Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
سورة النحل : الآيتان ١١٠ ، ١١١
فأمَر به النبيُّ عَّمِ أن يُقتَلَ يومَ فتح مكةً، فاستجار له أبو عَمرٍو ١ ، فأجاره النبيُّ
(٢)
(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِ كُلُّ نَفْسٍ تُحَدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى
كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبِّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَأْتِى
كُّ نَفْسٍ﴾ تُخاصِمُ عن نفسِها وتَخْتُجُ عنها، بما أَسْلَفَتْ فى الدُّنيا مِن خيرٍ أو
شرٌّ، أو إيمانٍ أو كفرٍ، ﴿وَتُوَنَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ فى الدنيا مِن طاعةٍ
ومعصيةٍ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يُفْعَلُ بهم إلا ما يَسْتَحِقُونه
ويَسْتَوْجِبونه، بما قَدَّموه مِن خيرٍ أو شرٌّ، فلا يُجزَى المحسنُ إلا بالإحسانِ ، ولا
المسىءُ إلا بالذى أسْلَف مِن الإساءةِ ، لا يُعاقَبُ محسنٌ، ولا يُخَسُ جزاءَ إحسانِهِ،
ولا يُثابُ مسىءٌ إلا ثوابَ عملِه .
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى السببِ الذى من أجلِه قيل: ﴿تُحَدِلُ﴾، فأَنَّث
الكُلَّ.
فقال بعضُ نحوييٌّ البصرةِ: قيل ذلك لأن معنى ﴿كُلُّ نَفْسِ﴾: كلُّ
(١) هو عثمان بن عفان، كما فى ترجمته فى الاستيعاب ١٠٣٧/٣، وأسد الغابة ٥٨٤/٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٤، ١٣٣ إلى المصنف، ووقع فى مطبوعة الدر: (( فاستجار له أبو
بكر وعمر وعثمان بن عفان )) وقد جاء على الصواب فى مخطوطة مكتبة المحمودية بالمملكة العربية السعودية .
وهو تحريف من ((أبو عمرو عثمان بن عفان)) إلى ما ذكرناه، وجاء ذلك فى الأثر الذى رواه أبو داود (٢٦٨٣،
٤٣٥٩)، والنسائى (٤٠٧٨) وغيرهما، من طريق مصعب بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه ، فى قصة من أمر
عَ الم بقتلهم يوم فتح مكة، وأيضا فيما رواه أبو داود (٤٣٥٨)، والنسائى (٤٠٨٠) من طريق يزيد
النحوى عن عكرمة عن ابن عباس بنحو أثر المصنف هنا ، وما ذكره ابن حجر فى ترجمة ابن أبى سرح فى
الإصابة ١٠٩/٤، ١١٠.
٣٨٢
سورة النحل : الآيتان ١١١، ١١٢
إنسانٍ . وأنَّث لأن النفسَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، يُقالُ: ما جاءَنى نفسٌ واحدٌ وواحدةٌ .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يرَى هذا القولَ مِن قائلِه غلطًا، ويقولُ: ((كلُّ)) إذا أُضِيفَتْ
إلى نكرةٍ واحدةٍ خرَج الفعلُ على قَدْرِ النكرةِ ؛ كلُّ امرأةٍ قائمةٌ ، وكلُّ رجلٍ قائمٌ ،
وكلُّ امرأتَيْنْ قائمتانٍ ، وكلُّ رجلَيْ قائمان، وكلُّ نساءٍ قائماتٌ، وكلُّ رجالٍ
قائمون . فيَخْرُجُ على عددِ النكرةِ وتأنيثِها وتذكيرِها ، ولا حاجةَ به إلى تأنيثِ النَّفْسِ
وتذ کیرِها .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ
مُطْمَبِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ
١١٢
اَلْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
يقولُ اللَّهُ تعالى ذكره: ومثَّل اللَّهُ مثلًا لمكةَ التى سُكَّانُها أهلُ الشركِ باللَّهِ، هى
القريةُ التى كانت آمنةً مطمئنةٌ ، وكان أَمْنُها أن العربَ كانت تَتَعادَى ، ويَقْتُلُ بعضُها
بعضًا ، ويَسِْى بعضُها بعضًا، وأهلُ مكةَ لا يُغَارُ عليهم، ولا يُحارَبون فى بلدِهم،
فذلك كان أمْنُها . وقولُه: ﴿ مُّطْمَيِنَّةً﴾. يَعْنى قارَّةً بأهلِها، لا يَحْتَاجُ أهلُها إلى
النّجَعِ(١)، كما كان سكانُ البوادِى يَحتاجون إليها، ﴿ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ .
يقولُ : تأتى أهلَها معايشُهم واسعةٌ كثيرةٌ. وقولُه: ﴿مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾. يعنى: من
كلِّ فَجّ من فِجاجٍ هذه القريةِ ، ومِن كلِّ ناحيةٍ فيها .
وبنحوِ الذى قلنا فى أن القريةَ التى ذُكِرت فى هذا الموضعِ، أُرِيد بها مكةُ ،
قال [٢٢٢/٢و] أهلُ التأويلِ.
(١) النُّجَع: جمع النُّجعة. والنجعة عند العرب: المذهب فى طلب الكلا فى موضعه . ينظر اللسان وتاج
العروس (ن ج ع) .
٣٨٣
سورة النحل : الآية ١١٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ / قوله: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَبِنَّةً ١٨٦/١٤
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: يعنى مكةً(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى تَجِيحِ، عن مُجاهدٍ :
قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً﴾. قال: مكةً(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُطَّمَبِنَّةٌ﴾. قال: ذُكِر لنا أنها مكةُ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ قَرْيَةً
كَانَتْ ءَامِنَةً﴾. قال: هى مكةُ (٣).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: هذه مكةُّ(٤).
وقال آخرون: بل القريةُ التى ذكَر اللَّهُ فى هذا الموضع: مدينةُ الرسولِ عَلَّهِ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٤ إلى المصنف.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٦ من طريق ورقاء به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٤ إلى ابن أبى شيبة
وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٣٦٠/١ عن معمر به .
(٤) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٥٤٢/٥، وابن كثير فى تفسيره ٥٢٨/٤ .
٣٨٤
سورة النحل : الآية ١١٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى ابنُ عبدِ الرحيم ) البَرْقِىُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ
يزيدَ ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُّ شُرَيْحِ، أن عبد الكريم بنَ الحارثِ الحَضْرَمنَّ،
حدَّثْه (٢) أنه سمِع مِشْرَعَ بنَ هاعانَ(٣) يقولُ: سمِعتُ (٢ شُلَئِمَ بنَ عِثْرٍ)) يقولُ : صَدَرْنا
مِن الحجّ مع حفصةَ زوجِ النبيِّ عَّمِ وعثمانُ محصورٌ بالمدينةِ ، فكانت تسأَلُ عنه : ما
فعَل؟ حتى رأتْ راكِبَيْن، فأرسَلَتْ إليهما تسأَلُهما، فقالا: قُتْل. فقالت حفصةُ:
والذى نفسى بيدِه إنها القريةُ - تعنى المدينةَ - التى قال اللّهُ تعالى ذكره: ﴿وَضَرَبَ
اُللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةُ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾. قرَأها، قال أبو شُريحٍ(٥): (( وأخبرنى٦) (٢ عُبِيدُ اللَّهِ بنُ
(١ - ١) فى ص، ت ٢، ف: ((أبو عبد الرحيم))، وفى ت ١: ((أبو عبد الرحمن)). وهو محمد بن عبد الله
ابن عبد الرحيم المصرى أبو عبد الله ابن البرقى. ينظر تهذيب الكمال ٥٠٣/٢٥، ٨/٢٦
(٢) فى م، ت١، ف: ((حدث))، وفى ت ٢: ((حدثنا)). والمثبت من ص موافق لما فى تفسير ابن
کثیر .
(٣) فى م: ((عاهان)). وهو مشرح بن هاعان المعَافرى أبو المُضْعَب المصرى. ترجمته فى تهذيب الكمال
٢٨ / ٠٧
(٤ - ٤) فى م: ((سليم بن نمير))، وهو تحريف وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((سليمان بن عتر)) وهو خطأ.
والمثبت من تفسير ابن كثير، وينظر تهذيب الكمال ٧/٢٨، وتبصير المنتبه ٣/ ٩٧٥.
(٥) أبو شريح هو عبد الرحمن بن شريح الراوى عن عبد الكريم الحارث . ينظر تهذيب الكمال ١٦٧/١٧.
(٦ - ٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٧ - ٧) فى النسخ: ((عبد الله)). والمثبت من تفسير ابن كثير، وهو الصواب، كما فى تهذيب الكمال
١٦١/١٩،١٦٨/١٧. وقال الحافظ المزى ضِمْن ترجمة عبيد الله هذا وبعد أن ساق بإسناده حديثا من طريق
((عبيد الله)). ولكن وقع فيه ((عبد الله)): كذا وقع فى هذه الرواية، عن عبد الله بن المغيرة، والمحفوظ: عن
عبيد الله بن المغيرة. انتهى. تهذيب الكمال ١٦٢/١٩، ١٦٣.
٣٨٥
سورة النحل : الآية ١١٢
المغيرةِ عمن حدَّثه ، أنه كان يقولُ : إنها المدينةُ(١).
وقولُه: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فكفَر أهلُ هذه القريةِ بأَنْعُم اللَّهِ
التى أَنْعَم عليها .
واختلف أهلُ العربيةِ فى واحدٍ ((الأَنْهُم)). فقال بعضُ نَحونِّى البصرةِ : جمعُ
النَّعْمَةِ على أَنْعُم، كما قال اللَّهُ: ﴿حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ [الأحقاف: ١٥]. فزعم أنه
جمعُ الشِّدَّةِ . وقال آخرُ منهم: الواحدُ نُعمّ . وقال : يقالُ: أيامُ طُعْمٍ ونُعْمٍ . أى :
نعيم . قال: فيجوزُ أن يكونَ معناها: فكفَرَتْ بنعيم اللَّهِ لها (٢). واستشهَد على ذلك
بقولِ الشاعرِ(١) :
فَيُؤْسٌ (°بذى بُؤْسٍ" ونُعْمٌ بأنْعُمِ
وعندى قُرُوضُ(٤) الخيرِ والشّرّ كلِّه
١٨٧/١٤
/ وكان بعضُ أهلِ الكوفةِ يقولُ: ((أَنْهُم)) جمعُ نَعماءَ، مثلُ بَأْسَاءَ وأُسِ ،
وضَرَّاءَ وأَضُرّ. فأما الأَشُّدُّ فإنه زعم أنه جمعُ شَدٍّ .
