Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
سورة الأنعام : الآية ١٤٦
قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾.
الإبلَ قَطْ(١).
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ ومَن قال
بمثلِ مقالتِه؛ لأن اللَّهَ / جلَّ ثناؤه أخبر أنه حرَّم على اليهودِ كلِّ ذى ظُفُرٍ، فغيرُ جائزٍ ٧٤/٨
إخراجُ شىءٍ مِن عمومٍ هذا الخبرِ، إلا ما أجْمَع أهلُ العلم أنه خارجٌ منه. وإذا كان
ذلك كذلك، وكان النَّعامُ وكلُّ ما لم يكنْ مِن البهائم والطيرِ مما له ظُفُرٌ غيرُ مُنْفَرِج
الأصابعِ داخلً فى ظاهرِ التنزيلِ، ويجب أن يُحكَمَ له بأَنه داخلٌ فى الخبرِ؛ إذ لم يَأْتِ
بأن بعضَ ذلك غيرُ داخلِ فى الآيةِ خبرٌ عن اللَّهِ ولا عن رسولِه، وكانت الأمَّةُ أكثرُها
مُجْمِعٌ على أنه فيه داخلٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَمِنَ الْبَغَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا
مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الشحوم التى أُخْبَر اللَّهُ تعالى أنه حرَّمها على اليهودِ مِن
البقرِ والغنم ؛ فقال بعضُهم: هى شحومُ الثُّرُوبِ(٣) خاصَّةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمِنَ الْبَقَرِ
وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا﴾: الثُّروبَ، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ◌ِعِ كان
يقولُ: ((قاتَل اللَّهُ اليهودَ، حرَّم اللَّهُ عليهم الثُّروبَ ثم أكَلوا أثْمانَها))(٤) .
(١) فى م: ((فقط)). وقَطْ: حَشْبُ. التاج (ق ط ط ).
والأثر ذكره القرطبى فى تفسيره ١٢٥/٧.
(٢) فى م: ((إذا))، وفى ت ١: ((إن)).
(٣) الثروب، جمع ثَوب: وهو شحمٌ غشى الكَرِشَ والأمعاءَ رقيق. الصحاح (ث رب).
(٤) أخرج المرفوع منه عبد الرزاق فى مصنفه ( ١٠٠٥٠، ١٦٩٧٠) - ومن طريقه أحمد ٨/٢١
(١٣٢٧٥)، عن معمر ، عن قتادة وغيره ، عن أنس مرفوعا ، وفيه قصة .
( تفسير الطبرى ٤١/٩ )

٦٤٢
سورة الأنعام : الآية ١٤٦
وقال آخرون : بل ذلك كان كلّ شحم لم يكنْ مُخْتَلِطًا بعَظُم ولا على عظم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ
قولَه: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا﴾. قال: إنما حرَّم عليهم الثَّوْبَ، وكلّ شحم
کان کذلك ليس فى عظم .
وقال آخرون : بل ذلك شحمُ الثَّوْبِ والكُلَى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدئِّ قوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾. قال: الثَّرْبَ وشحمَ الكُلْيَتَيْن،
وكانت اليهودُ تقولُ: إنما حرَّمه إسرائيلُ، فنحن نُحَرِّمُه(٢).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَاً﴾. قال: إنما حرَّم عليهم التُّروبَ والكُلْيَيْن . هكذا هو
فى كتابى عن يونُسَ، وأنا أَحْسَبُ أنه الكُلَى .
والصوابُ فى ذلك مِن القولِ أن يقالَ: إِن اللَّهَ أُخْبَر أنه كان حرَّم على اليهودِ
مِن البقر والغنم شحومَهما إلا ما اسْتَثْناه منها، مما حَمَلت ظهورُهما أو الحَوَايا أو ما
اخْتَلَطَ بعظم، فكلُّ شحم سوى ما اسْتَشْناه اللَّهُ فى كتابِهِ مِن البقر والغنم ، فإنه كان
محرَّمًا [٨٠٦/١ط] عليهم .
وبنحوِ ذلك مِن القولِ تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ بِهِ، وذلك قولُه:
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٣ إلى ابن المنذر بزيادة: وشحم الكلية .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٠/٥ (٨٠٣٤) من طريق أحمد بن مفضل به.

٦٤٣
سورة الأنعام : الآية ٤٦!
((قاتَل اللَّهُ اليهودَ، خَرَّمَتْ عليهم الشُّحومُ فجمَلوها(١)، ثم باعوها وأكَلوا
(٢)
أثمانها))(٢).
/وأما قولُه: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. فإنه يعنى: إلا شحومَ الْجَنَّبِ وما ٧٥/٨
عِلِق بالظهرِ ، فإنها لم تُحَمْ عليهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُوُهُمَا﴾. يعنى: ما علق بالظهرِ مِن الشحومِ (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: أما ﴿ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. فالأَلْيَاتُ(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ، عن أبى صالحٍ، قال :
الأَلْيَةُ مما حمَلَت ظهورُهما (٥).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَوِ اُلْحَوَايَآَ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: والحَوايا جمعٌ، واحدُها حاوِياءُ وحاوِيةٌ وحَوِيَّةٌ ، وهى ما تَحَّى
(١) جمَلتُ الشحم وأجمَلْته: إذا أذَبْتَه واستخرجتَ دُهنه، وجَمَلت أفصح من أجْملت. النهاية ٢٩٨/١.
(٢) أخرجه البخارى (٢٢٢٣، ٢٢٢٤، ٢٢٣٦، ٣٤٦٠، ٤٦٣٣)، ومسلم ( ١٥٨١، ١٥٨٢،
١٥٨٣)، من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب، وحديث جابر بن عبد الله، وحديث أبى هريرة ،
ثلاثتهم عن النبى ملئت نحوه .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٠/٥ (٨٠٣٥) من طريق أبى صالح به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٠/٥ عقب الأثر (٨٠٣٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٠/٥ (٨٠٣٦) من طريق إسماعيل به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٥٣/٣ إلى أبى الشيخ .

٦٤٤
سورة الأنعام : الآية ١٤٦
مِن البطنِ فاجْتَمَع واسْتَدار. وهى بناتُ اللبنِ (١)، وهى المَبَاعِرُ(١)، وتُسَمَّى الَرَابِضَ،
وفيها الأمعاءُ .
ومعنى الكلام: ومِن البقرِ والغنمِ حرَّمْنا عليهم شحومَهما إلا ما حمَلَت
ظهورُهما، أو ما حمَلَت الحَوَايا. ف﴿الْحَوَايَا﴾ رَفْعْ عطفًا على ((الظَّهورِ))،
و﴿مَا﴾ التى بعدَ ﴿إِلََّ﴾ُ نصبُ على الاستثناءِ مِن ((الشحومِ)).
وبمثلِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بن أبى طلحةً،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوِ اُلْحَوَايَا﴾: وهى المِبْعَرُ().
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَوِ الْحَوَابَآَ﴾: قال: المِبْعَرُ".
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿اُلْحَوَايَآ﴾: المِبْعَرُ والمَرْبِضُ(٥).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿أَوِ الْحَوَايَآَ﴾. قال: المِبْعَرُ.
(١) بنات اللبن: ما صغر من الأمعاء. ينظر اللسان (ب ن و).
(٢) المباعر، جمع مِبعر ومبعر: مکان البعر من کل ذی أربع. اللسان (ب ع ر).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٠/٥ (٨٠٣٧)، والبيهقى ٨/١٠، من طريق أبى صالح به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٣ إلى ابن المنذر.
(٤) تفسير مجاهد ص ٣٣٠، وهو فيه من تمام الأثر المتقدم فى ص ٦٣٩.
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٩/٣.

٦٤٥
سورة الأنعام : الآية ١٤٦
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيد
ابنِ جبيرٍ: ﴿أَوِ اُلْحَوَايَآَ﴾. قال: المَباعِرُ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ: ﴿أَوِ اُلْحَوَايَا﴾. قال : المَاعِرُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوِ اُلْحَوَايَآَ﴾.
قال: المِجْعَرُ(١).
/حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوِ ٧٦/٨
اُلْحَوَايَآَ﴾. قال: المِبْعَرُ(٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ والمحاربىُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ،
قال : المِبْعَرُ)).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَآَ﴾ . يعنى:
البطونُ غيرُ التُّروبِ (٤).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ الْحَوَايَآَ﴾: هو المِبْعَرُ.
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١١/٥ عقب الأثر (٨٠٣٧) معلقا .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٢١/١، ووقع فى مطبوعته: البقر. خطأ.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١١/٥ (٨٠٣٨) من طريق أبى أسامة به بلفظ: المباعر والمرابض.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١١/٥ (٨٠٤٠) من طريق على بن الحكم عن الضحاك بلفظ:
فالبطون غير الثروب. ثم علَّقه عقبه عن عبيد بن سليمان عن الضحاك، بلفظ : يعنى بالثروب غير
البطون .

٦٤٦
سورة الأنعام : الآية ١٤٦
السدىِّ: ﴿أَوِ اُلْحَوَايَاَ﴾. قال: المبَاعُِ(١).
وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثنی به يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال
أبنُّ زيدٍ فى قوله: ﴿أَوِ اُلْحَوَايَا﴾. قال: الحَوايا المَرَابِضُ التى تكونُ فيها الأمعاءُ،
تكونُ وَسَطَها، وهى بناتُ اللَّبَنِ، وهى فى كلامِ العربِ تُدْعَى الَرَابِضَ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن البقرِ والغنمِ حرَّمْنا على الذين هادوا شُحومَهما،
سوى ما حمّلَت ظُهورُهما ، أو ما حمَلَت حَواياهما ، فإنا أخْلَلْنا ذلك لهم، وإلا ما
اخْتَلَط بعظم، فهو لهم أيضًا حلالٌ .
فردَّ قولَه: ﴿أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾. على قوله: ﴿ إِلَّا مَا حَمَلَتْ
ظُهُورُهُمَا﴾، ف﴿ مَا﴾ التى فى قوله: ﴿أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾، فى موضعٍ
نصبٍ، عطفًا على ﴿مَا﴾ التى فى قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُ هُمَا﴾.
وعَنَى بقولِه: ﴿أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظَرٍ﴾. شحمَ الأَلْيَةِ وَالْجَنَّبِ وما أُشْبَهَ ذلك.
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ :
﴿ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾. قال: شحمُ الأَلْيَةِ بالغُضْغُصِ(٣)، فهو حلالٌ، وكلُّ
شىءٍ فى القوائمِ والجَّبِ والرأسِ والعينِ، (وما) اخْتَلَط بعظم، فهو حلالٌ(٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُّ المفضلِ، قال: ثنا أشْباطُ ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١١/٥ عقب الأثر (٨٠٣٧) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١١/٥ (٨٠٣٩) من طريق أصبغ عن ابن زيد به .
(٣) العصعص : أصل الذُّنَب، وهو عظم صغير فى نهاية العمود الفقرى، ويتكون من التحام ثلاث فقرات أو
أربع. ينظر الوسيط (عصعص ).
(٤ - ٤) فى م: (( قد)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٥٠/٣.

