Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة هود : الآيتان ٤٩،٤٨
قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبى هندٍ يُحدِّثُ عن الحسنِ، أنه أتَى على هذه الآيةِ :
﴿ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَرٍ مِّمَن مَّعَكَتْ وَأُمَّمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ
يَمَشُّهُمِ مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: فكان ذلك حينَ بعَث اللَّهُ عادًا، فأرسَل إليهم
هودًا، فصَدَّقَه مُصَدِّقون، وكَذَّبَه مُكَذِّبون، حتى جاء أمرُ اللَّهِ ، فلما جاء أمرُ اللَّهِ
نَجَّى اللَّهُ هودا والذين آمنوا معه، وأهْلَك اللَّهُ المُتَمَتِّعين، ثم بعث اللَّهُ ثَمودًا(١)،
فبعث إليهم صالحاً ، فصَدَّقَه مُصَدِّقون، وكَذَّبَه مكذِّبون، حتى جاء أمرُ اللَّهِ، فلما
جاء أمرُ اللَّهِ نَجَّى اللَّهُ صالحاً والذين آمنوا معه، وأهْلَك اللَّهُ المُتمَتِّعين، ثم اسْتَقْرَأْ
الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا على نحوٍ مِن هذا (٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبٍ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَا كُنْتَ
تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِّ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّفِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عٍَّ: هذه القصَّةُ التى أَنبَتُك بها مِن قصةِ نوحٍ
٥
وخبرِه وخبرٍ قومِه ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبٍ﴾. يقولُ: هى مِن أخبارِ الغيبِ التى لم تَشْهَدْها
فتعلَمَها، ﴿ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ﴾. يقولُ: نُوحِيها إليك نحن فتُعَرِّفُكَها، ﴿مَا كُنْتَ
تَعْلَمُهَآ أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا﴾ الوحي الذى نُوحِيه إليك، ﴿ فَأَصْبِرٌ ﴾ على
القيامِ بأمرِ اللَّهِ وتبليغ رسالته، وما تَلْقَى مِن مُشركى قومِك، كما صبّر نوعٌ، ﴿ إِنَّ
الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ﴾. يقولُ: إن الخيرَ مِن عواقبِ الأمورِ لمَن اتَّقَى اللَّهَ، فأدَّى
فرائضَه، واجْتَنَب معاصيه، فهم الفائزون بما يُؤْمِّلون(١) مِن النعيم فى الآخرةِ ،
والظّفَرِ فى الدنيا بالطَِّبةِ، كما كانت عاقبةُ نوحٍ إِذ صَبَّرَ لأمرِ اللَّهِ،َ أن نَجَّهُ(٤) مِن
(١) فى م: ((ثمود))، وكلاهما صواب . ينظر التاج (ث م د) .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤١/٦ من طريق داود بن أبى هند بنحوه .
(٣) فى ت٢، س: ((يأملون)).
(٤) فى ت١: ((أنجاه)).

٤٤٢
سورة هود : الآيتان ٤٩، ٥٠
الهَلَكةِ مع مَن آمَن به ، وأعطاه فى الآخرةِ ما أعطاه مِن الكرامةِ ، وغَرَّقَ (١) المكذِّبين به
فأهلكهم جميعهم(٢).
/ وبنحوِ الذى قُلنا [٤٥/٢ و] فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٥٧/١٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ
الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا﴾: القرآنِ ، وما
كان عَلِمَ محمدٌ عَلَه وقومُه ما صَنَعَ نوٌ وقومُه، لولا ما بَيَّنَ اللَّهُ له(٣) فى
(٤)(٥)
كتابه (*(*) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا
لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ
٥٠
يقولُ تعالى ذكره: وأرسَلْنا إلى قوم عادٍ أخاهم هودًا، فقال لهم: ﴿يَقَوْمِ
أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ وحدَه لا شريكَ له، دونَ ما تعبدون مِن دونِهِ مِن الآلهةِ والأوثانٍ،
﴿ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ﴾. يقولُ: ليس لكم معبودٌ يستحقُّ (" عليكم العبادةَ"
غيرُه، فأخْلِصوا له العبادةَ، وأَفْرِدوه بالألوهةِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.
(١) فى ت٢: ((أغرق)).
(٢) فى ت١، ت٢: ((جميعا)).
(٣) سقط من : م .
(٤) بعده فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((أو هذا القرآن)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٣/٦ من طريق سعيد وهو ابن بشير عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٣٧/٣ إلى أبى الشيخ .
(٦ - ٦) فى م: (( العبادة عليكم)).

٤٤٣
سورة هود : الآيات ٥٠ - ٥٢
يقولُ: ما أنتم فى إِشْراكِكم معه الآلهةَ والأوثانَ إلا أهلُ فِرْيةٍ مُكذِّبون (١) تَخْتلقون
الباطلَ ؛ لأنه لا إلهَ سِواه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَقَوْمِ لَآَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
عَلَى الَّذِىِ فَطَرَبِيِّ ◌َفَلَا تَعْقِلُونَ
(٥١
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلٍ هودٍ لقومِه: يا قومٍ لا أسألكم على ما أدعوكم
إليه مِن إخلاص العبادةِ اللَّهِ وخلع الأوثانِ والبراءةِ منها - جزاءً وثوابًا، ﴿إِنْ
أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَبِيِّ﴾. يقولُ: إِنْ ثوابى وجزائى على نصيحتى لكم
ودعائِكم إلى اللَّهِإلَّا على الذى خَلَقَنِى، ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفلا تَعْقِلون أَنِّى
لو كنتُ أَبْتَغى بدعايتكم إلى اللَّهِ غيرَ النصيحةِ لكم، وطلبِ الحظِّ لكم فى الدنيا
والآخرةِ - لالتمستُ منكم على ذلك بعضَ أعراضِ الدنيا، وطلبتُ منكم الأجرَ
والثوابَ ؟
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ أَجْرِىَ
إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَنْ ﴾: أى خَلَقَنى(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ
٥٢
السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَتِكُمْ وَلَا نَوَلَوْ مُجْرِمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِهِ: ﴿وَيَقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ .
يقولُ : آمِنوا به حتى / یغفِرَ لكم ذنوبكم .
٥٨/١٢
(١) بعده فى ص، ت١، ت٢، س، ف: (( و).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٤/٦ من طريق سعيد بن بشير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٣٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .

