادِى منادى(١) يُسْمِعُ أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ،
فيقولُ : هذا الموتُ قد جِئْنا به ونحن مهلكوه ، فأَتْقِنُوا يا أهلَ الجنة وأهلَ النارِ أن الموتَ
قد هلك(٤) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال : ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعتُ الضَّّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿أَوْ خَلْقًّا مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾: يعنى
ـوج
الموتَ، يقولُ: لو كنتُم الموتَ [٢٥٣/٢ظ] لأُمتُّكم(٥).
وكان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ يقولُ: إن اللَّهَ يَجِىءُ بالموتِ يومَ القيامةِ ،
وقد صار أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ إلى منازلهم، كأنه كبشٌ أملحُ، فيقِفُ بينَ الجنةِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى المصنف وعبد الله بن أحمد وابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٩/١ عن معمر قال بلغنى عن سعيد بن جبير، وليس فيه ذكر قتادة ،
وأخرجه البغوى فى الجعديات (٢٢٣٠) من طريق سالم عن سعيد بن جبير.
(٣) فى م، ومصادر التخريج: ((مناد)). والمثبت وجه .
(٤) أخرجه أحمد ١٩٨/١٠ (٥٩٩٣)، والبخارى (٦٥٤٨)، ومسلم (٤٣/٢٨٥٠) وغيرهم من طريق
عمر بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٢/٥ عن الضحاك .

٦١٨
سورة الإسراء : الاية ٥١
والنارِ ، فيُنادَى أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ : هذا الموتُ، ونحن ذابحوه ، فَأَتِقِنُوا بالخلودِ .
وقال آخرون: عُنى بذلك السماءُ والأرضُ والجبالُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ أَوْ
خَلْقًا مِمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: السماءُ والأرضُ والجبالُ(١) .
وقال آخرون : بل أُرِيد بذلك : كونوا ما شِئْتُم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴿ أَوْ خَلْقًّا مِمَا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ﴾ . قال: ما شئتُم
فكونوا، فَسَيُعِيدُكم اللَّهُ كما كنتُم(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ
حَدِيدًا ﴿ّ أَوْ خَلْقًا مِمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: مِن خَلْقِ اللَّهِ، فإن اللَّهَ
يُمِيتُكم ثم يَتْعَثُكم يومَ القيامةِ خَلْقًا جديدًا(٣) .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٩/١ عن معمر عن مجاهد، وذكره القرطبى فى تفسيره ٢٧٤/١٠،
وابن كثير في تفسيره ٨٢/٥.
(٢) تفسير مجاهد ٤٣٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٧٤/١٠ عن قتادة .

٦١٩
سورة الإسراء : الآية ٥١
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿أَوْ خَلْقًا
مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. وجائزٌ أن يكونَ عَنى به الموتَ ؛ لأنه عظيمٌ فى صدورِ
بنى آدمَ ، وجائزٌ أن يكونَ أراد به السماءَ والأرضَ، وجائزٌ أن يكونَ أُراد به غيرَ ذلك ،
ولا بيانَ فى ذلك أبينُ مما بَيَّنَ جلَّ ثناؤُه، وهو كلُّ ما كَبُر فى صدورِ بنى آدمَ مِن
خَلْقِه؛ لأنه لم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شىءٍ .
وأما قولُه: ﴿ فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَّ﴾. فإنه يقولُ: فسيقولُ لك يا محمدُ
هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ: ﴿من يُعِيدُنَا﴾ خلقًا جديدًا، إِن كُنَّا حجارةً أو
حديدًا أو خلقًا مما يَكْبُرُ فى صدورِنا؟! فقل لهم: يُعِيدُكم ﴿ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةَ﴾. يقولُ: يُعيدُكم كما كنتُم قبلَ أن تَصِيروا حجارةً أو حديدًا إنسًا أحياءً،
الذى خلقكم إنسًا من غيرِ شىءٍ أولَ مرةٍ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلِ الَّذِى
فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّؤْ﴾ /. أى: خَلَقكم(١).
١٠٠/١٥
وقولُه: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: فإنك إذا قلتَ لهم ذلك،
فسيَهُزُّون إليك رءوسَهم برفعٍ وخفضٍ .
وكذلك النَّغْضُ فى كلامِ العربِ ، إنما هو حركةٌ بارتفاع ثم انخفاضٍ ، أو
انخفاضٍ ثم ارتفاع، ولذلك سُمِّىَ الظليمُ نَغْضًا؛ لأنه إذا عَجَّل المشىّ ارتفَع
وانخفض وحرَّك رأسَه، كما قال الشاعرُ() :
(١) تقدم تخريجه فى ١٢/ ٤٤٣.
(٢) سقط من : م.
(٣) هو العجاج بن رؤبة ، ديوانه ص ٣٥٠.

٦٢٠
سورة الإسراء : الآية ٥١
أسكَّ(١) نَغْضًا لا يَنِى مُسْتَهْدِجا(١)
ويقالُ: نَغَضَتْ سِنُّه: إذا تحرّكتْ وارتفَعتْ من أصلِها ، ومنه قولُ الراجزِ(٣):
ونَغَضَتْ مِنْ هَرَمٍ أَسْنانُها
وقولُ الآخرِ (٣):
لَّ رأتْنِى أَنْغَضَتْ لىَ الرأسا
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ
إِلَيْكَ رُهُوسَهُمْ﴾: أی: يُحرِّکون رءوسهم تكذییًا واستهزاءً .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ :
فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. قال: يُحرِّكون رءوسَهم.
(٤)
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: سيُحرِّكونها
إليك استهزاءً (٥) .
٠
(١) فى الديوان: ((أصك)).
(٢) مستهدجا : مستعجلًا.
(٣) مجاز القرآن.٣٨٢/١ وتفسير القرطبى ٢٧٥/١٠.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٧٩/١ عن معمر به .
(٥) عزاه الحافظ فى الفتح ٣٨٨/٨ إلى المصنف، كما عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٤ إلى ابن
المنذر .