Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١
سورة الأنعام : الآية ٥٢
ذَكَر الأقْرَعَ وصاحبه، فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ الآية. وقال أيضًا:
فَدَعانا فأَتَيْناه وهو يقولُ: ((﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾)). فدَنَونا منه يومَئذٍ حتى وَضَعْنا
رُكَبَنا على رُكْبَتَيْه . وسائرَ الحديثِ نحوَه" .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ، وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةَ
والكلبيِّ، أن ناسًا مِن كفارٍ قريشٍ قالوا للنبىِّ عَ له: إِن سَرَّكَ أن نَتَّبِعَك، فاطْرُدْ عنَّا
فلانًا وفلانًا - ناسًا مِن ضعفاءِ المسلمين - فقال اللَّهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهٌَ﴾(٢).
/ حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قوله: ﴿ وَلَا تَطَرُدِ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾
الآية. قال: وقد قال قائلون مِن الناسِ لرسولِ اللَّهِ مَله: يا محمدُ، إن سَرَّكَ أن
نَتَّبِعَك، فاطْرُدْ عَنَّا فُلانًا وفُلانًا - لأناس كانوا دونَهم فى الدنيا، ازْدَراهم
المشركون - فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ إلى آخرِها .
٢٠٢/٧
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسى ، عن ابنِ أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَاَلْعَشِ﴾: بلالٌ وابنُ
أمّ عبدٍ، كانا يُجالِسان [٧٥٧/١ و] محمدًاً مِّه، فقالت قريشٌ مُحَقِّرَتَهما: لولاهما
وأمثالُهما لَجَالَسْناه. فَتُّهِى عن طَرْدِهم، حتى قولِه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ
بِالشَّكِرِينَ﴾. قال: ﴿فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾. فيما بينَ ذلك فى هذا(٢) .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢ / ٢٠٧، ٢٠٨ - ومن طريقه الطبرانى (٣٦٩٣)، وأبو نعيم فى الحلية ١/ ٣٤٤-
والبزار (٢١٣٠)، والطحاوى فى المشكل (٣٦٧) من طريق أحمد بن المفضل به.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٠٨.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٩/٤ (٧٣٣٩).
٢٦٢
سورة الأنعام: الآية ٥٢
حدَّثْنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال : ثنا سفيانُ ، عن المِقْدامِ بنِ شُرَيحٍ،
عن أبيه، قال: قال سعدٌ (١): نَزَلَت هذه الآيةُ فى ستةٍ مِن أصحابِ النبىِّ ◌َِّ؛ منهم
أبنُّ مسعودٍ ، قال: كُنَّا نَسْبِقُ إلى النبيِّ ◌ِ لّهِ ونَدْنُو منه، ونَسْمَعُ منه، فقالت قريشٌ:
يُدْنِى هؤلاء دونَنا! فَتَزَلَت: ﴿ وَلَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا حَجّاج ، عن ابنِ مجرَيج ، عن عكرمةً
فى قوله: ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية. قال: جاء عُثْبةُ
ابنُ ربيعةً، وشَئِبةُ بنُ ربيعةً، ومُطْعِمُ بنُ عَدِىٌّ، والحارثُ بنُ نَوفلٍ، وقُرَظَةُ بنُ عبدِ
عمرو بن نوفلٍ ، فى أشرافٍ مِن بنى عبدٍ منافٍ مِن الكفارِ ، إلى أبى طالبٍ ، فقالوا :
يا أبا طالبٍ، لو أن ابنَ أخيك يَطْرُدُ عنه مواليتنا وحلفاءَنا، فإنما هم عبيدُنا
وعُسَفاؤنا) ، كان أعظمَ فى صدورِنا، وأطوعَ له عندَنا، وأدنى لاتِباعِنا إياه،
وتَصْديقِنا له. قال: فأتَى أبو طالبٍ النبيُّ ◌َّليم ، فحدَّثه بالذى كَلَّموه به، فقال عمرُ
ابنُ الخطابِ : لو فعلتَ ذلك حتى تَنْظُرَ ما الذى يُريدون ، وإلامَ يَصِيرون مِن قولِهم؟
فأَنزَل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمٌ لَيْسَ
لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، ﴿ وَلَا تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوْهِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قولِه: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾ قال:
وكانوا: بلالاً، وعمارَ بنَ ياسٍ، وسالماً مولى أبى محُذَيفةَ، وصُبَيحًا مولى أَسِيدٍ، ومِن
الحلفاءِ : ابنُ مسعودٍ، والمِقْدادُ بنُ عمرٍو، ومسعودُ بنُ القارِئِّ، وواقِدُ بنُ عبدِ اللَّهِ
(١) فى النسخ: ((سعيد)) والمثبت من مصادر التخريج .
(٢) أخرجه مسلم (٤٥/٢٤١٣)، والنسائى (٨٢٢٠)، وفى فضائل الصحابة (١١٦، ١٦٠)، والبزار
(١٢٢٨)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٨/٤، وأبو يعلى (٨٢٦) من طرق عن سفيان به، وأخرجه
مسلم (٤٦/٢٤١٣)، وابن ماجه (٤١٢٨) وعبد بن حميد (١٣١)، وابن حبان (٦٥٧٣)، وأبو نعيم فى
الحلية ١/ ٣٤٦، والحاكم ٣١٩/٣، والواحدى فى أسباب النزول ص ١٦٢، والبيهقى فى الدلائل ٣٥٣/١ من
طريق المقدام به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣/٣ إلى الفريابى وأحمد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.
