Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سورة الأنعام : الآية ٩٨ حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ ظ فى: ﴿ فَسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ الرحمُ، والمستودُ الصلبُ . حدَّثنى يونُسُ ، قال : ثنى سفيانُ، عن رجلٍ حدَّثه عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال : قال لى ابنُ عباسٍ: ألا تَنْكِحُ؟ ثم قال: أَمَا إنى أقولُ لك هذا، وإنى لأَعْلَمُ أن اللَّهَ مُخْرِجٌ مِن صليِك ما كان فيه (من مُشْتَودَعٍ ) . حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: المستقَرُّ فى الرحمِ، والمستودَعُ فى الصلبٍ(١). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ فَيُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوَْعُ﴾. قال: مستقَرٌّ فى الرحم، ومستودَعٌ فى الصلب . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ : فَسْتَقَرٌ وَمُسْتَوَعٌ ﴾. قال: مستقَرٌّ فى الرحمِ، ومستودٌَ فى الصلبِ(٣). احُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ ٢٩١/٧ سليمانَ ، عن الضحاكِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدٌَ﴾: أمَّا مستقَرٍّ، فما استقَّرَّ فى الرحمِ، وأما مستودَعْ ، فما استُودِع فى الصلبٍ (٤) . (١ - ١) فى م، ت ١: ((مستودعا)) وفى ت٢، س، ف: ((مستودع)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٥٥، ١٣٥٧ عقب الأثرين (٧٦٨٣، ٧٦٩٣)، ٢٠٠٢/٦، ٢٠٠٣ من طريق عمرو بن حماد ، عن أسباط به . (٣) تفسير عبد الرزاق ٢١٤/١. (٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٥٥، ١٣٥٧ عقب الأثرين (٧٦٨٣، ٧٦٩٣)، ٢٠٠٢/٦، ٢٠٠٣ معلقا . ٤٤٢ سورة الأنعام : الآية ٩٨ حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَمُسْتَقٌَ وَمُسْتَوْيٌ﴾. قال: مستقَرِّ فى الأرحامِ، ومستودَعُ فى الأصلابِ(١). حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءٍ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، وأبى حمزةَ، عن إبراهيمَ ، قالا: مستقَرِّ ومستودَعٌ؛ المستقَرُّ فى الرحمِ، والمستودَعُ فى الصلبِ. وقال آخرون : المستقَرُّ فى القبرِ، والمستودَعُ فى الدنيا . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ، قال : كان الحسنُ يقولُ: مستقَرّ فى القبرِ، ومستودَعٌ فى الدنيا، وأوْشَك أن يَلْحَقَ (٢) بصاحبِه(٢) . وأولى التأويلاتِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ : إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بقولِه: ﴿ فَُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. كلَّ خلقِه الذى أَنْشَأُ مِن نفسٍ واحدةٍ مستقَرًّا ومستودَعًا ، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك معنًى دون معنًى ، ولا شكَّ أن مِن بنى آدمَ مستقَرًّا فى الرحمِ، ومستودَعًا فى الصلبِ، ومنهم مَن هو مستقَرّ على ظهرِ الأرضِ أو بطنِها، ومستودَعْ فى أصلابِ الرجالٍ، ومنهم مستقَرٌّ فى القبرِ، مستودَعْ على ظهرِ الأرضِ، فكلُّ مستقَرِّ أو مستودَعِ بمعنَى مِن هذه المعانى، فداخلٌ فى عمومٍ قوله: ﴿فَسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْيَعُ﴾ . ومرادٌ به ، إلا أن يَأْتِىَ خبرٌ يَجِبُ التسليمُ له بأنه معنىٌّ به معنًى دونَ معنَى ، وخاصٍّ دونَ عام . (١) ينظر التبيان ٢١٤/٤. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٦/٤، ١٣٥٧ (٧٦٨٩، ٧٦٩٦) من طريق منصور عن الحسن بمعناه . وذكره البغوى فى تفسيره ١٧٢/٣ عن الحسن بلفظه. ٤٤٣ سورة الأنعام : الآية ٩٨ واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ فَُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدَعُ ﴾؛ فقرَأَت ذلك عامةُ قرأةٍ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿ فَمُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْرَعٌ﴾(١) بمعنى: فمنهم مَن استَقَرَّه اللَّهُ فى مقَرّهُ(١) فهو مستقَرٌّ، ومنهم مَن اسْتَوْدَعه اللَّهُ فيما اسْتَوْدَعه فيه فهو مستودٌَ فيه . وقرَأْ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ : (فمستقِرٌّ) بكسرِ القافِ(٢)، بمعنى : فمنهم مَن اسْتَقَرَّ فى مقَرِّه، فهو مستقِرّ فيه(١) . وأولى القراءتين بالصوابٍ عندى - وإن كان لكِلَيْهما عندى وجةٌ صحيح - فَمُسْتَقَرٌ﴾ بمعنى: اسْتَقَرَّه اللَّهُ فى مستقَرّه؛ ليَأْتَلِفَ المعنى فيه وفى ((المستودَعِ))، فى أن كلَّ واحدٍ منهما لم يُسَمَّ فاعلُه، وفى إضافةِ الخبرِ بذلك إلى اللَّهِ فى أنه المستقِرُ هذا والمستودِيُ هذا. وذلك أن الجميعَ مُجْمِعون على قراءةٍ قوله: ﴿وَمُسْتَوْدَعُ﴾ . بفتحِ الدالِ على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإجْراءُ الأُولِ - أَعنِى قولَه: ﴿ فَسْتَقَرٌّ﴾ - عليه ، أشبهُ مِن عُدُولِه عنه . وأما قولُه: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا اُلَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى : قد بيَّنَا [٧٨٠/١ ظ] الحُجَجَّ، وميَّزْنا الأدلةَ والأعلامَ، وأحْكَمْناها لقومٍ يَفْقَهون مواقعَ الحججِ، ومواضعَ العِبَرِ ، ويَفْهَمون الآياتِ والذكرَ، فإنهم إذا اعْتَبَروا بما نبّهتُّهم عليه مِن إنشائى مِن نفسٍ واحدةٍ ما عايَنوا مِن البشرِ، وخلْقى ما خلَقْتُ منها، مِن عجائبِ الألوانِ والصورِ - علموا أن ذلك (°مِن فعلٍ مَن ليسْ) له مِثْلٌ ولا شَرِيكٌ، فيُشْرِ كوه فى عبادتِهم إياه . (١) وهى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى وأبى جعفر وخلف ورويس. النشر ١٩٦/٢. (٢) فى ت١، س، ف: ((مقبره)). (٣) وهى قراءة: ابن كثير وأبى عمرو وروح. النشر ١٩٦/٢. (٤) فى م: (( به )) . (٥ - ٥) فى ص، ف: (( ليس من فعل من)). ٤٤٤ سورة الأنعام : الآيتان ٩٨ ، ٩٩ ٢٩٢/٧ / كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ فَضَّلْنَا اُلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: قد بيَّنا الآياتِ لقومٍ يَفْقَهون(١) . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَّا مُتَرَاحِكِبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ الذى له العبادةُ خالصةً، لا شريكَ(١) فيها لشيءٍ سواه، هو الإلهُ الذى أَنْزَل مِن السماءِ ماءَ ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ فأخْرَجْنا بالماءِ الذى أَنْزَلْناه مِن السماءِ مِن غِذاءِ الأنعامِ والبهائمِ والطيرِ والوحشِ ، وأرزاقٍ بنى آدمَ وأقواتِهم، ما يَتَغَذَّوْن به ويَأْكُلونه، فيَتْبُتُون عليه ويَنْعُون. وإنما معنى قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾: فأخْرَجْنا به ما يَنْبُتُ به كلَّ شيءٍ ويَنْمُو عليه ويَضْلُغُ . ولو قيل معناه: فأخْرَجْنا به نباتَ جميع أنواع النباتِ. فيكونُ ﴿ كُلِّ شَىْءٍ﴾ هو أصنافَ النباتِ. كان مذهبًا، وإن كان الوجهُ الصحيحُ هو القولَ الأولَ . وقولُه: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾. يقولُ: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾. يعنى: مِن الماءِ الذى أَنْزَلْناه مِن السماءِ، ﴿خَضِرًا﴾ رَطْبًا مِن الزرعِ. والخَضِرُ هو الأخضرُ، كقولِ العربِ: أرِنيها ثَمرةً أُرِكُها مَطِرَةً(٣). يقالُ: خضِرَت الأرضُ خَضِرًا وخَضَارةً. والخَضِرُ رطْبُ البُقولِ، ويقالُ: نخلةٌ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٨/٤ (٧٦٩٩) من طريق يزيد به. (٢) فى م: (( شركة)). (٣) مثل، نسبه صاحب اللسان فى (ن م ر) إلى أبى ذؤيب ولم ينسبه فى (خ ض ر)، ولا الميدانى فى مجمع الأمثال ٣٧/٢. والنمرة: السحاب على لون النمر. يُضرب مثلا أنك إذا رأيت دليل الشيء علمت ما يتبعه . ٤٤٥ سورة الأنعام : الآية ٩٩ حَضِيرةٌ(١) . إذا كانت تَوْمِى بيُشرِها أَخْضَرَ قبلَ أن يَنْضَجَ. وقد اختُضِر الرجلُ واعْتُضِر: إِذا مات شابًّا مُصَحَّحًا. ويقالُ: هولك خَضِرًا مَضِرًا. أى: هنيئًا مَريئًا . قولُه: ﴿أُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَاحِكِبًا﴾. يقولُ: نُخْرِجُ مِن الخَضِرِ حبًّا . يعنى : ما فى السُّنْبُلِ؛ سُنْبُلِ الحِنْطةِ والشَّعيرِ والأَرْزِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن السَّنابلِ التى حَبُّها يَرْكَبُ بعضُه بعضًا . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أشْباطُ ، عن السدىِّ قوله: ﴿مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاحِكِبًا﴾: فهذا السُّنْبُلُ(٢) . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّغْلِ مِن ◌َلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكره: ومِن النخلِ مِن طَلْعِها قِنْوانُهُ(١) دانيةٌ. ولذلك رُفِعت القِنْوانُ . والقِنْوانُ جمعُ قِنْوٍ، كما الصِّنْوانُ جمعُ صِنْوٍ، وهو العِذْقُ(٤). يقالُ للواحدِ: هو قِنْوٌ وَقُنْوٌ وقَنَا، يُثَنَّى قِنْوانِ، ويُجْمَّعُ قِنْوانٌ /وقُنْوانٌ . قالوا: فى جمع قليلِه: ثلاثةُ ٢٩٣/٧ أقْناءٍ . والقِنْوانُ مِن لغةِ الحجازِ . والقُنْوانُ مِن لغةٍ قيسٍ . وقال امرؤُ القيسِ(٥): (١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: (( خضرة)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٨/٤ (٧٧٠٣) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٣ إلى أبى الشيخ . (٣) فى