وقولُه: ﴿فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فأذاق
اللَّهُ أهلَ هذه القريةِ لباسَ الجوع، وذلك جوعُ خالَط أذاه أجسامَهم، فجعَل اللَّهُ
تعالى ذكرُه ذلك لمخالطتِهِ أجسامَهم بمنزلةِ اللباسِ لها؛ وذلك أنهم سُلُّط عليهم
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٥٤٢/٥ مختصرا بلفظ: ((وعن حفصة أنها المدينة))، وذكره ابن كثير
فى تفسيره ٥٢٨/٤ نقلا عن المصنف، وذكره السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٤، ١٣٤ بنحوه وعزاه إلى
المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) ينظر مجاز القرآن ٣٦٩/١، والتبيان ٤٣٢/٦، ٤٣٣.
(٣) البيت فى التبيان ٤٣٣/٦ غير منسوب .
(٤) فى ت ١، ت ٢، ف: ((فروض)).
(٥ - ٥) فى م: ((لذى بؤس))، وفى ت ٢: ((لدى بؤس))، وفى التبيان: ((لدى بؤسى)).
(٦) فى التبيان: ((نعمى)).
( تفسير الطبرى ٢٥/١٤ )
!
٣٨٦
سورة النحل : الآيتان ١١٣،١١٢
الجوعُ سنينَ متواليةً، بدعاءِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ، حتى أكَلوا العِلْهِزَ والجِيَفَ.
قال أبو جعفرٍ: والعِلْهِزُ: الوَيَرُ يُعْجَنُ بالدم والقُرادِ يَأْكُلونه . وأما الخوفُ فإِن
ذلك كان(١) خوفَهم مِن سَرايا رسولِ اللهِ يَِّ التى كانت تُطِيفُ(١) بهم.
وقولُه: ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾. يقولُ: بما كانوا يَصْنَعون مِن الكفرِ
بأَنْعُمِ اللَّهِ، ويَجْحَدون آياتِه، ويُكَذِّبون رسولَه. وقال: ﴿بِمَا كَانُواْ
يَصْنَعُونَ﴾ ، وقد جرَى الكلامُ مِن ابتداءِ الآيةِ إلى هذا الموضع على وجهِ الخبرِ
عن القرية؛ لأن الخبرَ وإن كان جرَى فى الكلام عن القريةِ اسْتِغْناءً بذكرِها عن ذکرِ
أهلِها؛ لمعرفةِ السامعين بالمرادِ منها، فإن المرادَ أهلُها، فلذلك قيل: ﴿بِمَا كَانُواْ
يَصْنَعُونَ﴾. فردَّ الخبرَ إلى أهلِ القريةِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿فَجَهَا بَأَسُنَا بَيَتَّا أَوْ
هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]. ولم يَقُلْ: ((قائلة)). وقد قال قبلَه: ﴿فَإِذَا هُوَ﴾؛
لأنه رجَع بالخبرِ إلى الإخبارِ عن أهلِ القريةِ. ونظائرُ ذلك فى القرآنِ كثيرةٌ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ
اَلْعَذَابُ وَهُمْ ظَلِمُونَ
١١٣
يقولُ تعالى ذكره : ولقد جاء أهلَ هذه القرية التى وصَف اللَّهُ صِفتَها فى هذه
الآيةِ التى قبلَ هذه الآيةِ، ﴿ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: رسولُ اللَّهِ وَمِ. يقولُ: مِن
أُنْفُسِهم يَعْرِفونه، ويعرِفون نسبه وصدْقَ لَهْجَتِهِ ، يَدعُوهم إلى الحقِّ، وإلى طريقٍ
مستقيم، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ولم يَقْبَلوا منه ما جاءَهم به مِن عندِ اللَّهِ ﴿فَأَخَذَهُمُ
٥
الْعَذَابُ﴾. وذلك لباسُ الجوع والخوفِ، مكانَ الأمنِ والطَّمَأْنِينةِ والرزقِ الواسعِ
(١) ليست فى: ت ١، ت ٢، ف.
(٢) أطاف فلانٌ بالأمر: إذا أحاط به وعليه. اللسان (ط وف).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
٣٨٧
سورة النحل : الايتان ١١٤،١١٣
الذى كان قبلَ ذلك يُؤْزَقُونه، وقتلٌ بالسيفِ، ﴿ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾. يقولُ: وهم
مشركون . وذلك أنه قُتِل عظماؤُهم [٢٢٢/٢ظ] يومَ بدرٍ بالسيفِ على الشركِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَ هُمْ
رَسُولٌ مِّنْهُمْ ﴾: إِى واللَّهِ، يَعرِفون نسبَه وأمرَه، ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ
ظَالِمُونَ﴾. فأخذهم اللّهُ بالجوعِ والخوفِ والقتلِ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا
١١٤
وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
/ يقولُ تعالى ذكره: ﴿فَكُلُواْ﴾ أيها الناسُ ﴿مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾؛ مِن ١٨٨/١٤
بهائمِ الأنعامِ التى أحلَّها لكم ﴿ حَلًا طَيِّبًا﴾ مُذكَّةً غيرَ محرّمةٍ عليكم .
