Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة الأعراف : الآية ١٤٥
بالمأمورِ به أحسنُ مِن العملِ بالمَنَّهِىِّ عنه .
[٥٧/٢٠ ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿سَأُؤْرِيكُنْ دَارَ الْفَسِقِينَ
١٤٥
٥٩/٩
يقولُ تعالى ذِكرُه: قلنا لموسى إذ كتَبْنا له فى الألواح مِن كلِّ شىءٍ: خذْها
بچِدٌّ فى العمل بما فيها واجتهادٍ ، / وأمُر قومَك يعملوا بأحسن ما فيها ، وانھَھم عن
تضييعِها وتضييع العملِ بما فيها والشركِ بى ، فإن مَن أشرَك بى منهم ومِن غيرِهم،
فإِنى سأُريه فى الآخرةِ عندَ مصيرِهِ إِلىَّ دارَ الفاسقين، وهى نارُ اللَّهِ التى أعدَّها
لأعدائه . وإنما قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ﴾ كما يقولُ القائلُ لمن يخاطبه: سأريكَ غدًا إلى ما
يصيرُ إليه حالُ مَن خالَف أمرى . على وجهِ التهدُّدِ والوعيدِ لمن عصاه وخالَف أمْرَه .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك ؛ فقال بعضُهم بنحوٍ ما قلنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : حدَّثنا عيسى ، عن ابنِ أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ سَأُؤْرِيِّكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾. قال: مصيرهم فى
(٢)
الآخرة ) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا مبارك، عن الحسنِ فى قوله: [ ٥٨/٢٠و]
سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾. قال: جَهَنَّمَ(٣).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يأمروا))، وفى م: ((يأخذوا)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٤٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٦٥/٥ (٨٩٧٧)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٢٦/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٦٦/٥ (٨٩٧٨) من طريق يونس، عن الحسن.

٤٤٢
سورة الأعراف : الآيتان ١٤٥ ، ١٤٦
وقال آخرون: معنى ذلك : سأُدخِلُكُم أرضَ الشامِ ، فأُريكم منازلَ الكافرين
الذين هم سكّانُها من الجبابرةِ والعمالقةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَأُؤْرِيِّكُمْ دَارَ
اُلْفَسِقِينَ﴾ : منازلهم .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً :
دَارَ الْفَسِقِينَ﴾. قال: منازلَهم(١).
وقال آخرون: معنى ذلك: سأُريكم دارَ قومٍ فرعونَ، وهى مصرُ (١).
وإنما اخترنا القولَ الذى اخترناه فى تأويلِ ذلك؛ لأن الذى قبلَ قوله :
سَأُؤْرِيِّكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أمرٌ مِن اللَّهِ لموسى وقومِه بالعملِ بما فى التوراةِ،
فأولَى الأُمورِ بحكمةِ اللَّهِ أن يختِمَ ذلك بالوعيدِ على مَن ضيَّعَه، وفرَّط فى
العملِ به، وحادَ عن سبيلِه، دونَ الخبرِ عما قد انقطع الخبرُ عنه، أو عما لم
یجر له ذکرٌ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَُّونَ فِ
اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ .
/اختلف أهلُ التأويل فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: [٥٨/٢٠ظ] معناه: سأُنزِعُ
٦٠/٩
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٦٦/٥ (٨٩٧٩) من طريق محمد بن عبد الأعلى، وأخرجه عبد
الرزاق فى تفسيره ٣٢٦/١ عن معمر به .
(٢) بعده فی ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ( ذکر من قال ذلك))، وییاض فی ص ، ت ١، ت ٢، س،
ف، وعُلق عليه فى الحاشية: ((نقص بالأصل))، وفى الدر المنثور ١٢٧/٣ عن قتادة: دار الفاسقين قال مصر.
وعزاه إلى أبى الشيخ .
٠

٤٤٣
سورة الأعراف : الآية ١٤٦
عنهم فَهْمَ الكتابِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورِ الْمَرْوَزِىُّ، قال: ثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بكرٍ ، قال:
سمِعتُ ابنَ عبينةً يقولُ فى قولِ اللَّهِ: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَُّونَ فِىِ
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال: يقولُ: أَنزِعُ عنهم فهمَ القرآنِ، فأصرِفُهم عن آياتى(١).
وتأويلُ ابنِ عيينةَ هذا يدلُّ على أن هذا الكلامَ كان عنده مِن اللَّهِ وعيدًا لأهلِ
الكفرِ باللَّهِ ممن بُعثِ إليه نبيّنا محمدٌ عَِّ دونَ قومٍ موسى؛ لأن القرآنَ إنما أُنزل على
نبيِّنا محمدٍ عَ لِّ دونَ موسى عليه السلامُ.
وقال آخرون فى ذلك: معناه: سأصرِفُهم عن الاعتبارِ بالحُجَجِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجْ، عن ابنٍ نجريج :
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ﴾: عن خلقِ السماواتِ والأرضِ والآياتِ فيها ، سأصرِفُهم
عن أن يتفكّروا فيها ويعتبروا(٢) .
وأولى الأقوالٍ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبر أنه
سيصرِفُ عن آياتِهِ ، وهى أدَّتُه وأعلامُه على حقيقةٍ ما أُمَر به عبادَه، وفرض عليهم
مِن طاعتِه فى توحيدِه وعدلِه وغيرِ ذلك مِن فرائضِه، والسماواتُ والأرضُ
وكلّ [١٥٩/٢٠] موجودٍ مِن خلقِه فمن آياتِه، والقرآنُ أيضًا مِن آياتِه . وقد عمَّ بالخبرِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٦٧/٥ (٨٩٨٣) عن أحمد بن منصور به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٢٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