٦٤٧
سورة الأنعام : الآيتان ١٤٧،١٤٦
السدىِّ: ﴿أَوْ مَا أَخْتَلَطَ يِعَظِيمٍ﴾: فما كان مِن شحمٍ على عظمٍ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَا لَصَدِقُونَ
(١٤٦
يقولُ تعالى ذكرُه: فهذا الذى حرَّمْنا على الذين هادوا مِن الأنعامِ والطيرِ
ذواتِ الأظافيرِ غيرِ المُنْفَرِجةِ، ومِن البقرِ والغنم ما حرَّمْنا عليهم مِن شحومِهما الذى
ذَكَوْنا فى هذه الآيةِ، حرَّمْناه عليهم عُقوبةً منا لهم، وثوابًا على أعمالِهِم السيئةِ ،
وبغيهم على ربّهم .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ ذَلِكَ
جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِّقُونَ﴾؛ إنما حرَّم ذلك عليهم [٥٨٠٧/١] عُقوبةٌ
(٣)
ببغیھم
.
/ حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ ذَلِكَ ٧٧/٨
جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمْ﴾: فَعَلْنا ذلك بهم بيغيهم .
وقولُه: ﴿ وَإِنَا لَصَدِقُونَ﴾ . يقولُ: وإنا لصادِقون فى خبرنا هذا عن هؤلاء
اليهودِ ، و عما حرَّمْنا عليهم مِن الشحومِ ولحومِ الأنعامِ والطيرِ التى ذكَّرْنا أنَّا حرَّمْنا
عليهم، وفى غيرِ ذلك مِن أخبارِنا، وهم الكاذبون فى زعمِهم أن ذلك إنما حرَّمه
إسرائيلُ على نفسِه، وأنهم إنما حرَّموه لتَخْريم إسرائيلَ إياه على نفسِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا
١٤٧
يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ
(١) فى م: ((مما))، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((ما)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١١/٥ عقب الأثر (٨٠٤١) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١١/٥ (٨٠٤٣) من طريق يزيد به .
(٤) سقط من : م

٦٤٨
سورة الأنعام : الآية ١٤٧
يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيُّه محمدٍ عَ لِّ: فإن كذَّبك(١) يا محمدُ هؤلاء اليهودُ فيما
أُخْبَوناك أنَّا حَّمْنا عليهم وحلَّلْنا لهم، مما (٢) بيِّنا فى هذه الآيةِ، ﴿فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو
رَحْمَةٍ﴾ بِنا وبَمَن كان به مؤمنًا من عبادِه، وبغيرِهم مِن خلقِه، ﴿ وَاسِعَتٍ ﴾ : تَسَمُ
جميعَ خلقِه ؛ المحسنَ والمسىءَ، لا يُعاجِلُ مَن كفَر به بالعقوبةِ ، ولا من عصاه
بالنِّقْمةِ ، ولا يَدَعُ كرامةَ مَن آمَن به وأطاعه ، ولا يَخْرِمُه ثوابَ عمله ؛ رحمةً منه بكلا
الفريقَيْن ، ولكنَّ بأُسَه - وذلك سَطْوَتُه وعذابُه - لا يَرُدُّه إذا أخَلَّه - عندَ غضبِه على
المجرمين - بهم، عنهم شىءٌ، والمجرمون هم الذين أجْرَموا فاكْتَسَبوا الذنوبَ
واجْتَرَحوا السيئاتِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾: اليهودُ(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ : ﴿فَإِن كَذَّبُوَ﴾: اليهودُ، ﴿فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: كانت اليهودُ يقولون: إنما حرَّمه إسرائيلُ - يعنى الثَّوْبَ وشحمَ
الكُلْيَتَيْن - فنحن نُحَرِّمُه. فذلك قوله: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: ((كذبوك)).
(٢) فى م: (( كما)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٠ - من تمام الأثر المتقدم فى ص٦٣٩ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٢/٥
(٨٠٤٥)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