﴿ وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ ﴾. يقولُ: واشكُروا اللَّهَ على نعَمِه التى أنعم بها عليكم
فى تحليلِه ما أحلُّ لكم من ذلك، وعلى غيرِ ذلك من نعمِه، ﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ﴾. يقولُ: إن كنتم تَعْبُدون اللَّهَ، فتُطيعونه فيما يأمُرُكم وينهاكم .
وكان بعضُهم يقولُ: إِنما عَنَى بقولِه: ﴿فَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكِكُمُ اللَّهُ حَلَلًا
طَيِّبًا﴾: طعامًا كان بعَث به رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ إلى المشركين مِن قومِه فى سِنِى
الجَدْبِ والقَخْطِ رِقَّةً عليهم، فقال اللَّهُ تعالى للمشركين: ﴿فَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ
اللَّهُ ﴾: مِن هذا الذى بعَث به إليكم، ﴿ حَلًا طَيِّبًا﴾. وذلك تأويلٌ بعيدٌ مما يدُلُّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
٣٨٨
سورة النحل : الآيتان ١١٤، ١١٥
عليه ظاهرُ التنزيل؛ وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكره: قد أَتْبَعَ ذلك بقولِه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ﴾ الآية والتى بعدَها، فبيَّن بذلك أن قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا
رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا﴾. إعلامُ مِن اللَّهِ عبادَه أن ما كان المشركون يُحرِّمونه
من البَحَائِرِ والسَّوَائِبِ والوَصائِلِ وغيرِ ذلك - مما قد بيَّنا قبلُ فيما مضى - لا معنى
له؛ إذ كان ذلك مِن خُطُواتِ الشيطانِ ، فإن كلَّ ذلك حلالٌ، لم يُحَرِّم اللَّهُ منه
.(١)
شيئًا (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ
اُلْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ»ٌ فَمَنِ اضْطُرَ غَرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ
(١١٥)
يقولُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا المشركين الذين كانوا يُحَرَّمون (٢ ما ذَكَوْنا) مِن
البَحَائِرِ وغيرِ ذلك: ما حرَّم اللَّهُ عليكم، أيها الناسُ، إلا الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزيرِ،
وما ذُبِح للأَنْصابِ فسُمِّىَ عليه غيرُ اللَّهِ؛ لأن ذلك مِن ذبائح مَن لا يَحِلُّ أَكْلُ
ذبيحته، فمن اضْطُرَّ إلى ذلك أو إلى شىءٍ منه، لمجاعةٍ حلَّت، فأكّله ﴿غَيْرَ بَاِخٍ وَلَا
عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. يقولُ: ذو سَثْرٍ عليه أن يُؤاخِذَه بأْلِه ذلك فى
حالِ الضرورةٍ ، رحيمٌ به أن يُعاقبَه عليه .
وقد بيَنَّا اختلافَ المخْتَلِفِين فى قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. والصوابَ
عندَنا مِن القولِ فى ذلك، بشواهدِه فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ
(١) تقدم فى ٣١/٩ - ٣٩.
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف .
(٣) تقدم فى ٥٨/٣ - ٦٣.
٣٨٩
سورة النحل : الآيات ١١٥ - ١١٧
عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالذَّمَ﴾ الآية. قال(١): وإن الإِسلامَ دينٌ مُطَهِّرُه اللَّهُ مِن كلِّ
سُوءٍ، وجعَل لك فيه يا بنَ آدَمَ سَعَةٌ إذا اضْطُرِرْتَ إلى شىءٍ من ذلك. قولُه: ﴿فَمَنِ
أَضْطُرَ غَيِّرَ بَاِعٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغ فى أكلِه، ولا عادٍ أن يَتَعَدَّى حلالاً إلى
حرامٍ، وهو يجِدُ عنه مَنْذُوحَةً(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا
حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ لَا
١٨٩/١٤
مَتَحُ قَلِلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
يُفْلِحُونَ (بَـ
/ اختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ : ﴿ وَلَا
تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَئُكُمُ الْكَذِبَ﴾. فيكونُ ((تصفُ الكذِبَ)) بمعنى: ولا
تقولوا لوصْفٍ ألسنتِكم الكَذِبَ. فيكونُ ((ما)) بمعنى المصدرِ .
وذُكِر عن الحسن البصرىِّ أنه قرأ: (ولا تقولُوا لما تصِفُ أَلْسِنَتُكم الكَذِبِ
هذا). بخفضِ ((الكذبِ)) (١)، بمعنى: ولا تقولوا للكذبِ الذى تَصِفُه ألسنتُكم:
هَذَا حَلالٌ وهذَا حَرَامٌ. فيجعَلُ ((الكذبَ)) ترجمةً عن ((ما)) التى فى ﴿لِمَا﴾
فِيَخْفِضُه بما يَخْفِضُ به ((ما)).
وقد حُكِى عن بعضِهم: (لِمَ تَصِفُ الْسِنَتُكُمُ الكُذُبُ). برفعِ
((الكُذُبِ))(٤)، فيجعَلُ ((الكُذُبَ)) من صفةِ الألسنةِ، ويُخَوَّجُ(٥) على ((فُعُلٍ))،
(١) زيادة من: م والدر المنثور.