٤٤٤
سورة هود : الآية ٥٢
" والاستغفارُ هو الإيمانُ باللّهِ) فى هذا الموضع؛ لأن هودًا عَ لَّه إنما دَعا قومَه
إلى توحيدِ اللَّهِ ليغفرَ لهم ذنوبَهم، كما قال نوعٌ لقومه: ﴿أُعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ
يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَ أَجَلٍ تُسَمَّى﴾ [ نوح: ٣، ٤].
٣
وَأَطِيعُونِ
وقولُه: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: ثم تُوبوا إلى اللَّهِ مِن سالفٍ ذنوبِكم وعبادتكم
غيرَه بعدَ الإِيمانِ به، ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾. يقولُ: فإنكم إن
آمنتم باللَّهِ وتُبُم مِن كفرٍكم به، أرسلَ قَطْرَ ١ السماءِ عليكم يُدِرُّ لكم الغيثَ فى
وقتٍ حاجتِكم إليه، وتحيا بلادُكم مِنْ(١) الجَدْبِ والقَخْطِ.
وبنحوِ الذى قُلنا فى قولِهِ ﴿مِّدْرَارًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنا معاويةُ ، عن علىِّ ،
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مِّدْرَارًا﴾. يقولُ: يتبعُ بعضُها(٤) بعضًا(٥).
حدّثنی یونشُ ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ يُرْسِلِ
السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾. قال: يُدِرُّ ذلك عليهم(١) (٢ مطرًا مطرًاً) .
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((والإيمان بالله هو الاستغفار)).
(٢) فى ف: (( مطر)).
(٣) فى ت٢: ((بعد)).
(٤) فى تفسير ابن أبى حاتم: (( بعضه)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٥/٦ من طريق أبى صالح به .
(٦) فی ت١ : (علیکم)).
(٧ - ٧) فى ص: ((مطرا ومطرا))، وفى م: ((قطرا ومطرا))، وفى ت١، ف: ((مطرا)). والأثر أخرجه ابن
أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٥/٦ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٧/٣ إلى أبى
الشيخ .

٤٤٥
سورة هود : الآيتان ٥٣،٥٢
وأما قولُه: ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ ، فإن مجاهدًا كان يقولُ في ذلك
ما حدَّثنی به محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾. قال: شِدَّةً إلى
شِدَّتِکم .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ ، عن
مجاهدٍ ، وإسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، عن ورقاءً، عن ابنٍ أبی نجیح، عن مجاهدٍ ،
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: قال
مجاهدٌ ، فذكَر مثلَه (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾. قال: جَعَلَ لهم قوةً ، فلو أنهم أطاعوه زادهم
قوةً إلى قوتهم. وذُكِر لنا أنه إنما قيل لهم: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ
(٢)
؛
أنه " كان قد" انقطعَ النسْلُ عنهم سنينَ، فقال هودٌ لهم: إن آمنتم باللَّهِ أَحْيَا اللَّهُ
بلادَكم، ورَزَقَّكم المالَ والولدَ؛ لأن ذلك مِن القوةِ(٤).
وقولُه: ﴿وَلَا نَوَلَوْ مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: ولا تُدْبِروا عما أدعوكم إليه مِن
توحيدِ اللَّهِ، والبراءةِ مِن الأوثانِ والأصنامِ، ﴿مُجْرِمِينَ﴾. يعنى: كافرين باللّهِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قَالُواْ يَدهُودُ مَا جِئْتَنَا بِيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِّ
٥٣
ءَالِهَنِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
(١) تفسير مجاهد ص ٣٨٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٥/٦.
٢) بعده فى م: (( قال)).
(٣ - ٣) فى م: ((قد كان)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٥/٦ من طريق آخر عن ابن زيد مقتصرا على أوله .
41

