Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة الأنعام : الآية ١٦٠
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ ثُمَيْرٍ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ ، عن القاسم بنِ أبى
بَرَّةَ: ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: كلمةِ الإخلاصِ. ﴿ وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ .
قال : الكفرِ().
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سلمةً، عن الضحاكِ: ﴿مَن جَآءَ
بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إله إلا اللّهُ(٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿مَن
جَآءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا الحِمَّانِىُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ :
﴿ مَنْ جَآءَ بِالْمَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ (٤).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا الحِمَّانُّ، قال: ثنا شَرِيكَ ، عن ليث، عن مجاهدٍ
(٥)
مثلَه(٥) .
حدَّثْنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن على بن أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْمَسَنَةِ﴾. يقولُ: مَن جاء بلا إلهَ إلا اللَّهُ.
﴿ وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ(١) .
= عن سفيان ، عن إسماعيل ، عن أبى صالح.
(١) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٥٣٤) من طريق عثمان به .
(٢) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٥٣٠) من طريق وكيع به، وأخرجه (١٥٣١) من طريق جويبر، عن الضحاك.
(٣) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٥٢٢) من طريق أبى خالد به، وأخرجه (١٥١٩ - ١٥٢١، ١٥٢٣) من
طرق عن الحسن به .
(٤) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٥١٣) من طريق الحمانى به، وأخرجه (١٥١٤، ١٥١٥، ١٥١٧،
١٥١٨) من طرق عن سعيد .
(٥) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٥١١) من طريق الحمانى به .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٢٩٣٥، والطبرانى فى الدعاء (١٥٠٥)، والبيهقى - مطولا - فى
الأسماء والصفات (٢٠٦) من طريق عبد الله بن صالح به ، وأخرجه الطبرانى ( ١٥٠٤، ١٥٠٦) من طرق
.ساد

٤٢
سورة الأنعام : الآية ١٦٠
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ مَن جَاءَ
بِالْحَسَنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن ◌َجَآءَ بِالسَِّشَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ مَّ الِ كان يقولُ: ((الأعمالُ ستةٌ؛ مُوجِبةٌ ومُوجِبةٌ، ومُضْعِفةٌ
ومُضْعِفَةٌ، ومِثْلٌ ومِثْلٌ؛ فأمَّا الموجِبتان: فمَن لَقِى اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا دخَل الجنةً، ومَن
لَقِى اللَّهَ مُشْرِكًا به دخَل النارَ، وأمَّا الْمُضْعِفُ والمُضْعِفُ: فَتَفَقةُ المؤمنِ فى سبيلِ اللَّهِ
سبعمائةِ ضِعْفٍ ، ونفقتُه على أهلِ بيتِه عشرُ أمثالِها، وأمَّا مِثْلُ ومِثْلٌ : فإذا همّ / العبدُ
بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبَت له حسنةً ، وإذا همَّ بسيئةٍ ثم عمِلها كُتِبَت عليه سيئةً))(١).
١١٠/٨
حدَّثنا المثنى ، قال: ثنا أبو نُعَيْم ، قال : ثنا الأعمشُ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن شيخٍ
مِن التَّيْمِ، عن أبى ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، علِّمْنى عملًا يُقَرِّبُنى إلى الجنةِ،
ويُباعِدُنى مِن النارِ، قال: ((إذا عمِلْتَ سيئةً فاعْمَلْ حسنةٌ ، فإنها عَشْرُ أمثالِها)). قال:
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ، لا إلهَ إلا اللَّهُ مِن الحسناتِ؟ قال: ((هى أحسنُ الحسناتِ))(٢).
وقال قومٌ: عُنِى بهذه الآيةِ الأعرابُ، فأما المهاجرون ، فإن حسناتِهم
بسبعمائة ضعف أو أكثرُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشام، قال: ثنا أبى، عن قتادةَ ،
(١) أخرجه أحمد ٣٤٥/٤ (الميمنية)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (١٠٤٧)، وابن حبان (٦١٧١)،
والحاكم ٨٧/٢، والبيهقى فى الشعب (٤٢٦٩) نحوه من حديث خريم بن فاتك الأسدى، وقوله: ((إذا هم
العبد بحسنة ... )). أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٣/٥ (٨١٧٢) من طريق يزيد به . وأصله أُخرجه
أحمد ٣١٥/٤ (٢٥١٩)، والبخارى (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١، ٢٠٨) من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٤٩٨) من طريق أبى نعيم به، وأخرجه أحمد ٦٩/٥ - ومن طريقه
الطبرانى فى الدعاء (١٥٠١) - وابن أبى حاتم فى تفسيره - مختصراً -- ١٤٣١/٥ (٨١٦٤)، وابن حبان فى
الثقات ٨/ ٤١١، والطبرانى فى الدعاء (١٤٩٩، ١٥٠٠)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٢٠٢)،
والقزوينى فى التدوين ٢/ ٤٥٨، ٤٥٩ من طريق الأعمش به، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٤ / ٢١٨، والبيهقى =