٤٤٤
سورة الأعراف : الآية ١٤٦
أنه يصرفُ عن آياتِه المتكبرين فى الأرضِ بغيرِ الحقِّ، وهم الذين حقَّت عليهم كلمةُ
اللَّهِ أَنَّهم لا يُؤمنون، فهم عن فَهْمٍ جميعِ آياتِه والاعتبارِ والادِ کارِ بها مصروفون ؛
لأنهم لو وفِّقوا لفَهْم بعضٍ ذلك، وهُدوا للاعتبارِ به؛ لاتَّعظوا وأنابوا إلى الحقِّ،
وذلك غيرُ كائنٍ منهم؛ لأنَّه جلَّ ثناؤه قال: ﴿وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ
بِهَا﴾ . ولا تبديلَ لكلماتِ اللَّهِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْأ
سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَكِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَذَّبُوا بِشَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ
يقولُ جلّ ثناؤه: وإن يرَ هؤلاءِ الذين يتكبَّرون فى الأرضِ بغيرِ الحقِّ -
وتَكَثُّرُهم فيها بغيرِ الحقِّ : تجبُّرُهم فيها واستكبارُهم عن الإيمانِ باللَّهِ ورسوله والإذعانِ
الأمرِه ونهيِهِ، وهم للَّهِ عبيدٌ يَغْذُوهم بنعَمِهِ، ويريحُ عليهم رِزْقَه بُكْرَةً وعشيًّا -
كُلَ ءَايَةٍ﴾. يقولُ: كلَّ حُجَّةٍ للَّهِ على وَحْدانِيَّتِه [٥٩/٢٠ظ] وربوبيَّتِه،
وكلّ دَلالةٍ على أنه لا تنبغى العبادةُ إلا له خالصةً دونَ غيرِهِ ، ﴿لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ .
يقولُ : لا يُصَدِّقوا بتلك الآيةِ أنها دالةٌ على ما هى فيه حُجَّةٌ ، ولكنَّهم يقولون : هى
سحرٌ وكذبٌ. ﴿وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَكِيلًا﴾. يقولُ: وإن يرَ
هؤلاء الذين وصَف صفتَهم طريقَ الهُدى والسدادِ الذى إن سلكوه نجَوا مِن الهَلَكَةِ
والعَطَبِ ، وصاروا إلى نعيم الأبد، لا يسلكوه ولا يتخذوه لأنفسِهم طريقًا ؛ جهلًا
منهم وحيرةً . ﴿وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الْفِيِّ﴾. يقولُ: وإن يروا طريقَ الهلاكِ الذى إن
سلكوه ضلُّوا وهلكوا - وقد بيَّنَّا معنى الغيِّ فيما/ مضَى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه(١) -
يَتَّخِذُوهُ سَكِيلًا ﴾. يقولُ: يسلُكوه ويجعلوه لأنفسهم طريقًا، لصرفِ اللَّهِ إياهم
٦١/٩
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٩١، وفى ٩٢، ٤/ ٥٥٥.

٤٤٥
سورة الأعراف : الآية ١٤٦
عن آياتِه وطبعِه على قلوبِهم، فلا يُفْلِحون ولا يُنجِحون. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ
بِشَايَتِنَا﴾. يقولُ جل ثناؤه: صرَفناهم عن آياتِنا أن يعقِلوها ويفهموها، فيعتبروا
بها ويذَّكَّروا فينِيبوا، عقوبةً منا لهم على تكذيبِهم بآياتِنا، ﴿ وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ﴾ .
يقولُ : وكانوا عن آياتنا وأدلَّتِنا الشاهدةِ على حقيقةِ ما أمرناهم به ونهيناهم عنه،
غافلين لا يتفكّرون فيها ، لاهين عنها لا يعتبِرون بها ، فحقَّ عليهم حينئذٍ قولُ ربِّنا ،
فعَطِبوا .
[٦٠/٢٠و] واختلفت القرَأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿الرُّشْدِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةٍ
أهلِ المدينةِ وبعضُ المكيين وبعضُ البصريِّين: ﴿الرُّشْدِ﴾ بضمِّ الراءِ وتسكين
(١)
الشينِ(١).
وقرَأ ذلك عامة قرأةِ أهلِ الكوفةِ وبعضُ المكيِّين: (الرَّشَدِ) بفتحِ الراءِ والشينٍ(١).
ثم اختلف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ فى معنى ذلك إذا ضُمَّت راؤُه وسُكِّنت
شيئُه ، وفيه إذا فُتِحَتَا جميعًا؛ فذُكِرَ عن أبى عمرو بنِ العلاءِ أنه كان يقولُ : معناه :
إذا ضُمَّت راؤه وسكُنت شيئُه: الصلاح، كما قال اللَّهُ: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ
رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] بمعنى: صلاحًا. وكذلك كان يقرؤُه هو. ومعناه إذا فُتحت
راؤُه وشيئُه: الرَّشَد فى الدينِ، كما قال جلَّ ثناؤه: (تعلِّمَنٍ مما عُلِّمتَ رَشَدًا)(٣).
بمعنى : الاستقامة والصوابِ فى الدينِ .
وكان الكسائىُ يقولُ: هما لغتان بمعنَّى واحدٍ، مثلُ: السُّقْم والسَّقَم، والحُزْنِ
والحَزَّنِ، وكذلك الرّشْدُ والرَّشَدُ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضةٌ القراءةُ
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٣
(٢) وهى قراءة حمزة والكسائى. ينظر المصدر السابق .
(٣) سورة الكهف الآية ٦٦. قرأها بفتح الراء والشين البصريان أبو عمرو ويعقوب. النشر ٢/ ٢٣٤.