٤٤٦
سورة هود : الآيات ٥٣ - ٥٥
یقولُ تعالی ذکرُه : قال قومُ هود لهودٍ : یا هودُ ، ما أتيتنا بیانٍ ولا برهانٍ على ما
تقولُ فتُسَلِّمَ لك، [٤٥/٢ظ] ونُقِرَّ بأنك صادقٌ فيما تَدْعونا إليه، مِن توحيدِ اللَّهِ ،
والإقرارِ بنبوتِك، ﴿ وَمَا تَحَنُ بِشَارِكِ ءَالِهَئِنَا﴾. يقولُ: / ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيّ
ءَالِهَئِنَا﴾ يعنى لقولِك، أو مِن أجلٍ قولِك، ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ:
قالوا: وما نحن لك بما تَدَّعى مِن النبوةِ والرسالةِ مِن اللَّهِ إلينا بمُصدِّقين.
٥٩/١٢
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّ اعْتَرَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِّنَا بِسُوْءٍ قَالَ إِنّ
مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا
أُشْهِدُ اللَّهَ وَآَشْهَدُوّا أَنِ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُنَّ
٥٥
نُظِرُونِ
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قولٍ قوم هودٍ، أنهم قالوا له ، إذ نَصَح لهم،
ودَعاهم إلى توحيدِ اللَّهِ وتصديقِه، وخَلْع الأوثانِ والبراءةِ منها: لا نتركُ عبادةَ
آلهتِنا ، وما نقولُ إلا أن الذى حَمَلَكَ على ذَمِّها والنَّهي عن عبادتها ، أنه أصابَك منها
خَبَلٌ مِن جنونٍ . فقال هودٌ لهم: إنى أُشْهِدُ اللَّهَ على نَفْسى، وأشهدُ كم أيضًا أيُّها
القومُ، أنى برىءٌ مما تُشْرِكون فى عبادةِ اللَّهِ مِن آلهتكم وأوثانِكم (مِن دونِه) .
﴿فَكِيدُونِ جَمِيعًا﴾. [١/٣٣ و] يقولُ(): فاخْتالوا أنتم جميعًا وآلهتُكم فى ضُرِّى
ومَكْرُوهى، ﴿ثُمَّ لَا نُظِرُونِ﴾. يقولُ: ثم لا تُؤَخِّرون ذلك، فانْظُرُوا: هل
تَنالونى أنتم " وهى بما زَعَمتم أن آلهتكم نالَتْنى به مِن السوءِ؟
وبنحوِ الذى قُلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، س: ((من دونكم))، وفى ف: ((منى دونكم)).
(*) من هنا يبدأ الجزء الثالث والثلاثون من مخطوطة جامعة القرويين .
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((وهم)).

٤٤٧
سورة هود : الآيتان ٥٤، ٥٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ أَعْتَرَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٍ﴾. قال: أصابَتْك الأوثانُ بجنونٍ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٌ﴾. قال: أصابَك بعضُُ
الأوثان بجنون .
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا ابنُ دُكَينٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن عيسى ، عن مجاهدٍ :
﴿إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٌ﴾. قالوا(١) : سَيَبْتَ آلهتنا وعِبْتَها فَأَجَنَّتْك .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ ، عن
مجاهدٍ: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٌ﴾. قال: أصابَك بعضُ آلهتِنا
بسوءٍ، يَعْنون الأوثانَ .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِن تَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَكَ [١/٣٣ ] بَعْضُ ءَالِهَتِّنَا بِسُوءٌ﴾.
يقول(٤): تُصِيبُك آلهتنا بالجنونِ(٥) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
(١) تفسير مجاهد ص ٣٨٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٦/٦ ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢ ، س ، ف .
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((قال)).
(٤) فى م: ((قال )).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٧/٣ إلى المصنف.

٤٤٨
سورة هود : الآيتان ٥٤، ٥٥
﴿ إِلَّا أَعْتَرَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٌ﴾. قال: ما يحملُك على ذمِّ آلهتنا إلا أنه أصابَك
(١)
منها سوءٌ(١).
حدَّثْنَا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، عن ورقاءً، عن ابنِ أبی
نجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿إِن نَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٌ﴾. قال: أصابَك
بعضَّ(٢) الأوثانِ بجنونٍ(٣).
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِن نَقُولُ إِلَّا
اُعْتَرَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٌ﴾. قال: إنما تصنعُ هذا بآلهتنا؛ أنها أصابتك بسوءٍ().
٦٠/١٢
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: أصابتك آلهتنا بشرٌ(٥).
حُدِّقْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال(١) : ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ،
قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿إِن نَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ ءَالِهَيِّنَا
بِسُوَعُ﴾. يقولون: نخشى أن يصيبَك مِن آلهتنا سوءٌ، ولا نحبُّ أن تعتريَك،
يقولون : يُصِیئك منها سوءً .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُّ زيدٍ فى قوله: ﴿إِن تَقُولُ
إِلَّا أَعْتَرَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِّنَا بِسُوَعُ﴾. قال: يقولون: اختلَط عقلُك [٢/٣٣و]
فأصابَك هذا، مما صَنَعَتْ بك آلهتُنا .
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٠٤/١ عن معمر به .
(٢) سقط من : ص ، م، ت١ ، ت٢ ، س، في .
(٣) وقع هذا الأثر قبل الأثرین السابقین فی : ص ، م ، ت١ ، ت٢ ، س، ف .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٦/٦ من طريق سعيد به .
(٥) فى الأصل: (( بسوء)).
(٦) فى الأصل: ((يقول)).
(٧) فى الأصل: ((عملك)).