(٢) تقدم تخريج قوله: ﴿فمن اضطر ... ) فى ٣/ ٦١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٤ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٣) وهى قراءة الأعرج وابن يعمر وابن أبى إسحاق وعمرو ونعيم بن ميسرة. المحتسب ٢/ ١٢.
(٤) وهى قراءة مسلمة بن محارب . المصدر السابق .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يخرجوا)).
٣٩٠
سورة النحل : الآيتان ١١٧،١١٦
على أنه جمعٌ؛ كَذُوبٌ وكُذُبٌ ، مثلُ شَكُورٍ وشُكُرٍ .
والصوابُ عندى من القراءةِ فى ذلك نصبُ ((الْكَذِبِ))؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من
القرأةِ عليه . فتأويلُ الكلام إذ كان ذلك كذلك لما ذكرنا: ولا تقولوا لوصْفٍ
ألسنتِكم الكذبَ فيما رزَقَ اللَّهُ عبادَه من المطاعم : هذا حلالٌ وهذا حرامٌ؛ كى
تفتّروا على اللَّهِ بقيلِكم ذلك الكذبَ، فإن اللَّهَ لم يُحَرِّم من ذلك ما تُحَرَّمون ، ولا
أحَلَّ كثيرًا مما تُحِلُّون .
ثم تقدَّم إليهم [٢٢٣/٢و] بالوعيدِ على كذبهم عليه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. يقولُ: إن الذين يَتخرَّصون على اللَّهِ الكذبَ
ويَخْتَلِقُونه ، لا يُخَلَّدون فى الدنيا، ولا يَبِقَون فيها ، إنما يَتَمَتَّعون فيها قليلًا .
وقال: ﴿مَتَعُ قَلِيلٌ ﴾. فرفَع؛ لأن المعنَى : الذى هم فيه من هذه الدنيا متاعٌ
قليلٌ . أو : لهم متاٌ قليلٌ فى الدنيا .
وقولُه: ﴿وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. يقولُ: ثم إلينا مرجعُهم ومعادُهم، ولهم
على كذبهم وافترائهم على اللَّهِ بما كانوا يفتَرون، عذابٌ عندَ مصيرهم إليه،
أليم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَئُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾: فى
٣٩١
سورة النحل : الآيات ١١٦ - ١١٨
(١)
البحيرةِ والسائبة
٠
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ ، قال : البحائرُ الشّيَّبُ(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ
١١٨
وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وحرَّمنا من قبلِك يا محمدُ على اليهودِ ما أَنْبَأْناك به من قبلُ
فى سورةِ ((الأنعام))؛ وذلك ﴿كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَغَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا
عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ / بِعَظْمٍ﴾ ١٩٠/١٤
[ الأنعام: ١٤٦].
﴿ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ ﴾ بتحريمِنا ذلك عليهم، ﴿ وَلَكِنْ كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ﴾. فجزَيناهم ذلك ببغيهم على ربِّهم، وظلمِهم أنفسَهم بمعصيتهم
(٤)
اللَّهَ ، فأورثهم ذلك عقوبةَ اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ فى قولِه :
(١) تفسير مجاهد ص ٤٢٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) فى م: ((السوائب)).
(٣) تقدم فى ٩ / ٦٣٨.
(٤) فى م: ((بمعصية).
٣٩٢
سورة النحل : الآيات ١١٨ - ١٢١
﴿ وَعَلَى الَّذِيْنَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾. قال: فى سورةِ ((الأنعامِ))(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿ وَعَلَى
الَّذِينَ هَادُواْ حَزَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلٌ﴾. قال: فى سورةِ ((الأنعامِ)).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ
حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾. قال: ما قصَّ اللَّهُ تعالى فى سورةِ ((الأنعام)) حيثُ
يقولُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَزَّمْنَا كُلَّ ذِى كُفُرٍ﴾ الآية (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوْءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَّ
تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١١٩)
يقولُ تعالى ذكره : إن ربَّك "يا محمد٢ُ) للذين عَصُوا اللهَ ، فجهِلوا بركوبِهم
ما ركبوا من معصيةِ اللَّهِ، وسَفِهوا بذلك، ثم راجَعوا طاعةَ اللَّهِ والندمَ عليها،
والاستغفار والتوبةً منها، من بعدِ ما سلَف منهم ما سلَف من ركوبِ المعصيةِ،
وأصلَح فعمِل بما يحبُّ اللَّهُ ويرضاه، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ . يقولُ : إن ربَّك یا
محمدُ من بعدٍ تويتِهم لهم(٢) ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةُ فَانِتًا لِلَِّ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ
١٢١
﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ اجْتَبَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: إن إبراهيمَ خليلَ اللَّهِ كان مُعَلِّمَ خَيْرٍ، يَأْتُمُّ به أهلُ الهُدَى،
قَانِتًا ﴾. يقولُ: مُطِيعًا للَّهِ، ﴿ حَنِيفًا﴾. يقولُ: مستقيمًا على دينِ الإسلامِ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.
(٣) فى م: ((له)).
٣٩٣
سورة النحل : الايتان ١٢٠، ١٢١
﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: (ولم يكنْ يُشْرِكُ" باللَّهِ شيئًا فيكونَ من أولياءٍ
أهلِ الشركِ به .
