Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة الأنفال : الآية ٢٢
٢١٢/٩
/ ذكر من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿ اُلُُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: نفرّ من بنى
عبدِ الدارِ، لا يَتَّبعون الحقِّ(١).
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجِيحِ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿ اُلُّمُ اَلْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: لا يتَّبعون الحقَّ . قال:
قال ابنُ عباسٍ : هم نفرٌّ من بنى ) عبدِ الدارِ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ نحوه .
وقال آخرون: ثُنِى بها المنافقون .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ
اللَّهِ اُلُّمُّ الْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. ( أى: المنافقون الذين نهيتكم أن تكونوا
مثلَهم، بُكّم عن الخيرِ، صُمِّ عن الحقِّ)، ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا يعرِفون ما عليهم فى
ذلك من الثّقمةِ والتّباعةِ".
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧٨/٥ من طريق أبي حذيفة به، دون قوله: نفر من بنى عبد الدار،
وينظر الفتح ٣٠٧/٨.
(٢) سقط من: ص ، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٥٣، وأخرجه الفريابى - كما فى الدر المنثور ٧٦/٣، وعنه البخارى (٤٦٤٦) -
وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧٧/٥ من طريق ورقاء به ، دون قول مجاهد ، وعزاه السيوطى إلى ابن أبى شيبة
وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه ، دون قول مجاهد أيضًا .
(٤ - ٤) سقط من النسخ، والمثبت من سيرة ابن هشام .
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((النعمة والساعة))، وفى م: ((النعمة والسعة)). والمثبت من =

١٠٢
سورة الأنفال : الآيتان ٢٣،٢٢
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال بقولِ ابنِ عباسٍ ، وأنه عُنِى بهذه
الآيةِ مشركو قريشٍ؛ لأنها فى سياقِ الخبرِ عنهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًّا لَّأَسْمَعَهُمّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ
وَّهُم مُعْرِضُونَ
(٢٣
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من عُنِى بهذه الآيةِ وفى معناها ؛ فقال بعضُهم : ◌ُنِى بها
المشركون. وقال: معناها أنهم لو رزَقهم اللَّهُ الفَهمَ لما (١) أَنْزَله على نبيِّه ◌َلَّمِ لم يؤمنوا
به؛ لأن اللَّهَ قد حكم عليهم أنهم لا يؤمنون .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، قال: قال ابنُ جُريجٍ
قولَه: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾: ولو أسْمَعَهم لقالوا : ائْتِ بقرآنٍ غيرِ
هذا. ولقالوا : لولا اجْتَبيتَها . ولو جاءهم بقرآنٍ غيرِه لتولّوا وهم مُعْرِضون .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَوْ
أَسْمَعَهُمْ لَتُوَلَواْ وَهُمْ نُعْرِضُونَ﴾. قال: لو أَسْمَعهم بعدَ أن يعلَمَ ألا(١) خيرَ فيهم،
ما انتفَعوا بذلك، ولتولَّوا وهم مغرضون .
وحدَّثنى به مرّةً أخرى، فقال: لو علِم اللَّهُ فيهم خيرًا لأسمعهم، (٣ ولو
أُسمعهم ١) بعدَ أن(٤) يعلَمَ ألا خيرَ فيهم ما نفَعهم، بعد أن نفَذ علمُه بأنهم لا
= سيرة ابن هشام، والأثر فيها ١ / ٦٦٩.
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((بما)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((لا)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ألا)).

١٠٣
سورة الأنفال : الآيتان ٢٣، ٢٤
ينتفعون به(١).
(١)
وقال آخرون : بل عُنى بها المنافقون . قالوا: ومعناه ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ ،
ـمَعَهُمْ ﴾ .٢١٣/٩
قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ / خَيْرًّا لَّأَسْمَعَهُمَّ
أى(٢): لأَنْفَذ لهم قولَهم الذى قالوا بألسنتِهم ، ولكنَّ القلوبَ خالفت ذلك منهم، ولو
خرجوا معكم لتولَّوا وهم معرضون، ( ماوفَوا لكم بشىءٍ(٤) مما خرَجوا عليه (٥).
وأولى القولين (١) فى تأويلٍ ذلك بالصوابِ عندى ما قال ابنُ جُریج وابنُ زیدٍ ؛ لما
قد ذكرنا قبلُ من العلةِ ، وأن ذلك ليس من صفةِ المنافقين .
فتأويلُ الآيةِ إذن: ولو علِم اللَّهُ فى هؤلاء القائلين (٧ خيرًا لأَسْمَعهم) مواعظَ
القرآنِ وعبرَه ، حتى يعقِلوا عن اللَّهِ عزّ وجلّ حججَه منه، ولكنه قد علم أنه لا خيرَ
فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاءَ فهم لا يؤمنون ، ولو أَفْهَمهم ذلك حتى يعلموا
ويفهَموا لتولّوا عن اللَّهِ وعن رسولِه وهم معرضون عن الإيمانِ بما دلَّهم على حقيقته(٨
مواعظُ اللَّهِ وعبرُه وحُجَجُه، معاندون للحقِّ بعدَ العلمِ به.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ
لِمَا يُحِيكُمْ﴾
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧٩/٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧٦/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أن)) .
(٣ - ٣) فى النسخ: ((فأوفوا)). والمثبت من سيرة ابن هشام.
(٤) فى النسخ: ((بشر)). والمثبت من سيرة ابن هشام.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٩.
(٦) فى م: ((القول)).
(٧ - ٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((سمعنا)).
(٨) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( حجته) .