٦٤٩
سورة الأنعام : الآيتان ١٤٧، ١٤٨
(١)
وَسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ, عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ﴾
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ لَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآَ
ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شٍَّ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ
بَأْسَنًا﴾ .
/يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾. وهم العادِلون باللّهِ الأوثانَ ٧٨/٨
والأصنامَ مِن مشركي قريشٍ: ﴿لَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾. يقولُ: قالوا؛
اخْتِجارًا(١) مِن الإذعانِ للحقِّ بالباطلِ مِن الحجةِ، لمَّا تَبَيَّن لهم الحقُّ، وعلِموا باطلَ
ما كانوا عليه مُقِيمِين؛ مِن شركهم، وتحريمِهم ما كانوا يُحَرِّمون مِن الْحُروثِ
والأنعام - على ما قد بين تعالى ذكرُه فى الآياتِ الماضيةِ قبلَ ذلك: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾. وما بعدَ ذلك -: لو أراد اللَّهُ منا
الإيمانَ به، وإفرادَه بالعبادةِ دونَ الأوثانِ والآلهةِ، وتحليلَ ما حَرَّم مِن البَحائِ
والسَّوائبِ وغيرِ ذلك مِن أموالِنا - ما جعَلْنا للَّهِ شريكًا ، ولا جعَل ذلك له آباؤنا مِن
قبلنا ، ولا حرَّمْنا ما نُحَرِّمُه مِن هذه الأشياءِ التى نحن على تحريمِها مُقِيمون ؛ لأنه قادرٌ
أن يَحولَ بيننا وبينَ ذلك ، حتى لا يكونَ لنا إلى فعلِ شىءٍ مِن ذلك سبيلٌ ، إما بأن
يَضْطَرَّنا إلى الإيمانِ وتركِ الشركِ به، وإلى القولِ بتحليلِ ما حرَّمْناً(٢)، وإما بأن يَلْطُفَ
بنا(*) بتوفيقِه، فتَصِيرَ إلى الإقرارِ بوخْدانيتِه، وتركِ عبادةٍ ما دونَه مِن الأندادِ
والأصنام، وإلى تحليلٍ ما حرَّمْنا، ولكنَّه رضِى منا ما نحن عليه مِن عبادة الأوثانِ
والأصنام، واتخاذِ الشريكِ له فى العبادةِ والأندادِ، وأراد ما نُحَرِّمُ مِن الحُروثِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٢/٥ (٨٠٤٦) من طريق أحمد بن المفضل به.
(٢) فى ف: ((احتجاجا)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ( حرمه)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((لنا)).

٦٥٠
سورة الأنعام : الآية ١٤٨
والأنعام، فلم يَخُلْ بيننا وبينَ ما نحن عليه مِن ذلك .
قال اللَّهُ مكذِّبًا لهم فى قيلِهم: إن اللَّهَ رضِى منا ما نحن عليه مِن الشركِ،
وتحريم ما نُحَرِّمُ. وردًا عليهم باطلَ ما احْتَبُوا به مِن حُجَّتِهم فى ذلك:
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾. يقولُ: كما كذَّب هؤلاء المشركون يا
محمدُ ما جئتَهم به مِن الحقِّ والبيانِ ، كذَّب مَن قبلَهم مِن فَسَقةِ الأمم الذين طغَوْا
على ربِّهم ، ما جاءَتْهم به أنبياؤُهم مِن آياتِ اللَّهِ، وواضح حُجَجِه، وردُّوا عليهم
نصائحُهم، ﴿حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَّا﴾. يقولُ: حتى أُسْخَطونا، فغضِبْنا عليهم ،
فأخلَلْنا بهم بأسَنا فذاقوه، فعطِبُوا بذَوْقِهِم إياه، فخابوا وخسِروا الدنيا والآخرةَ .
يقولُ: وهؤلاء الآخرون مسلوك بهم سبيلُهم، إن هم لم يُنِيبوا، فيُؤْمِنوا ويُصَدِّقوا
بما® جئتهم به مِن عند ربِّهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآَ
ءَابَآ ؤُنَا﴾. وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. ثم قال: ﴿وَلَوْ
شَّةَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ [الأنعام: ١٠٧]. فإنهم قالوا: عبادتُنا الآلهةَ تُقَرِّبُنا إلى اللَّهِ
زُلْفَى. فأُخْبَرهم اللَّهُ أنها لا تُقَرَّبُهم، وقولُه: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ﴾. يقولُ اللَّهُ
سبحانَه: [٨٠٧/١ظ] لو شئتُ لجَمَعْتُهم على الهُدَى أجمعين(١).
حدِّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أَبِى نَجيجٍ،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فيما).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٥٢. وينظر ما تقدم تخريجه فى ص ٤٨٠.

