Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
سورة التوبة : الآية ٤
شَيْئًا وَلَمْ يُطَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنُِّّوْاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
٤
اٌلْمُنَّقِينَ
٧٧/١٠
/ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْتَرِ
أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينَّ وَرَسُولُهُ﴾، إلا مِن عَهْدِ الذين عاهَدْتم مِن المشركين، أيُّها
المؤمنون ﴿ ثُمَّلَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا﴾ مِن عَهْدِ كم الذى عاهَذْ تُموهم، ﴿ وَلَمْ يُطَهِرُواْ
عَلَيْكُمْ أحدًا ﴾ مِن عدوً کم، فيُعینوهم بأنفسهم وأبدانهم ، ولا بسلاحٍ، ولا خيل،
ولا رجالٍ، ﴿فَئِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمْ﴾. يقولُ: فَقُوا لهم بعهدِهم الذى
عاهَدْتُموهم عليه، ولا تَنْصِبوا لهم حَرْبًا إلى انقضاءِ أجلٍ عَهْدِهم الذى بينكم
وبينَهم، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّفِينَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ يُحِبُّ مَنِ اتَّقَاه بطاعتِه بأداءٍ
فرائضِه واجْتِنابِ مَعاصِيه .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿فَنِّقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُ إِلَى مُدَّتِهِمّ﴾. يقولُ: إِلى أَجْلِهِمْ(١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيَّدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُم
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أى: العهدَ الخاصَّ إلى الأجلِ المُسَمَّى ﴿ثُمَّ لَمَّ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا
الآية(٢).
(٣ حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٠/٦ (٩٢٤٤) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٢) سيرة ابن هشام ٥٤٤/٢ .
(٣ - ٣) سقط من: ص، ف .
٣٤٢
سورة التوبة : الآيتان ٤، ٥
الآية . قال: هم مُشْرِ كو قريشِ الذين عاهدهم رسولُ اللَّهِ مَه زمِنَ الحُدَيبيةِ ، و كان
بَقِى مِن مُدَّتِهِم أربعةُ أشهرٍ بعدَ يوم النَّحْرِ، فَأَمَرِ اللَّهُ نبيَّه أن يُوَفِّىَ لهم بعهدِهم إلى
مُدَّتِهِم، ومَن لا عهدَ له إلى انسلاخ المحرَّم، ونَذَ إلى كلٌّ ذى عهدٍ عهدَه، وأمره
بقتالِهم حتى يَشْهَدوا أن لا إلهَ إلا اللّهُ، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ ، وأن لا يَقْبَلَ منهم إلا
ذلك(١) .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: مُدَّةُ مَن كان له عهدٌ مِن المشركين قبلَ أن تَنْزِلَ ((براءةُ))
أربعةُ أشهرٍ مِن يومَ أَذِّن بـ((براءةَ)) إلى عشرٍ مِن شهرٍ ربيع الآخرِ ، وذلك أربعةُ أشهرٍ،
فإن نَقَض المشركون عهدَهم وظاهروا عدوًّا، فلا عهدَ لهم ، وإن وَفَّوْا بعهدِهم الذى
بِينَهم وبينَ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ، ولم يُظاهِروا عليه عدوًّا، فقد أَمِرَ أَن يُؤْدِّىَ إليهم عهدهم
(٢)
وتَفِىَ به(٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ
وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾: فإذا انقَضَى ومَضَى
وخرَج .
يقالُ منه / سَلَحْنا شهرَ كذا نَسْلَخُه سَلْخًا وسُلُوخًا. بمعنى: خَرَجْنا منه . ومنه
قولُهم : شاةٌ مَسْلوخةٌ . بمعنى: المنزوعةُ مِن جلدِها ، المُخْرَجَةُ منه .
٧٨/١٠
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٧٥٠/٦ (٩٢٣٩، ٩٢٤٣) من طريق يزيد به إلى قوله ((مدتهم)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٥/٤ عن العوفى عن ابن عباس به إلى قوله: ((الآخر)).
٣٤٣
سورة التوبة : الآية ٥
ويعنى بالأشهرِ الحُم ؛ ذا القَعْدةِ، وذا الحِجَّةِ ، والمحرَّمَ .
وإنما أُرِيدَ فى هذا الموضعِ انسلاخُ المحرَّمِ وحدَه؛ لأن الأذانَ كان بـ((براءةَ)) يومَ
الحَجِّ الأكبرِ . فمعلومٌ أنهم لم يكونوا أجَّلوا الأشهرَ الحرمَ كلَّها - وقد دلَّلنا على صحةٍ
ذلك فيما مضى - ولكنه لمَّا كان مُتَّصِلًا بالشهرَين الآخرين قبلَه الحرامين، و كان هو
لهما ثالثًا، وهى كلُّها مُتَّصِلٌ بعضُها ببعضٍ، قيل: فإذا انسلَخ الأشهرُ الحرمُ .
ومعنى الكلام: فإذا انقَضَت الأشهرُ الحرمُ الثلاثةُ على الذين لا عهدَ لهم، أو
عن الذين كان لهم عهدٌ فنَقَضوا عهدَهم بمظاهرتِهِم الأعداءَ على رسولِ اللَّهِ وعلى
أصحابِهِ، أو كان عهدُهم إلى (غيرِ أجلٍ() معلومٍ .