٤٤٦
سورة الأعراف : الآيات ١٤٦ - ١٤٨
بهما فى قَرَأَةِ الأمصارِ، متفِقتا المعنى ، فبأيَّتِهما قرَأْ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ بها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ
حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤٧
يقولُ جلَّ ثناؤه: هؤلاء المستكبرون [٦٠/٢٠ظ] فى الأرضِ بغيرِ الحقِّ، وكلُّ
مُكذّبٍ لُحُجَج اللَّهِ ورسلِهِ وآياتِهِ ، وجاحدٍ أنه يومَ القيامةِ مبعوثٌ بعدَ مماتِه، ومنکرٍ
لقاءَ اللَّهِ فى آخِرَتِه، ذهَبت أعمالُهم فبطَلَت، وحصَلت لهم أوزارُها فثبتت ؛ لأنهم
عمِلوا لغيرِ اللَّهِ، وأتعبوا أنفسَهم فى غيرِ ما يُرضى اللَّهَ، فصارت أعمالُهم عليهم
وبالًا، يقولُ جل ثناؤه: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: هل
ينالون(١) إِلَّ ثوابَ ما كانوا يعملون، فصارَ ثوابُ أعمالهم الخلودَ فى نارٍ أحاط بهم
سرادقُها؛ إذ كانت أعمالُهم فى طاعةِ الشيطانِ دونَ طاعة الرحمنِ . نعوذُ باللَّهِ مِن غضِهِ .
وقد بيَّنا معنى ((الحُبُوطِ)) و((الجزاءٍ)) و((الآخرةِ)) فيما مضى بما أغنى عن
(٢)
إعادتِه(٢) .
٦٢/٩
/ القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِهِمْ
عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اَخَذُوهُ
وَكَانُواْ ظَلِمِينَ
١٤٨١
يقولُ جلَّ ثناؤه: واتَّخذ بنو إسرائيلَ - وهم قومُ موسى - مِن بعدِ ما فارقهم
موسى ماضيًا إلى ربِّه لمناجاتِهِ ووفاءً للوعدِ الذى كان ربُّه وعده، ﴿ مِنْ حُلِهِمْ
عِجْلًا﴾. وهو ولدُ البقرةٍ، فعبدوه. ثم بيَّن تعالى ذكرُه ما ذلك العجلُ فقال:
(١) فى ف: (( يثابون)).
(٢) ينظر ما تقدم فى معنى الحبوط فى ٦٦٦/٣، ٥/ ٢٩٢، ١٤٩/٨، ٥١٨، ٣٨٧/٩. ومعنى الجزاء فى
٦٣٢/١ - ٦٣٥، ومعنى الآخرة فى ١ / ٢٥١، ٢٥٢.

٤٤٧
سورة الأعراف : الآية ١٤٨
جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ﴾. والخوارُ صوتُ البقرِ. يخبرُ جلّ ذكرُه عنهم أنهم ضلُّوا بما لا
يُضَلُّ بمثلِه أهلُ العقلِ، وذلك أن الربَّ [٦١/٢٠ و] جلّ جلالُه الذى له مَلكوتُ
السماواتِ والأرضِ ومدبرُ ذلك، لا يجوزُ أن يكونَ جسدًا له خوارٌ، لا يكلِّمُ أحدًا ،
ولا يرشُدُ إلى خيرٍ، وقال هؤلاءِ الذين قصَّ اللَّهُ قَصَصَهم لذلك: هو إلهنا وإلهُ
موسى. وعكفوا عليه يعبدونه جهلاً منهم وذَهابًا عن اللَّهِ وضلالًا.
وقد بيّنا سببَ عبادتِهم إياه ، وكيف كان اتخاذُ مَن اتخذَ منهم العجلَ فيما
مضَى بما أغنى عن إعادتِه(١) .
وفى الحُلُىِّ لغتان : ضمّ الحاءِ، وهو الأصلُ، وكسرُها ، وكذلك ذلك فى كلِّ
ما شاكلَه مِن مثلِ ((صلىِّ)) و((جثيٍّ)) و ((عتىٌّ)). وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ
الصوابَ؛ لاستفاضَةِ القراءةِ بهما فى القَرَأَةِ، (واتفاقٍ) معنييهما(٢).
وقولُه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾. يقولُ: ألم يرَ الذين عكفوا على العجلِ
الذى اتخذوه مِن حُليّهم يعبدونه ، أن العجلَ لا يُكلمُهم ﴿ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ .
يقولُ : ولا يرشدُهم إلى طريقٍ ، وليس ذلك مِن صفةٍ ربِّهم الذى له العبادةُ حقًّا ، بل
صفتُه أنه يكلمُ أنبياءَه ورسلَه، ويُرشدُ خلقَه إلى سبيلِ الخيرِ، وينهاهم عن سبيلٍ
المهالكِ والردَى. يقولُ اللَّهُ جلّ ثناؤه: ﴿اَتَّخَذُوهُ﴾. أى: اتخذوا العجل إلهًا،
﴿وَكَانُواْ﴾ باتخاذِهم إياه ربًّا معبودًا ﴿ظَلِمِينَ﴾ لأنفسِهم، بعبادتهم"
(٤)
غيرَ مَن له العبادةُ، وإضافتِهم الألوهةَ إلى غيرِ الذى له الألوهةُ.
وقد بيَّنا معنى (( الظلم)) فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه(٥).
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٦٩/١ - ٦٧٥.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((لاتفاق))، وفى م: (( لا تفارق بين)).
(٣) قرأ بكسر الحاء حمزة والكسائى، وقرأ الباقون بضمها. السبعة ص ٢٩٤، والتيسير ص ٩٣.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((لعبادتهم)).
(٥) ينظر ما تقدم فى ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.

٤٤٨
سورة الأعراف : الآية ١٤٩
[٦١/٢٠ظ] القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْأ
أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَيْن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ
الْخَسِرِينَ
(١٤٩
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَلَّا سُقِطَ فِىَ أَيْدِيهِمْ﴾: ولما نَدِم الذين عبَدوا
العجلَ الذى وصَف اللَّهُ جلّ ثناؤه صفتَه عندَ رُجوع موسى إليهم، واستسَلموا
لموسى وحُكمِه فيهم.
وكذلك تقولُ العربُ لكلِّ نادم على أمرٍ فات منه أوسلَف ، وعاجٍ عن شىءٍ :
قد شقِط فى يديه وأَشْقِط . لغتان فصيحتان، وأصلُه مِن الاستئسارٍ، وذلك أن
يضربَ الرجلُ الرجلَ أو يصرعَه فيرمىَ به من يديه إلى الأرضِ ليأسِرَه فِيَكْتِفَه ./
فالمرمى به مسقوطٌ فى يدى الساقطِ بهِ، فقيلَ لكلِّ عاجٍ عن شىءٍ وضارعٍ(١) لعجزِه
متندِّمٍ على ما فاته: سُقِط فى يديه وأُسقِط .
٦٣/٩
وعنى بقولِه: ﴿ وَرَأَوَاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ﴾: ورأوا أنهم قد حادُوا(١) عن قصدٍ
السبيلِ وذهَبوا عن دينِ اللَّهِ، وكفَروا بربِّهم، قالوا تائبين إلى اللَّهِ مُنيبين إليه مِن
كفرِهم به: ﴿لَيْنِ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾.
ثم اختلفت القرَأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَه بعضُ قرَأَةِ أهلِ المدينةِ ومكةً والكوفةِ
3.
والبصرةِ: ﴿لَيِنِ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ بالرفعِ على وجهِ الخبرِ .
وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: [٦٢/٢٠و] (لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنا) بالتاءِ(٤) (رَبَّنَا)
بالنصبٍ(٥) ، بتأويلٍ: لئن لم ترحمنا يا ربَّنا. على وجهِ الخطابِ منهم لربِّهم. واعتلَّ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((صارع))، وفى م: ((مصارع)).
(٢) فى الأصل، م: ((جاروا))، وفی ص، س: (( حاروا)) ..
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٤.
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٥) وهى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق.