٦٥١
سورة الأنعام : الآية ١٤٨
عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَخٍّْ﴾. قال: قولُ قريشٍ. يَغْنى: إنَّ اللَّهَ حرَّم هذه
=(١)
البَحيرةَ والسائبةَ(١) .
حذَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَا حَرَّمْنَا مِن شٍَّ﴾: قولُ قريشٍ بغيرِ يقينٍ: إن اللَّهَ حرَّم هذه (٢) البحيرةَ
والسائبةً .
فإن قال قائلٌ: وما بُرهانُك على أن اللَّهَ تعالى إنما كذَّب مِن قِيلِ هؤلاء
المشركين قولَهم: رضِى اللَّهُ منا عبادةَ الأوثانِ، وأراد منا / تحريمَ ما حرَّمْنا مِن الحُروثِ ٧٩/٨
والأنعام. دونَ أن يكونَ تكذيئه إياهم كان على قولهم: ﴿لَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا
وَلَّ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ ﴾. وعلى وصفِهم إياه بأنه قد شاء شِرْكُهم وشركَ
آبائِهم وتحريمَهم ما كانوا يُخْرِّمون؟
قيل له : الدلالةُ على ذلك قولُه: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.
فأخْبَر جلَّ ثناؤه عنهم أنهم سلكوا فى تكذيبِهم نبيَّهم محمدًاً عَظ له فيما أتاهم به مِن
عندِ اللَّهِ - مِن النهي عن عبادةِ شىءٍ غيرِ اللَّهِ تعالى، وتحريم غيرِ ما حرَّم اللَّهُ فى كتابِه
وعلى لسانِ رسولِه - مَسْلَكَ سُلَّافِهِمْ(٢) مِن الأمم الخاليةِ المكذِّبةِ اللَّهَ ورسوله.
والتكذيبُ منهم إنما كان لِمُكَذَّبٍ(٤) ، ولو كان ذلك خبرًا مِن اللَّهِ عن گذِیھم فی
قيلهم: ﴿ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَا ؤُنَا﴾. لَقال: (كذلك كذَب
الذين مِن قبلِهم). بتخفيفِ الذالٍ، وكان يَشْسِبُهم فى قيلهم ذلك إلى الكذب
على اللَّهِ لا إلى التكذيب. مع علي كثيرةٍ يَطولُ بذِكْرِها الکتابُ، وفيما ذكَوْنا
(١) تفسير مجاهد ص ٣٣٠.
(٢) فى ص، س، ف: (( هذا)).
(٣) فى م: ((أسلافهم)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((لكذب).

٦٥٢
سورة الأنعام : الآيتان ١٤٨، ١٤٩
كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلّ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَا إِن تَنَّبِعُونَ
١٤٨)
إِلَّا الََّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عََّهِ: قَلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم
الأوثانَ والأصنامَ ، المحرّمين ما هم له مُحَرِّمون مِن الحروثِ والأنعام ، القائلين: لو شاء
اللّهُ ما أشْركْنا ولا آباؤنا ، ولا حژَّمْنا من شىءٍ، ولکنه رضِی منا ما نحن عليه مِن
الشركِ وتحريمٍ ما نُحَرِّمُ: ﴿هَلْ عِندَكُمْ﴾ بدَغْواكم ما تدَّعُون على اللَّهِ، مِن
رضاه بإشْراكِكم فى عبادتِه ما تُشْرِكون، وتحريمكم مِن أموالِكم ما تُحَرَّمون - عِلْمُ
يقينٍ مِن خبرٍ مَن يَقْطَعُ خبرُه العذرَ، أو حجةٌ تُوجِبُ لنا اليقينَ مِن العلمِ،
ء
﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَّاً﴾؟ يقولُ: فَتُظْهِروا ذلك لنا وتَبَيِّنوه، كما بيَّنا لكم مواضعَ خطاً
قولِكم وفعلِكم، وتناقُضَ ذلك واستحالتَه فى المعقولِ والمسموع؟ ﴿إِن تَنَّبِعُونَ
إِلَّا الَّنَ﴾. يقولُ له : قلْ لهم: إنْ تقولون ما تقولون أيُّها المشركون ، وتَعْبدون مِن
الأوثانِ والأصنام ما تَعْبُدون، وتُحرِّمون مِن الحُروثِ والأنعام ما تُحرّمون، إِلَّ ظَنَّا
وحُسْبانًا أنه حقٌّ، وأنكم على حقٍّ، وهو باطلٌ، وأنتم على باطلٍ. ﴿ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا
تَّخْرُصُونَ﴾. يقولُ: ﴿ وَإِنْ أَنْتُمْ ﴾: وما أنتم فى ذلك كلِّه ﴿إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾.
يقولُ : إِلَّا تَتَقوَّلون الباطلَ على اللَّهِ؛ ظنًّا بغيرِ يقينٍ علمٍ ، ولا برهانٍ واضحٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَلَكُمْ
أَجْمَعِينَ
٤٩
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم
الأوثانَ والأصنامَ، القائلين على ربّهم الكذبَ ، فى تحريمهم ما حرَّموا مِن الحروثِ
والأنعام ، إن عجزوا عن إقامةِ الحُجَّةِ عندَ قِيلِك لهم: هل عندَ كم مِن علم بما تدَّعُون