النسخ: ((قنوان)). والمثبت من معانى القرآن للفراء ٣٤٧/١. (٤) العِذْق: هو بمنزلة العنقود من الكرم. المخصص ١٠٧/١١. (٥) دیوانه ص٥٧، وروايته : ٤٤٦ سورة الأنعام : الآية ٩٩ ومالَ بقِنْوانٍ مِن البُشْرِ أحْمَرَا فأثَّتْ(١) أَعالِيه وآدَتْ أُصولُه(٢) وقِنْيان ، جميعًا . وقال آخَرٍ(٢): (٣) وأَسْمَحَ (٤) للتَّخْطارِ(٥) بعدَ التَّشَذُّرِ لها ذَنَبٌ کالقِنْوِ قد مَذِلَت به وتَمِيمٌ تَقولُ : قُنيانٌ . بالياءِ . ويعنى بقوله: ﴿ دانيةٌ﴾ . قريبةٌ مُتَهَدِّلةٌ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىٌّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ : يعنى بالقِنْوانِ الدانيةِ : قِصارُ النخلِ، لاصقةٌ عُذوقُها (٦) بالأرضِ(٧). = سوامق جبَّار أثيث فروعه وعالين قنوانا من البسر أحمرا وأورده فى اللسان (أى د) كما ذكره المصنف ، وفيه : بقنيان ، كالرواية الأخرى. (١) أث النبات يثث أثاثة: كثر والتفَّ، وهو أثيث، ويوصف به الشعر الكثير، والنبات الملتف. اللسان (أث ث). (٢) آدت أصوله : قویت . اللسان (أی د). (٣) النوادر لأبى زيد ص ١٨٢، ولم ينسبه، وقال : التشذر إذا لَقِحت الناقة عقدت ذنَتها ونصبته على عجزها من التخيل، فذاك التشذر، والمَذَلُ ألا تحرك ذنبها . (٤) فى النسخ: ((أسحم)). والمثبت من النوادر، وأسمحت الدابة بعد استصعاب: لانت وانقادت. اللسان (س م ح). (٥) خطر الفحل بذنبه : رفعه مرة بعد مرة، وضرب به حاذيه، وهما ما ظهر من فخذيه حيث يقع شعر الذنب، وقيل: ضرب يمينًا وشمالا. اللسان (خ ط ر). (٦) فى ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((عروقها)). (٧) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((بالنخل)). ٤٤٧ سورة الأنعام : الآية ٩٩ حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال عُذُوقٌ مُتَهَدِّلةٌ . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً: قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. يقولُ: مُتَهدِّلةٌ(١). حدَّثنا هنادٌ ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ فى قوله: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ . قال: قريبةٌ(٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرنا الثورىُّ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: قريبةٌ(٣). /حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن ٢٩٤/٧ أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْمِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال : الدانيةُ لِتَهَدُّلِ العُذوقِ(٤) مِن الطَّلْعِ(٥). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلِهَا قِنْوَانٌ = والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٩/٤ (٧٧٠٥) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٣ إلى ابن المنذر. (١) تفسير عبد الرزاق ٢١٥/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٩/٤ (٧٧١٢) - عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. (٢) تفسير سفيان ص ١٠٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٩/٤ (٧٧٠٩)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٣ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. (٣) تفسير عبد الرزاق ٢١٥/١. (٤) فى ص، ت ١، ت٢، ت٣، س، ف: (( العروق)). (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٩/٤ (٧٧١١) عن محمد بن سعد به . ٤٤٨ سورة الأنعام : الآية ٩٩ دَائِيَةٌ﴾: يعنى النخلَ القِصارَ المُلْتَزِقَةَ بِالأرضِ، والقِنْوانُ طَلْعُه(١). القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَبٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّقَانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَهِدٍ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : وأخْرَجْنا أيضًا جناتٍ مِن أعنابٍ . يعنى: بَساتينَ مِن أعناب . واخْتَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه عامةُ القَرَأَةِ: [٥٧٨١/١] ﴿ وَجَّتٍ﴾. نصبًا، غيرَ أن التاءَ كُسِرَت لأنها تاءُ جمع المؤنثِ، وهى تُخْفَضُ فى موضعِ النصب . وقد حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا القاسمُ بنُ سلَّام ، عن الكِسائى ، قال : أخبرنا حمزةُ، عن الأعمشِ أنه قرأ : (وجناتٌ مِن أعنابٍ) بالرفعِ() . فرفَع ( جناتٌ ) على إتْباعِها القِنْوانَ فى الإعرابِ وإن لم تَكَنْ مِن جنسِها ، كما قال الشاعرُ(): ورأيتِ زوجَكِ فى الوَغَى مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحًا والقراءةُ التى لا أَسْتَجِيزُ أن يُقْرَأَ ذلك إلا بها ، النصبُ: ﴿ وَجَنَّتٍ مِنْ أَعْنَبِ﴾. لإجماع الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ على تصويِها والقراءةِ بها، ورفضِهم ما (١) أخرج شطره الأول أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٨/٤ (٧٧٠٤) من طريق أبى معاذ به . وأخرج آخره فى ٤/ ١٣٥٩ (٧٧٠٨) من طريق على بن الحكم ، عن الضحاك. (٢) وقرأ بها أيضا محمد بن أبى ليلى والأعمش وأبو بكر فى رواية عنه عن عاصم، وهى شاذة . البحر المحيط ١٩٠/٤. (٣) تقدم تخريجه فى ١/ ١٤٠. ٤٤٩ سورة الأنعام : الآية ٩٩ عداها، وبُعْدِ معنى ذلك مِن الصوابِ إذا قُرِئ رفعًا (١). وقولُه: ﴿ وَالزّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾. عطفٌ بالزيتونِ على الجناتِ ، بمعنى: وأُخْرَجْنا الزيتونَ والرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وغيرَ مُتَشابِهٍ . وكان قتادةُ يقولُ فى معنى: ﴿ مُشْتِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ﴾ ما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَبٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتِهًا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ﴾. قال(٢): مُشْتَبِهَا وَرَقُه، مُخْتَلِفًا ثمرُهُ(٣). وجائزٌ أن يَكونَ مُرادًا به : مُشْتَبِهًا فى الخلْقِ، مُخْتَلِفًا فى الطعمِ . ومعنى الكلام : وشجرَ الزيتونِ والرّمَّانِ. فاكْتُفِى مِن ذكرِ الشجرِ بذكرٍ ثمرِه، كما قيل: ﴿ وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [ يوسف: ٨٢]. فاكْتُفِى بذكرِ القريةِ مِن ذكرِ أهلِها؛ لمعرفةِ المخاطَبِين بذلك بمعناه . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ أَنْظُرُوّا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ: ﴾. اخْتَلَفَتِ القَرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتَه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: ﴿ أَنْظُرُوَاْ إِلَى ثَمَرِهِ﴾. بفتحِ الثاءِ والميمِ(). وقرأه بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفيين: (إلى ثُمُرِهِ) بضمِّ الثاءِ والميمِ) . (١) قال أبو حيان فى البحر المحيط ١٩٠/٤: ولا يجوز إنكار هذه القراءة ولها التوجيه الجيد فى العربية. ثم ذكر توجيههم لقراءة الرفع. وينظر تفسير القرطبى ٤٩/٧، وينظر أيضا كلام المصنف على الآية ٢٢ من سورة الواقعة فى موضعه من التفسير. (٢) فى ص: (( يقول)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٩/٤ (٧٧١٣) من طريق خالد بن قيس، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. (٤) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وابن عامر، السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٤ . (٥) وهى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق. ( تفسير الطبرى ٢٩/٩ ) ٤٥٠ سورة الأنعام : الآية ٩٩ فكأن مَن فتَح الثاءَ والميمَ مِن ذلك وجّه معنى الكلام: انْظُروا إلى ثَمَرٍ(١) هذه الأشجارِ التى سمَّيْنا مِن النخلِ والأغْنابِ والزيتونِ والرُّمَّانِ إِذا أَثْمَر، وأن الثَّمَرَ(٢) جمعُ ثَمَرةٍ، كما القَصَبُ جمعُ قَصَبةٍ ، والخشَبُ جمْع خَشَبَةٍ . وكأن مَن ضَّ الثاءَ والميمَ وجَّه ذلك إلى أنه جمعُ ثِمارٍ، كما الحُمُرُ جمعُ حمار) ، والجُربُ جمعُ چِرابٍ . / وقد حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ ، عن ابنٍ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن يحيى بنٍ وَقَّابِ أنه كان يَقْرَأُ : (إلى ثُمُرِهِ). يقولُ : هو أصنافُ المالِ . ٢٩٥/٧ حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى حمادٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، عن قيسٍ بنِ سعدٍ، عن مُجاهدٍ، قال: الثُّمُرُ هو المالُ، والثَّمَرُ ثَمَرُ النخلِ. وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصوابٍ(٤) قراءةُ مَن قرأ: (انْظُروا إلى ثُمُرِه). بضمِّ الثاءِ والميم؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه وصَف أصنافًا مِن المالِ، كما قال يحيى بنُ وَتَّابٍ ، وكذلكَ حَبُّ الزَّرْعِ المُراكِبُ ، وقِنْوانُ النخلِ الدانيةُ ، والجناتُ مِن الأغْنابِ ، والزيتونُ والرُّمَّانُ، فكان ذلك أنواعًا مِن الثَّمَرِ، فُجُمِعَت النَّمَرةُ ثَمَرًا، ثم مُجُمِع النَّمَرُ ثِمارًا، ثم جُمِع ذلك فقيل: (انْظُروا إلى ثُمُرِهِ). فكان ذلك جمعَ الثِّمارِ ، والثِّمارُ جمعُ الثَّمَرةِ ، وإِثْمارُه عقدُ الثَّمَرِ. وأما قولُه: ﴿ وَيَنْعِةِ:﴾. فإنه نُضْجُه وبلوغُه حينَ يَتْلُغُ . وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ(٥) يقولُ فى: (١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((ثمرة)). (٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((الثمرة)). (٣ - ٣) فى ف: ((الخمر جمع خمار)). (٤) القراءتان كلتاهما صواب . (٥) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢٠٢/١. ٤٥١ سورة الأنعام : الآية ٩٩ بَنْعِهِ:﴾. إذا فُتِحَت ياؤُه: هو جمعُ يانع، كما التَّجْرُ جمعُ تاجرٍ، والصَّحْبُ جمعُ صاحبٍ . وكان بعضُ أهلِ الكوفةِ يُنْكِرُ ذلك، ويَرَى أنه مصدرٌ مِن قولهم: يَنَع الثمرُ فهو يَيْنَعُ بَنْعًا. ويَحْكى فى مصدرِه عن العربِ لغاتٍ ثلاثًا؛ يَنْعٌ، ويُنْعٌ، ويَنَعُ(١)، وكذلك فى النَّضْجِ: النُّضْجُ والتَّضَجُ . وأما فى قراءةٍ مَن قِرَأْ ذلك: (ويانِعِه) (١). فإنه يعنى به: وناضِجِه وبالغِه . وقد يَجوزُ فى مصدرِهِ : يُنوعًا، ومسموٌ من العربِ: أَيْنَعَت الثمرةُ تُونِعُ إيناعًا. ومِن لغةِ الذين قالوا: يَنَع. قولُ الشاعرِ(١) : فى قِبابٍ عندَ دَسْكَرةٍ(٤) حولَها الزيتونُ قد يَنَعَا وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَيَنْعِهِ﴾. يعنى: إذا نضِجُ . حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن (١) فى م: ((ينوع)). (٢) وهى قراءة ابن السَّميقع وابن أبى عبلة. تفسير القرطبى ٥٠/٧، والبحر المحيط ٤/ ١٩١. واختلف فى قراءة ابن محيصن فقيل كما هنا ، وقيل: بضم الياء وسكون النون . ينظر مختصر ابن خالويه ص ٤٥، وإتحاف فضلاء البشر ص١٢٩ ، والقراءة شاذة . (٣) اختلف فى نسبة البيت فقيل: ليزيد بن معاوية، وقيل: لأبى دهبل. وقيل: للأحوص، وقيل غير ذلك . ينظر الكامل ٣٨٤/١، واللسان (د س ك ر، ى ن ع)، والخزانة ٣١٢/٧، وديوان الأحوص ص٢٢٢ وحاشيته . (٤) الدسكرة: بناء كالقصر، حوله بيوت للأعاجم، يكون فيها الشراب والملاهى. اللسان (د س ك ر). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وأنى الشيخ، وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٠/٤ عقب الأثر (٧٧١٥) معلقا . ٤٥٢ سورة الأنعام : الآية ٩٩ أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿أَنْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾﴾. قال: يَنْعِه نُضْجِه . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنْظُرُوّا إِلَى ثَمَرِوِهِ إِذَاَ أَثْمَرَ وَيَنْعِّ: ﴾ أى: نُضْجِه. /حدّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبد الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿وَيَنْحِةٍّ،﴾. قال: نُصْجِهُ(١) . ٢٩٦/٧ حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. يقولُ: ونُصْجِه(٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَيَنْعِهِ﴾. قال: يعنى: (٣) نُضْجِه(٣) . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيْجٍ، قال : قال ابنُ عباسٍ: ﴿ وَيَنْعِهٍِ﴾. قال: نُضْجِه . القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٩٩ يقولُ [٧٨١/١ظ] تعالى ذكرُه : إن فى إنزالِ اللَّهِ تعالى مِن السماءِ الماءَ الذى أُخْرَج به نباتَ كلِّ شىءٍ، والخَضِر الذى أَخْرَج منه الحبَّ المُراكِبَ، وسائرٍ ما عَدَّد فى هذه الآيةِ مِن صُنوفٍ خَلْقِهِ، ﴿لَيَتٍ﴾. يقولُ: فى ذلكم أيّها الناسُ ، إذا أنتم (١) تفسير عبد الرزاق ٢١٥/١. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٠/٤ عقب الأثر (٧٧١٥) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به . (٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٠/٤ عقب الأثر (٧٧١٥) معلقا . ٤٥٣ سورة الأنعام : الآيتان ٩٩، ١٠٠ نظرتم إلى ثمره عند عقدٍ ثمره(١)، وعندَ يَنْعِه وانتهائه، فرائثُم اختلافَ أحوالِهِ ، وتصرفَه فى زيادتِه ونموّه، علِمْتُم أن له مدبِّرًا ليس كمثلِه شىءٍ ، ولا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له ، دونَ الآلهةِ والأندادِ، وكان فيه حُجَجٌ وبرهانٌ وبيانٌ، ﴿ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . يقولُ: لقومٍ يُصَدِّقون بوَحْدانيةِ اللَّهِ وقدرتِه على ما يَشاءُ. وخصَّ بذلك تعالى ذكرُه القومَ الذين يُؤْمِنون؛ لأنهم هم المنتفِعون بحجج اللَّهِ والمُعْتَبِرون بها، دونَ مَن قد طَبَع اللَّهُ على قلبِه ، فلا يَعْرِفُ حقًّا مِن باطلٍ ، ولا يَتَبَيَّنُ هُدَى مِن ضَلالةٍ . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآَ أَلِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتِ بِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾ . يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وجعَل هؤلاء العادِلون بربِّهم الآلهةَ والأندادَ للَّهِ شركاءَ الجنّ. كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْتَهُ وَبَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]. وفى ﴿اَلِنَ﴾ وجهان مِن النصبِ ؛ أحدُهما: أن يكونَ تفسيرًا للشركاءِ . والآخرُ: أن يكونَ معنى الكلام: وجعَلوا للَّهِ الجنَّ شركاءَ وهو خالقُهم. واخْتَلَفوا فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَخَلَقَهُمّ﴾؛ فقرَأَتَه قرأةُ الأمصارِ: ﴿وَخَلَقَهُمّ﴾ . على معنى أن اللَّهَ خلَقَهم مُنْفَرِدًا بخلقِه إياهم . وذُكِر عن يحيى بنٍ يَعْمَرَ ما حدَّثنى به أحمدُ بنُ يوسُفَ ، قال : ثنا القاسمُ بنُ سَلَامٍ، قال : ثنا حَجَّاجْ، عن هارونَ، عن واصلٍ مولى أبى عُيَيْنةَ، عن يحيى بنِ عَقيلٍ، عن يحيى بنٍ يَعْمَرَ أنه قال: ( شُرَكاءَ الجنَّ وخَلْقَهم ). بجزمِ اللامِ . (١) فى ص، ت١، س: ((شجره)). (٢) التفسير هنا هو البدل . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٣ إلى أبى الشيخ. وذكر هذه القراءة عنه ابن خالويه فى مختصر الشواذ ص ٤٥، وهى كذلك فى مصحف عبد الله . البحر المحيط ١٩٤/٤. ٤٥٤ سورة الأنعام : الآية ١٠٠ بمعنى أنهم قالوا : إن الجنَّ شركاءُ للَّهِ فى خلقِه إيانا . أوأولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأْ ذلك: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها . ٢٩٧/٧ وأما قولُه: ﴿وَخَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَتٍ بِغَيْرِ عِلٍَّ﴾. فإنه يعنى بقوله: ﴿خَرَقُوا﴾: اخْتَلَقوا، يقالُ: اخْتَلَق فلانٌ على فلانٍ كذبًا واخْتَرَقه، إذا افْتَعَله وافْتَراه . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُنى ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَآءَ الِنَ﴾: واللَّهُ خَلَقَهم، ﴿ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ ﴾ يعنى: أنهم تَخَرَّصوا(١) . حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلٍَّ﴾. قال: جَعَلوا له بنين وبناتٍ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَتٍ بِغَيْرِ عِلٍَّ﴾. قال: كَذَبوا(٢). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٠/٤ (٧٧١٦، ٧٧١٨) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٣ إلى ابن المنذر. (٢) بعده فى م، س: (( بغير علم)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٠/٤ (٧٧١٩) عن محمد بن سعد به . (٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٠/٤ (٧٧٢١) وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ٤٥٥ سورة الأنعام : الآية ١٠٠ حدَّثنى المُثُنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ مثله . حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ﴾: كَذَبوا، ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى ◌َمَّا يَصِفُونَ﴾: عما يَكْذِبون، أما العربُ فجعَلوا له البناتِ ، ولهم ما يَشْتَهون مِن الغِلْمانِ، وأما اليهودُ فجعَلوا بينَه وبينَ الجِنَّةِ نسبًا، ولقد علِمَت الجِنَّةُ إنهم لَمُخْضَرون (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً : وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِيْنَ وَبَتِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: خرَصوا له بنينَ وبناتٍ(٢) . حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرٍ عِلٍَّ ﴾. يقولُ: قَطَعوا له بنينَ وبناتٍ ، قالت العربُّ: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ. وقالت اليهودُ والنصارى: المسيح وعُزَيْرٌ ابنا للَّهِ(٣). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَتِ بِغَيْرِ عِلَّمٍ ﴾. قال: ﴿خَرَقُواْ﴾: كذَبوا. لم يَكُنْ للَّهِ بنون ولا بناتٌ ، قالت النصارى: المسيحُ ابنُ اللَّهِ . وقال المشركون: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ. فكلٌّ خرّقوا الكذبَ، ﴿وَخَفُوا﴾: اخْتَرَقوا (٤). حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُرَيْج قوله: (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦١/٤، ١٣٦٢ (٧٧٢٣، ٧٧٢٩) من طريق خالد بن قيس عن قتادة بلفظ آخر. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٣ إلى عبد بن حميد. (٢) تفسير عبد الرزاق ٢١٥/١. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤ / ١٣٦٠، ١٣٦١، (٧٧٢٠، ٧٧٢٤) من طريق أحمد بن المفضل به . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦١/٤ (٧٧٢٥) من طريق أصبغ بن الفرج ، عن ابن زيد . ٤٥٦ سورة الأنعام : الآية ١٠٠ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَ﴾. قال: قولُ الزَّنادقةِ. ﴿ وَخَرَقُواْ لَهُ﴾. قال ابنُ جُرَيْجٍ : قال مجاهدٌ: ﴿خَقُواْ﴾: كذَبوا . حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مجُوَثِيرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَتِ﴾. قال: وصَفوا له(١). حدَّثنا عمرانُ بنُّ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن أبى عمرٍو (١): ﴿وَخَرَقُوا لَهُ يَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾. قال: تفسيرها : وكذَبوا . ٢٩٨/٧ /فتأويلُ الكلام إذن: وجعَلوا للَّهِ الجنَّ شركاءَ فى عبادتِهم إياه، وهو المنفردُ بخلقِهم بغيرِ شريكٍ ولا مُعينٍ ولا ظَهِيرٍ، ﴿ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾. يقولُ: وتخَرَّصوا للَّهِ كذبًا، فَاقْتَعَلوا له بنين وبناتٍ ، بغيرِ علم منهم بحقيقةٍ ما يقولون ، ولكن جهلاً باللَّهِ وبعظمتِه، وأنه لا يَتْبَغِى لَمَن كان إلهًا أن يكونَ له بنون وبناتٌ ولا صاحبةٌ ، ولا أن يَشْرَكَه فى خلقِهِ شَريكٌ . القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ يقولُ تعالى ذكره : تنَزَّه اللَّهُ وعلا ، فارْتَفَع عن الذى يَصِفُه به هؤلاء الجَهَلةُ مِن خلقه ، فی ادعائهم له شر کاءًمِن الجنّ ، واختراقهم له بنين وبناتٍ ، وذلك لا يَنْتُغی أن يَكونَ مِن [٧٨٢/١و] صفتِه؛ لأن ذلك مِن صفةِ خلقِه الذين يَكونُ منهم الجِمامُ الذى يَحْدُثُ عنه الأولادُ ، والذين تَضْطَرُهم لضعفِهم الشهواتُ إلى اتخاذِ الصاحبةِ لقضاءِ اللذاتِ ، وليس اللَّهُ تعالى ذكرُه بالعاجزِ، فيَضْطَرَّه شىءٌ إلى شىءٍ، ولا بالضعيفِ المحتاج فتَدْعُوَه حاجتُه إلى النساءِ إلى اتخاذٍ صاحبةٍ لقضاءِ لذةٍ . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦١/٤ (٧٧٢٢) من طريق أبي أسامة به . (٢) فى م: ((عمر)). ٤٥٧ سورة الأنعام: الآيتان ١٠٠، ١٠١ وقولُه: ﴿ تَعَلَى﴾: تَفاعَل، مِن العلوِّ والارتفاعِ. ورُوِى عن قتادةً فى تأويلٍ قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أنه : يَكْذِبون . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عما يَكْذِبون(١) . وَأَحْسَبُ أن قتادةَ عنَى بتأويله ذلك كذلك أنهم يَكْذِبون فى وصفِهم اللَّهَ بما كانوا يَصِفونه به (٢)، مِن ادِّعائِهم له بنين وبناتٍ، لا أنه وجَّه تأويلَ الوصفِ إلى الكذب . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّمُ صَحِبَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره : اللَّهُ الذى جعَل هؤلاء الكفَرةُ به له الجنَّ شركاءَ، وخرَقوا له بنين وبناتٍ بغيرِ علم، ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. يعنى: مُبْتَدِعُها ومُحْدِثُها ومُوجِدُها بعد أن لم تكنْ. كما حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾. قال: هو الذى ابْتَدَع خلقَهما جلَّ جلالُه، فخلَقَهما ولم تكونا شيئًا قبلَه . ﴿ أَّ يَكُونُ لَهُ وَلَهٌ وَلَّ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَّةٌ﴾ والولدُ إنما يَكونُ(١) الذكرُ مِن الأَنثى ، ولا يَنْبَغي أن يكونَ للَّهِ سبحانَه صاحبةٌ فِيَكونَ له ولدٌ ، وذلك أنه هو الذى (١) جزء من الأثر المتقدم تخريجه فى ص ٤٥٥. (٢) سقط من : م. (٣) بعده فى م: ((من)). ٤٥٨ سورة الأنعام : الآيتان ١٠١، ١٠٢ خَلَق كلَّ شىءٍ . يقولُ: فإذا كان لا شىءَ إلا اللَّهُ خَلَقَه، فأَّى يكونُ للَّهِ ولدٌ ، ولم تَكُنْ له صاحبةٌ فِيَكونَ له منها ولدٌ؟ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ يقولُ تعالى ذكره : واللَّهُ خلَق كلَّ شىءٍ، ولا خالقَ سِواه، وكلُّ ما تدعُون أيُّها العادلون باللَّهِ الأوثانَ مِن دونِه، خلقُه وعَبيدُه، مَلَكًا كان الذی تدُونه ربًّا ٢٩٩/٧ وتَرْعُمون أنه له ولدٌ، أو جِنيًّا أو إنسيًّا، / ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ الذى خلق كلَّ شيءٍ، لا يَخْفَى عليه ما خلَق ولا شىءٌ منه، ولا يَغْزُبُ عنه مثقال ذرةٍ فى الأرضِ ولا فى السماءِ، عالمٌ بعددٍ كم وأعمالِكم ، وأعمالٍ مَن دعَوْ تُمُوه ربًّا أو اللَّهِ ولدًا، وهو مُخْصِيها عليكم وعليهم، حتى يُجازِىَ كلًّا بعملِه. القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ خَلِقُ كُلِّ ١٠٢ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ؟ . يقولُ تعالى ذكرُهُ(١) : الذى خلق كلَّ شىءٍ وهو بكلِّ شىءٍ عليمٌ، هو اللَّهُ ربّكم أيها العادِلون باللَّهِ الآلهةَ والأوثانَ ، والجاعِلون له الجنَّ شركاءَ، وآلهتكم التى لا تَمْلِكُ نفعًا ولا ضَرًّا، ولا تَفْعَلُ خيرًا ولا شرًّا، ﴿لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وهذا تكذيبٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه الذين(٢) زعموا أن الجنَّ شركاءُ اللَّهِ ، يقولُ جلَّ ثناؤه لهم : أيُّها الجاهِلون ، إنه لا شىءَ له الألوهيةُ والعبادةُ إلا الذى خلَق كلَّ شىءٍ وهو بكلِّ شىءٍ عليمٌ، فإنه لا يَنْبَغِى أن تَكونَ عبادتُكم وعبادةُ جميعٍ مَن فى السماواتِ والأرضِ إلا له، خالصةً بغيرِ (١) شريكٍ تُشْرِكونه فيها، فإنه خالقُ كلِّ (١) بعده فى ص، ت١، س: ((هو)). (٢) فى م: (( للذين )). (٣) بعده فى ف: (( شك ولا )). ٤٥٩ سورة الأنعام : الآيتان ١٠٢، ١٠٣ شىءٍ وبارثُه وصانعُه ، وحقٌّ على المصنوع أن يُفْرِدَ صانعَه بالعبادةِ ، ﴿فَاعْبُدُوهُ ﴾. يقولُ : فذِلُّوا له بالطاعةِ والعبادةِ والخدمةِ، واخْضَعوا له بذلك، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ . يقولُ: واللَّهُ على كلِّ ما خلَق مِن شىءٍ رقيبٌ وحَفيظٌ، يقومُ بأرزاقٍ جميعِه وأقْواتِه وسياسته وتدبيرِه وتصريفِه بقدرته . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْضَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَِّ وَهُوَ (١٠٣ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَارِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لا تُحيطُ به الأبصارُ وهو يُحيطُ بها . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن أبيه ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: لا يُحِيطُ بصرُ أحدٍ بالملِكِ(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لََّ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ اْأَبْصَرِّ﴾: وهو أعظمُ مِن أن تُدْرِكَه الأبصارُ(٢). حدَّثنى سعدُ(٢) بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : ثنا خالدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال : ثنا أبو عَرفَجَةَ، عن عطيةَ العَوْفِىّ فى قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [ القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال: هم يَنْظُرون إلى اللّهِ، لا تُحيطُ أبصارُهم به مِن عظمتِه، (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٣ إلى المصنف. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ. (٣) فى النسخ: ((يونس)). وتقدم على الصواب فى ١/ ٣٦٠، وسيأتى على الصواب أيضا فى تفسير الآيتين من سورة القيامة ، فسيذكر المصنف الأثر مرة أخرى بنفس الإسناد . ٤٦٠ سورة الأنعام : الآية ١٠٣ وبصرُه يُحِيطُ بهم، فذلك قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ الآية. واعتلّ قائلو هذه المقالةِ لقولهم هذا بأن قالوا: إن اللَّهَ قال: ﴿ حَتَّىَ إِذَاً ١) ٣٠٠/٧ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ﴾ [يونس: ٩٠]. قالوا: فوصَف اللَّهُ/ تعالى ذكرُه الغرقَ بأنه أدرَك فرعونَ ، ولا شكَّ أن الغرقَ غيرُ موصوفٍ بأنه رآه، ولا هو مما يَجوزُ وصفُه بأنه يَرَى شيئًا. قالوا: فمعنى قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾. بمعنى(١) : لا تراه، بعيدٌ(٣)؛ لأن الشىءَ قد يُدْرِكُ الشىءَ ولا يَراه، كما قال جلَّ ثناؤُه مُخْبِرًا عن قيلِ أصحابٍ موسى ◌ٍَّ لموسى حينَ قرُب منهم أصحابُ فرعونَ: ﴿فَلَمَّا تَرَّءَاً اَلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: (٦]. لأن اللَّهَ قد كان وعَد نبيّه موسى عَ لَه أنهم لا يُدْرَكون؛ لقولِه: ﴿ وَلَقَدْ [٧٨٢/١ظ] أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبِ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسًا لَّا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] . قالوا: فإذا كان الشىءُ قد يَرَى الشىءَ ولا يُدْرِكُه، ويُدْرِ كُه ولا يراه، فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾. مِن معنى: لا تَراه الأبصارُ - بمَعْزِلٍ، وأن معنى ذلك: لا تُحِيطُ به الأبصارُ؛ لأن الإحاطةَ به غيرُ جائزةٍ . قالوا : فالمؤمنون وأهلُ الجنةِ يَرَوْن ربَّهم بأبصارِهم ، ولا تُدْرِ كُه أبصارُهم ، بمعنى : أنها لا تُحِيطُ به، إذ كان غيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ اللَّهُ بأن شيئًا يُحِيطُ به . قالوا : ونظيرُ جَوازٍ وصفِه بأنه يُرَى ولا يُدْرَكُ، جوازُ وصفِه بأنه يُعْلَمُ ولا يُحاطُ به، وكما قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ج ٢٥٥]. قالوا: فنفَى جلَّ ثناؤه عن خلقِه أن يكونوا يُحِيطون بشىءٍ مِن علمِه إلا بما (١ - ١) فى النسخ: ((فلما)). والمثبت نص التلاوة. (٢) فی ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف (( معنی)). (٣) فى م: ((بعيدا)).