٤٤٩
سورة هود : الآيات ٥٤ - ٥٦
وقولُهُ(١): ﴿أَعْتَرَكَ﴾. افتَعَلك(١)، مِن عَرَانى الشىءُ يَعْرونى، إذا أصابَك،
كما قال الشاعرُ() :
* مِن القومِ يَعْرُوه اجْتِراءٌ ومَأْثَمُ »
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ إِنِّ تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ
٥٦
ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
يقولُ : إنى على اللَّهِ الذى هو مالِكى ومالِكُكم والقَيِّمُ على جميعِ خلقِهِ،
توَّلتُ مِن أن تُصِيبونى أنتم وغيرُ كم مِن الخلقِ بسوءٍ، فإنه ليس مِن شىءٍ يَدِبُّ على
الأرض إلا واللَّهُ مالكُه، وهو فى قبضتِه(٤) وسلطانِه، ذليلٌ له خاضعٌ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿هُوَ ءَاِخِذٌ بِنَاصِيَنْهَاً﴾، فخَصَّ بالأخذِ(٥)
الناصيةَ دونَ سائرِ أماکنِ الجسدِ ؟
قيل: لأَن العربَ كانت تستعملُ ذلك فى وصفِها مَن وَصَفَته بالذلةِ
والخضوع، فتقولُ: ما ناصيةُ فلانٍ إلا بيدٍ فلانٍ. أى: إنه له مطيعٌ يُصرِّفُه كيف
شاء. وكانوا إذا أُسَروا الأسيرَ فأرادوا إطلاقَه والمَنَّ عليه جَزُّوا ناصيتَه؛ ليعتدُّوا
بذلك عليه [٢/٣٣ظ] فخرًا عندَ المفاخرةِ، فخاطَبَهم (١) اللَّهُ بما يَعْرِفون فى كلامِهم،
(١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((قولك)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((افتعل)).
(٣) هو أبو خراش الهذلى ، وصدر البيت :
• تذكّرَ ذحلا عندنا وهو فاتك *
ينظر ديوان الهذليين ١٤٧/٢، وشرح أشعار الهذليين ١٢١٩/٣.
(٤) فى الأصل: ((قبضه)).
(٥) فى الأصل، س: ((الأخذ)).
(٦) فى الأصل: (( فخاطبها)).
( تفسير الطبرى ٢٩/١٢ )

٤٥٠
سورة هود : الآيتان ٥٦، ٥٧
والمعنى ما ذكرتُ .
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبٍِّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: إِن رِّى على طريقِ الحقِّ،
يُجازى المحسنَ مِن خلقِه بإحسانِه والمسىءَ بإساءته، لا يظلمُ أحدًا منهم شيئًا ، ولا
يقبلُ منهم إلا الإسلامَ والإِيمانَ به .
٦١/١٢
/ كما حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ رَبٍِّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: الحقِّ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغَشَكُمْ مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ، إِلَيْكُمْ وَيَسْنَخْلِفُ
٥٧
رَبِ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًاْ إِنَّ رَبِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظُ
يقولُ عزّ وجلّ مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْ﴾. [٣/٣٣و] يقولُ:
فإن أدبَرتم (٧) مُعرِضِين عما أدعوكم (١٢) إليه مِن توحيدِ اللَّهِ وتركٍ عبادةِ الأوثانِ ،
﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾، وما على الرسولِ إلا
(١) تفسير مجاهد ص ٣٨٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٧/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) فى النسخ: ((أدبروا))، ولعل الصواب ما أثبت .
(٣) فى ص، م، ت١، س، ف: (( أدعوهم )) .

٤٥١
سورة هود : الآيات ٥٧ - ٥٩
البلاغُ، ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. يقولُ: يُهْلِكُكُم رِّى، ثم يَسْتَبْدِلُ رِّى
منكم قومًا غيرَ كم، يُوحّدونه ويُخْلِصون له العبادةَ، ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾. يقولُ:
ولا تَقْدِرون له على ضُرّ إذا أرادَ هلاكَکم (١) أو أهْلَککم.
وقد قيل: لا يَضُرُّه هَلاكُكم إذا أَهْلَكَكم، لا تُنْقِصونه شيئًا؛ لأنه سواءٌ عندَه
كنتم أو لم تكونوا. ﴿إِنَّ رَبِّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيْظُ ﴾. يقولُ : إن ربِّى على جميع
خلقِه ذو حفظٍ وعلم ، يقولُ : هو الذى يَحْفَظُنى مِن أَن تَنالونى بسُوءٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَمَّا جََّ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ
بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَنَّيْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ
٥٨
يقولُ عزّ وجلّ: ولمّا جاء قومَ هودٍ عذابُنا ﴿نَّنَا﴾ منه ﴿هُودًا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ باللَّهِ ﴿ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا﴾. يعنى: بفضلٍ منه عليهم [٣/٣٢ظ] ونعمةٍ،
﴿ وَّنَهُ مِنْ عَذَابٍ غَلِظٍ﴾. يقولُ: و(٢) نَجَّناهم أيضًا مِن عذابٍ غليظٍ يومَ
القيامةِ، كما نَجِيناهم فى الدنيا مِن الشَّخْطةِ التى أنزلناها(١) بعادٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِشَايَتٍ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَمُ وَأَتَّبَعُواْ
أَمْىَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
٥٩
يقولُ عزّ وجلّ: ()وهؤلاء الذين أَعْلَلنا بهم نِقْمَتَنا وعذابَنا عادٌ ،
جُحَدوا ( بحُجَج اللَّهِ وأدلتِهْ)، وعَصَوا رُسُلَه الذين أرسَلهم إليهم، للدعاءِ إلى
توحيدِه واتباع أمرِه، ﴿ وَأَتَّبَعُواْ أَمْيَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يعنى: كلِّ مُسْتكبٍ
(١) فى م: ((إهلاككم)).
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، س، فى .
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: (( أنزلتها)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((هؤلاء)).
(٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((بأدلة الله وحججه)).