٤٤٩
سورة الأعراف : الآيتان ١٤٩، ١٥٠
قارئو ذلك كذلك بأنه فى إحدى القراءتين: (قالوا ربَّنا (١) لَئِنْ لم تَرْحَمْنا(٢) وتَغْفِرْ
لَنا ) . فذلك دليلٌ على الخطابِ .
والذى هو أولى بالصوابِ مِن القراءةِ فى ذلكُ(١) القراءةُ على وجهِ الخبرِ بالياءِ
فى ﴿يَرْحَمْنَا﴾، وبالرفع فى قوله: ﴿رَبُّنَا﴾؛ لأنه لم يتقدّمْ ذلك ما يوجبُ أن
يكونَ موجهًا إلى الخطابِ. والقراءةُ التى حَكَيتُ على ماذكرنا مِن قراءتِها: ((قالوا
ربَّنَا(٥) لَئِنْ لم تَرْحَمْنا(١)) ) لا تُعرَفُ صِحَّتُها مِن الوجهِ الذى يجبُ التسليمُ له (١) .
ومعنى قوله: ﴿لَيْنِ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾: لئن لم يتعطفْ علينا ربُّنَا
بالتوبةِ برحمتِه، ويتغمَّدْ ذنوبَنا لنكوننَّ مِن الهالكين الذين حبطت أعمالُهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ
بِسَمَا خَلَفْتُهُونِ مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمَْ رَبِّكُمْ﴾
يقولُ تعالى ذكرُه : ولما رجَع موسى إلى قومِه مِن بنى إسرائيلَ ، رجَع غضبانَ
أسِفًا؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤه كان قد أخبره أنه قد فتَنَ قومَه ، وأن السامرىَّ قد أضلَّهم،
فكان رجوعُه [٦٢/٢٠ظ] غضبانَ أَسِفًا لذلك.
والأُسَفُ شدّةُ الغضبِ والتغُظِ فيه (١) على مَن أغضبه.
(١) سقط من: النسخ، وستأتى على الصواب بعد قليل. وهى قراءة أبى. ينظر البحر المحيط ٤/ ٣٩٤، وهى شاذة.
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ربنا)) .
(٣) القراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما .
(٤ - ٤) فى الأصل، ص، ف: ((ربنا لئن لم ترحمنا)).
(٥) سقط من : م.
(٦) بعده فى م: ((ربنا)).
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((إليه)).
(٨) فى ص: ((يتغمدنا))، وفى ت ٢: ((يتعهدنا))، وبعده فى م: ((بها)).
(٩) فى ص، م، ت ١، ف: (( به)).
( تفسير الطبرى ٢٩/١٠ )

٤٥٠
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
كما حدَّثنى عمرانُ بنُ بكارِ الكَلاعُّ، قال: حدَّثنی عبدُ السلامِ بنُ محمدٍ
الحضرميُّ، قال: ثنى شريحُ بنُ يزيدَ، قال: سمِعتُ نصرَ بنَ عَلقمةَ يقولُ : قال أبو
الدرداءِ فى قولِ اللَّهِ: ﴿غَضْبَنَ أَسِفًا﴾. قال: الأسَفُ منزلةٌ وراءَ(١) الغضبِ أشدُّ من
ذلك، وتفسيرُ ذلك فى كتابِ اللَّهِ: ذهَب إلى قومِه غضبانَ، وذهَب أسِفًا(١).
وقال آخرون فى ذلك ما حدثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُّ
حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ(٣): ﴿أَسِفًا﴾ قال: حزينًا (٤) .
٦٤/٩
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ:/ ﴿ وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَا﴾. يقولُ: أسِفًا
حزينًا. وقال فى ((الزخرفٍ)): ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] يقولُ:
أَغضَبونا. والأسفُ على وجهين؛ الغضبُ والحزنُ(٥).
حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ ، قال : ثنا سليمانُ بنُ سليمانَ ، قال : ثنا مالكُ بنُ دینارٍ ،
قال : سمِعتُ الحسنَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا﴾،
قال : غضبانَ حزينًا (٢) .
وقولُه: ﴿ قَالَ بِنْسَمَا خَلَفْتُونِ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾. يقولُ: بئس الفعلُ فعلتم بعدَ
فراقى إيَّاكم وأوليتمونى فى من خَلَفْتُ ورائی من قومى فيكم ودِینی الذى أُمّر کم به
(١) فى الأصل، ص، ف، ت ٢، س، ف: ((وذا)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٤/٣ مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٣ إلى أبى الشيخ.
(٣) بعده فى الأصل: ((غضبان أسفا يقول)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٧/٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٦٩/٥ (٨٩٩٦) عن محمد بن سعد به، وأخرجه فى ١٥٦٩/٥
(٨٩٩٤، ٨٩٩٥) من طريق على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس .
(٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٦٩/٥ عقب أثر (٨٩٩٥) معلقاً .