١٠٤
سورة الأنفال : الآية ٢٤
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ(١) قولِهِ: ﴿ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾؛ فقال
بعضُهم: معناه : اسْتَجِيبوا للَّهِ وللرسولِ إذا دعاكم للإيمانِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾.
قال: أمَّا ﴿ يُحْيِيكُمْ﴾ فهو (٢) الإسلامُ، أَحْيَاهم بعدَ موتِهم؛ بعدَ كفرِهم .
وقال آخرون: للحقِّ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾. قال: الحقِّ.
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾. قال: الحقِّ(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن محمدِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ
(١) سقط من ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢) فى مصدر التخريج: ((ففى)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٠/٥ من طريق أحمد بن مفضل به .
(٤) تفسير مجاهد ص ٣٥٣. ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧٩/٥.

١٠٥
سورة الأنفال : الآية ٢٤
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾. قال: للحقِّ.
وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم ("إلى ما) فى القرآنِ .
٢١٤/٩
/ذكر من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾. قال: هو هذا القرآنُ،
فيه الحياةُ والثّقَةُ(٢) () والنجاةٌ(٣) والعصمةُ فى الدنيا والآخرةِ(٤).
وقال آخرون : معناه : إذا دعاكم إلى الحربِ وجهادِ العدوِّ .
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾. أى: للحربِ الذى أعزَّكم اللَّهُ
بها بعدَ الذُّلِّ، وقوَّاكم بعدَ الضَّعْفِ، ومنَعكم بها من عدوِّكم بعدَ القهرِ منهم
(٥)
لكم(٥).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال: معناه: استجيبوا للَّهِ وللرسولِ
بالطاعةِ إذا دعاكم الرسولُ لما يُحييكم من الحقِّ . وذلك أن ذلك إذا كان معناه ، كان
(١ - ١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((ما)).
(٢) فى م: ((العفة)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٠/٥ من طريق يزيد به .
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٩. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٠/٥ من طريق ابن إدريس عن ابن إسحاق.
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٧٩/٥ من طريق سلمة عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن
عروة من قوله. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/٣ إلى ابن إسحاق وابن أبى حاتم من قول عروة أيضًا .

١٠٦
سورة الأنفال : الآية ٢٤
داخلًا فيه الأمر بإجابتهم (١) لقتالِ العدوِّ والجهادِ، والإجابةِ إذا دعاكم إلى حكمٍ
القرآنِ ، وفى الإجابةِ إلى كلِّ ذلك حياةُ المجيبِ. أما فى الدنيا، فيقالُ(١): الذكرُ
الجميلُ. وذلك له فيه (٢) حياةٌ. وأما فى الآخرةِ، فحياةُ الأَبدِ فى الجنانِ والخلودُ فيها .
وأما قولُ من قال: معناه: الإِسلامُ. فقولٌ لا معنى له؛ لأن اللَّهَ قد وصفَهم
بالإِيمانِ بقولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. فلا وجهَ لأن يقالَ
للمؤمنِ: اسْتَجِبْ للَّهِ وللرسولِ إذا دعاك(4) إلى الإسلامِ والإيمانِ .
وبعدُ ، ففيما حدَّثنا أحمدُ بنُّ المقدامِ العِجْلُ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ ، قال : ثنا
رَوْحُ بنُ القاسمِ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ، قال: خرَج
رسولُ اللَّهِ وَهِ على أَتَىّ وهو يُصلِّى، فدعاه: ((أَىْ أُتُ)). فالتفت إليه أُتَّ ولم
يُحِبْه، ثم إن أُبَّا خقَّف الصلاةَ، ثم انصرف إلى النبىِّ عَلِّ، فقال: السلامُ عليك،
أَْ رسولَ اللَّهِ. قال: ((وعليك، ما منَعك إذْ دعوتُك أن تُجيبَنى؟)) قال: يا رسولَ
اللَّهِ، كنتُ أُصلِّى. قال: ((أفلم تجِدْ فيما أُوحِىَ إلىَّ أن(٥) ﴿ أَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾؟)). قال: بلى يا رسولَ اللَّهِ، لا أعودُ(١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال : ثنا خالدُ بنُ مَخْلٍ ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، عن العلاءِ،
عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: مرَّرسولُ اللَّهِ يَِّعِ على أَتَىٌّ وهو قائمٌ يصلَّى، فصرَخ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( بإجابته)).
(٢) كذا فى النسخ، ورجح الشيخ شاكر أن يكون صوابها: ((فبقاء)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فيها)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((دعا)).
(٥) سقط من: م.
(٦) أخرجه ابن خزيمة (٨٦١) عن أحمد بن المقدام به، وأخرجه النسائى (١٢٠٥ - كبرى)، والبيهقى فى
جزء القراءة (١٠٦) من طريق يزيد به .