٤٥٢
سورة هود : الآيات ٥٩ - ٦١
على اللَّهِ، جائرٍ (١) عن الحقِّ، لا يُذْعِنُ له ولا يَقْتُلُه .
يقالُ منه: عَنَدَ عن الحقِّ، فهو يَعْنِدُ عُنُودًا ، والرجلُ عانِدٌ وعَنُودٌ . ومِن ذلك
٦٢/١٢ قيل للعِزْقِ الذى ينفجِرُ فلا تَرْقاً: عِرْقُ عانِدٌ. أى ضارٍ، ومنه / قولُ الراجزِ():
* إِنِّى كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدَا »
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ أَقْرَ كُلِّ
جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: الْمُشْرِكِ (٣) .
القولُ فى تأويلِ [٤/٣٣ و] قولِه عزّ وجلّ: ﴿ وَأَتْعُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ
اٌلْقِيَمَةُ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ
يقولُ عزّ وجلّ : وأَتْبعَ عادٌ قومُ هودٍ فى هذه الدنيا غَضَبًا مِن اللَّهِ وسَخْطةٌ يومَ
القيامةِ مثلَها ؛ لعنةً إلى اللعنةِ التى سَلَفَت لهم مِن اللَّهِ فى الدنيا، ﴿أَلََّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ
رَهُمُّ أَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾. يقولُ: أبعَدَهم اللَّهُ مِن الخيرِ .
يقالُ : كفَر فلانٌ ربَّه وكفَر بربّه، وشَكَرتُ لك وشَكَرتُك . وقيل: إن معنی
كَفَرُواْ رَبَّهُمُّ﴾: كَفَروا نعمةَ ربِّهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ
مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهٍ إِنَّ
رَبِّ قَرِيبٌ مُّجِبٌ
يقولُ عزّ وجلّ : وأرسلنا إلى ثمودَ أخاهم صالحاً، فقال لهم: يا قومٍ ، اعبْدُوا
(١) فى م: (( حائد)).
(٢) البيت فى مجاز القرآن ٢٩١/١ ، واللسان (ع ن د).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٧/٦ من طريق سعيد به .

٤٥٣
سورة هود : الآية ٦١
اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، وأَخْلِصوا له العبادةَ دونَ ما سِواه مِن الآلهةِ، فما لكم من إلهٍ
غيرُه [٤/٣٣ظ]، يَسْتوجِبُ عليكم العبادةَ، ولا تجوزُ الألوهةُ إلا له (١)، ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ
مِّنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: هو ابتَدَأَ خَلْقَكم مِن الأرضِ. وإنما قال ذلك؛ لأنه خلق آدمَ
مِن الأرضِ، فخرَج الخطابُ لهم؛ إذ كان ذلك فعلَه بمَن(١) هم منه، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ
فِيهَا﴾. يقولُ: وجَعَلكم عُمَّارًا(٢) فيها. فكان المعنى فيه: أَسْكَنَكم فيها أيامَ
حياتِكم، مِن قولهم: أعْمَرَ فلانٌ فلانًا دارَه، وهى له عُمْرَى(٤) .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى ١٢
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾. قال: أَعْمَرَكم فيها(٥).
٦٣/١٢
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو محُذَيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ، ١ وحدَّثنى المُثُّنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن
ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ): ﴿وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: أعمّرَكم.
وقولُه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. يقولُ: اعْمَلوا عملًا يكونُ سببًا لسَتْرِ اللَّهِ عليكم
(١) بعده فى م: (( و)).
(٢) فى الأصل: ((من )).
(٣) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، س: ((عمارها)).
(٤) العُمْرَى : نوع من الهبة ، وصورتها أن يقول الرجل : أعمرتك دارى هذه ، أو هى لك عمرى ، أو نحو
هذا. سميت عمرى؛ لتقييدها بالعمر. المغنى ٢٨١/٨، ٢٨٢.
(٥) تفسير مجاهد ص ٣٨٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٨/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٣٨/٣ إلى أبى الشيخ .
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، س، ف .

٤٥٤
سورة هود : الآيتان ٦٢،٦١
ذنوبكم، وذلك الإيمانُ به، وإخلاصُ العبادةِ له دونَ ما سِواه، واتِّباعُ [٥/٣٣و] رسوله
صالحٍ.
﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهٍ ﴾. يقولُ: ثم اتْرُكُوا مِن الأعمالِ ما يكرهُه ربُّكم ، إلى ما
يَرْضاه ويُحِبُّه؛ ﴿إِنَّ رَبِّ قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾. يقولُ: إن ربِّى قريبٌ ممن أُخْلَصَ له
العبادةَ، ورَغِبَ إليه فى التوبةِ ، مجيبٌ له إذا دَعاه .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَّا
أَنَتْهَمنَّا أَنْ تَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شٍَّ مِّمَّا تَدْعُونَآَ إِلَيْهِ مُرِيبٍ
٦٢
يقولُ عزّ وجلّ: قالت ثمودُ لصالح نبيِّهم: ﴿يَصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِنَا مَرْجُوا﴾ .
أى: كُنَّا نَرْجو أن تكونَ فينا سيدًا قَبْلَ هذا القولِ الذى قلتَه لنا؛ مِن أنه مالَناً) إلهٌ غيرُ
اللَّهِ . ﴿ أَنَتْهَنَا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾؟ يقولُ: أَتَنْهانا أن نعبدَ الآلهةَ التى كانت
آباؤنا تَعْبُدُها (٢)؟ ﴿ وَإِنَّنَا لَفِى شٍَّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ١﴾: يَعْنون أنهم لا يَعْلَمون
صحةَ ما يَدْعوهم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، وأن الألوهةَ لا تكونُ إلا له خالصًا .
وقولُه: ﴿مُرِيبٍ﴾. أى: يُوجِبُ التّهْمةَ، مِن: أَرَبْتُه، فأنا أُرِيِثُه إرابةً . إذا
فعلتَ به فعلاً [٥/٣٣ظ] يوجِبُ له الرِّيبةَ، ومنه قولُ الهُذَلّ(٤) :
كُنْتُ إِذا أَتَوْتُه مِن غَيْبٍ *
* يَشَمُ عِطْفِى وَيَبْؤُ(٥) تَوْبِى »
(١) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((من)).
(٢) فى م : (( تعبد)).
(٣) سقط من : الأصل .
(٤) هو خالد بن زهير الهذلى. ديوان الهذليين ١٦٥/١، وشرح أشعار الهذليين ٢٠٧/١، وهو فى اللسان (أت ى).
(٥) فى مصدر التخريج: ((يمس)). ويبز ثوبه: يجذبه إليه . اللسان (ب زز).