◌ٍ فَقِّئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: فَاقْتُلُوهم ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. يقولُ:
حيثُ لَقِيتُموهم مِن الأرضِ، فى الحَرَمِ وغيرِ الحَرَمِ ، فى الأشهرِ الحُرُمِ وغيرِ الأشهرِ
الحُرُمِ، ﴿وَخُذُوهُمْ﴾. يقولُ: وأُسِرُوهم، ﴿ وَأَحْصُرُوهُمْ﴾. يقولُ: وامْتَعوهم مِن
التصرفِ فى بلادِ الإسلامِ ودخول مكةَ، ﴿ وَأَقْعُدُ واْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. يقولُ:
وافْعُدوا لهم بالطَّلَبِ لقَتْلِهِم أو أشْرِهم ﴿كُلَّ مَْصَدٍ﴾. يعنى: كلَّ طريقٍ
ومَرْقَبٍ، وهو مَفْعَلٌ مِن قولِ القائلِ: رَصَدتُ فلانًا أَرْصُدُه رَصْدًا، بمعنى: رَقَبْتُه .
﴿فَإِن تَابُواْ﴾. يقولُ: فإِن رَجَعُوا عما هم (٢) عليه مِن الشِّرْكِ باللَّهِ وُجُودٍ
نُبِوَّةٍ نبيِّه محمدٍ عَِّ، إلى تَوحيدِ اللَّهِ وإخلاصِ العبادةِ له، دونَ الآلهةِ والأنْدادِ ،
والإقرارِ بِنُبَّةِ محمدٍ عَّهِ، ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾. يقولُ: وَأَدَّوْا ما فَرَض اللَّهُ عليهم
مِن الصلاةِ بحدودِها وأعْطَوُا الزَّكَاةَ التى أوجبها اللَّهُ عليهم فى أموالِهِم أهلها، ﴿فَخَلُّواْ
(١ - ١) فى م: ((أجل غير)).
(٢) فى م: ((نهاهم)).
٣٤٤
سورة التوبة : الآية ٥
سَبِيلَهُمْ﴾. يقولُ: فدَعُوهم يَتَصَرَّفون فى أَمْصارٍكم، ويدخلون البيتَ الحرامَ ﴿إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن تابَ مِن عبادِه، فأنابَ إلى طاعتِه بعدَ الذى كان عليه مِن
معصيته ، ساتِرٌ على ذَتْبِهِ ، رحيمٌ به أن يُعاقِبَه على ذُنُوبِهِ السالفةِ قبلَ توبتِه بعدَ التوبةِ .
وقد ذكرنا اختلافَ المُخْتلِفِين فى الذين أُجّلوا إلى انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ .
وبنحوِ ما قُلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ الأَعْلَى بُ واصلِ الأشْدِىُّ، قال: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال:
أخبرنا أبو جعفرِ الرَّازِىُّ عن الربيع، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَ لِ: ((مَن فارَقَ
الدنيا على الإخلاصِ للَّهِ وحدَه وعبادِه لا يُشْرِكُ به شيئًا ، فارَقَها واللَّهُ عنه راضٍ» .
قال : وقال أنس: هو دِينُ اللَّهِ الذى جاءت به الرسلُ، وبَلَّغُوه عن ربِّهم ، قبلَ هَرْجُ
(١)
الأحاديثِ واختلافِ الأهواءِ، وتصديقُ ذلك فى كتابِ اللَّهِ فى آخرٍ ما أنزل اللَّهُ، قال
اللَّهُ: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَّوْاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾. قال : توبتُهم؛
خَلْعُ الأوثانِ وعبادةُ ربِّهم ، وإقامُ الصلاةِ ، وإيتاءُ الزكاةِ ، ثم قال فى آيةٍ أخرى :
﴿ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِ اُلِيْنِ﴾(١).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قوله: ﴿فَإِذَا
(١) الهرج: كثرة الكذب . التاج (هـ رج) .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٤/٤ عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى - كما فى الدر المنثور ٢١٣/٣ ومن طريقه
الضياء فى المختارة (٢١٢٢) - وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٣/٦ (٩٢٧٢)، والحاكم ٣٣٢/٢ من طريق
عبيد الله بن موسى به، وأخرجه ابن ماجه (٧٠)، والحارث بن أبى أسامة فى مسنده (٧ - بغية)، وابن نصر فى
كتاب الصلاة - كما فى تفسير ابن كثير - والحاكم ٣٣٢/٢، والبيهقى فى الشعب (٦٨٥٦)، والضياء
(٢١٢٧،٢١٢٣)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (١٥٤٩) من طريق أبى جعفر به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور إلى ابن نصر والبزار وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .
٣٤٥
سورة التوبة : الآية ٥
اُنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُّمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾ حتى ختَم آخِرَ الآيةِ .
وكان قتادةُ يقولُ: خَلُّوا سبيلَ/ مَن أمَركم اللَّهُ أن تُخَلُّوا سبيلَه، فإنما الناسُ ثلاثَةُ ٧٩/١٠
رَهْطٍ : مسلمٌ عليه الزكاةُ ، ومُشْرِكٌ عليه الجِزْیةُ ، وصاحبُ حربٍ یأمَنُ بتجارته فى
المسلمين إذا أعطَى عُشُورَ مالِهِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ لَلْحُرُمُ ﴾، وهى الأربعةُ التى عَدَدتُ لك. يعنى:
عشرين مِن ذى الحِجَّةِ، والمُحُوَّمَ، وصفرَ، وربيعًا الأوَّلَ، وعشرًا مِن شهرٍ ربيعٍ
(٢)
الآخِرِ(٢).