٤٣
سورة الأنعام : الآية ١٦٠
[٨١٦/١ و] عن أبى الصِّدِّيقِ الناجيّ، عن أبى سعيد الخدرىِّ فى قولِه: ﴿ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال: هذه للأعرابِ، وللمهاجرين سبعمائةٍ (١).
حدَّثنا محمدٌ أبو (١) نَشِيطِ بنُ هارونَ الحربىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَثِرٍ(٢) ،
قال : ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ ، عن عطيةَ العَوْفىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: نزَلَت هذه
الآيةُ فى الأعرابِ: ﴿ مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال: قال رجلٌ: فما
للمُهاجرين؟ قال: ما هو أعظمُ من ذلك؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ
حَسَنَةُ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَُّنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٤٠] وإذا قال اللَّهُ لشىءٍ:
عظیم . فهو عظيمٌ .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ ، قال : ثنا أبو
جعفرٍ، عن الربيع، قال: نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿ مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ .
وهم يَصومون ثلاثةَ أيامٍ مِن الشهرِ، ويُؤَدُّون عُشْرَ أموالِهم، ثم نزَلَت الفَرائضُ بعدَ
ذلك، صومُ رمضانَ والزكاةٌ (٥) .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهاً﴾، فأَضِيف ((العشرُ)) إلى
((الأمثالِ))، وهى ((الأمثال))؟ وهل يُضافُ الشىءُ إلى نفسِه؟
قيل: أُضِيفَت إليها لأنه مُرادٌ بها: فله عَشْرُ حسناتٍ أمثالِها. فـ ((الأمثالُ))
حلَّت محَلَّ المفسّرِ، وأَضِيف ((العشرُ)) إليها، كما يقال: عندى عَشْرُ نِسْوةٍ . فلأنه
= فى الأسماء والصفات (٢٠١) من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمى، عن أبيه ، عن أبى ذر. وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٦٤/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه. وينظر علل الدارقطنى ٦/ ٢٦٨.
(١) ينظر التبيان ٣٣٢/٤، والبحر المحيط ٢٦١/٤.
(٢) فى النسخ: ((ابن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٦٠.
(٣) فى النسخ: ((بكر)). وتقدم على الصواب فى ٣٦/٧، وينظر تهذيب الكمال ٢٤٥/٣١.
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٦/٧.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٣ إلى المصنف.

٤٤
سورة الأنعام : الآيتان ١٦٠، ١٦١
أُرِيد بالأمثالِ مَقامَها، فقيل: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. فَأَخْرِجِ العَشرُ مُخْرَجَ عددٍ
الحسناتِ(١)، و((المِثْلُ)) مذكّرٌ لا مؤنثٌ، ولكنها لما وُضِعَت موضعَ الحسناتِ (١) -
وكان ((المِثْلُ)) يَقَعُ للمذكرِ والمؤنثِ ، فجُعِلَت خَلَفًّا منها - فُعِل بها ما ذكْتُ ، ومَن
قال: عندى عشر أمثالها. لم يَقُلْ: عندى عشرُ صالحاتٍ. لأن ((الصالحاتِ)) فعلٌ
لا يُعَدُّ، وإنما تُعَدّ الأسماءُ، و((المثلُ)) اسمٌ، ولذلك جاز العددُ به .
وقد ذُكِر عن الحسن البصرىِّ أنه كان يَقْرَأَ ذلك: (فله عَشْرٌ) بالتنوينِ
(أمثالُها) بالرفعُ ) . وذلك على وجهٍ صحيح فى العربيةِ ، غيرَ أن القرأةَ فى الأمصارِ
على خلافِها، فلا نَسْتَجِيزُ خلافَها فيما هى عليه مُجْمِعَةٌ (4) .
١١١/٨
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَينِ رَبٍ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِّلَّةَ
إِزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لِ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ
والأصنامَ: ﴿ إِنَِّى هَدَنِ رَقٍ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ . يقولُ : قلْ لهم : إننى أَزْشَدَنِى
ربى إلى الطريقِ القويم، هو دينُ اللَّهِ الذى ابتَعَثَه به ، وذلك الحنيفيةُ المسلِمةُ ، فوَفَّقَنى
له. ﴿دِينًا فِيَمًا﴾. يقولُ: مستقيمًا. ﴿مِّلَّةَ إِبْرَهِيَمَ﴾. يقولُ: دينَ إبراهيمَ.
﴿حَنِيفًا﴾. يقولُ: مستقيمًا. ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: وما كان مِن
المشركين باللَّهِ ، يعنى : إبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليه؛ لأنه لم يكنْ ممن يَعْبُدُ الأصنامَ .
واختلفت القرَأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ دِينًا فِيَمًا﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ
وبعضُ البَصْرِيين : ( دِينا قَيِّمًا) بفتح القافِ وتشديدِ الياءِ ، إلحاقًا منهم ذلك بقول
(١) فى النسخ: ((الآيات)). والمثبت هو الصواب فلا مناسبة لذكر الآيات هنا.
(٢) فى النسخ: ((الآيات)).
(٣) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٧، والبحر المحيط ٤/ ٢٦١، وقرأ بها يعقوب، وهو من العشرة. النشر ٢٠٠/٢.
(٤) فى م: ((مجتمعة)).
(٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو. ينظر حجة القراءات ص ٢٧٩.