٤٥٥
سورة هود : الآيات ٦٢ - ٦٤
(( كلَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ *
القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: ﴿ قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن
رَّبِى وَءَاتَئِنِى مِنْهُ رَحْمَةٌ فَمَن يَنصُرُفِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِ غَيْرَ
تَغْسِيرٍ
٦٣
يقولُ عزّ وجلّ : قال صالح لقومِه مِن ثمودَ: ﴿يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ
عَلَى (" بَيْنَةٍ مِّن رٍَّ﴾. يقولُ: إن كنت على٢) برهانٍ وبيانٍ مِن اللَّهِ قد عَلِمتُه
وأيقَنتُه. ﴿ وَءَاتَنِى مِنْهُ رَحْمَةٌ﴾. يقولُ: وَآتَانى منه النبوَّةَ والحكمةَ والإسلامَ،
﴿فَمَن يَنصُرُفِ/ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ﴾. يقولُ: فَمَن الذى يدفَعُ عنى عقابَه إذا ٦٤/١٢
عاقَبَنِى إِن أَنا عَصَيتُه، فيُخَلِّصَنى منه، ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِ﴾ بِعُذْرٍ كم الذى تَعْتَذِون به ؛
مِن أنكم تَعْبدون ما كان يعبدُ آباؤُ كم - ﴿ غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ لكم يُخْسِرُ كم خُطُوظَكم
مِن رحمةِ اللهِ .
كما حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَّخْسِيرٍ﴾. يقولُ: ما تَزْدادون أنتم إلا خَسارًاً .
القولُ فى تأويلِ قولِه [٦/٣٣و] عزّ وجلّ: ﴿وَبَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ
ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىّ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَشُّوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ
قَرِيبُ
يقولُ عزّ وجلّ مخبرًا عن قيلٍ صالح لقومِه مِن ثمودَ، إذ قالوا له: ﴿ وَإِنَّنَا لَفِى
شَكٍّ مِّمَا تَدْعُونًا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وسألوه الآيةَ على ما دعاهم إليه: ﴿ يَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ
(١ - ١) فى مصدر التخريج: ((كأننى قد أربته )).
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٨/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ .

٤٥٦
سورة هود : الآيتان ٦٤، ٦٥
اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾. يقولُ: حُجَّةٌ وعلامةٌ، ودلالةٌ(١) على حقيقةٍ ما أَدْعوكم
إليه، ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىَ أَرْضِ اللهِ﴾، فليس عليكم رزقُها ولا مُؤْنتُها، ﴿ وَلَا
تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ﴾. يقولُ: لا تَقْتُلوها ولا تَنالوها بِعَقْرٍ؛ ﴿فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ .
يقولُ : فإنكم إن تَشُوها بشُوءٍ يأخُذْكم عذابٌ مِن اللَّهِ غيرُ بعيدٍ فيُهْلِكْكم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزّ وجلّ: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةً
أَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوپٍ
٦٥
يقولُ عزّ وجلّ : فعَقَرَت ثمودُ ناقةَ اللَّهِ . وفى الكلامِ محذوفٌ قد تُرِكَ ذکرُه؛
استغناءً بدلالةِ الظاهرِ عليه، وهو: فَكَذَّبوه [٦/٣٣ظ] فعَقَروها، فقال صالحٌ لهم:
﴿ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾. يقولُ: اسْتَمْتِعوا فى دارِ الدنيا بحياتِكُم ثلاثةً
أيامٍ، ﴿ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. يقولُ: هذا الأجلُ الذى أجَلْتُكم وَعْدٌ مِن
اللَّهِ ، وَعَدَكم بانقضائِه الهلاكَ ونزولَ العذابِ بكم، ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. يقولُ :
لم يَكْذِئْكم فيه مَن أَعْلَمكم ذلك .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ
تَمَتَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيِّرُ مَكْذُوبٍ﴾: وذُكِر لنا أن صالحاً
حينَ أَخْبَرَهم أن العذابَ أَتَاهم، لَبِسوا الأنْطاعَ(٢) والأَكْسيةَ، وقيل لهم: إن آيةَ ذلك
أن تَضْفَو ألوانُکم أولَ یوم ، ثم تحمر فی الیومِ الثانی ، ثم تَشْودّ فى اليوم الثالث. وذُکِر
لنا أنهم لمّ عَقَروا الناقةَ نَدِموا وقالوا: عليكم الفصيلَ(٢) . فصَعِدَ الفَصِيلُ القارَّةَ -
(١) سقط من : ت١ ، س ، ف .
(٢) الأنطاع : جمع نَطعٍ وهو بساط من الجلد ، كثيرا ما كان يُقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل . الوسيط
(ن طـ ع) .
(٣) الفصيلُ: ولدُ الناقةِ إذا فصل عن أمه ، والجمع فُصلان وفِصال. اللسان (ف ص ل).