٤٥١
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
ربُّكم، يقالُ منه: خلَفه بخيرٍ وخَلَفه بشرً. إذا أولاه فى أهلِه أو قومِه، أو(١) مَن كان
منه بسبيلٍ مِن بعدِ شخوصِه عنهم خيرًا أو شرًّا .
وقولُه: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَتَ رَبَّكُمْ﴾. يقولُ: [٦٣/٢٠و] أسَبَقْتُم أمرَ ربّكم فى
أنفسِكم، وذهَبتم عنه. يقالُ منه: عجِل فلانٌ هذا الأمرَ، إذا سبقَه. وعجِل فلانٌ
فلانًا، إذا سبقه. ولا تُعْجِلْنى يا فلانُ، لا تذهَبْ عنى وتَدَعَنى. وأعجلتُه،
(٢)
استحقتْتُه(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْءٍ
قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَ تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءُ وَلَا تَّجْعَلْنِى
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
١٥٠]
يقولُ تعالى ذكره : وألقى موسى الألواح .
ثم اختلف أهلُ العلم فى سببٍ إلقائِه إياها ؛ فقال بعضُهم: ألقاها غضَبًا على
قومِه الذين عبدوا العجلَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال : أخبرنا الأصبغُ بنُ زیدٍ ، عن
القاسم بن أبى أيوبَ ، قال: ثنى سعيدُ بنُّ جبيرٍ، قال: قال ابنُ عباس: لِمَا رَجَعَ مُوسَى
إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا فأخَذ برأسٍ أخيه يجُّه إليه، وألقى الألواحَ مِن الغضبِ (١).
حدَّثنى عبدُ الكريم ، قال: ثنا إبراهيمُ ، قال: ثنا ابنُ عُيينةً، قال : قال أبو سعدٍ ،
عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه، وكان قريبًا منهم،
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((و).
(٢) فى ص، ت ١، س، ف: ((استحییته)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٧٠/٥ (٩٠٠٠) من طريق يزيد به.

٤٥٢
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
سمِع أصواتَهم، فقال: إنى لأسمعُ أصواتَ [٦٣/٢٠ظ] قومٍ لاهِين، فلما عاينهم
وقد عكفوا على العجلِ ألقى الألواحَ فكسَرَها، وأخذَ برأسٍ أخيه يجُّه إليه .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ، عن
السدىِّ، قال: أَخَذ موسى الألواحَ ثم رجَع إلى قومِه غضبانَ أسِفًا، ﴿ قَالَ يَقَوْمِ
أَمْ يَعِذْكُمْ رَبِّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِيُّ﴾ [طه: ٨٦،
٨٧] فَأَلْقَى مُوسَى الأَلْوَاحَ وأخَذَ برأسٍ أخيهِ يَجُّه إليه، ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى
وَلَ بِرَأْسِّ﴾ [طه: ٩٤](١).
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاق ، قال : لما انتھی موسی إلی
قومِه فرأى ما هم عليه مِن عبادة العجلٍ ، ألقى الألواحَ مِن يده ، ثم أخذ برأسٍ أخيه
ولحيته ويقولُ: ﴿ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُوَأْ (٨) أَلَّا تَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ [طه:
٩٢، ٩٣] .
وقال آخرون : إنما ألقى موسى الألواحَ لفضائلَ أصابَها فيها لغيرِ قومِه، فاشتدَّ
ذلك عليه .
٦٥/٩
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَخَذَ
اَلْأَلْوَاحٌ﴾ . قال: رَبِّ إنى أجدُ فى الألواحِ أُمةٌ خيرَ أمةٍ أُخرِجت للناسِ، يأمرُون
بالمعروفِ وينهون عن المنكرِ، اجعلْهم أمّتى. قال: تلكَ أمةُ أحمدَ ، قال: ربِّ إنى
أجدُ فى الألواح أمةٌ هم الآخِرون فى الخَلْقِ، السابقون فى دخولِ الجنةِ ، ربِّ
اجعلْهم أمتى . قال: تلك أمةُ أحمدَ . قال: ربِّ إنى أجدُ فى الألواح أمةً أناجيلُهم
(١) تقدم تخريجه فى ١/ ٦٨١.

٤٥٣
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
فى صدورِهم يقرءُونها - وكان مَن قبلكم (١) يقرءُون كتابَهم نظرًا حتى إذا رفَعوها لم
يحفَظوا [٦٤/٢٠و] شيئًا ولم يعرِفوه (١) ، وإن اللَّهَ أعطاكم أيَّتها الأمةُ مِن الحفظِ شيئًا لم
يُعْطِه أحدًا مِن الأمم - قال: ربِّ اجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى
أجدُ فى الألواحِ أمةً يؤمنون بالكتابِ الأوّلِ وبالكتابِ الآخرِ، ويقاتلون فضولَ(٢
الضلالةِ حتى يُقاتِلوا الأعورَ الكذابَ، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ . قال :
ربِّ إنى أجدُ فى الألواح أمةً صدقاتُهم يأكلونها فى بطونهم ثم يؤجرون عليها - وكان
مَن قبلَكم مِن الأمم إذا تصدَّقَ بصدقةٍ فقُبِلت منه، بعَث اللَّهُ عليها نارًا فأكَلَتها ، وإن
رُدَّتْ عليه تُرِكت فأكلَتها السّباعُ والطيرُ، وإن اللَّهَ أخَذ صدقاتِكم مِن غنيّكم
لفقيرٍ كم - قال: ربِّ فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمَّةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أُجدُ فى
الألواح أمةً إذا همّ أحدُهم بحسنةٍ ثم لم يعمَلْها كُتِبت له حسنةً ، فإِن عمِلها كُتِبت له
عَشْرَ أمثالها إلى سبعمائةٍ ، ربّ اجعلهم أمّتی . قال : تلك أمةُ أحمدَ . قال : ربِّ إِنی
أجدُ فى الألواح أمةً إذا همّ أحدُهم بسيئةٍ لم تكتبْ عليه حتى يعملَها ، فإِذا عمِلها
كُتِيت عليه سيئةً واحدةً، فاجعَلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ . قال: ربِّ إنى أجدُ
فى الألواح أمةً هم المستجيبون والمستجابُ لهم، ربِّ اجعلْهم أمَّتى. قال: تلك أمةٌ
أحمدَ . قال : ربِّ إنى أجدُ فى الألواح أمةً هم المشفَّعون والمشفوعُ لهم، فاجعلْهم
أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: وذُكِر لنا أنَّ نبىَّ اللَّهِ موسى عليه السلامُ نبذ الألواح
وقال: [٦٤/٢٠ظ] اللهمّ اجعلْنى(٤) مِن أمةِ أحمدَ. قال: فَأُعطِى نبىُّ اللَّهِ موسى عليه
السلامُ ثنتين لم يُعطَهما نبيٌّ، قال اللَّهُ: ﴿يَمُوسَىّ إِ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِى
(١) فى م، ت ١، ت ٢، س: ((قبلهم)).
(٢) فى ت ١: ((يعرفوها))، وبعده فى م: ((قال قتادة)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف، وتفسير ابن كثير ٤٧٦/٣: ((فصول)). والمثبت من الأصل، وهو
موافق الدر المنثور ٠١٢٢/٣
(٤) فى الأصل، ص، ت ٢، س، ف: ((اجعله)).
(٥) فى الأصل: ((برسالتى)). وتقدم فى ص ٤٣٦ أنها قراءة نافع وابن كثير.