٤٥
سورة الأنعام : الآيات ١٦١ - ١٦٣
ج
اللَّهِ: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦، يوسف: ٤٠، الروم: ٣٠]. وبقولِه:
﴿ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ الكُوفيين: ﴿ دِينًا فِيَمًا﴾ بكسرِ القافٍ ، وفتح الياءِ وتخفيفها ،
وقالوا : القيِّمُ والقِيَمُ بمعنِّى واحدٍ، وهما لغتان معناهما: الدينُ المستقيمُ.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان فى قرأةٍ
الأمصارِ، مُتَّفِقتا المعنى ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فهو للصوابِ مصيبٌ ، غيرَ أن فتحَ
القافٍ وتشديدَ الياءِ أعجبُ إلىّ؛ لأنه أفصح اللغتين وأشهرُهما .
ونُصِب قولُه: ﴿دِينًا﴾ على المصدرِ مِن معنى قوله: ﴿إِنَّنِ هَدَلِ رَبِّ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. وذلك أن المعنى : هدانى ربى إلى دينٍ قويم ، فاهتديتُ له دينًا
قِيَمًا. فـ ((الدينُ)) منصوبٌ مِن المحذوفِ الذى هو ((اهتديتُ))، الذى ناب عنه
قولُه: ﴿ إِنَّنِ هَدَيْنِ رَبِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيٍ﴾.
وقال بعضُ نَخْويِّى البصرةِ: إنما نُصِب ذلك لأنه لما قال: ﴿ هَدَنِ رَبِ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قد أخبر أنه عَرَفَ شيئًا، فقال: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾. كأنه قال:
عرّفتُ دينًا قِيَمًا ملةَ إبراهيمَ .
وأما معنى ((الحنيف))، فقد بينتُه فى مكانه فى (( سورة البقرة )) بشواهده، بما
أغنى عن إعادته فى هذا الموضع (١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِ لِلَّهِ رَبِّ
١٦٣
لَا شَرِيكَ لَهَِّ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُتْلِينَ
اَلْعَلَمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم
(١) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٢٧٨.
(٢) تقدم فى ٥٩١/٢ وما بعدها .

٤٦
سورة الأنعام : الآية ١٦٢
١١٢/٨
الأوثانَ والأصنامَ الذين يَسْألونك أن تَتَّبِعَ أهواءَهم على الباطلِ، مِن عبادةِ الآلهةِ
والأوثانٍ: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُشْكِ﴾. / يقولُ: وذَبْحى. ﴿ وَيَحْيَاىَ﴾. يقولُ:
وحياتى. ﴿ وَمَمَاتِى﴾. يقولُ: ووَفاتى ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يعنى: أن ذلك
كلَّه له خالصًا دونَ ما أشر كتم به أيُّها المشركون مِن الأوثانِ ﴿لَا شَرِيكَ لَهُمْ﴾ فى
شىءٍ مِن ذلك مِن خلقِه ، ولا لشىءٍ منهم فيه نصيبٌ ؛ لأنه لا يَنْتَغِى أن يكونَ ذلك
إلا له خالصًا، ﴿ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾. يقولُ: وبذلك أَمَرنى ربى، ﴿وَأَنَأْ أَوَّلُ
اُِّْينَ﴾. يقولُ: وأنا أولُ مَن أَقَرَّ وَأَذْعَن وخَضَعَ مِن هذه الأمةِ لرِّه بأن ذلك
كذلك .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال: النُّسُكُ فى هذا الموضع الذبحُ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ ، عن عنبسةً ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
عن القاسم بن أبى بَزَّةً ، عن مجاهدٍ: ﴿ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشُكِى﴾. قال: النُّسُكُ الذبائحُ
فى الحجّ والعُمْرةِ .
(١ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَنُشْكِى﴾: ذبيحتى(٢) فى الحجّ والعمرةِ)(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَنُسُكِى﴾: ذبيحتى فى الحجّ والعمرةِ .
(١ - ١) سقط من: ت ١، ت٢، ٣٦، س، ف .
(٢) فى ص: ((ذبحی)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٤/٥ (٨١٨١)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦٦/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٤٧
سورة الأنعام : الآية ١٦٢
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن
إسماعيلَ - وليس بابنٍ أبى خالدٍ - عن سعيد بن جبيرٍ فى قوله: ﴿صَلَانِ
وَنُسُكِى﴾. قال: ذَبْحى(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
إسماعيلَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿صَلَاتِ وَنُسُكِ﴾. قال: ذَبيحتى(٢).
"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٌّ، عن سفيانَ ، عن
إسماعيلَ، "عن سعيد بن جبيرٍ - قال ابنُ مهدىٌّ: لا أدرى مَن إسماعيلُ هذا - :
صَلَائِ وَنُشْكِى﴾. قال: صلاتى وذبيحتى٣).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : ثنا الثورىُّ ، عن
إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ فى قولِهِ: ﴿صَلَانِ وَنُسُكِى﴾. قال :
وذبیحتی .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمر ، عن قتادةَ :
﴿ وَنُسُكِى﴾. قال: ذَبْحى(٥) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قوله: ﴿ وَنُشْكِ﴾. قال: ذبيحتى(٦).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧٧/٣ من طريق الثورى، عن السدى، عن سعيد .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٣ - ٣) سقط من: ت١، ت٢، ت ٣.
(٤ - ٤) سقط من : م.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٢/١ عن معمر به. وفيه: وذبيحتى، وعزاء السيوطى فى الدر المنثور
٦٦/٣ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٤/٥ عقب الأثر (٨١٨١) من طريق عمرو، عن أسباط به .