١٠٧
سورة الأنفال : الآية ٢٤
به " فلم يُجِبْه، ثم جاء فقال١): ((يا أُتَىُ، ما منعك أن تُجِيبَنى إذ دعوتُك، أليس اللَّهُ
يقولُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾))؟
قال أَتَىِّ: لا حَرَمَ يا رسولَ اللَّهِ، لا تدعونى إلَّا أجبتُ وإن كنتُ أُصلى(٢).
ما(٢) يُبِينُ عن أن(٤) المعنىَّ بالآيةِ هم الذين يدعوهم رسولُ اللَّهِ عَ لَه إلى ما فيه
حياتُهم بإجابتهم إليه من الحقِّ بعدَ إِسلامِهم(١)؛ لأن أبيًّا كان(٧) لا شكَّ أنه كان
مسلمًا فی الوقتِ الذى قال له النبيُ ◌ّمِ ما ذكرنا فى هذين الخبرين .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ
٢٤٦
إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
/ اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: يحولُ بينَ الكافرِ ٢١٥/٩
والإِيمانِ ، وبينَ المؤمنِ والكفرِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال :
ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ الرازىِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ :
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قال)).
(٢) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ٢١٨/٢٠ من طريق أبي كريب به مختصرًا، وأخرجه البيهقى ٢/ ٣٧٥،
٣٧٦ وفى جزء القراءة (١٠٥)، والبغوى (١١٨٨) من طريق خالد بن مخلد به، وأخرجه أحمد ٢٠٠/١٥
(٩٣٤٥)، والترمذى (٢٨٧٥)، وابن خزيمة (٨٦١)، وابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى
٢١/٢ - من طريق العلاء به .
(٣) مبتدأ تقدم خبره فى الصفحة السابقة ، وسياق الكلام: وبعد ففيما حدثنا .... ما يبين.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((بإجابته)) .
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((إسلامه)).
(٧) سقط من : م.

١٠٨
سورة الأنفال : الآية ٢٤
◌ْ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِهِ،﴾. قال: بينَ الكافرِ أن يؤمنَ، وبينَ المؤمنِ أن يكفُرَ().
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أحمدَ،
قالا : ثنا سفيانُ ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : ثنا
الثورىُّ، عن الأعمش، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ الرازىِّ، عن سعيدِ بنِ جبیٍ
(٢)
بنحوه (١ .
حدَّثنى أبو زائدةَ زكريا بنُ أبى زائدةً، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيانَ ، عن
الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه .
حدَّثنى أبو السائبِ وابنُ وكيع، قالا : ثنا أبو معاويةً ، عن المنهال ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ اٌلْمَرْءِ وَقَلِهِ، ﴾. قال: يحولُ بينَ المؤمنِ وبينَ الكفرِ، وبينَ
الكافرِ وبينَ الإِيمانِ .
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال : ثنا محمدُ بنُّ فُضيلٍ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن
عبدِ اللَّهِ الرازىِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ
وَقَلِهِ﴾: [٥٨٩٥/١] يحولُ بينَ الكافرِ والإيمانِ وطاعةِ اللَّه(٣) .
قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَحُولُ
بَيَْ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾. قال: يحولُ بينَ المؤمنِ والكفرِ ، وبينَ الكافرِ والإيمانِ (١).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ
(١) تفسير الثورى ص ١١٧ عن عبد الله الرازى بدون ذكر الأعمش!
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٥٧/١ دون ذكر عبد الله الرازى.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٠/٥ من طريق ابن فضيل به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧٦/٣ إلى ابن أبى شيبة وحشيش بن أصرم فى الاستقامة وابن المنذر وأبى الشيخ. وأوله عندهم : يحول بين
المؤمن وبين الكفر ومعاصى الله .
(٤) أخرجه الحاكم ٣٢٨/٢ من طريق الأعمش به .