وقال قائلو هذه المقالة: قيل لهذه الأشهرِ الحرمُ؛ لأن اللَّهَ، عزَّ وجلَّ، حَرَّم على
المؤمنين فيها دماءَ المُشْرِكين والعَرْضَ لهم إلا بسبيلٍ خيرٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ ◌ُجُرَيجٍ، عن
إبراهيمَ بنِ أبى بكرٍ ، أنه أخبرَه، عن مجاهدٍ وعمرو بنِ شعَيبٍ فى قوله: ﴿فَإِذَا
أَنْسَلَخَ آلْأَشْهُ الْحُرُ﴾ أنها الأربعةُ التى قال اللَّهُ: ﴿فَسِيحُواْ فِ الْأَرْضِ﴾. قال:
هى الحُمُ؛ مِن أَجْلِ أنهم أَومِنوا فيها حتى يَسِيحوها (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿بَرَآءَةٌ
فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةً
مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٥/٦ (١٠٠٨٣) من طريق يزيد به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٢/٦ (٩٢٥١) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٦٣، ٣٦٤ بمعناه ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤٦/٦ (٩٢٢٠)، وذكره
ابن كثير فى تفسيره ٥٣/٤ عن مجاهد وعمرو بن شعيب .
٣٤٦
سورة التوبة : الآيتان ٦،٥
أَشْهُرٍ﴾. قال: ضُرِب لهم أجلٌ أربعةُ أشهرٍ ، وَبَوَأَ مِن كلِّ مُشْرِكٍ. ثم أمَر إذا
انسَلَخَت تلك الأشهرُ الحُمُ؛ ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَأَحْصُرُوهُمْ وَآَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَنْصَدٍ﴾ ، لا تَتْؤُكُوهم يَضْرِبون فى البلادِ ، ولا
يَخْرُجون للتجارةِ، ضَيِّقُوا عليهم، بعدَها (١) أُمَر بالعَقْوِ؛ ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ
وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١.
حدَّثنا ابنُّ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إِسحاقَ: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ
اَلْهُمُ﴾. يعنى: الأربعةَ التى ضرَب اللَّهُ(١) لهم أَجَلًا لأهل العهدِ العامّ مِن المشركين
فاقْتُلُوهُمْ ﴿ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾
الآية(٤) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ
٦
كَمَ اَللَّهِ ثُمَّ أَبِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه: وإن اسْتَأْمَنَك، يا محمدُ ، مِن المشركين الذين أمَرْتُك
بقتالِهِم وقَتْلِهِم بعدَ انسلاخ الأشهرِ الحُرُم أحدٌ ليَسْمَعَ كلامَ اللَّهِ منك، وهو القرآنُ
الذى أَنزَله اللَّهُ عليه، ﴿فَاَجِرُهُ﴾. يقولُ: فَأَمَّنْه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾، وتَتْلُوَه
عليه ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. يقولُ: ثم رُدَّه بعدَ سَماعِه كلامَ اللَّهِ إِنْ هو أَتَى أن يُسْلِمَ،
ولم يَتَّعِظْ بما تَلَوتَه عليه مِن كلامِ اللَّهِ، فيؤَمَّن إلى ﴿ مَأْمَنَهُ﴾. يقولُ: إلى حيثُ
يأمَنُ منك وممن فى طاعتِك، حتى يَلْحَقَ بدارِه وقومِه مِن المشركين. ﴿ ذَلِكَ بِأَهُمْ
(١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((بعدما)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٣/٦ (٩٢٦٩، ٩٢٧٠) من طريق أصبغ عن ابن زيد .
(٣) سقط من: ص، ت١، ت٢، س، فى .
(٤) سيرة ابن هشام ٥٤٤/٢، تفسير البغوى ١٣/٤.
٣٤٧
سورة التوبة : الآية ٦
قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: تَفْعَلُ ذلك/ بهم مِن إِعْطائِك إِيَّاهم الأَمانَ لَيَسْمَعوا ٨٠/١٠
القرآنَ ، وَرَدِّكْ إِيَّهم - إذا أَبَوُا الإِسلامَ - إلى مَأْمَنِهم، مِن أجلِ أنهم قومٌ جَهَلَّةٌ لا
يَفْقَهون عن اللَّهِ حُجَّةً ، ولا يَعْلَمون مالَهم بالإِيمانِ باللَّهِ لو آمَنوا ، وما عليهم مِن الوِزْرِ
والإِثمِ بتَزْكِهم الإيمانَ باللَّهِ .
وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
أُسْتَجَارَكَ﴾. أى: مِن هؤلاء الذين أمَوْتُك بقتالِهِم، ﴿فَأَجِرَهُ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ أمَّا كَلَامُ اللَّهِ فالقرآنُ(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نَجِيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾. قال: إنسانٌ
يَأْتِيك فيَسمَعُ ما تقولُ، ويَسمَعُ ما أُنْزِل عليك، فهو آمِنٌ حتى يَأْتِيَك فيَسْمَعَ كلامَ
اللَّهِ ، وحتى يَبْلُغَ مَأْمَنَه حيثُ جاءَ(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوه .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ ، قال : خرَج
(١) سيرة ابن هشام ٥٤٤/٢ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٥/٦ (١٠٠٨٨) من طريق أسباط به.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س: ((جاءه)). والأثر فى تفسير مجاهد ص٣٦٤ . ومن طريقه ابن أبى حاتم
٦/ ١٧٥٥، ١٧٥٦، وأخرجه أيضًا ١٧٥٥/٦ من طريق ابن أبى نجيح به .