٤٨
سورة الأنعام : الآيتان ١٦٣، ١٦٤
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: [٨١٦/١ظ]
صَلَاتِ وَنُسُكِى﴾. قال: الصلاةُ: الصلاةُ، والتُّشْكُ: الذبحُ.
وأما قولُه: ﴿وَأَنَأْ أَوَّلُ الْمُتِمِينَ ﴾. فإن محمدَ بنَ عبدِ الأُعلى حدَّثنا ، قال: ثنا
محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾. قال: أوّلُ المسلمين
... (١)
مِن هذه الأمةِ (١).
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ أَغَيّرَ اَللَّهِ أَبْغِى رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلَا تَكْسِبُ
كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
١١٣/٨
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم
الأوثانَ ، الداعِيك إلى عبادة الأصنامِ، واتباع خطواتِ الشيطانِ: ﴿ أَغَيِرَ اللَّهِ أَبْغِى
رَبًّاً﴾؟ يقولُ: أَسِوَى اللَّهِ أَطلُبُ سيِّدًا يَشُودُنى؟ ﴿ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ﴾. يقولُ:
وهو سيدُ كلِّ شيءٍ دونَه ومُدَبِّرُه ومُصْلِحُه. ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا
عَلَيْهًا﴾. يقولُ: ولا تَخْرِيحُ نفسٌ إثمًا إلا عليها. أى: لا يُؤْخَذُ بما أَتَت مِن معصيةِ اللَّهِ
تبارك وتعالى، ورَكِبَت مِن الخطيئةِ - سِواها، بل كلُّ ذى إثم فهو المُعاقَبُ بإثمِه،
والمأخوذُ بذنِهِ. ﴿ وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾. يقولُ : ولا تأثَمُ نفسٌ آئمةٌ بإثمٍ نفسٍ
ءُ
أخرى غيرِها ، ولكنها تأثَمُ بإثمِها، وعليه تُعاقَبُ ، دونَ إثم أُخرى غيرِها .
وإنما يعنى بذلك المشركين الذين أَمَرِ اللَّهُ نبيَّه عَ لِّ أن يَقُولَ هذا القولَ لهم،
يقولُ: قلْ لهم: إنا لسنا مأخوذِين بآثامِكم (" ولا مُعاقَبين بإجرامِكم٢)، وعليكم
عقوبةُ إجرامِكم ، ولنا جزاءُ أعمالِنا. وهذا كما أمَره اللَّهُ جلّ ثناؤه فى موضع آخرَ أن
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٢٣ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٥/٥ (٨١٨٤)- عن
معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٣ إلى ابن المنذر
(٢ - ٢) سقط من: م.

٤٩
سورة الأنعام : الآية ١٦٤
يقولَ لهم: ﴿لَكُرْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].
وذلك كما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ ،
عن أبيه، عن الربيع، قال : كان فى ذلك الزمانِ لا مخرجَ للعلماءِ العابدين إلا
إحدى (١ حَلَّتَين، إحداهما) أفضلُ مِن صاحبتِها؛ إما أمرٌ ودعاءٌ إلى الحقِّ ، أو
الاعتزالُ؛ فلا تُشاركُ أهلَ الباطلِ فى عملِهم، وتؤدّى الفرائضَ فيما بينَك وبينَ
ربِّك، وتحبُّ للَّهِ، وتُبْغِضُ للَّهِ ، ولا تشاركُ أحدًا فى إثم. قال: وقد أُنزِل فى ذلك آيَةٌ
محكمةٌ: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىٍِّ﴾. إلى قولِه: ﴿فِهِ
تَخْتَلِفُونَ﴾. وفى ذلك قال: ﴿ وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِشَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَّنْهُمُ
اُلْبَيْنَةُ
﴾ [ البينة : ٤] .
يقالُ مِن الوِزْرِ: وَزَرَ يَوْزَرُ، (" ووزَر ◌َزِر٢ُ)، ووُزِرَ يُوزَرُ فهو مَؤْزُورٌ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِئُكُمْ فَيُنَبِفَكُمُ بِمَا كُنْتُمْ فِهِ
(١٦٤
تَخْتَلِفُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَظِلّهِ: قلْ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ: كلُّ
عاملٍ مِنَّا ومنكم فله ثوابُ عملِه، وعليه وزرُه، فاعمَلوا ما أنتم عامِلوه، ﴿ثُمَّ إِلَى
رَبِّكُمْ﴾ أيُّها الناسُ ﴿مَّرْجِئُكُمْ﴾. يقولُ: ثم إليه مصيرُكم ومُنقَلَبُكم ﴿فَيُنَبِّئُكُ
بِمَا كُنْتُمْ فِهِ﴾ فى الدنيا ﴿ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن الأديانِ والمللِ، إذ كان بعضُكم يَدِينُ
باليهوديةِ ، وبعضٌ بالنصرانيةِ، وبعضٌ بالمجوسيةِ، وبعضّ بعبادةِ الأصنامِ وادِّعاءٍ
الشركاءِ مع اللّهِ والأندادِ ، ثم يُجازِى جميعَكم بما كان يَعْمَلُ فى الدنيا مِن خيرٍ أو
(١ - ١) فى ت ٢: ((حالين أحدهما)).
(٢ - ٢) فى ص، ت١، س، ف: ((ووزير))، وفى م: ((فهو وزير)). والمثبت هو الصواب الموافق لمعاجم
(تفسير الطبرى ٤/١٠ )
اللغة . ينظر اللسان (و زر)