١٠٩
سورة الأنفال : الآية ٢٤
وعبدُ العزيزِ بنُ أبى رؤَّادٍ ، عن الضخَّاكِ فى قولِه: ﴿ يَحُولُ بَيْنََ الْمَرْءِ وَقَلِهِ، ﴾.
قال : يحولُ بينَ الكافرِ وطاعتِه، وبينَ المؤمنِ ومعصيته (١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّاك بنِ مُزاحم
بنحوه .
قال: ثنا المحاربىُّ، عن بُجُوَيبٍ، عن الضَّاكِ، قال: يحولُ بينَ المرءِ وبينَ أن
يكفُرَ، وبينَ الكافرِ وبينَ أن يؤمنَ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبى
رؤَّادٍ، عن الضَّاكِ بنِ مزاحم: ﴿يَحُولُ بَيْنََ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾. قال: يحولُ بينَ
الكافرِ وبينَ طاعةِ اللهِ، وبينَ المؤمنِ ومعصيةِ اللَّهِ(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال : ثنا ابنُ أبى رؤَّادٍ،
عن الضَّاكِ نحوَه .
وحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال : سمِعت الضحاكَ بنَ مزاحم يقولُ . فذكر نحوه .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا الحجّاجُ بنُ مِنْهالٍ ، قال: ثنا المعتمرُ بنُّ سليمانَ ، قال:
سمِعتُ عبدَ العزيزِ / بنَ أبى رؤَّادٍ يحدِّثُ، عن الضحَّاكِ بنِ مُزاحم فى قوله: ﴿ يَحُولُ ٢١٦/٩
بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَقَلِهِ،﴾. قال: يحولُ بينَ المؤمنِ ومعصيته .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنٍ
عباسٍ: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، ﴾. يقولُ: يحولُ بينَ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨١/٥ معلقًا.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٥٧/١.

١١٠
سورة الأنفال : الآية ٢٤
المؤمنِ وبينَ الكفرِ ، ويحولُ بينَ الكافرِ وبينَ الإيمانِ .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِهِ ﴾. يقولُ:
يحولُ بينَ الكافرِ وبينَ طاعتِه، ويحولُ بينَ المؤمنِ وبينَ معصيتِه .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن ليث، عن مجاهدٍ: ﴿ يَحُولُ بَيْنَ
الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾. قال: يحولُ بينَ المؤمنِ وبينَ الكفرِ، وبينَ الكافرِ وبينَ الإِيمانِ (١).
قال: ثنا أبى، عن ابنٍ أبى رؤَّادٍ، عن الضخَّاكِ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ اُلْمَرْءِ
وَقَلْبِهِ ﴾. يقولُ: يحولُ بينَ الكافرِ وبينَ طاعتِهِ، وبينَ المؤمنِ وبينَ معصيتِه .
قال : ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن يعقوبَ القُمِّىِّ ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِهِ،﴾: يحولُ بينَ المؤمنِ والمعاصى، وبينَ الكافرِ
والإيمانِ .
قال: ثنا عبيدةُ، عن إسماعيلَ، عن أبى صالحٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ اُلْمَرْءِ
وَقَلِهِ، ﴾. قال: يحولُ بينَه وبينَ المعاصى(٢) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك : يحولُ بينَ المرءِ وعقلِهِ فلا يَدْرى ما يعمَلُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ محمدِ الفِرْيابِىُّ، قال: ثنا عبدُ المجيدِ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ يَحُولُ بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، ﴾. قال: يحولُ بينَ المرءِ وعقلِه.
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨١/٥ معلقًا. وهو فى تفسير الثورى ص ١١٧ عن ليث به بلفظ: إذا
حال بين المرء وقلبه هلك .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨١/٥ معلقًا بلفظ: يحول بين المؤمن أن يكفر وبين الكافر أن يؤمن.