٤٥٤
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
وَبِكَلَّمِى﴾ [الأعراف: ١٤٤]. قال: فرضِى نبىُ اللَّهِ، ثم أُعطِىَ الثانيةَ: ﴿ وَمِنْ قَوْمِ
مُوسَىَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. قال: فرضِى نبىُّ اللَّهِ
كلَّ الرِّضًا .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن مَعمرٍ ، عن قتادةَ
قال: لما أخذَ موسى الألواحَ، قال: ياربِّ إنى أجدُ فى الألواح أمةً هم خيرُ الأمم،
يأمرون بالمعروفِ ، وينهون عن المنكرِ، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ . قال:
ياربِّ إنى أجِدُ فى الألواح أمةً هم الآخِرون السابقون يومَ القيامةِ ، فاجعلْهم أمتى .
قال : تلك أمةُ أحمدَ. ثم ذكَر نحوَ حديثٍ بشرِ بنِ معاذٍ ، إلّا أنَّه قال فى حديثه:
فألقى موسى الألواحَ، وقال: ربِّ اجعلنى مِن أمةٍ محمدٍ (١).
والذى هو أولى بالصوابٍ مِن القولِ فى ذلك أن يكونَ سببَ إلقاءٍ موسى
الألواع كان من أجل غضبِه على قومِه لعبادتهم العجلَ؛ لأن اللَّه تعالى
ذكرُه بذلك أخبَر فى كتابِه، فقال: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ
أَسِفًا قَالَ بِتْسَمَا خَلَفْتُونِى مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمَ رَبِكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ / وَأَخَذَ
بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾.
٦٦/٩
وذُكِر (٢) أن اللَّهَ لما كتَب لموسى فى الألواح التوراةَ، أدناه منه حتى سمِع
صرِيفَ القلم .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٦٤/٥ (٨٩٦٧) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه
عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٧،٢٣٦/١ من طريق معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٢/٣ إلى عبد
بن حميد وابن أبى حاتم وأبى الشيخ. وقال ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٤٧٤: وروى ابن جرير عن قتادة فى هذا
قولا غريبًا ، لا یصح إسناده إلى حكاية قتادة ، وقد رده ابن عطية وغیر و احد من العلماء، وهو جدير بالرد ،
وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة .
(٢) فى م: «ذلك)).

٤٥٥
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
ذكرُ بعضٍ(١) مَن قال ذلك
حدَّثنى الحارثُ [٦٥/٢٠و] بنُّ محمدٍ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ،
عن السدىِّ، عن أبى عمارةَ، عن علىِّ رضى اللَّهُ عنه، قال(٢): كتَب اللَّهُ الألواحَ
لموسى عليه السلامُ وهو يسمعُ صريفَ(٣) الأقلامِ فى الألواحِ(٤).
*حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيد
ابنِ جبيرٍ، قال : أدناه حتى سمِع صريفَ القلمِ .
وقيل: إن التوراةً كانت سبعةً أسباع، فلما ألقى موسى الألواحَ تكشّرت ،
فُرُفِع منها ستةُ أسباعِها، وكان فيما رُفِع تفصيلُ كلِّ شىءٍ الذى قال اللَّهُ :
﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَوْعِظَةُ وَنَفْضِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ﴾. وبقِى
الهُدى والرحمةُ فى السُّبُع الباقى، وهو الذى قال اللَّهُ: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحٌّ وَفِ نُسْخَتِهَا
هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. وكانت التوراةُ فيما ذُكِر
سبعين وِقْرَ بعيرٍ يُقرأ الجزءُ منها فى سنةٍ .
كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدِ المكفوفُ، قال: ثنا
عبدُ الرحمنِ، عن أبى جعفرٍ ، عن الربيع بن أنسٍ، قال : أُنزِلت التوراةُ وهى سبعون
وِفْرَ بعيرٍ، يُقرأْ منها الجزءُ فى سنةٍ، لم يقرأها إلَّ أربعةُ نفرٍ؛ موسى بنُ عمرانَ،
وعیسی ، وُزِيرٌ، ویوشَعُ بنُ نونٍ .
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٢) بعده فى م: ((ما)).
(٣) فى الأصل: ((صریر)). وهما بمعنی الصوت. التاج (ص ر ر، ص ر ف).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قال ثنا إسرائيل)) . وإسرائيل بن يونس لا يروى عن عطاء.
ينظر تهذيب الكمال ١٦٥/١٨،٥١٥/٢، ٨٦/٢٠.