٥٠
سورة الأنعام : الآيتان ١٦٤ ، ١٦٥
شرِّ ، فَتَعْلَموا حينئذٍ مَن المحسنُ مناً والمسىءُ .
/القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى جَعَلَكُمْ خَيِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ
فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ فِى مَآ ءَاتَنْكُمْ﴾ .
١١٤/٨
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّ الِ وأمتِه: واللَّهُ الذى جعَلَكم أيُّها الناسُ
خلائفَ الأرضِ بأنْ أهلَك مَن كان قبلكم مِن القرونِ والأمم الخاليةِ ، واستخلفكم ،
فجعَلكم خلائفَ منهم فى الأرضِ، تَخْلُفونهم فيها، وتَعْمُرونها بعدهم .
والخلائفُ جمعُ خليفةٍ ، كما الوصائفُ جمعُ وصيفةٍ ، وهى مِن قولِ القائلِ :
خَلَفَ فلانٌ فلانًا فى دارِهِ ، يَخْلُفُه خلافةً ، فهو خليفةٌ فيها. كما قال الشَّمَّاغُ(١):
وأَخْلُفُ فى رُئُوعِ عن رُبُوعِ
تُصِيبُهُمُ وتُخْطِئُنى المنايا
وذلك كما حدَّثنى " محمدُ بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ ، قال :
ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَهُوَ اُلَّذِى جَعَلَكُمْ خَيِفَ الْأَرْضِ﴾. قال: أمّا
خَلَيْفَ الْأَرْضِ﴾: فأهلَكَ القرونَ واستَخْلَفَنا فيها بعدَهم (١).
وأما قولُه: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾. فإنه يقولُ: وخالَفَ بينَ
أحوالِكم، فجعَل بعضَكم فوقَ بعضٍ، بأن رفَع هذا على هذا، بما بَسَط لهذا مِن
الرزقِ، فَفَضَّله بما أعطاه مِن المالِ والغِنى، على هذا الفقيرِ فيما خَوَّله مِن أسبابٍ
الدنيا ، وهذا على هذا بما أعطاه مِن الأيدِ والقوةِ ، على هذا الضعيفِ الواهنِ القُوَى،
فخالَفَ بينَهم ، بأن رَفَع مِن درجةِ هذا على درجةِ هذا، وخَفَضَ مِن درجةِ هذا عن
(١) ديوانه ص ٢٢٤.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٥/٥ (٨١٨٩) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦٧/٣ إلى أبى الشيخ .

٥١
سورة الأنعام : الآية ١٦٥
درجةٍ هذا .
وذلك كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال :
ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ﴾. يقولُ: فى
(١)
الرزقِ (١) .
وأما قولُه: ﴿ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَنْكُمْ﴾. فإنه يعنى: لِيَخْتَبِرَ كم فيما خَوَّلكم
مِن فضلِه، ومنَحكم مِن رزقِه، فيَعْلَمَ المطيعَ له منكم فيما أمرَه به ونَهاه عنه،
والعاصىَ، ومَن المُؤدِّى مما آتاه الحقَّ الذى أمَره بأدائِه منه، والمُفُرِّطُ فى أدائِه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابٍ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
يقولُ جلّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: إن ربَّك يا محمدُ لسريعُ العقابِ لمَن
أَسْخَطَه بارتكابِه معاصيه ، وخلافِه أَمْرَه فيما أمره به ونهاه ، ولمن ابتلى منه فيما منحه
مِن فضلِهِ وطَوْلِه، تَوَلِّيًّا وإدبارًا عنه، مع إنعامِه عليه، وتَمْكينِه إياه فى الأرضِ ، كما
فَعَل بالقرونِ السالفةِ، ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾. يقولُ: وإنه لساترٌ ذنوبَ مَن ابتُلِى منه
إقبالًا إليه بالطاعةِ عندَ ابتلائِه إياه بنعمتِه ١ ، واختبارِه إياه بأمرِهِ ونَهْيِهِ، فمُغَطُّ عليه
فيها ، وتاركٌ فضيحتَه بها فى موقفِ الحسابِ . ﴿رَّحِيمٌ﴾ بتركِه عقوبتَه على سالفٍ
ذنوبِه التى سَلَفَت بينَه وبينَه إِذ تابَ وأنابَ إليه قبلَ لقائِه ومصيره إليه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٦/٥ (٨١٩١) من طريق أحمد بن مفضل به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦٧/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) فى م: ((نعمة)).

٥٢
سورة الأعراف : الآية ١
١١٥/٨
ر بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الْحَةِ
تفسيرُ السورةِ التى يُذكرُ فيها الأعرافُ
ے
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤه: ﴿ الّصّ
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِ اللَّهِ تعالى ذكره:
﴿الّصّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه : أنا اللَّهُ أفصِلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ ، قال : ثنا أبى، عن شريكٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن أبى
الضُّحى، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّصّ﴾: أنا اللَّهُ أَفصِلُ(١).
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا القاسمُ بنُ سلّام، قال : ثنا عمارُ بنُ محمدٍ ، عن
عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿الَّصَ﴾: أنا اللَّهُ أَفصِلُ (١).
وقال آخرون: هو هجاءُ حروفِ اسم اللَّهِ تعالى الذى هو المُصَوِّرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدِّىِّ ﴿ الَّصَ﴾. قال: هى هجاءُ الْمُصوّرِ(٣).
وقال آخرون : هى اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ أقسم ربُّنا به .
(١) تقدم تخريجه فى ١/ ٢٠٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٧/٥ (٨٢٠٢) من طريق أحمد بن المفضل به.

٥٣
سورة الأعراف : الآية ١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ بن أبى
طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الّصّ﴾: قَسَمٌ أقسَمه اللَّهُ، وهو مِن أسماء اللَّهِ(١) .
وقال آخرون : هو اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
الّصّ﴾. قال: اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
. (٢)
قتادةَ مثلَه(٢) .
وقال آخرون : هى حروفُ هجاءٍ مقطعةٌ .
وقال آخرون : هى مِن حسابِ الجُمَّلِ .
/ وقال آخرون: هى حروفٌ تَحْوى معانىَ كثيرةً ، دلَّ اللَّهُ بها خلقَه على مرادِه ١١٦/٨
مِن كلِّ ذلك .
وقال آخرون: هى حروفُ اسمِ اللَّهِ الأعظمِ .
وقد ذكَوْنا كلَّ ذلك بالروايةِ فيه، وتعلُّلَ (٣) كلِّ فريقٍ قال فيه قولًا، وما
الصوابُ مِن القولِ عندَنا فى ذلك، بشواهدِه وأدلتِهِ فيما مَضَى، بما أغنَى عن إعادتِه
(١) تقدم تخريجه فى ١/ ٢٠٧.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٢٥/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٧/٥ (٨٢٠٣) عن الحسن بن
یحیی به.
(٣) فى م: ((تعليل)).