١١١
سورة الأنفال : الآية ٢٤
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابن
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنََ اَلْمَرْءِ وَقَلِهِ ﴾: حتى يتْرُكَه لا
( (١)"
يعقِلُ(١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِيِهِ﴾. قال: "هو كقوله:
حال حتى ترَكه" لا يعقِلُ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عبيدِ اللَّهِ، عن
حُميدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ يَحُولُ بَيْنَ اٌلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: إذا حال بينك وبين
قلبِك كيف تعمَلُ !
قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَحُولُ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ قلبِ الكافرِ وأن يعمَلَ خيرًا(٣).
وقال آخرون: معناه: يحول بين المرءِ وقلبِه أن يقدِرَ على إيمانٍ أو كفرٍ إلا بإذنِه .
٢١٧/٩
/ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ: ﴿ وَأَعْلَمُوْ أَننَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ
(١) تفسير مجاهد ص ٣٥٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨١/٥.
(٢ - ٢) فى م: ((هى يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه)) ..
(٣) أخرجه البغوى فى الجعديات (٢٢٣٩) من طريق شريك به ، دون قوله: وأن يعمل خيرًا.

١١٢
سورة الأنفال : الآية ٢٤
الإِنسانِ وقلبِه فلا يستطيع أن يؤمنَ ولا يكفرَ إلا بإذنه (١).
وقال آخرون : معنى ذلك أنه قريبٌ من قلبِه لا يَخفَى عليه شىءٌ أَظْهَره أو أسرَّه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْيِهِ، ﴾. قال: هى كقوله: ﴿ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
وأولى الأقوالِ بالصوابِ عندى فى ذلك أن يقال : إن ذلك خبرٌ من اللَّهِ عزَّ
وجلَّ أنه أملكُ لقلوبٍ عبادِه منهم(٢)، وأنه يحولُ بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدِرَ
ذو قلبٍ أن يدرِكَ به شيئًا من إيمانٍ أو كفرٍ ، أو أن يعىَ به شيئًا ، أو أن يفهمَ ، إلا پاذنه
ومشيئتِه ، وذلك أن الحولَ بينَ الشىءٍ والشىءٍ إنما هو الحجزُ بينهما، وإذا حجز جلّ
ثناؤُه بين عبدٍ وقلبِه فى شىءٍ أن يُدْركَه أو يفهَمَه ، لم يكنْ للعبدِ إلى إدراكِ ما قد منَع
اللَّهُ قلبَه إدراكَه سبيلٌ. وإذا كان ذلك معناه، دخَل فى ذلك قولُ من قال: يحولُ بينَ
المؤمنِ والكفرِ ، وبين الكافرِ والإيمانِ . وقولُ من قال : يحولُ بينَه وبينَ عقلِهِ . وقولُ
من قال: يحولُ بينَه وبينَ قلبِه حتى لا يستطيعَ أن يؤمنَ ولا يكفرَ [٨٩٥/١ ظ] إلا
بإذنِه؛ لأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ إذا حال بينَ عبدٍ وقلبِهِ، لم يفهم العبدُ بقلبِه الذى قد حِیل
بينَه وبينَه ما مُنِعِ إدراكَه به، على ما بيَّنثُ . غيرَ أنه ينبغى أن يقال: إن اللَّهَ عمَّ بقولِه :
﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنََ الْمَرْءِ وَقَلْيِهِ﴾. عن الخبرِ أنه يحولُ بينَ العبدِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨١/٥ من طريق أسباط به بنحوه .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٧٥/٣ عن قتادة. وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٥٧/١ عن معمر من قوله.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((منه ) .

١١٣
سورة الأنفال : الآيتان ٢٥،٢٤
وقلبِهِ ، ولم يَخْصُصْ من المعانى التى ذكرنا شيئًا دونَ شىءٍ، والكلامُ مُحْتَمِلٌ كلَّ
هذه المعانى، فالخبرُ على العمومِ حتى يخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له .
وأما قولُه: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُّحْشَرُونَ﴾. فإن معناه: واعلموا أيُّها المؤمنون
أيضًا مع العلم بأن اللَّهَ يحول بين المرءِ وقلبِهِ ، أن اللَّهَ الذى يقدِرُ على قلوبِكم وهو
أملَكُ بها منكم، إليه مصيركم ومرجِعُكم فى القيامةِ، فيوفِّيكم جزاءً أعمالِكم ،
المحسنَ منكم بإحسانِه ، والمسىءَ بإساءته، فاتَّقوه وراقبوه فيما أمَركم ونهاكم هو
ورسولُه أن تُضيّعوه ، وألا تستجيبوا لرسولِه إذا دعاكم لما يُحييكم، فيُوجِبَ ذلك
سَخَطَه ، وتستحِقوا به أليمَ عذابِه حينَ تُحشرون إليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمُ خَصَّةٌ
وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
٢٥
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه : اتَّقوا أيُّها المؤمنون ﴿فِتْنَةً﴾ .
يقولُ: اختبارًا من اللَّهِ يختِرُكم، وبلاءٌ بَبتليكم، ﴿لَا تُصِيبَنَ﴾ هذه الفتنةُ التى
حذَّرْ تُكموها ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، وهم الذين فعلوا ما ليس لهم فعلُه، / إما أجرامٌ ٢١٨/٩
أصابعها ، وذنوبٌ بينهم وبين اللَّهِ رَكِبوها. يحذّرُهم جلَّ ثناؤُه أن يَرْكَبوا له معصيةً ،
أو يأتُوا مأتمًا يستحِقُّون بذلك منه عقوبةً .
وقيل: إن هذه الآيةَ نزَلت فى قومٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ عَه ، وهم الذين
عُنوا بها .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا الحسنُ بنُ أبى
جعفرٍ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ
( تفسير الطبرى ٨/١١ )