٤٥٧
سورة هود : الآيتان ٦٦،٦٥
والقارةُ الجبلُ - حتى إذا كان اليومُ الثالثُ ، استقبلَ القبلةَ وقال: يا ربِّ أمى، (يا
ربِّ أمى، يا ربِّ أمى)، قال: فأُرْسِلَت الصيحةُ عندَ ذلك(٣).
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: لو صَعِدْتُم القارةَ، لرأيتُم عظامَ الفصيلِ. وكانت
[٧/٣٣و] منازلُ ثمودَ بَحِجْرٍ، بينَ الشامِ والمدينةِ .
/ حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ٦٥/١٢
﴿ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَثَةَ أَيَّابِ﴾. قال: بقيةَ آجالِهم(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قنادةَ، أن ابنَ عباسٍ قال: لو صَعِدْتُم على القارةِ لرأيتُم عظامَ الفَصيلِ(٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزّ وجلّ: ﴿فَلَمَا جَاءَ أَقْرُنَا نَّنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ
٦٦
ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَتٍ مِّنَّا وَمِنَ خِزْيِ يَوْعِدٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ اُلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ
يقولُ عزّ وجلّ: فلما جاء ثمودَ عذابنا ﴿ نَيِّنَا صَلِحًا﴾ منه، ﴿ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ به(٥) ﴿مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا﴾. يقولُ: بنعمةٍ وفضلٍ مِن اللَّهِ، ﴿وَمِنْ خِزْبِي
يَوْمِذٍ﴾. يقولُ: وَجَّناهم مِن هَوانِ ذلك اليومٍ وذُلِّه بذلك العذابِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
اَلْقَوِىُّ﴾ فى بَطْشِه، إذا بَطَشَ بشىءٍ أَهْلَكَه، كما أهلكَ ثمودَ حينَ بطش بها
﴿اَلْعَزِيزُ﴾ فلا يَغْلِبُه غالبٌ ، ولا يَقْهَرُه قاهِرٌ، بل يغلِبُ كلَّ شىءٍ وَيَقْهَرُه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((ثلاثا)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤٩/٦، ٢٠٥٠، ٢٠٥١ من طريق آخر عن قتادة .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٠٥/١ عن معمر به .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٣٠٥/١.
(٥) سقط من : ت١، س ، ف .

٤٥٨
سورة هود : الآية ٦٦
ذكرُ مَن قال ذلك [٧/٣٣ظ]
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ﴾. قال: نَجَّه اللَّهُ برحمةٍ منه(١)، ونَجَّاه مِن
خِزْىٍ (١) يومئذٍ(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ ،
عن شهرِ بنِ حوشبٍ ، عن عمرو بنٍ خارجةَ، قال: قلنا له: حدِّثْنا حديثَ ثمودَ .
قال: أُحدِّثُكم عن رسولِ اللَّهِ مِ لِّ عن ثمودَ: ((كانت ثمودُ قومُ صالح أعْمَرَهم اللَّهُ
فى الدنيا فأطالَ أعمارَهم، حتى جعَل أحدُهم يَبْنى المسكنَ مِن المَدَرِ ، فَيَتْهدِمُ
والرجلُ منهم حىّ، فلما رَأَوا ذلك اتَّخَذوا مِن الجبالِ بيوتًا فَرِهِين، فَتَحَتُوها(3)
وجَوَّفوها ، وكانوا فى سَعَةٍ مِن معايشِهم، فقالوا: يا صالح، ادعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا
آيَةٌ ، نعلمُ أنك رسولُ اللَّهِ . فَدَعا صالحٌ ربَّه، فأخرَج لهم الناقةَ ، فكان شِرْبُها يومًا
وشِرْبُهم يومًا معلومًا، فإذا كان يومُ شِرْبِها (١) خَلَّوا عنها وعن الماءِ وحَلَبوها لبنًا، مَلَئُوا
كلَّ إناءٍ ووعاءٍ وسقاءٍ (١) حتى إذا كان يومُ شِرْبِهِم صَرَفوها عن الماءِ، فلم تشربْ منه
شيئًا ، فمَلَئوا كلَّ إناءٍ ووعاءٍ وسقاءٍ، فأوحَى اللَّهُ إلى صالح، أن قومَك سيَعْقِرون
ناقتَك، فقال لهم [٨/٣٣و]، فقالوا: ما كُنَّا لنفعلَ. فقال: إِلا تَعْقِروها أنتم أوشَك
(١) فى ص، م، ت ١، ت٢، س، ف: ((منا )).
(٢) بعده فى ت١، س، ف: (( منّا ومن خزى)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٠٥/١ عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٥١/٦ من طريق محمد
ابن عبد الأعلى به .
(٤) بعده فى الأصل: ((وجابوها))، وفى ص: ((وجابوها وحرقوها))، وفى ت١، س: ((وحابوها وخرفوها)).
(٥) فى ص، ت١، ت٢: ((شربهم))، وفى س: ((شربهما)).
(٦) بعده فى الأصل: ((فأوحى الله إلى صالح)).