٥٤
سورة الأعراف : الآيتان ٢،١
فى هذا الموضعِ(١).
القولُ فى تأويل قولِ اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿كِتَبُّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ
قال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُهُ(١) : هذا القرآنُ يا محمدُ ، كتابٌ أَنزَله اللَّهُ إليك .
ورفْعُ ((الكتابِ)) بتأويلِ: هذا كتابٌ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾
یقولُ جل ثناؤه لنبيه محمد آل : فلا يَضِقْ صدرُك یا محمدُ مِن الإنذارِ به من
أرسلتُك لإِنذارِه به، وإبلاغِه(٢) مَن أمرتُك بإبلاغِه إياه، ولا تَشكِّكْ(9) فى أنه مِن
عندى، واصبِرْ للمُضِىِّ لأمرِ اللَّهِ، واتباع طاعتِه فيما كَلَّفَك وحَمَّلك مِن عبءٍ
أثقالِ النبوةِ، كما صَبَّر أولو العزمِ مِن الرسلِ، فإن اللَّهَ معك.
و ((الحَرَجُ)) هو الضيقُ فى كلامِ العربِ، وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهدِه وأدلتِه
فى قوله: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. بما أغنى عن إعادتِه(٢).
وقال أهلُ التأويلِ فى ذلك ما حدَّثنى به محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال :
ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ
حَرَجٌ مِنْهُ﴾. قال: لا تكنْ فى شكِّ منه (٦).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. قال:
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٠٤/١ وما بعدها .
(٢) بعده فى ص: ((يقول يقول كتاب أنزل إليك))، وفى ت١، ت٢، ت ٣: (( يقول كتاب أنزل إليك))،
وفى ف: ((يقول كتاب أنزلناه إليك)».
(٣) فى ت١، ت٢، س، ف: ((إعلامه)).
(٤) فى م: ((تشك)).
(٥) ينظر ما تقدم فى ٥٤٤/٩ وما بعدها .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٣ إلى المصنف.

٥٥
سورة الأعراف : الآية ٢
(١)
.
شَكْ
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، قال: ثنا معمرٌ، عن
قتادةَ : ﴿ فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. قال: لا يكنْ فى صدرِك" شكٌّ
(٣)
منه (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ مثلَه .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. قال: أمَّ الحَرَجُ، فَشَكٌ(٤).
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدِ المدنىُّ، قال : سمِعتُ
مجاهدًا فى قوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرَِ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. قال: شَكٌّ مِن القرآنِ .
قال أبو جعفرٍ : وهذا الذى ذكرتُه مِن التأويلِ عن أهلِ التأويلِ، هو معنى ما قُلنا
فى الحَرَج ؛ لأن الشكَّ فيه لا يكونُ إلا مِن ضيقِ الصدرِ به، وقلةِ الاتساعِ لتَوْجِيهِه
وِجْهتَه التى هى رِجْهتُه الصحيحةُ. وإنما اخترنا العبارةَ عنه بمعنى الضِّيقِ؛ لأن ذلك
هو الغالبُ عليه مِن معناه فى كلامِ العربِ، كما قد بَيَّناه قبلُ .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿لِنُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
٢
١١٧/٨
(١) تفسير مجاهد ص ٣٣٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٨/٥ (٨٢٠٨)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦٧/٣ إلى عبد بن حميد .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٥/١ عن معمر به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٨/٥ عقب الأثر (٨٢٠٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به .

٥٦
سورة الأعراف : الآيتان ٣،٢
يعنى بذلك تعالى ذكره : هذا كتابٌ أنزلناه إليك يا محمدُ لتنذِرَ به مَن أمرتُك
بإنذارِه، وذِكْرَى للمؤمنين. وهو (١) مِن المُؤخِّ الذى معناه التقديم، ومعناه: کتابٌ
أُنزِل إلیك لتنذر به وذِكْرَی للمؤمنین، فلا یکنْ فی صدرك خرج منه .
وإذا كان ذلك معناه، كان موضعُ قوله: ﴿ وَذِكْرَى ﴾ نصبًا، بمعنى : أنزَلنا
إليك هذا الكتابَ لتُنْذِرَ به وتُذَكِّرَ به المؤمنين . ولو قيل : معنى ذلك : هذا كتابٌ أُنزِل
إليك فلا يكنْ فى صدرِك حَرَجٌ منه أن تُنْذِرَ به وتُذَكِّرَ به المؤمنين - كان قولاً غيرَ
مدفوعةٍ صحتُه. وإذا وُجِّه معنى الكلامِ إلى هذا الوجهِ، كان فى قولِه :
﴿ وَذِكْرَى﴾. مِن الإعرابِ وجهان؛ أحدُهما ، النصبُ بالردِّ على موضعِ ﴿لِنُنذِرَ
بِهِ﴾. والآخرُ، الرفعُ عطفًا على ((الكتابِ))، كأنه قيل: المص، كتابٌ أَنزِل إلَيك
وذِكری للمؤمنين .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ أَتَّبِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ،
أَوْلِيَاءُ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ
٣
يقولُ جلّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ مَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين مِن قومِك
[٨١٧/١ظ] الذين يعبدون الأوثانَ والأصنامَ: اتَِّعوا أيُّها الناسُ ما جاءكم مِن عندِ
ربِّكم بالبيناتِ والهُدى ، واعمَلوا بما أمَرَكم به ربُّكم، ولا تَشَِّعُوا شيئًا من دونِه .
يعنى : شيئًا غيرَ ما أَنزَل إليكم ربّكم . يقولُ: لا تَتَِّعوا أمرَ أوليائِكم الذين يأمُرُونكم
بالشركِ باللَّهِ وعبادة الأوثانِ ، فإنهم يُضِلُّونكم ولا يَهْدونكم.
فإن قال قائلٌ: وكيف قلتَ : معنى الكلام : قل : اتَّبِعوا . وليس فى الكلام
موجودًا ذكرُ القولِ ؟
قيل : إنه وإن لم يكن مذكورًا صريحًا، فإن فى الكلام دلالةً عليه، وذلك
(١) فى ف: ((هذا)).