١١٤
سورة الأنفال : الآية ٢٥
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَضَةٌ﴾. قال: نزَلت فى علىٍّ وعثمانَ وطلحةَ والزّييرِ، رحمةٌ
اللَّهِ عليهم(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ: ﴿ وَأَتَّقُواْ
فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَضَةٌ﴾. قال قتادةُ: قال الزُّبيرُ بنُ العَّام:
لقد نزَلت وما نرى أحدًا منا يقعُ(٢) بها، ثم خُلِّقْنا(٢) حتى(٤) أصابتنا خاصَّةٌ(٥).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا زيدُ بنُّ عوفٍ أبو ربيعةً، قال: ثنا حمادٌ ، عن حُميدٍ ،
عن الحسنِ أن الزبيرَ بنَ العوَّامِ، قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَصَّةٌ﴾. وما نظنّنا أهلَها، ونحن عُنينا بها(١).
قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن الصَّلْتِ بنِ دينارٍ ، عن ابنِ صُهْبانَ(١) ، قال:
سمِعت الزُّبِيرَ بنَ العوَّام يقولُ : قرأتُ هذه الآيةَ زمانًا ، وما أَرانا من أهلِها ، فإذا نحن
المعنيُّون بها: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةً وَأَعْلَمُواْ أَنَّـ
اُللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(٨).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٧/٣ إلى المصنف وابن المنذر. وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٧/١٥ من
طريق عوف ، عن الحسن، قال : فلان وفلان .
(٢) بعده فى تفسير عبد الرزاق: ((أو)).
(٣) فى م: ((خصتنا)).
(٤) فى النسخ: ((فى)). والمثبت من تفسير عبد الرزاق .
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٥٧/١ عن معمر به .
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٥/١١، وأحمد ٤٧/٣ (١٤٣٨)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٠٦)، ونعيم
ابن حماد فى الفتن (١٩٣)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨١/٥ من طريق الحسن به. وأخرجه أحمد ٣١/٣
(١٤١٤)، والبزار (٩٧٦)، وابن عساكر فى تاريخه ٤٠٥/١٨ من طريق مطرف، عن الزبير. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٧٧/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .
(٧) فى ف: ((صهيان))، وفى م: ((صبهان)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٠٠.
(٨) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٢/٥ من طريق قبيصة به، وأخرجه الطيالسى (١٨٩) عن =

١١٥
سورة الأنفال : الآية ٢٥
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدىِّ: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾. قال: هذه
نزلت فى أهلٍ بدرٍ خاصَّةً ، فأصابتهم يومَ الجملِ فَاقْتَلوا (١) .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابنِ أبى خالدٍ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ وَأَتَّقُواْ
فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
قال : أصحابُ الجملِ(٢) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنا معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ :
وَأَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاضَةٌ﴾. قال: أمَر اللَّهُ المؤمنين ألا
يُقِرُّوا المنكرَ بينَ أَظْهُرِهم فيعُتَّهم اللَّهُ بالعذابِ(٢) .
قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَتَّقُواْ
فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾. قال: هى أيضًا لكم(٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَاتَّقُواْ
فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ ﴾. قال: الفتنةُ الضلالةُ(٥).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن المسعودىِّ، عن القاسم، قال: قال
= الصلت ، عن عقبة بن صهبان وأبى رجاء، عن الزبير وهو فى تفسير الثورى ص ١١٨ قال : حدثنى من
سمع عقبة بن صهبان .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٧/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٦/١٥ عن وكيع به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٢/٥ من طريق
إسماعيل بن أبى خالد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٢/٥ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٣/ ٥٧٨.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨١/٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