٣٤٨
سورة التوبة : الآية ٦
رسولُ اللَّهِ وَظَمِ غازِيًا، فَلَقِى العدوَّ، وأخرَج المسلمون رجلًا مِن المشركين، وأُشْرَعوا
فيه الأَسِنَّةَ، فقال الرجلُ: ارفَعُوا عنى سلاحَكم، وأَسْمِعونى كلامَ اللَّهِ تعالى .
فقالوا: تَشْهَدُ أن لا إلهَ إلاّ اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وتَخْلَعُ الأَنْدادَ، وتَبَوَّأَ
مِن اللَّتِ والعُزَّى. فقال: فإنى أَشْهِدُكم أنى قد فعَلتُ .
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، فى قوله: ﴿ثُمَّ
أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. قال: إن لم يُوافِقْه ما تقصُّ(١) عليه وتُحَدِّثُه، فَأَتْلِغْه. قال : وليس هذا
(٢)
بمنسوخٍ().
واختُلِف فى حكم هذه الآيةِ، هل هو منسوخٌ أو هو غيرُ منسوخٍ ؟
فقال بعضُهم : هو غيرُ منسوخٍ. وفد ذكّرنا قولَ مَن قال ذلك .
وقال آخرون : هو منسوخٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن جُوَییٍ ،
عن الضحاكِ: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، نسَخَتها: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ
وَإِمَّا فِدَآءَ﴾(١) [محمد:
قال : ثنا سفيانُ، عن الشُّدِّىِّ مثلَه(٤) .
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ف: ((تقول)) وكتب عليه فى ص: ((ط))، والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٦/٦ (١٠٠٩١) من طريق أصبغ عن ابن زيد به .
(٣) ذكره النحاس فى ناسخه ص ٤٩٣، وابن كثير فى تفسيره ٥٥/٤ .
(٤) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ٣٠٠، وابن الجوزى فى النواسخ ص ٤٦٧، ٤٦٨ من طريق
سفيان به ولكن فيه أن قوله تعالى: ((فاقتلوا المشركين ... )) هو الناسخ لقوله: ((فإما منا بعد وإم فداء))، وذكره
النحاس فى ناسخه ص ٤٩٣، وابن كثير فى تفسيره ٥٥/٤ عن السدى .
٣٤٩
سورة التوبة : الآيتان ٧،٦
وقال آخرون: بل نسَخ قوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ قولَه: ﴿ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَا
فِدَآءُ ﴾ .
٨١/١٠
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عَبْدَةُ بنُ سُليمانَ، عن ابنٍ أبِى عَروبةَ ، عن قتادةَ
﴿ حَّةٍ إِذَا أَنْخَتُوُهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ﴾ نسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ (١).
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى ، قولُ مَن قال : ليس ذلك
بمنسوخٍ. وقد دلَّنا على أن معنى النَّشْخِ، هو نَفْئُ محُكْمٍ قد كان ثُبَت بِحُكْمٍ آخَرَ
غيره، ولم تَصِحَّ حُكَّةٌ بوجوبٍ محُكْمِ اللَّهِ فى المشركين بالقَتْلِ بكلِّ حالٍ ، ثم نسخه
بتَزْكِ قتلِهِم على أَخْذِ الفِداءِ، ولا على وَجْهِ المَنِّ عليهم .
فإِذا كان ذلك كذلك، وكان الفِداءُ والَنَّ والقَتْلُ لم يَزَلْ مِن حكم رسولِ اللَّهِ
عَ لِ فيهم مِن أوَّلِ حربٍ حارَبهم - وذلك مِن يومٍ بدرٍ - كان معلومًا أن معنى الآية :
فاقْتُلُوا المشركين حيثُ وَجَدْتُوهم، وخُذُوهم(٢) للقتلِ أو المَنِّ أو الفِداءِ
واحْصُروهم. وإذا كان ذلك معناه، صَعَّ ما قُلنا فى ذلك دونَ غيرِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ
رَسُولِ إِلَّ الَّذِينَ عَهَدَتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَِّ فَمَا أُسْتَقَدَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
٠
٧
يقولُ تعالى ذكره: أَنَّى يكونُ، أيُّها المؤمنون باللّهِ ورسولِه، وبأىِّ معنَى،
(١) أخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص٤٦٧ من طريق سعيد بن أبى عروبة به .
(٢) بعده فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((ليسوا)).
٣٥٠
سورة التوبة : الآية ٧
يكونُ للمشركين بربِّهم عهدٌ وذِمَّةٌ عندَ اللَّهِ وعندَ رسولِه، يُوَنَّى لهم به ، ويُتْرَ كوا مِن
أجلِه آمِنِين يَتَصَرَّفون فى البلادِ؟ وإنما معناه: لا عهدَ لهم ، وأن الواجبَ على المؤمنين
قَتْلُهم حيثُ وَجَدوهم ، إلا الذين أُعْطُوا العهدَ عندَ المسجدِ الحرامِ منهم ، فإن اللَّهَ ،
جلَّ ثناؤه، أَمَر المؤمنين بالوفاءِ لهم بعَهْدِهم، والاستقامةِ لهم عليه ، ما دامُوا عليه
للمؤمنين مُسْتَقِيمِين .