٥٧
سورة الأعراف : الآيتان ٣، ٤
قولُه: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنَّهُ لِّنُنذِرَ بِهِ،﴾. ففى قوله: ﴿لِنُنذِرَ بِهِ،﴾
.
الأمرُ بالإِنذارِ، وفى الأمرِ بالإنذارِ الأمرُ بالقولِ؛ لأن الإنذارَ قولٌ، فكأن معنى
الكلامِ: أنذرِ القومَ وقلْ لهم: اتَّبِعوا ما أُنزِل(١) إليكم مِن ربِّكم .
ولو قيل: معناه: لتنذِرَ به وتُذَكِّرَ به المؤمنين، فتقولَ لهم: اتَّبِعوا ما أُنزِل
إليكم. كان غيرَ مدفوعٍ .
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) يقولُ: قولُه: ﴿أَتَّبِعُواْ﴾. خطابٌ
للنبِّ عَِّ، ومعناه: كتابٌ(٣) أُنزِل إليك فلا يَكُنْ فى صدرِك حرجٌ منه، اتبع ما أُنزِل
إليك مِن ربِّك. ويَرَى أن ذلك نظيرُ قولِ اللَّهِ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَ﴾ [الطلاق: ١]. إذ ابتدَأْ خطابَ النبيِّ ◌َ ◌ِّ، ثم ◌َعَل الفعلَ
للجميعِ، إذ كان أمرُ اللَّهِ نبيّه بأمرٍ، أمرًا منه لجميعِ أمته، كما يقالُ للرجلِ يُفْرَدُ
بالخطابِ، والمرادُ به هو وجماعةُ أتباعِه أو عشيرتِه وقبيلتِه: أما تتقون اللَّهَ، أما
تَسْتَحْيون مِن اللَّهِ . ونحوُ ذلك مِن الكلامِ.
وذلك وإن كان وجهًا غيرَ مدفوع، فالقولُ الذى اخترناه أَولى بمعنى الكلام ؛
لدلالةِ الظاهرِ الذى وصفْنا عليه .
وقولُه: ﴿ قَلِلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: قليلًا ما تتَّعِظون وتَعْتَبِرون ، فَتُراجِعون
الحقَّ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَنَّا أَوْ هُمْ
قَآئِلُونَ (
(١) بعده فى ص، ت ١، ت٢، س، ف: ((الله)).
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٣٧١/١.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((اتبع ما)).

٥٨
سورة الأعراف : الآية ٤
١١٨/٨
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَله: حَذِّرْ هؤلاء العابدين غيرى، والعادِلِين
بى الآلهةَ / والأوثانَ سَخَطِى، ( لا أحل١ُّ) بهم عقوبتى فَأَهلِكَهم كما أهلكْتُ مَن
سَلَكَ سبيلَهم مِن الأمم قبلَهم، فكثيرًا ما أهلكتُ قبلَهم مِن أهلِ قُرَّى عَصَونى ،
وكذَّبوا رسولى، وعبدوا غيرى، ﴿ فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيًَا﴾. يقولُ: فجاءتهم عقوبتُنا
ونِقْمَتُنا ليلًا قبلَ أن يُصبِحوا، أو جاءتهم قائلين، يعنى : نهارًا فى وقتِ القائلةِ.
وقيل: ﴿وَكَمْ﴾. لأن المرادَ بالكلامِ ما وصفْتُ مِن الخبرِ عن كثرةٍ ما قد
أصابَ الأممَ السالفةَ مِن المثلاتِ بتَكْذييهم رسلَه، وخلافِهم عليه. وكذلك تفعلُ
العربُ إذا أرادوا الخبرَ عن كثرةِ العددِ، كما قال الفَرَزْدَقُ(٢):
كُمْ عَمَّةٍ لكَ يا جرير وخالةٍ فَدْعاءً(٢) قد حَلَبَتْ علىّ عِشَارِى
فإن قال قائلٌ : فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما أخبر أنه أهلَك قُرَّى ، فما فى خبرِه عن
إهلاكِه القُرى مِن الدليلِ على إهلاكِه أهلَها ؟
قيل : إن القُرى لا تُسمَّى قُرَّى، ولا القريةَ قريةً ، إلا وفيها مساكنُ لأهلِها
وسكانٌ منهم ، ففى إهلاكِها إهلاكُ مَن فيها مِن أهلِها .
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يرى أن الكلامَ خَرَجَ مخرجَ الخبرِ عن القريةِ ، والمرادُ
به أهلُها .
والذى قلنا فى ذلك أَولى بالحقِّ ، لموافقتِه ظاهرَ التنزيلِ المتَّلُوِّ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَكَم ◌ِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءَ هَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْ هُمْ
(١ - ١) فى النسخ: ((لأحل)). والمثبت هو الصواب.
(٢) ديوانه ص ٤٥١، وفيه: كم خالة لك يا جرير وعمة .
(٣) الفدع: عوج وميل فى المفاصل كلها، خلقة أو داء. اللسان (ف د ع).