١١٦
سورة الأنفال : الآية ٢٥
٢١٩/٩ عبدُ اللَّهِ: ما منكم من / أحدٍ إلَّ وهو مشتملٌ على فتنةٍ؛ إن اللَّهَ يقولُ: ﴿ أَنَّمَا
أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. فليستعِذْ باللَّهِ من مُضِلَّات الفتنِ(١).
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ،
قال: قال الزبيرُ: لقد خُوِّفْنا بها. يعنى قوله: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنْكُمْ خَضَةٌ﴾(٢).
واختلف أهلُ العربيةِ فى تأويل ذلك؛ فقال بعضُ نحوبى البصرةِ : تأويلُه(٣):
اتَّقُوا فتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلموا. (٤وأما قولُه: ﴿لَّا تُصِيبَنَ﴾ . ليس بجوابٍ،
ولكنه نهىٌّ بعدَ أمرٍ ) ، ولو كان جوابًا ما دخَلت النونُ .
وقال بعضُ نحوبى الكوفةِ (١): قولُه: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ﴾. أمَرهم ثم نهاهم، وفيه (٧) طَرَفٌ من الجزاءِ وإن كان نهيًا. قال: ومثلُه
قولُه: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨].
أمَرهم ثم نهاهم، وفيه تأويلُ الجزاءِ. وكأن معنى الكلام عنده : اتقوا فتنةً إن لم
تتقوها أصابتكم .
وأما قولُه: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فإنه تحذيرٌ من اللَّهِ ووعيدٌ
لمن واقَع الفتنةَ التى حذَّره إِيَّاها بقولِه: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: اعلَموا أيُّها
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٥/٥ من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧٨/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٧٧/٣ عن المصنف .
(٣) سقط من : م.
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((نهى)).
(٦) هو الفراء فى معانى القرآن ٤٠٧/١.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((منه))، وفى م: ((منكم)). والمثبت من معانى القرآن .

١١٧
سورة الأنفال : الآيتان ٢٥، ٢٦
المؤمنون أن ربَّكم شديدٌ عقابُه لمن اقْتَتن بظلم نفسِه وخالَف أمرَه فأثم به .
القولُ فى تأويل قوله: [٨٩٦/١ و] ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِىِ
اُلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُم مِّنَ اَلَّيْبَتِ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٢٦
وهذا تذكيرٌ من اللَّهِ عزَّ وجلَّ أصحابَ رسولِ اللَّهِ عِ لْهِ ومناصحةٌ (١). يقولُ
أطيعوا اللَّهَ ورسولَه أيُّها المؤمنون، واستجِيبوا له إذا دعاكم لما يُحييكم، ولا تخالفوا
أمرَه وإن أمَركم بما فيه عليكم المشقّةُ والشدّةُ، فإن اللَّهَ مُهوِّنُهُ(١) عليكم بطاعتِكم
إِيَّاه، ومُعجِّلٌ(١) لكم منه ما تُحِبُّون، كما فعَل بكم إذا آمنُم به واتَّبَعْتُموه وأنتم قليلٌ
يَسْتَضْعِفُكم الكفارُ فيفتِنُونكم (٤) عن دينِكم، وينالُونكم(٥) بالمكروهِ فى أنفسكم
وأعراضِكم، تخافون منهم أن يتخطَّفوكم فيقتُلوكم، ويَصْطَلِموا جميعَكم،
﴿فَشَاوَلِكُمْ﴾. يقولُ: فجعَل لكم مَأْوَى تَأْوون إليه منهم، ﴿ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾.
يقولُ: وقوَّاكم بنصرِه عليهم حتى قتَلتم منهم من قتَلتم بيدرٍ، ﴿ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ
الطَّيْبَتِ﴾. يقولُ: وَأَطْعَمكم غنيمتَهم حلالاً طيِّبًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
يقولُ: لكى تشكُرُوا (٩) على ما رزَقكم(٧) وأَنْعَم به عليكم من ذلك وغيرِه من نعمِه
عندَ كم .
واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى ﴿النَّاسُ﴾ الذين عُنوا بقولِه: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ
(١) فى ص: ((مناصحيه))، وفى ت١، ت٢، س: ((مناصحته)).
(٢) فى م: (( يهونه)).
(٣) فى م: ((يعجل)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فيفتنوكم)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ينالوكم).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( تشكرون)).
(٧) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((من ذلك)).