واختلف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بقولِه: ﴿إِلََّّ الَّذِينَ عَهَدُثُمْ عِندَ
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ﴾.
فقال بعضُهم: هم قومٌ ( مِن جَذِيمةَ بنِ الدُّئِلِ) .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِ إِلَّا الَّذِينَ
عَهَدُثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْخَرَِّ فَمَا أَسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾: هم بنو
جذِيمةً بنِ الدُئِلِ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ مُجرَيجٍ، عن
محمدِ بنِ عَبَّادِ بنِ جعفرٍ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: هم
(١ - ١) فى تفسير ابن أبى حاتم ١٧٥٦/٦: ((جذيمة بن فلان)) وفى الدر المنثور ٢١٤/٣: ((خزيمة بن
فلان)). والمثبت موافق لما فى البحر المحيط ١٢/٤؛ ولم أجد هذه القبيلة فى أنساب العرب، والأقرب أنها:
(( جذيمة بن عامر بن عبد بن مناة بن كنانة أولاد عم لبنى الدئل بن بكر بن عبد مناة». وينظر جمهرة أنساب
العرب ص ١٨٤، ١٨٧. وينظر طبعة شاكر ١٤١/١٤.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٦/٦ (١٠٠٩٤) من طريق أحمد بن مفضل به.
٣٥١
سورة التوبة : الآية ٧
جَذِيِمةُ بكرٍ(١) كنانةً(٢) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ
لِلْمُشْرِكِينَ﴾ "الذين كانوا هم(٤) وأنتم على العهدِ العامّ، بأن لا تُخِيفوهم ولا
يُخِيفوكم فى الحُرمةِّ ولا فى الشهرِ الحرامِ " ﴿عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِ إِلَّا
الَّذِينَ عَهَدَثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾. وهى قبائلُ بنى بكرٍ، الذين كانوا دخَلوا
فى عهدِ قريشٍ وعَقْدِهم يومَ الحُدَيبيةِ، إلى المدةِ التى كانت بينَ رسولِ اللهِ مَّه وبينَ
قريش ، فلم يكنْ نقَضها إلا هذا الحىُّ مِن قريشٍ، وبنو الدُّئلِ مِن بكرٍ . فأُمِر بإتمامٍ
العهدِ لمن لم يكنْ نقَض عَهْدَه مِن بنى بكرٍ إلى مُدَّتِه. ﴿فَمَا أُسْتَقَامُواْ لَكُمْ﴾
.(٦)
الآية (٦).
٨٢/١٠
وقال آخرون : هم قریشٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيج ، قال : قال
ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّ الَّذِينَ عَهَدَثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ﴾: هم قريشٌ(٧).
(١) بعده فى م: ((من).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٠/٦ (٩٢٤٠) من طريق حجاج به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢١٢/٣ إلى أبى الشيخ وابن المنذر .
(٣ - ٣) سقط من : ف .
(٤) سقط من النسخ ، والمثبت من مصدر التخريج .
(٥ - ٥) فى م: ((لا تمنعوهم ولا يمنعوكم من الحرم)).
(٦) سيرة ابن هشام ٥٤٤/٢ .
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤٩/٦ (٩٢٣٨) من طريق ابن جريج، أخبرنى سليمان عن محمد
ابن عباد بن جعفر، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
٣٥٢
سورة التوبة : الآية ٧
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَِّ﴾. يعنى: أهلَ مكةً(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدَثُمْ عِندَ الْمَسِْدِ الْخَرَامِ﴾. يقولُ: هم
قومٌ كان بينهم وبينَ النبيِّ مَّمِ مُدَّةٌ ، ولا ينبغى لُشْرِكٍ أَن يَدْخُلَ المسجد الحرامَ، ولا
يُعْطِىَ المسلمَ الجِزْيَةَ ﴿ فَمَا أَسْتَقَدَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. يعنى: أهلَ العهدِ مِن
المشركين .
حدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِلَّا
الَّذِينَ عَهَدُ ثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ فَمَا أَسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. قال:
هؤلاء قريشّ(٢) .
وقد نَسَخ هذا الأشهرَ التى ضُرِبت لهم، وغَدَروا بهم فلم يَسْتَقِيموا، كما قال
اللَّهُ، فضَرَب لهم بعدَ الفتح أربعةً أشهرٍ ، يَخْتارون مِن أمرِهم؛ إِمَّا أن يُسْلِموا، وإمّا
أن يَلْحَقوا بأىِّ بلادٍ شاءوا. قال: فأسْلَموا قبلَ الأربعةِ الأشهرِ، (٣ وقبلَ قتلٍ).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ عن قتادةَ
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ فَمَا أَسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾.
قال: (*هو يومُ الحديبيةِ"، قال: فلم يَسْتَقِيموا، نَقَضوا عهدَهم ؛ أعانوا بنى بكرٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٧/٦ من طريق أبى صالح به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٧/٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد .
(٣ - ٣) فى م: ((وقبل وقبل))، وفى ص، ت١، ت٢، س: بدون نقط.