٤٥٦
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
واختلفوا فى الألواح؛ فقال بعضُهم: كانت مِن زمُدٍ أخضرَ. وقال بعضُهم:
كانت مِن ياقوتٍ . وقال بعضُهم: كانت مِن بَرَدٍ .
ذكرُ الروايةِ بما ذكرنا مِن ذلك
[٦٥/٢٠ظ] حدَّثنى أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّورقُ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ ،
عن ابنِ جريجٍ ، قال : أخبرنى يعلى بنُ مسلمٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ،
قال : ألْقَى موسى الألواحَ فتكسّرت، فرُفِعت إلَّ سُدُسُها(١).
قال ابنُ جريجٍ: وأخبرنى أن الألواحَ من زبرجدٍ وزُمُدٍ مِن الجنةِ(١).
حدَّثنى موسى بنُ سهلِ الَّملىُّ وعلىُ بنُ داودَ وعبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُويَه
وأحمدُ بنُ الحسنِ الترمذىُّ ، قالوا : أخبرنا آدمُ العسقلانىُ، قال : أخبرنا أبو جعفرٍ،
عن الربيعِ، عن أبى العالية، قال: كانت ألواحُ موسى مِن بَدٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن أبى الجُنُيدِ، عن جعفر بن أبى المغيرةِ، قال:
سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن الألواح مِن أىِّ شىءٍ كانت؟ قال: كانت مِن ياقوتةٍ ، كتابُهُ
الذهبُ، كتَبَهُ(٤) الرحمنُ بيدِه، فسمِع أهلُ السماواتِ صريفَ القلم وهو يكتبها ).
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا القاسمُ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، عن محمدِ بنٍ
أبى الوضّاح، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ ، أو سعيد بن جبيرٍ، قال: كانت الألوائح
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٠/٥ (٨٩٩٩) من طريق الدورقى به.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٠/٣ إلى أبى الشيخ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٦٣/٥ (٨٩٥٩) من طريق آدم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٢١/٣ إلى أبى الشيخ .
(٤) فى م، ت١: ((كتبها)) .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٦٣/٥ (٨٩٦١) من طريق حكام به، وفى ١٥٦٣/٥ (٨٩٦٠) من
طریق أبی الجنيد به بنحوه .

٤٥٧
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
من زُمُّدٍ ، فلما ألقَى موسى الألواحَ بقِى الهُدَى والرَّحمةُ، وذهَب التفصيلُ(١).
.
" حدَّثنى الحارث٢ُ) ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا الأشجعىُ، عن محمدِ ابنِ
مسلم، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانت الألواحُ مِن زُمُدٍ أخضرَ (١).
وزعَم بعضُهم أن الألواحَ كانت لوحين. فإن كان الذى / قال كما قال ، فإنه ٦٧/٩
قيل: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ﴾؛ وهما لوحان، كما قيل: ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ:
إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]. وهما أَخَوان .
وأما قولُه: ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُُّ إِلَيْهٍ﴾ . فإن ذلك من فعلِ نبيِّ اللَّهِ عليه
السلامُ [٦٦/٢٠و] كان لمَوَجِدَتِه على أخيه هارونَ فى تركِه اتباعَه ، وإقامتِه مع بنى
إسرائیلَ فی الموضع الذی تر کھم فیه، کما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قیلِ موسى له :
لا
﴿ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّوَاْ (١) أَلَّا تَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ [طه: ٩٢، ٩٣].
حتى(٤) أخبره هارونُ بعذرِه، فقبِل عذرَه، وذلك قيلُه لموسى: ﴿لَا تَأْخُذْ
بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٌّ إِ خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ
قَوْلِيٍ﴾ [طه: ٩٤]. وقال يا ﴿ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ
بِ الْأَعْدَاءُ وَلاَ تَّمْعَلْنِ مَعَ اَلْقَوْمِ الَِّمِينَ﴾ .
واختلفت القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: يا ﴿ أَبْنَ أُمّ ﴾ ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ المدينةِ
وبعضُ أهلِ البصرةِ: يا ﴿ أَبْنَ أُمَّ ﴾. بفتح الميم مِن ((الأمّ))(٥).
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٤٩/٩ من طريق عبد الرحمن به بنحوه. ووقع فيه: حصين، بدلاً من :
خصيف . وهو تصحيف .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢١/٣ إلى ابن المنذر.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((حين)) .
(٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٥.

٤٥٨
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
وقرأ ذلك عامَّةُ قرَأةٍ أهلِ الكوفةِ: يا (ابْنَ أُمَّ) بكسرِ الميمِ مِن
((الأمّ))(١).
واختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ فتحِ ذلك وكسرِه ، مع إجماعٍ جميعهم
على أنهما لغتان مستعملتان فى العربِ ؛ فقال بعضُ نحوييٌّ البصرةِ : قيل ذلك
بالفتح على أنهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، كما قيل: يا ابنَ عمَّ. وقال :
هذا شاذٌّ لا يُقاسُ عليه. قال: ومَن قال فى ذلك: يا (ابنَ أمّ)، فهو على لغةٍ
الذين يقولون: هذا غلام قد جاء. وجعَله اسمًا واحدًا آخرُه مكسورٌ، مثلَ
قوله: خازِ بازٍ(٢) .
وقال بعضُ نحوبيِّ الكوفةِ(١): قيل: ﴿ يَبْنَؤُمَ﴾ [طه: ٩٤]، ويا ابنَ عمَّ،
فنُصِب کما يُنصبُ المعربُ [ ٦٦/٢٠ظ] فى بعض الحالات، فيقال : يا حسرتا ، ویا
ويلتا. قال: فكأنَّهم قالوا: يا أماه، ويا عماه. ولم يقولوا ذلك فى أخٍ، ولو قيل
ذلك لكان صوابًا . قال: والذين خفَضوا ذلك فإنه كثُر فى كلامِهم حتى حذفوا
الياءَ. قال: ولا تكادُ العربُ تحذفُ الياءَ إلَّا مِن الاسم المنادَى يضيفُه المنادِی إلى
نفسِه، إلا قولُهم: يا بنَ أمّ(٤)، ويا بنَ عمّ. وذلك أنهما يكثُرُ استعمالُهما فى
كلامِهم، فإذا جاء ما لا يُستعملُ أثبتوا الياءَ، فقالوا: يا بنَ أبى، ويا بنَ أخى
وأختى، ويا بنَ خالتى، ويا بنَ خالى .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إذا فُتِحت الميمُ مِن ﴿ أَبْنَ أُمَّ ﴾، فمرادٌ
به الندبةُ: يا بنَ أماه، وكذلك مِن ((ابنَ عمَّ))، وإذا كُسِرت ، فمرادٌ به الإضافةُ ، ثم
(١) وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وعاصم فى رواية أبى بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٥ .
(٢) الخازباز: ذباب يكون فى الروض. تاج العروس (ب وز).
(٣) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٣٩٤.
(٤) فى الأصل: ((عم)).