٦٥٣
سورة الأنعام : الآية ١٤٩
على ربّكم فتُخْرِجوه لنا ؟ وعن إخراج علم ذلك لك وإظهارِه ، وهم لاشكَّ عن ذلك
عَجَزةٌ ، وعن إظهارِهِ مُقَصِّرةٌ(١)؛ لأنه باطلٌ لا حقيقةً له، فللهٍ(٢) الذى حرَّم عليكم
أن تُشْرِكوا به شيئًا، وأن تَتَبِعوا خُطُواتِ الشيطانِ فى أموالِكم مِن الحروثِ
والأنعام - الحجةُ البالغةُ / دونَكم أيُّها المشركون. ويَعْنى بـ ((البالغةِ)): أنها تَبْلُغُ ٨٠/٨
مرادَه فى ثبوتِها على مَن احْتَجَّ بها عليه مِن خَلْقِهِ، وقَطْع عُذْرِه إذا ١) انْتَهَتْ إليه فيما
◌ُعِلَتْ حجةً فيه .
﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: فلو شاء ربُّكم لَوَفَّقكم أجمعين
للاْتِماعُ) على إفرادِه بالعبادةِ ، والبراءةِ مِن الأندادِ والآلهةِ، والدَّيْنونةِ بتحريم ما
حرَّم اللَّهُ، وتحليل ما حَلَّله اللَّهُ، وتركِ اتِّباع خطواتِ الشيطانِ، وغيرِ ذلك مِن
طاعاتِهِ ، ولكنَّه لم يَشَأْ ذلك، فخالَف بينَ خلقِه فيما شاء منهم ، فمنهم كافرٌ ومنهم
مؤمنٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: لا حُجَّةَ لأحدٍ عصَى(٥) اللَّهَ، ولكنْ للَّهِ الحجةُ البالغةُ على
عبادِه، "قال اللَّهُ): ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
(١) فى م: ((مقصرون)).
(٢) فى م: (( فالله)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((وإذا)).
(٤) فى م: ((للإجماع)).
(٥) فى ت ١، س: ((على)).
(٦ - ٦) فى م: ((وقال)).

٦٥٤
سورة الأنعام : الآيتان ١٤٩، ١٥٠
وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣](١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ قُلّ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَأَ
فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَاَءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَِنَا وَالَّذِينَ لَا
١٥٠
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِ لُون
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لَه: [٥٨٠٨/١] قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُفْتَرِين
على ربِّهم مِن عَبَدةِ الأوثانِ ، الزاعمِين أن اللَّهَ حرَّم عليهم ماهم مُحَرِّموه مِن حُروثِهم
وأنعامِهم: ﴿هَلُّ شُهَدَآءَ كُمُ﴾. يقولُ: هاتوا شُهداءَ كم الذين يَشْهَدون على اللَّهِ
أنه حرَّم عليكم ما تَزْعُمون أنه حّمه علیکم .
وأهلُ العاليةِ مِن تِهامةَ تُؤَخِّدُ ((هُلمَّ)) فى الواحدِ والاثنين والجَمِيعِ(٢)، وتذكِّرُ
فى المؤنَّثِ والمذكِّرٍ، فتقولُ للواحدٍ: هَلُمَّ يا فلانُ. وللاثنين والجميع كذلك،
وللأنثى مثلَه، ومنه قولُ الأَعْشَى(٣):
وكان دعا قومَه دَعْوةٌ
هلُمَّ إلى أمرٍكم قد صُِّمُ(٤)
يُْشَدُ : هَلُمَّ وهلُهُوا. وأما أهلُ السافِلةِ مِن ◌َجْدٍ، فإنهم يُوَحِّدون للواحدِ ،
ويُثَنُّون للاثنين، ويَجْمَعون للجميع، فتقولُ للواحدِ مِن الرجالِ : هلُمَّ . وللواحدةِ
مِن النساءِ: هُلُمِّى. وللاثنين: هلُمَّا. وللجماعةِ مِن الرجالِ: هلُمُوا. وللنساءٍ:
(٥)
هَلْمُمْنَ(٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٣/٥ (٨٠٥٠) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به، إلى قوله: على
عباده .
(٢) فى م: ((الجمع)).
(٣) ديوانه ص ٤٣.
(٤) الصَّرْم : القَطْع البائن. اللسان (ص رم ).
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((هلمن)).

٦٥٥
سورة الأنعام : الآية ١٥٠
قال اللَّهُ لنبيِّه: ﴿فَإِنِ شَهِدُواْ﴾ يا محمدُ . يقولُ: فإن جاءوك بشهداءَ
يَشْهَدون أن اللَّهَ حرَّم ما يَزْعُمون أن اللَّهَ حرَّمه عليهم، ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾.
فإنهم كَذَبةٌ وشهودُ زُورٍ فى شهادتِهم بما شهِدوا به مِن ذلك على / اللَّهِ. وخاطَب ٨١/٨
بذلك جلَّ ثناؤه نبيَّه عَظِلِّ، والمرادُ به أصحابُه والمؤمنون به، ﴿ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا﴾. يقولُ: ( ولا تُشايِعهم" على ما هم عليه مِن التكذيبِ
بوحي اللَّهِ وتنزيله، فى تحريم ما حرَّم، وتحليلٍ ما أحَلَّ لهم، ولكن اتَّبِغ ما أَوْحِى إليك
مِن كتابٍ ربِّك الذى لا يَأْتِيه الباطلُ مِن بينِ يديْه ولا مِن خلفِه. ﴿ وَالَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: ولا تَتَبع أهواءَ الذين لا يُؤْمِنون بالآخرةِ ، فتُكَذِّبَ بما
هم به مُكَذِّبون؛ مِن إحياءِ اللَّهِ خلقَه بعدَ قَمَاتِهم، ونَشْرِهِ إياهم بعدَ فنائِهم، ﴿ وَهُم
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. يقولُ: وهم مع تكذيِهم بالبعثِ بعدَ الَماتِ ، وجحودِهم
قيام الساعةِ ، باللَّهِ يَعْدِلون الأوثانَ والأصنامَ، فَيَجْعَلونها له عِدْلًا، ويَتَّخِذونها له نِدًّا
يعبدونها مِن دونه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن
السدىِّ قوله: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾. يقولُ: قُلْ:
أَزُونِي الذين يَشْهَدون أن اللَّهَ حرَّم هذا مما حَرَّمَتِ العربُ، وقالوا: أمَرَنا اللَّهُ به . قال
اللَّهُ نرسولِه: ﴿فَإِنِ شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمَّ﴾(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
(١ - ١) فى م، س: ((ولا تتابعهم))، وفى ت ١: (( وتشايعهم).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٣/٥ (٨٠٥٢، ٨٠٥٤، ٨٠٥٥) من طريق أحمد بن المفضل به .