(٤ - ٤) فى ص: ((هم الحديبية))، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: ((هم يوم الحديبية))، وفى م: (( هم قوم
جذيمة)) ، والمثبت من مصدر التخريج .
(٥) بعده فى م: (( أى )) .
٣٥٣
سورة التوبة : الآية ٧
حِلْفَ قريشٍ، على خُزاعةً حِلْفِ النبىِّ عَ(١).
وقال آخرون : هم قومٌ مِن خُزاعةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةً، عن ابن
لُجُرَيج، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: أهلُ
العهدِ مِن خُزاعةً(٢) .
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندى ، قولُ مَن قال : هم بعضُ
بنى بكرٍ مِن كنانةَ ، ممن كان أقامَ على عهدِه ، ولم يكنْ دخَل فى نقضٍ ما كان بينَ
رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ(١) يومَ الحُدَيبيةِ مِن العهدِ مع قريشٍ، حينَ نقَضُوه بمعونتِهم حلفاءَهم
مِن بنى الدُّئِلِ، على حلفاءِ رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ مِن خزاعةً.
وإنما قلتُ : هذا القولُ أَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابٍ ؛ لأن اللَّهَ أمَر نبيَّه
والمؤمنين بإتمامِ العهدِ لمن / كانوا عاهَدوه عندَ المسجد الحرام، ما استقاموا على ٨٣/١٠
عهدهم .
وقد بيَّنَّا أن هذه الآياتِ ، إنما نادَى بها علىِّ فى سنةٍ تسع مِن الهجرةِ ، وذلك
بعدَ فتح مكةً بسنةٍ، فلم يكنْ بمكةَ مِن قريشٍ ولا خُزاعةً كافرٌ يومَئذٍ بينَه وبينَ
رسولِ اللَّهِ مَِّ عهدٌ، فَيُؤْمَرَ بالوفاءِ له بعهدِه ما اسْتَقَامَ على عهدِه؛ لأن مَن كان
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٧/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به ، وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ٢٦٧/١، ٢٦٨ عن معمر به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٣ بنحوه، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤٦/٦، وسبق تخريجه.
(٣) بعده فى م: ((وبين قريش)).
( تفسير الطبرى ٢٣/١١ )
٣٥٤
سورة التوبة : الآيتان ٧، ٨
منهم مِن ساكِنى مكةً، كان قد نقَض العهدَ، وحُورِب قبلَ نزولِ هذه الآياتِ .
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. فإن معناه: إن اللَّهَ يُحِبُّ مَن اتَّقَى
اللَّهَ وراقَبه فى أداءٍ فَرائضِه والوفاءِ بعهدِه لمن عاهَده، واجْتِنابِ مَعاصِيه، وتَوْكِ الغَدْرِ
بعهوده لمن عاهده .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا
زِمَّةٌ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَِهِمْ وَتَأْتَ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: كيف يكونُ لهؤلاء المشركين الذين نقَضُوا عهدَهم ، أو
لمن لا عهدَ له منهم منكم، أيُّها المؤمنون عهدٌ وذِمَّةٌ، وهم ﴿إِن يَظْهَرُوا
عَلَكُمْ﴾ يَغْلِبُوكم، ﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ﴾ .
واكْتُفِى بـ ((كيف)) دليلًا على معنى الكلامِ؛ لتقدُّمِ ما يرادُ مِن المعنى بها
قبلَها. وكذلك تَفْعَلُ العربُ ، إذا أعادَت الحرفَ بعدَ مُضِيٍّ معناه ، استَجازوا حَذْفَ
الفعلِ، كما قال الشاعرُ(١):
وَحَتَّوْتُمانى أَّما الموتُّ فى القُرَى فِيكَفَ وَهَذِى هَضْبَةٌ وكَثِيبُ
فحَذَف الفعلَ بعدَ ((كيف)) لِتَقدُّمِ ما يرادُ بعدَها قبلَها. ومعنى الكلامِ:
فكيف يكونُ الموتُ فى القُرَى، وهذى هَضْبةٌ وكَثِيبٌ، لا يَنْجُو فيهما منه
أحدٌ ؟
واختَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا زِمَّةٌ ﴾ ؛ فقال
بعضُهم: معناه : لا يَرْقُّبُوا اللَّهَ فيكم ولا عهدًا .
(١) هو كعب بن سعد الغنوى، كما فى معانى القرآن للفراء ٤٢٤/١، والبيت فى الاختيارين للأخفش
ص٧٥٨، والأصمعيات ص ٩٧، وجمهرة أشعار العرب ٧٠٩/٢، باختلاف فى الألفاظ .
٣٥٥
سورة التوبة : الآية ٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابنٍ أبى تَجِيحٍ، عن مجاهدٍ :
﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّ﴾. قال: اللَّهُ(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن سليمانَ، عن أبى مِجْلَزِ فى قولِه :
﴿لَا يَقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّ وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] قال: مثلُ(١) قولِه : جَبْرائيلُ
ميكائيلُ إِشْرافيلُ. كأنه ("يقولُ: يضيف٢ُ جَبْرَ ومِيْكا وإشرافَ إلى ((إِيل)). يقولُ عبدُ
اللَّهِ ﴿لَا يَرْقُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا﴾. كأنه يقولُ: لا يَزْقُبُون اللَّهَ .
/حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنى محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنٍ ٨٤/١٠
أبى تَجِيحِ، عن مجاهدٍ ﴿إِلَّ وَلَا ذِمَّةٌ﴾: لا يُراقِبون(٤) اللَّهَ ولا غيرَه(٥).
وقال آخرون : الإِلُّ (٦): القرابةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى المُثَنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِىِ مُؤْمِنٍ إِلَّ وَلَا ذِمَّةً﴾. يقولُ: قَرابةٌ ولا عَهْدًا .
ج
(١) تفسير الثورى ص ١٢٣، ومن طريقه أبو نعيم فى الحلية ٣/ ٢٨٥، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
١٧٥٨/٦ من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) سقط من: ص ، ت١ ، ت٢ ، س، ف .
(٣ - ٣) فى ص، ت٢، ف: ((يقال جبر نصف)). وفى م: ((يقال يضاف جبر))، وفى ت ١: (( يقول جبر
نصف جبر)) .
(٤) فى م: ((يرقبون)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٨/٦ من طريق محمد بن ثور ، به . وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره
٢٦٨/١ عن معمر به .
(٦) فى ص: ((الإيل)).
٣٥٦
سورة التوبة : الآية ٨
وقولُه: ﴿وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّ وَلَا زِمَّةٌ ﴾ . قال : الإِلَّ: يعنى
القَرابةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ ﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّ وَلَا زِمَّةٌ﴾. الإِلَّ القَرابةُ، والذِّمَّةُ العهدُ -
يعنى : أهلَ العهدِ مِن المشركين - يقولُ: ذِمَّتَهم .
حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا أبو معاويةَ وعَبْدةُ، عن جويبٍ(٢)، عن الضَّحَّاكِ :
الإِلُّ القَرابةُ(٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن
سَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ : ﴿لَا يَّقُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا
ج
ذِمَّةٌ ﴾ [التوبة: ١٠]. قال: الإِلُّ القَرابةُ، والذمةُ العهدُ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ
سُليمانَ ، قال: سَمِعتُ الضََّّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿لَا يَرَقُبُونَ فِىِ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا
ذِمَّةٌ﴾ . الإِلُّ القَرابةُ، والذِّمَّةُ الميثاقُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيَكُمْ﴾: المشركون: ﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ ﴾
عهدًا ولا قَرابةً ولا ميثاقً(٤) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٨/٦ من طريق الضحاك عن ابن عباس .
(٢) فى م : (( حوشب)).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٨/٦ معلقا .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٧/٦ من طريق أحمد بن مفضل به .
٣٥٧
سورة التوبة : الآية ٨
وقال آخرون : معناه : الحِلْفُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
لا
يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةً﴾. قال: الإِلُّ الحِلِفُ، والذِّمَّةُ العهدُ(١).
وقال آخرون: الإلُّ: هو العهدُ، ولكنه كُرِّرِ لمَّاً اختَلَف اللفظان ، وإن كان
معناهما واحدًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلََّ﴾. قال: عهدًا (٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَا
يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ﴾. قال: لا يَرْقُبُوا فيكم عهدًا ولا ذِمَّةً . قال: إحداهما مِن
صاحبتِها كهيئةٍ غفور رحيم ، قال: فالكلمةُ واحدةٌ ، وهى تَفْترِقُ . قال: والعهدُ هو
الذِّئَةُ(٣) .
حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا
ذِمَّةٌ﴾ . قال: العهدُ.
/حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن خُصَيفٍ، عن ٨٥/١٠
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٨/١، وابن أبى حاتم - مختصرًا - فى تفسيره ١٧٥٨/٦ من طريق
معمر عن قتادة .
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٥ ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٨/٦.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٨/٦ معلقا .
٣٥٨
سورة التوبة : الآية ٨
مجاهدٍ : ﴿ وَلَا ذِمَّةٌ﴾. قال : الذمةُ العهدُ.
قال أبو جعفر : وأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ : إن الله تعالى ذكرُه
أخبرَ عن هؤلاء المشركين الذين أمَر نبيّه والمؤمنين بقَتْلِهم بعدَ انسلاخ الأشهرِ الحُزُم،
وحَضرِهم والقعودِ لهم على كلِّ مَرْصَدٍ - أنهم لو ظهَروا على المؤمنين لم يَرْقُبوا فيهم
إِلَّا﴾. والإلَّ: اسمٌ يشتملُ على مَعانٍ ثلاثةٍ: وهى العهدُ والعقدُ، والحلفُ،
والقَرابةُ ، وهو أيضًا بمعنى اللّهِ. فإذْ (١ كانت الكلمةُ تشملُ" هذه المعانىَ الثلاثةَ، ولم
يكن اللَّهُ خَصَّ مِن ذلك معنى دونَ معنًى ، فالصوابُ أَن يَعُمَّ ذلك، كما عَمَّ بها جلّ
ثناؤه، معانيَها الثلاثةَ ، فيقالَ: لا يَوْقُبُون فى مؤمنِ اللَّهَ، ولا قرابةً ، ولا عهدًا ، ولا
ميثاقًا .