وهذا إعلامٌ من اللَّهِ تعالى أهلَ الشركِ به من قريشٍ أن إبراهيمَ منهم برىءٌ،
وأنهم منه بُرآءٌ .
﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِّهِ ﴾. يقولُ: كان يُخْلِصُ الشكرَ للَّهِ فيما أَنعَم عليه، ولا
يَجْعَلُ معه فى شكرِه فى نعمِه عليه شريكًا من الآلهةِ والأندادِ وغيرِ ذلك، كما يَفْعَلُ
مشركو قريشٍ، ﴿ أَجْتَبَلَهُ﴾. يقولُ: اصطفاه / واختَارَه لخلّتِه، ﴿ إِلَى صِرَاطٍ ١٩١/١٤
مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: وأرشَده إلى الطريقِ المستقيم، وذلك دينُ الإسلام، لا
اليهوديةُ ولا النصرانيةُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى ﴿أُمَّةً قَانِتًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن الحكم، عن
يحيى بنِ الجَزَّارِ، عن أبى العُبَيْدَيْنِ، أنه جاء إلى عبدِ اللهِ، فقال: من نسأَلُ إذا لم
نَشْأَلْكَ؟ فكأنَّ ابنَ مسعودٍ رقَّ له، فقال: أخيِرْنى عن الأمَّةِ. قال: الذى يُعلِّمُ الناسَ
(٢)
الخيرَ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن
كُهَيلٍ، عن مسلمِ البَطِينِ، عن [٢٢٣/٢ظ] أبى العُبَيدينِ، أنه سأَل عبدَ اللَّهِ بِنَ
(١ - ١) فى م: ((ولم يك يشرك))، وفى ف: ((وما أشرك)).
(٢) فى ت ٢: ((خير))، وفى ص: ((حبر)).
(٣) أخرجه الطبرانى (٩٠٠٧)، والحاكم ٣٦١/٤ من طريق الأعمش به مطولاً - وسقط من الطبرانى:
یحیی بن الجزار .
٣٩٤
سورة النحل : الآية ١٢٠
مسعودٍ عن الأمَّةِ القانتِ . قال: الأمَّةُ مُعلِّمُ الخيرِ، والقانتُ المطيعُ للَّهِ ورسولِه.
حدَّثْنى يعقوبُ، قال : ثنا ابنُ عليةَ، عن منصورٍ - يعنى ابنَ عبد الرحمنِ - عن
الشَّغْبِىِّ، قال : ثنى فَرْوةُ بنُ نَوْفلِ الأشجعىُّ، قال : قال ابنُ مسعودٍ : إن مُعاذًا كان
أُمَّةً قانتًا للَّهِ حنيفًا . فقلتُ فى نفسى : غلط أبو عبدِ الرحمنِ ، إنما قال اللَّهُ تعالى:
(إِنَّ إِبْزَهِيمَ (١)﴾. فقال: تدرى ما الأَمَّةُ، وما القانتُ؟ قلتُ: اللَّهُ أَعلمُ . قال:
الأمَّةُ الذى يُعلِّمُ الخيرَ، والقانتُ المطيعُ للَّهِ ولرسولِه، وكذلك كان معاذُ بنُ جَبَلٍ،
كان (٢) يُعلِّمُ الخيرَ، وكان مطيعًا للَّهِ ولرسولِه(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال :
سمِعتُ فِاسًا يُحدِّثُ عن الشَّعْبِيِّ، عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ أنه قال:
إن معاذًا كان أُمَّةً قانتًا للَّهِ . قال: فقال رجلٌ من أشجعَ يُقالُ له : فَرْوةُ بنُ نوفلٍ :
نَسِىَ ، إِنما ذاك إبراهيمُ. قال: فقال عبدُ اللَّهِ: مَن نَسِىَ؟ إنما كنا نُشَبَّهُه بإبراهيمَ .
قال : وسُئِل عبدُ اللَّهِ عن الأمَّةِ، فقال: معلِّمُ الخيرِ، والقانتُ المطيعُ للَّهِ ورسوله (٤).
٠
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن فِراسٍ، عن
الشَّعْبِيِّ، عن مسروقٍ ، قال: قرأتُ عند عبدِ اللهِ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ إِزَهِيمَ كَانَ
أُمَّةً فَانِتًا لِلّهِ﴾. فقال: كان معاذٌ أُمَّةً قانتًا. قال: هل تَدْرِى ما الأمةُ ؟ الأَمةُ الذى
يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ، والقانتُ الذى يُطيعُ اللَّهَ ورسولَهُ(٥).
(١) بعده فى م: ((كان أمة قانتا للَّه)) .
(٢) سقط من : م، ت ١.
(٣) أخرجه الطبرانى (٩٩٤٧)، وأبو نعيم فى الحلية ٢٣٠/١ من طريق ابن علية به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٣٤/٤ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٤) أخرجه الطبرانى (٩٩٤٤) من طريق شعبة به، وأخرجه أيضًا (٩٩٤٦) من طريق شعبة، عن مجالد وبيان
أو أحدهما ، عن الشعبی به .
(٥) أخرجه الطبرانى (٩٩٤٣) من طريق الثورى به .