٦٥٦
سورة الأنعام : الآيتان ١٥١،١٥٠
مجاهدٍ: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾. قال: البَحائِرُ
(١)
والشئَّبُ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا
تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عٍَّ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم
الأوثانَ والأصنامَ، الزاعمين أن اللَّهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه مِن حروثِهم
وأنعامِهم ، على ما ذكَرْتُ لك فى تنزيلى عليك: تعالَوا أيُّها القومُ أَقْرَأْ عليكم ما حرَّم
ربُّكم حقًّا يقينًا، لا الباطلَ تَخَرُّصًا؛ تَخَرُّصَكم ٢) على اللَّهِ الكذبَ والْفِرْيَةَ ظنًّا،
ولكنْ وحيًّا مِن اللَّهِ أَوْ حاه إلىّ، وتنزيلًا أَنزَله علىَّ: ألا تُشْرِكوا باللَّهِ شيئًا مِن خلقِه،
ولا تَعْدِلوا به الأوثانَ والأصنامَ، ولا تَعْبُدوا شيئًا سواه. ﴿ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾.
يقولُ: وأوْصَى بالوالدين إحسانا. وحذَف ((أَوْصَى)) و((أمَر))؛ لدلالةِ الكلام عليه
ومعرفةِ السامع بمعناه. وقد بيَّنا ذلك بشَواهدِه فيما مضَى مِن الكتابِ (١).
وأما ((أن) فى قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾. فرفعٌ؛ لأن معنى الكلامِ : قلْ
تعالَوْا أَتلُ ما حرَّم ربّكم عليكم؛ هو ألا تُشْرِكوا به شيئًا .
وإذا كان ذلك معناه، كان فى قوله: ﴿تُشْرِكُواْ﴾ . وجهان؛ الجزمُ / بالنَّهْىِ ،
وتوجيهُ ((لا )) إلى معنى النهى. والنصبُ على توجيهِ الكلامِ إلى الخبرِ، ونصبٍ
﴿ْ تُشْرِكُواْ﴾ بـ ﴿أَلََّ﴾ُ، كما يقالُ : أَمَوْتُك ألا تقومَ .
٨٢/٨
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٣/٥ (٨٠٥٣) من طريق حجاج به .
(٢) فى م: « کخرصکم)) .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢/ ١٩١.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .

٦٥٧
سورة الأنعام : الآية ١٥١
وإن شئتَ جعَلْتَ ((أن)) فى موضع نصبٍ ردًّا على (( ما)) وبيانًا عنها ، ويكونُ فی
قوله: ﴿تُشْرِكُواْ﴾. أيضًا مِن وجهَي الإعرابِ على(١) نحوٍ ما كان فيه منه و ((أن))
فی موضعٍ رفعٍ .
ويكونُ تأويلُ الكلام حينئذٍ: قلْ تعالوا أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ أقلُ (٢) ألا
تُشْرِ كوا به شيئًا .
فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿تُشْرِكُواْ﴾. نصبًا بـ ﴿أَلَّ﴾،
أم كيف يَجوزُ توجيهُ قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ﴾ . على معنى الخبرِ، وقد عطَف عليه
بقولِه: ﴿ وَلَا تَقْذُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍّ﴾. وما بعدَ ذلك مِن جزمِ النهى ؟
قيل: جاز ذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ إِنَّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ
مَنْ أَسْلَمْ﴾. فجعَل ﴿ أَنْ أَكُونَ﴾ خبرًا، و﴿ أَنْ﴾ اسمًا، ثم عطَف
عليه "﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وكما قال الشاعرُ():
حَجَّ وأوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا
ألا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أحَدَا
ولا يَزَلْ شَرابُها مُبَرَّدًا(٥)
فجعَل قولَه: ألّا تَرَى. خبرًا، ثم عطَف بالنهي ، فقال: ولا تُكَلِّمْ، ولا يَزَلْ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ
(١) سقط من: م.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٣ - ٣) زيادة لازمة يتضح بها السياق، وينظر معانى القرآن للفراء ٣٦٤/١.
(٤) معانى القرآن للفراء ٣٦٤/١ دون نسبة .
(٥) فى معانى القرآن ٣٦٤/١: ((ولا تمش بفضاء بعدا)).
( تفسير الطبرى ٤٢/٩ )