ومن الدلالةِ على أنه يكونُ بمعنى القرابةِ، قولُ ابنِ مُقْبِلٍ(٢) :
أَفْسَدَ الناسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا قَطَعُوا الإِلَّ وَأَعْرَاقَ الرَّحِمْ
بمعنى : قَطَعوا القَرابةَ، وقولُ حسان بن ثابتٍ (١) :
كإِلِّ الشَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامُ
(٥)
لَعَمْرُكَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرِيشٍ
وأما معناه إذا كان بمعنى العهدِ، فقولُ القائلِ(٩) :
(١ - ١) فى ص، ف: ((فإن كان ذلك كله شمل)). وفى ت١، ت٢، س: ((فإن كان ذلك كلمة
يشمل)).
(٢) ينظر التبيان ٥/ ١٧٨.
(٣) ديوانه ص ١٠٥ .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((فى)). والمثبت موافق لما فى مصدر التخريج.
(٥) السقب : ولد الناقة الذكر حين يولد، والأنثى حائل والرأل ولد النعام . ديوانه الموضع السابق.
(٦) ينظر التبيان ١٧٨/٥.
٣٥٩
سورة التوبة : الآيتان ٨، ٩
وَذُو الإِلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ
وَجَدْناهُمُ كَاذِبًا إِنُّهُمْ
وقد زعم بعضُ مَن يُنْسَبُ إلى معرفةٍ كلامِ العربِ مِن البَصْريين(١): أن الإِلَّ
والعهدَ والميثاقَ واليمينَ واحدٌ (١)، وأن الذمةَ فى هذا الموضع، التَّذَُّ ممن لا عهدَ له،
والجمعُ: ذِمٌ .
وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ : عتَى بهذه الآيةِ أهلَ العهدِ العامّ .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا
عَلَيَكُمْ﴾. أى: المشركون الذين لا عهدَ لهم إلى مُدَّةٍ مِن أهلِ الشركِ(٣) العالم
﴿لَا يَزْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ﴾(٤).
فأمَّا قولُه: ﴿ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَرِهِهِمْ﴾. فإنه يقولُ: يُعْطُونكم بألسنتِهم مِن
القولِ خلافَ ما يُضْمِرُونه لكم فى نفوسِهم مِن العداوةِ والبغضاءِ، ﴿ وَتَأْبَ
قُلُوبُهُمْ﴾ أى: تأتى عليهم قُلوبُهم أن يُذْعِنُوا لكم، بتَصْدِيقِ ما يُتْدُونه لكم
بألسنتِهم. يُحَذِّرُ جلَّ ثناؤُه أمرَهم المؤمنين، ويَشْحَذُهم على قَتْلِهم واجْتِياحِهم،
حيثُ وُجِدوا مِن أرضِ اللَّهِ، وأن لا يُقَصِّروا فى مَكْروهِهم بكلِّ ما قَدَرُوا عليه ،
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ﴾. يقولُ: وأكثرهم مخالفون عهد كم، ناقضون له،
کافِرون بربّهم ، خارجون عن طاعتِه .
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿اشْتَرَوْاْ بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ: ٨٦/١٠
إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٩
(١) هو أبو عبيدة كما فى مجاز القرآن ٢٥٣/١.
(٢) سقط من: ص ، ت١ ، ت٢ ، س ، ف .
(٣) فى م: ((العهد)). والمثبت موافق لما فى السيرة .
(٤) سيرة ابن هشام ٥٤٤/٢ .
٣٦٠
سورة التوبة : الآيتان ١٠،٩
يقولُ جلَّ ثناؤه: ابتاعَ هؤلاء المشركون الذين أَمَركم اللَّهُ، أيُّها المؤمنون،
بقتلھم حیثُ وَجَدْتُموهم بتْ كِهم اتباعَ ما احْتَجَ اللهُ به علیهم مِن حججِه - یسیرًا مِن
العِوَضِ ، قليلاً مِن عَرَضِ الدنيا .
وذلك أنهم، فيما ذُكِر عنهم، كانوا نقَضُوا العهدَ الذى كان بينَهم وبينَ
رسولِ اللَّهِ مَ لِ بأكلةٍ أَطعَمَهموها أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أُبی
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿آُشْتَرَوَأْ بِعَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾. قال: أبو سُفيانَ
ابنُ حَرْبٍ، أطعمَ حلفاءَه، وترَك حلفاءَ محمدٍ عَ انٍ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ مجرّيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وأما قولُه: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾. فإن معناه: فمَنَعُوا الناسَ مِن الدخولِ
فى الإسلام، وحاولوا ردَّ المسلمين عن دينهم، ﴿ إِنَّهُمْ سَلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
يقولُ اللَّهُ جلّ ثناؤه : إن هؤلاء المشركين الذين وصفتُ صِفاتِهم ، ساءَ عملُهم الذى
كانوا يَعْمَلون مِن اشْتِرائِهم الكفرَ بالإيمانِ ، والضلالةَ بالهُدى ، وصَدِّهم عن سبيلِ
اللَّهِ مَن آمَن باللَّهِ ورسولِه، أو مَن أرادَ أن يُؤْمِنَ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿لَا يَقُبُونَ فِ مُؤْمِنٍ إِلَّ وَلَا ذِمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
اٌلْمُعْتَدُونَ
يقولُ تعالى ذكره : لا يَتَّقِى هؤلاء المشركون الذين أمَرْتُكم ، أيُّها المؤمنون ،
بقَتْلِهم حيثُ وَجَدْتُوهم ، فى قَتْلِ مؤمنٍ لو قَدَروا عليه ﴿ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ﴾. يقولُ:
(١) تفسير مجاهد ص ٣٦٤، ٣٦٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥٩/٦.