٥٩
سورة الأعراف : الآية ٤
قَآئِلُونَ﴾؟ وهل هَلَكَت قريةٌ إلا بمجىءٍ بأسِ اللَّهِ وحلولٍ نِقْمتِهِ وسَخَطِه بها (١)؟
فكيف قيل: ﴿ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَهَا﴾؟ وإن كان مجىءُ بأسِ اللَّهِ إياها بعدَ هلاكِها،
فما وجهُ مجىءٍ ذلك قومًا قد هَلَكوا وبادُوا، ولا يشعرون بما ينزِلُ بهم ولا
بمساكنهم ؟
قیل : إن لذلك مِن التأويلِ وجھین، كلاهما صحيح واضح منهجُه؛
أحدُهما ، أن يكونَ معناه : وكم من قريةٍ أهلكْناها بخِذْلانِنا إياها عن اتباع ما أنزلنا
إليها مِن البيناتِ والهُدى، واختيارِها اتباعَ أمرٍ أوليائِها الْمُغْوِيَّتِها عن طاعةِ ربِّها ،
فجاءَها بأْسُنا إذ فَعَلَت ذلك بياتًا أو هم قائِلُون. فيكونُ إهلاكُ اللَّهِ إياها خذلانَه لها
عن طاعتِه، ويكونُ مجىءُ بأسِ اللَّهِ إياهم جزاءً لمعصيتِهم ربَّهم بخِذْلانِه إياهم .
والآخرُ منهما، أن يكونَ الإهلاكُ هو البأسَ بعينِه، فيكونُ فى ذكرِ الإهلاكِ
الدلالةُ على ذكرٍ مجىءٍ البأسِ ، وفى ذكرِ مجىءٍ البأسِ الدلالةُ على ذكرِ الإهلاكِ .
وإذا كان ذلك كذلك، كان سواءً عندَ العربِ بُدِئَ بالإهلاكِ ثم عُطِفَ عليه
بالبأسِ، أو بُدِئَ بالبأسِ ثم عُطِفَ عليه بالإهلاكِ، وذلك كقولهم: زُرْتَنى
فأكرمتَنى . إذا كانت الزيارةُ هى الكرامةَ ، فسواءٌٍ عندَهم قَدَّمَ الزيارةَ وأُخَّر الكرامةَ ،
أو قَدَّمَ الكرامةَ وأَخَّر الزيارةَ ، فقال: أكرمتَنَى فَزُرْتَنى.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ(١) يزعُمُ أن فى الكلامِ محذوفًا ، لولا ذلك لم يكنِ
الكلامُ صحيحًا ، وأن معنى ذلك: وكم مِن قريةٍ أَهْلكناها، فكان مجى ء بأسِنا إياها
قبلَ إهلاكِناها(٤).
(١) بعده فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((قال كذلك)).
(٢) فى م: ((المغويها)).
(٣) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٣٧١.
(٤) فى م: ((إهلاكنا)).

٦٠
سورة الأعراف : الآية ٤
وهذا قولٌ لا دلالةَ على صحتِه مِن ظاهرِ التنزيلِ ، ولا مِن خبرٍ يجبُ التسليم
له ، وإذا خلا القولُ مِن دلالةٍ على صحتِهِ مِن بعضٍ الوجوهِ التى يجبُ التسليمُ لها
كان بيِّنًا فسادُه .
/ وقال آخرُ منهم أيضًا: معنى الفاءِ فى هذا الموضعِ معنى الواوِ، وقال: تأويلُ
الكلامِ: وكم مِن قريةٍ أهلكْناها وجاءها بأسنا بياتًا .
١١٩/٨
وهذا قولٌ لا معنى له، إذ كان للفاءِ عندَ العربِ مِن الحكم ما ليس للواوٍ فى
الكلام ، فصَرْفُها إلى الأغلبِ مِن معناها عندَهم ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ، أَوْلِى مِن
صرفِها إلى غيرِه .
فإن قال: وكيف قيل: ﴿ فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْ هُمْ قَآَيِلُونَ﴾. وقد علِمتَ
أن الأغلب من شأنٍ ((أو )) فی الکلام اجتلابُ الشكّ، وغیرُ جائز أن یکون فی خبرِ
اللَّهِ شكٌّ ؟
قيل : إن تأويلَ ذلك خلافُ ما إليه ذهبتَ ، وإنما معنى الكلام: وكم مِن قريةٍ
أُهْلكْناها فجاء بعضَها بأسُنا بياتًا، وبعضها وهم قائلون. ولو جَعَل مكان ((أو)) فى
هذا الموضع الواوَ، لكان الكلامُ [٨١٨/١و] كالمحالِ، ولصار الأغلبُ مِن معنى الكلامِ
أن القريةَ التى أهلكها اللَّهُ جاءها بأسُه بياتًا وفى وقتِ القائلةِ . وذلك خبرٌ عن البأسِ
أنه أهْلَكَ مَن قد هَلَكَ، وأَفْنَى مَن قد فَنِىَ، وذلك مِن الكلام خَلْفٌ (١) . ولكنَّ
الصحيحَ مِن الكلامِ هو ما جاء به التنزيلُ، إذا لم يَفْصِلِ القرى التى جاءها البأسُ بياتًا ،
مِن القرى التى جاءها ذلك قائلةً. ولو فُصِلت لم يُخْبَرْ عنها إلا بالواوٍ .
وقيل: ﴿ فَجَهَا بَأْسُنَا﴾. خبرًا عن القريةِ أن البأسَ أتاها، وأجرى الكلامَ
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((للحكم)).
(٢) الخَلْف : الردىء من القول . اللسان (خ ل ف).