٦٥٨
سورة الأنعام : الآية ١٥١
وَإِنَاهُمٌ﴾ .
[٨٠٨/١ظ] يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقِّ﴾ :
ولا تَقِّدوا أولادَكم فتَقْتُلوهم مِن خَشْبةِ الفقرِ على أنفسِكم بنَفَقاتِهم(١)؛ فإن اللَّهَ هو
رازقُكم وإياهم، ليس عليكم رزقُهم فتَخافُوا بحياتهم على أنفسِكم العجز عن
أرزاقهم وأقْواتِهم .
والإمْلاقُ مصدرٌ مِن قولِ القائل: أُمْلَقْتُ مِن الزادِ ، فأنا أَمْلِقُ إملاقًا. وذلك إذا
فنِى زادُه، وذهَب مالُهُ وأَفْلَس .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ﴾: الإملاقُ الفقرُ، قتَلوا
أولادَهم خشيةَ الفقرِ(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ وَلَا
تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ﴾. أى: خشيةَ الفاقةِ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَلَا تَقْذُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ﴾. قال: الإملاقُ الفقرُ(٤).
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((شفقا بهم).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٤/٥ (٨٠٥٩) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٥٥/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٥/٥ (٨٠٦٠) من طريق شيبان، عن قنادة مطولًا، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٣/ ٥٤، ٥٥ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٥/٥ عقب الأثر (٨٠٦٠) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به .

٦٥٩
سورة الأنعام : الآية ١٥١
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابنُ جُريج
قولَه: ﴿مِّنْ إِمْلَقٍ﴾. قال: شياطينُهم يَأْمُرُونهم أن يَئِدوا أولادَهم خِيفَةً
العَيْلَةِ .
إخْدُثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبِيدُ بنُ ٨٣/٨
سليمانَ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿مِّنْ إِمْلَقٍ﴾. يعنى: من خشيةِ فقرٍ (١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَرٌ
يقولُ تعالى ذكره : ولا تَقْرَبُوا الظاهرَ مِن الأشياءِ المحرّمةِ عليكم، التى هى
علانيةٌ بينَكم ، لا تَناكَرون ركوبَها، والباطنَ منها الذى تَأْتُونه(٣) سرًا فى خَفاءٍ لا
تُجَاهِرون(٤) به ، فإن كلَّ ذلك حرامٌ .
وقد قيل: إنما قيل: لا تَقْرَبوا ما ظهَر مِن الفَواحشِ وما بطن؛ لأنهم كانوا
يَسْتَقْبِحون مِن معانی الزنى بَعْضًا .
وليس ما قالوا مِن ذلك بمدفوع ، غيرَ أن دليلَ الظاهرِ مِن التنزيلِ على النهي عن
ظاهرٍ كلِّ فاحشةٍ وباطنِها ، ولا خبرَ يَقْطَعُ العذرَ بأنه عُنِى به بعضٌ دونَ جميعٍ ، وغيرُ
جائزٍ إحالةٌ ظاهرٍ كتابٍ اللَّهِ إلى باطنٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها .
ذكرُ مَن قال ما ذكَرْنا مِن قولٍ مَن قال: الآيةُ خاصُ المعنى
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) زيادة من: م.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٥/٥ عقب الأثر (٨٠٦٠) معلقا .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((يأتونه)).
(٤) فى ت ١، ت ٢)، ت ٣، س: ((يجاهرون؟.
. . .

٦٦٠
سورة الأنعام : الآية ١٥١
السدىِّ: ﴿ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ﴾: أما ﴿مَا ظَهَرَ
مِنْهَا﴾: فَزَوانى الحَوانيتِ، وأما ﴿مَا بَطَنٌ﴾: فما خِفِى ".
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا ◌ُبيدُ بنُ
سليمانَ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَرَبٌ﴾ : كان أهلُ الجاهليةِ يَسْتَسِرُون بالزنى، ويَرَوْن ذلك حلالاً ما كان سرًّا،
فحَّم اللَّهُ السرَّ منه والعَلانِيَةَ، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. يعنى: العَلانيةَ، ﴿ وَمَا
بَطَنٌ﴾. يعنى: السؤُ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ بنِ أبى
طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَرَبٌ﴾. قال: كانوا فى الجاهليةِ لا يَرَوْن بالزنى بأسًا فى السرِّ، ويَسْتَقْبِحونه فى
العَلانيةِ، فحرَّم اللَّهُ الزنى فى السرٌّ والعَلانيةِ(١).
وقال آخرون فى ذلك بمثلِ الذى قلنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا تَقْرَبُواْ
اُلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَ﴾: سرَّها وعلانِيتَها (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٦/٥ عقب الأثر (٨٠٦٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٢) ينظر التبيان ٣١٥/٤.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٦/٥، ١٤٦٩ (٨٠٦٦، ٨٤١١) من طريق أبى صالح عبد الله بن
صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٦/٥ عقب الأثر (٨٠٦٦) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥٤/٣، ٥٥ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.