٤٥٩
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
حذِفت الياء التى هى كنايةٌ اسم المخبِرِ عن نفسِه. وكأن بعضَ مَن أنكرَ تَشْبية(١) كسر
ذلك إذا كُسِر، بكسرِهِ الزاىَ مِن ((خازِ بازٍ))، يقولُ: ليس ذلك نظيرَ ((خازِ بازٍ))؛ لأنَّ
((خازِ بازٍ)) لا يُعرفُ الثانى إلا بالأولِ، ولا الأُوَّلُ إلا بالثانى، فصار كالأصواتٍ.
وحكى عن يونسَ النحوىِّ(١) عن ((يا بنتَ أمّ))، و((يا بنتَ عمّ ))، فقال: لا
يُجعلُ اسمًا واحدًا إلا مع ((ابنٍ)) المذكرِ. قالوا: وأما اللغةُ الجيدةُ والقياسُ الصحيحُ
فلغةُ مَن قال : يابنَ أمى . بإثباتِ الياءِ، كما قال أبو زُبيدٍ(٢) .
أَنْتَ خَلَّفْتَنِى لِدَهْرٍ شَدِيدٍ
يا بْنَ أُمِّى ويا شُقَيْقَ نَفْسِى
أو كما قال الآخر (4):
٦٨/٩
يا بْنَ أُمِّى وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ
عُو تَيمًا وأَنْتَ غيرُ مُجَابٍ
[٦٧/٢٠ و] وإنما أثبت هؤلاء الياءَ فى ((الأمّ)) لأنَّها غيرُ مناداةٍ، وإنما المنادَى هو
الابنُ دونَها ، وإنما تُسقِطُ العربُ الياءَ مِن المنادَى إذا أضافته إلى (أنفسِها (١)، لا إذا
أضافته إلى°) غيرِ أنفسِها(٢)، كما قد بَيَّنَّا .
وقيل: إن هارونَ إنما قال لموسى: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: ٩٤] ولم يقلْ له: يا بنَ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((نسبته)).
(٢) فى الأصل، ص، ف: ((الجرمى)). وينظر ما تقدم فى ٢٤٥/٨.
(٣) ديوانه ص ٤٨، وروايته :
لاج خليتنى لدهر شديد
یابن حسناء شق نفسی یالجـ
وكرواية المصنف فى الكتاب ٢١٣/٢، واللسان (ش ق ق)، وجاء فيه: لأمر. بدلًا من: لدهر.
(٤) هو غلفاء بن الحارث بن آكل المرار الكندى، والبيت فى النقائض ٤٥٧/١، ١٠٧٧/٢، والوحشيات
ص ١٣٤.
(٥ - ٥) سقط من: ت ١، س، ف.
(٦) فى ص، م، ت ٢: (( نفسها)).
(٧) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((نفسها)).

٤٦٠
سورة الأعراف : الآية ١٥٠
أبى. وهما لأبٍ واحدٍ وأمّ واحدةٍ ، استعطافًا له على نفسِه برحم الأمّ .
وقولُه : ﴿إِنَّ أَلْقَوْمَ لُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ﴾. يعنى بـ(( القومِ)): الذين عكفوا على
عبادة العجلِ، وقالوا : هذا إِلهُنا وإلهُ موسى . وخالفوا أمرَ هارونَ . وكان استضعافُهم إياه
تركَهم طاعتَه واتباعَ أمرِهِ، ﴿ وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِ﴾. يقولُ: قارَبوا ولم يفعلوا.
واختلفت القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه : ﴿ فَلَا تُشْمِتْ﴾ . فقرَأ قرَأَةُ الأمصارِ ذلك:
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ﴾ بضَمِّ التاءِ مِن ﴿تُشْمِتْ﴾ وكسرِ الميمِ منها، مِن
قولهم : أشمَتَ فلانٌ فلانًا بفلانٍ ، إذا سرّه فيه بما يكرهُه المُشْمَتُ به .
ورُوى عن مجاهدٍ أنه قرَأ ذلك: ( فلا تَشْمِتْ(١) بِىَ الأَعْدَاءُ).
حدَّثْنى بذلك عبدُ الكريم بنُ الهيثم، قال : ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا
سفيانُ ، قال : قال حميدُ بنُ قَيسٍ: قرَأَ مجاهدٌ: (فَلا تَشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءُ).
وحدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنٍ عيينةَ،
عن حميدٍ ، قال: قرَأ مجاهدٌ: (فَلا تَشْمِتْ بِىَ الأعْدَاءُ).
(٢)
ومُحُدِّثت عن يحيى بنِ زيادٍ الفراءِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن رجلٍ ، عن
مجاهدٍ أنه قرأ(٢): (لا تَشَمِتْ)(٤).
[٦٧/٢٠ظ] وقال الفراءُ: قال الكسائىُّ: ما أدرى، فلعلهم أرادوا: (فَلا تَشْمَتْ
بِىَ الأَعْدَاءُ). فإن تكنْ صحيحةٌ فلها نظائرُ؛ العربُ تقولُ: فِعْتُ وَفَرَغْتُ. فمَن
قال: فَرِغْتُ . قال: أنا أَفْرَُ. ومن قال: فَرَغْتَ. قال: أنا أَفْرُ. وكذلك: رَكَنْتُ
وَرَكِنْتُ ، وشمِلهم أمرٌ وشمَلهم. فى كثيرٍ مِن الكلامِ. قال: و(الأعداءُ) رفعٌ؛ لأنَّ
(١) فى الأصل: ((يشمت))، وقراءة مجاهد شاذة .
(٢) بعده فى معانى القرآن: ((أظنه الأعرج)).
(٣) فى م: ((قال)).
(٤) معانى القرآن ١/ ٣٩٤.
(٥) فى معانى القرآن: ((شر)).