٤٥٩
سورة هود : الآية ٦٦
أن يولدَ فيكم مولودٌ يعقرُها (١) . قالوا: ما علامةُ ذلك المولودِ، فواللَّهِ لا نجدُه إلا
قَتَلناه . قال: فإنه غلامٌ أشقرُ أزرقُ أصهَبُ أحمرُ. قال: وكان فى المدينةِ شيخان
عزيزان مَنِيعان، لأحدِهما ابنٌ " يُؤْغَبُ به" عن المناكح، وللآخرِ ابنٌ لا يجدُ لها
كُفُؤَّا، فجَمَعَ بينَهما مجلسٌ، فقال أحدُهما لصاحبِهِ: ما يمنَعُك أن تُزَوِّجَ ابنَك ؟
قال: لا أجِدُ له كُفُؤًا. قال: فإن ابنتى كفؤٌ له، وأنا أزوّجُك. فَرَوَّجَه، فَؤُلِدَ بينَهما
ذلك المولودُ، وكان فى المدينةِ ثمانيةُ رهطٍ يُفْسِدون فى الأرضِ، ولا / يُصلِحون ، ٦٦/١٢
فلما قال لهم صالح : إنما يَعقِرُها مولودٌ فيكم . اختاروا ثمانىَ نسوةٍ قوابلَ مِن القريةِ ،
وجَعَلوا معهنَّ شُرَطًا كانوا يَطُوفون فى القريةِ، فإذا وَجَدوا المرأةَ(٢) تُمْخَضُ،
نَظَروا(٤) ما ولدُها؛ فإن كان غلامًا قَلَّبْنَه، فَنَظَوْنَ ما هو ، وإن كانت جاريةٌ أَعْرَضْنَ
عنها، فلما وَجَدوا ذلك المولودَ صرَخ النسوةُ، وقُلنَ: هذا الذى يريدُ رسولُ اللَّهِ
صالحٌ . فأرادَ الشُّرَطُ أن يأْخُذوه، فحالَ جَدَّاه بينهم وبينَه، وقالا: لو أن صالحاً أرادَ
هذا قَتَلناه . فكان شَرَّ مولودٍ ، وكان يَشِبُّ فى اليومِ شبابَ غيرِهِ فى الجمعةِ ، ويَشِبُّ
فى الجمعةِ شبابَ [٨/٣٣ظ] غيرِه فى الشهرِ، ويَشِبُّ فى الشهرِ شبابَ غيرِه فى
السنةِ ، فاجتمع الثمانيةُ الذين يُفسِدون فى الأرضِ ولا يُصلِحون ، وفيهم الشيخان ،
فقالوا: استُعمِلَ علينا هذا الغلامُ؛ لمنزلتِه وشَرَفٍ جَدَّيه. فكانوا (٢) تسعةً، وكان
صالح لا ینامُ معهم فى القرية ، کان فى مسجدٍ يقال له : مسجدُ صالح، فیه یبیتُ
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، س، ف .
(٢ - ٢) فى ص، س: ((برعمله)) بدون نقط، وفى فى: ((يرغبله))، وفى م: ((يرغب به))، وفى ت ١ :
(يرغبله))، وفى ت٢: ((مرعنله)).
(٣) فى الأصل: ((القرية)).
(٤) بعده فى ص، ت١، ت٢، س: ((المرأة وجدوا)).
(٥) فى م: (نستعمل)).
(٦) فى الأصل: (( وكانوا)).

٤٦٠
سورة هود : الآية ٦٦
بالليلِ ، فإذا أصبَح أتاهم، فوعَظَهم وذَكَّرهم، وإذا أمسى خَرَجَ إلى مسجدِه فباتَ
فيه )) .
قال حجاجٌ: وقال ابنُ جريجٍ: لمّا قال لهم صالح : إنه سيولَدُ غلامٌ يكونُ
هلاكُكم على يدَيه. قالوا: فكيف تأمُرُنا؟ قال: آمُؤُكم بقتلهم. فقتلُوهم إلا
واحدًا . قال: فلما بَلَغ ذلك المولودُ قالوا: لو كنَّا لم تقتُلْ أولادَنا، لكان لكلُ رجلٍ
منَّا مثلُ هذا، هذا عَمَلُ صالح. فاتْتَمَرُوا بينهم بقَتلِه، وقالوا : نخرجُ مسافرین،
والناسُ يَرَوننا علانيةٌ، ثم نرجِعُ مِن ليلةٍ كذا، من شهرِ كذا وكذا، فنرصُدُه عندَ
مُصلَّاه، فنقتُلُه، فلا يحسَبُ الناسُ إلا أنَّا مسافرون كما نحن. فأقبلوا حتى دَخَلوا
تحتَ صخرةٍ يرصُدُونه، فأرسَل اللَّهُ عليهم الصخرةَ [٥٩/٣٣] فرَضَختهم(١)،
فأصبحوا رَضخًا . فانطَلَقَ رجالٌ ممن قد اطَّلَع على ذلك منهم، فإذا هم رَضخٌ،
فَرَجَعوا يصيحون فى القريةِ: أى عبادَ اللَّهِ ، أما رَضِىَ صالحٌ أن أمَرَهم أن يَقْتُلوا
أولادَهم، حتى قَتَلهم؟! فاجتمَع أهلُ القريةِ على عقٍ (١) الناقةِ أجمعون، وأحجموا
عنها إلَّ ذلك الابنَ() العاشرَ.
ثم رَجَعَ الحديثُ إلى حديثِ رسولِ اللهِ عَامِ، قال: ((فأرادوا أن يمكُروا
بصالح، فمشَوا حتى أَتَوا على سَرَبٍ (٤) على طريقٍ صالح، فاختبَأُ فيه ثمانيةٌ() ،
وقالوا: إذا خرَج علينا قَتَلناه، وأتينا أهلَه فبيتناهم. فأمَر اللَّهُ عزّ وجلّ الأرضَ،
فاستَوت عليهم ، قال: فاجتمعوا ومَشَوا إلى الناقةِ ، وهى على حَوضِها قائمةٌ ، فقال
(١) الرّضخُ مثل الرّضح: كسر الرأسِ . اللسان (رض خ) .
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، س، ف: ((قتل)).
(٣) فى الأصل، ص، ت١، س، ف: ((ابن )).
(٤) الشرّب : حفير تحت الأرض . اللسان (س ر ب).
(٥) بعده فى الأصل: ((وبقى)).