٣٩٥
سورة النحل : الآية ١٢٠
حدَّثنا أبو هشام الرفاعىُّ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلِ، قال: ثنا بَانُ بنُ بِشْرِ البَجَلَىُّ،
عن الشَّعْبيِّ ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: إِن معاذًا كان أمةً قانتً للَّهِ حنيفًا ولم يكُ من
المشركين. فقال له رجلٌ: نسيتَ؟ قال: لا ، ولكنَّه شبيهُ(١) إبراهيمَ(٢). والأُمَّةُ معلّمُ
الخيرِ ، والقانتُ المطيعُ.
حدَّثنى علىٌّ بنُ سعيدِ الكِنْدىُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، عن ابنِ عونٍ، عن
الشَّعْبيِّ فى قوله: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾. قال: مطيعًا.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: إن معاذًا
كان أمةً قانتًا معلِّمَ الخيرِ(٣). وذكر فى الأمَّةِ أشياءُ مختلَفٌ فيها، قال:
﴿ وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. يعنى: بعد حينٍ. و﴿ أُمَّةً وَسَطًا
[ البقرة : ١٤٣] .
/ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَامٌ، عن سعيدِ بنِ سابقٍ، عن ليثٍ، عن شَهْرِ ١٩٢/١٤
ابنِ حَوْشَبٍ ، قال: لم تَبْقَ الأرضُ إلا وفيها أربعةَ عشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بهم عن أهلٍ
الأرضِ، وتُخْرِجُ بركتَها ، إلا زمنَ إبراهيمَ، فإنه كان وحدَه(٤) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا سَيَّارٌ، عن
الشعبىِّ، قال : وأخبرنا زكريا ومُجالِدٌ ، عن الشعبىِّ، عن مسروقٍ ، عن ابنٍ مسعودٍ
نحوَ حديثٍ يعقوبَ، عن ابنِ عُلَيَةَ، وزاد فيه: الأُمَّةُ الذى يُعلِّمُ الخيرَ، ويُؤْتَُّّ به ،
ء
(١) فى ت ٢: (( تشبيه).
(٢) فى ت ١: ((إبراهيم)).
(٣) أخرجه الطبرانى (٩٩٥٠) من طريق أبى بكر بن عياش وحماد بن شعيب ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن
مسعود به .
(٤) عزاء السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٤ إلى المصنف.
٣٩٦
سورة النحل : الآية ١٢٠
ويُقْتَدَى به، والقانتُ المطيعُ للَّهِ وللرسولِ. قال له أبو فَرْوةَ الكندىُّ: إنك
أوْهَمْتَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿ إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾: ("على حِدَة٢ٍ)، ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾. قال: مُطِيعًا(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ مثلَه ، إلا أنه قال : مُطیعًا للَّهِ فى الدنيا .
قال ابنُ جريج: وأخبرنى ابنُ (١) عُوَيْرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال: ﴿قَانِتًا﴾
مُطيعًا .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ
كَانَ أُمَّةً فَانِتًا ﴾. قال: كان إمامَ هُدِى مُطِيعًا للهِ، تُتَبَعُ سنتُه وملتُه(٥) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ، أن ابنَ
مسعودٍ قال : إن معاذًا كان أمةً قانتًا . قال غيرُ قتادةَ : قال ابنُ مسعودٍ : هل تَدْرُون ما
الأُمَّةُ؟ الذى يُعَلِّمُ الخيرَ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ ، عن
(١) فى م: ((وهمت)). والأثر أخرجه الطبرانى (٩٩٤٥، ٩٩٤٩)، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٣٠/١ من
طريق هشيم ، عن سيار به .
(٢ - ٢) فى ت ١: ((وحده)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٦.
(٤) سقط من: م، وتقدم هذا الإسناد فى ٣٠٩/٥، وينظر الثقات ٦٢٧/٧.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
٣٩٧
سورة النحل : الايات ١٢٠ - ١٢٢
فِراسٍ، عن الشعبىّ، عن مسروقٍ، قال: قُرِئَتْ(١) عندَ عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ
كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾. فقال: إن مُعاذًا كان أمةً قانتًا . قال: فأعادوا، فأعاد عليهم ،
ثم قال : أَتَدْرُون ما الأُمَّةُ؟ الذى يُعَلِّمُ الناسَ الخيرَ، والقانتُ الذى يُطِيعُ اللَّهَ (١) .
وقد بيَّنا معنى الأمةِ(٢) ووجوهَها(٤) ، ومعنى القانتِ ، باختلافٍ المختلفين
فيه، فى غيرِ هذا الموضع مِن كتابِنا بشواهدِهِ، فأغْنَى بذلك عن إعادتِه فى هذا
الموضعِ .
[٢٢٤/٢ و] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِى
(١٢٢)
﴾.
اُلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وَآتَيْنا إبرهيمَ - على قنوتِه للَّهِ ، وشكرِه له على نعمِه،
وإخلاصِه العبادةَ له - فى هذه الدنيا ذكرًا حسنًا، وثناءً جميلاً باقيًا على الأيام،
﴿ وَإِنَّهُ فِىِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَِّحِينَ﴾. يقولُ: وإنه فى الدارِ الآخرةِ يومَ القيامةِ لَممَّن
صلَح أمرُه وشأنُه عندَ اللَّهِ، وحسنَت منه(٥) منزلتُه وكرامتُه .
/ وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٩٣/١٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
(١) فى م: ((قرأت)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦٠، ٣٦١، ومن طريقه الحاكم ٣٥٨/٢.
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((الآية)).
(٤) تقدم فى ٢٢٤/١، ٥٨٨/٢.
(٥) فى م: ((فيها)) .
٣٩٨
سورة النحل : الآيات ١٢٢ - ١٢٤
﴿ وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾. قال: لسانَ صدقٍ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا
حَسَنَّةٌ﴾: فليس مِن أهلِ دينٍ إِلا يَتَوَلَّه وترضاه(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَتَبِعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَإِنَّ رَبَّكَ
١٢٢
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٢٤١
لَيَحْكُمُ بََّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ لَّهِ: ثم أَوْ حَيْنا إليك يا محمدُ ، وقلْنا لك : اتَّبِغْ
ملةَ إبراهيمَ الحنيفيةَ المسلمةَ، ﴿ حَنِيفًا﴾. يقولُ: مسلمًا على الدينِ الذى كان
عليه إبراهيمُ ، بريئًا مِن الأوثانِ والأندادِ التى يَعْبُدُها قومُك، كما كان إبراهيمُ تبرَّأَ
منها .
وقولُه: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه :
ما فرَض اللَّهُ أيُّها الناسُ تعظيمَ يوم السبتِ إلا على الذين اخْتَلَفوا فيه ؛ فقال بعضُهم:
هو أعظمُ الأيام؛ لأن اللَّهَ تعالى فرَغ مِن خلقِ الأشياءِ يومَ الجمُعةِ ، ثم سبَت يومَ
السبتِ . وقال آخرون: بل أعظمُ الأيامِ يوم الأحدِ؛ لأنه اليومُ الذى ابْتَدَأُ اللهُ فيه فى ("
(١) تفسير مجاهد ص ٤٢٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٤/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم ..
(٣) سقط من : م
٣٩٩
سورة النحل : الآية ١٢٤
خلقِ الأشياءِ. ( فاخْتارُوا تعظيمَه وترَكوا تعظيمَ يوم الجُمُعةِ الذى فرَض اللَّهُ عليهم
تعظيمَه ، واسْتَحَلُّوه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ إِنَّمَا جُعِلَ اُلسَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ ﴾: اتَّبَعوه وتَرَكوا الجُمُعَةَ().
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ ◌ُجريج، عن
مجاهدٍ مثلُه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ إِنَّمَا
جُعِلَ السَّبْتُ ﴾. قال: أرادوا الجمُعةَ فأخْطَئوا، فَأَخَذُوا السبتَ مكانَه .
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ ١٩٤/١٤
السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ ﴾: اسْتَخَلَّه بعضُهم، وحَّمه بعضُهم.
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدىِّ، عن أبى
مالكٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ ﴾. قال:
باستحلالِهم يومَ السبتِ (١).
(١ - ١) فى ص، ت ٢، ف: ((فاختاروه))، وفى م: ((فاختاروه وتركوا)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٧، وهو فى تفسير عبد الرزاق ٣٦٢/١، عن معمر، عمن سمع مجاهدًا، عن
مجاهد بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
٤٠٠
سورة النحل : الآيتان ١٢٤، ١٢٥
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّمَا
جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ﴾. قال: كانوا يَطْلُبُون يومَ الجمعةِ
فأخْطَئوه ، وأخَذوا يومَ السبتِ ، فجعَله عليهم .
وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيَنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك يا محمدُ لَيَحْكُمُ بينَ هؤلاء المختلِفِين بينهم
فى استحلالِ السبتِ وتحريمِهِ ، عندَ مصيرِهم إليه يومَ القيامةِ ، فیَقْضِى بينَهم فى ذلك
وفى غيرِه مما كانوا فيه يَخْتَلِفون فى الدنيا بالحقِّ ، ويَفْصِلُ بالعدلِ ، بمجازاةِ المُصیبِ
فيه جزاءَه ، والمُخطىءٍ فيه منهم ما هو أهلُه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَحَدِلْهُم بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهٌِ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ.
١٢٥
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مَ ◌ّه: ادْعُ يا محمدُ مَن أُرْسَلك إليه رَبُّك
بالدعاءِ إلى طاعتِه، ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: إلى شريعةِ ربِّك التى شرَعَها
لخلقِه، وهو الإسلامُ، ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾. يقولُ: بوحي اللَّهِ الذى يُوحِيه إليك،
وكتابِه الذى يُنْزِلُه عليك، ﴿ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. يقولُ: وبالعِبْرِ الجميلةِ التى
جعَلها اللَّهُ حُجَّةً عليهم فى كتابِهِ، وذَكَّرهم بها فى تنزيله، كالتى عدَّد عليهم
[٢٢٤/٢ظ] فى هذه السورةِ مِن حُجَجِه، وذكّرهم فيها ما ذكّرهم مِن آلائِه،
﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾. يقولُ: وخاصِمْهم بالخصومةِ التى هى أحسنُ
مِن غيرِها؛ أن تَصْفَحَ عما نالوا به عِرْضَك مِن الأذى ، ولا تَعْصِه فى القيامِ بالواجبٍ
عليك مِن تبليغِهم رسالةَ ربِّك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.