١١٨
سورة الأنفال : الآية ٢٦
النَّاسُ﴾؛ فقال بعضُهم: كفار قريشٍ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ لجريجٍ، عن
عكرمةَ قولَه: / ﴿ وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِىِ الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ
يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ﴾. قال: يعنى بمكةً، مع النبيِّ ◌َظله ومن تبعه من قريشٍ وحلفائِها
ومواليها قبلَ الهجرةِ .
٢٢٠/٩
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن
الكَلْبِيِّ، أو قتادةَ، أو كلاهما(١): ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾:
إنها نزَلت فى يومٍ بدرٍ ، كانوا يومَئذٍ يخافون أن يتخطَّفَهم الناسُ، فآواهم اللّهُ وأيَّدهم
(٢)
بنصره (٢).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ
بنحوه .
وقال آخرون : بل ◌ُنِی به غير(٣) قریشٍ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنى أبى،
قال: سمِعتُ وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ فى قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ تَّخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ
(١) فی م: « كليهما)) .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٥٨/١ عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٢/٥ من
طريق محمد ابن عبد الأعلى به. وفيه : عن قتادة، أو رجل نسيه أو كلاهما .
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .

١١٩
سورة الأنفال : الآية ٢٦
النَّاسُ﴾. قال: فارسُ(١).
قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم ، قال : ثنى عبدُ الصمدِ ،
أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ - وقرَأ: ﴿ وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِى
اُلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ﴾: والناسُ إذ ذاك فارسُ والرومُ(٣) .
قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ
مُسْتَضْعَفُونَ فِىِ الْأَرْضِ﴾. قال: كان هذا الحىُّ من العربِ أذلَّ الناسِ ذُلًا، وأشقاه
عيشًا، وأجوعَه بطونًا (٢)، وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالاً(٤) ، من عاش منهم عاش
شقيًّا، ومَن مات منهم رُدِّى فى النارِ، يُؤْكَلون ولا يأْكُلون، واللَّهِ ما نعلَمُ قبيلًا من
حاضرٍ(٥) أهلِ الأرضِ يومَئذٍ كانوا أشرَّ منهم منزلًا، حتى جاء اللَّهُ بالإسلامِ، فمكَّن
به فى البلادٍ ، ووسَّع به فى الرزقِ ، وجعلكم به ملوكًا على رقابِ الناسِ، فبالإسلامِ
أَعْطَى اللَّهُ ما رأيتم ، فاشكُروا " للَّهِ نعمتَه)، فإن ربَّكم مُنْعِمٌ يحِبُّ الشكرَ، وأهلُ
الشكرِ فى مزيدٍ من اللَّهِ تبارك وتعالى .
وأولى القولين فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال : عُنِى بذلك مشركو
قريشٍ؛ لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسهم قبلَ الهجرةِ من غيرِهم ؛ لأنهم
كانوا أدنى الكفارِ منهم إليهم ، وأشدَّهم عليهم يومَئذٍ ، مع كثرة عددِهم، وقلةِ عددٍ
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٥٨/١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٧/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٣/٥ من طريق إسماعيل به .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( بطنًا)).
(٤) لم يرد فى هذا الأثر موضع الشاهد على الترجمة وهو قوله - كما تقدم فى ٦٥٩/٥ - : مَكْعومين على
رأس حجر بين الآسدين فارس والروم .
(٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((من)).
(٦ - ٦) فى م: ((الله على نعمه)).

١٢٠
سورة الأنفال : الآيتان ٢٦، ٢٧
المسلمين .
وأما قولُه: ﴿فَشَاوَنَكُمْ﴾. فإنه يعنى: آواكم المدينةَ. وكذلك قولُه:
وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾: بالأنصارِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿فَشَاوَنَكُمْ﴾. قال: إلى الأنصارِ بالمدينةِ، ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾:
وهؤلاءِ أصحابُ محمدٍ عَلَّهِ، أيَّدهم بنصرِهِ يومَ بدرٍ (١).
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
٢٢١/٩
عكرمةَ: ﴿فَشَاوَنَكُمْ وَأَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُم مِّنَ الَّيْبَتِ﴾: يعنى المدينةَ(١).
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ
٢٧
أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللّهِ ورسوله من أصحابٍ نبيِّه عَ لَّهِ: يا أيها الذين
صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ﴾. وخيانتُهم اللَّهَ ورسولَه كانت بإظهارٍ مَن
أَظْهَر منهم لرسولِ اللَّهِ عَ لَه والمؤمنين الإيمانَ فى الظاهرِ والنصيحةَ، وهو يستسِرُّ
الكفرَ والغِشَّ لهم فى الباطنِ ، يَدُلَّون المشركين على عَوْرتِهم ، ويخبرونهم بما خِفِى
عنهم من خبرِهم .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٣/٥ من طريق أحمد بن مفضل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧٧/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) فى م: (( بالمدينة)).