(٣) العسفاء: الأجراء. واحدهم ◌َسِيف. النهاية ٢٣٦/٣.
٢٦٣
سورة الأنعام : الآية ٥٢
الحَتَّظَلَىُّ، وعمرُو بنُ عبدِ عمرٍو ذو الشِّمالَين، ومَؤْتَدُ بنُ أبى مَرْئِدٍ - وأبو مَرْثَدٍ مِن
غَنِىٌّ ، حليفُ حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ - وأشْباهُهم مِن الحلفاءِ. ونزَلَت فى أئمة الكفرِ مِن
قريشٍ والموالى والحلفاءِ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءٍ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِناً﴾ الآية . فلما نَزَلَت أقبَل عمرُ بنُ الخطابِ فَاعْتَذَر مِن مَقالتِهِ ، فَأَنزَل
اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِعَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمَّ عَلَيْكُمْ﴾ الآية(١).
٢٠٣/٧
/ حدَّثنی یونسُ بنُ عبدِ الأعْلَی ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : قال ابنُ زیدٍ ،
قال رجلٌ للنبيِّ عَّهِ: إنى أَسْتَحْبِى مِن اللَّهِ أن يَرانى مع سلمانَ وبلالٍ وذَوِيهم
فاطرُدْهم عنك، وجالِسْ فلانًا وفلانًا. قال: فَتَزَل القرآنُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ فَقَرَأْ حتى بَلَغْ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ اُلِّمِينَ﴾.
ما بينك وبينَ أن تكونَ مِن الظالمين إلا أن تَطرُدَهم. ثم قال: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا
بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَاُ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ
بِالشَّكِرِينَ﴾. ثم قال: وهؤلاء الذين أمَروك أن تَطْرُدَهم، فأيلِغْهم منِّى السلامَ
وبَشِّرْهم، وأخبرهم أنى قد غَفَوْتُ لهم. وقرَأ: ﴿وَإِذَا جَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
◌ِثَايَئِنَا فَقُلْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. فقرَأ حتى بَلَغَ:
وَكَذَلِكَ نُفَصِلُ الْأَيَتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: لتَعْرِفَها (١).
واختلف أهلُ التأويلِ فى ((الدعاءِ)) الذى كان هؤلاء الرَّهْطُ الذين نَهَى اللَّهُ
نبيَّه عَّهِ عن طَرْدِهم، يَدْعون ربَّهم به؛ فقال بعضُهم: هى الصلواتُ الخمسُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المُثَنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٩/٤ (٧٣٤٠) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد.
٢٦٤
سورة الأنعام : الآية ٥٢
علىٌّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَدةِ
وَالْعَشِّ﴾. يعنى: يَعْبُدُون ربَّهم بالغداةِ والعَشِيِّ، يعنى الصلاةَ المكتوبةَ(١).
حدَّثْنا المُنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن أبى حمزةَ،
عن إبراهيمَ فى قوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهٌ﴾. قال: هى
الصلواتُ الخمسُ الفرائضُ، ولو كان يقولُ القُصَّاصَ، هَلَك مَن لم يجلِسْ إليهم .
حدَّثَنَا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ وابنُ وكيع، قالا: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن الأعمشِ، عن
إبراهيمَ: ﴿ وَلَا تَطْرُكِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. قال:
هى الصلاةُ(٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَا تَطْرُكِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ﴾: الصلاةُ المفروضةُ ،
الصبح والعصرُ(٣).
حدَّثنى (٢ موسى بنُ عبدِ الرحمنِ" الكِنْدِىُّ، قال: ثنا حسينٌ(*) الجُتْفِئُ، قال:
أخبرنى حمزةُ بنُ المغيرةِ ، عن حمزةَ بنِ عيسى ، قال : دَخَلتُ على الحسنِ فسألتُه،
فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، أرأيتَ قولَ اللَّهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾ [الكهف: ٢٨]. أهم هؤلاء القُصَّاصُ؟ قال: لا، ولكنهم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٨/٤ (٧٣٣٣) من طريق أبى صالح ببعضه، وعلق باقيه عقب الأثر
(٧٣٣٦)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٨/٤ عقب الأثر (٧٣٣٦) معلقًا.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٨/٤، ١٢٩٩ (٧٣٣٦، ٧٣٣٧) من طريق ابن أبى نجيح به .
(٤ - ٤) فى ص، ت٣: ((محمد بن موسى بن عبد الرحمن)). وتقدم فى ١٧٢/١، ٥٠٨، ٣٨٦/٣، وينظر
تهذيب الكمال ٢٩/ ٩٨.
(٥) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: (( حسن).
٢٦٥
سورة الأنعام : الآية ٥٢
المُحَافِظون على الصلواتِ فى الجماعةِ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾. قال: الصلاةُ
يـ(٢)
المكتوبةُ(٢) .
٢٠٤/٧
احُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال: أخبرنا عُبَيدٌ ،
قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَاَلْعَشِ﴾. قال:
يَعْبُدُون ربَّهم بالغداةِ [٧٥٧/١ظ] والعَشِىِّ، يعنى: الصلاةَ المفروضةَ.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾ [الكهف: ٢٨]: هما الصَّلاتان ؛ صلاةٌ
الصبحِ، وصلاةُ العصرِ .
حدَّثنى ابنُ البَرْقِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبى مَريمَ ، قال : ثنا يحيى بنُ أيوبَ ، قال : ثنا
محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ فى هذه الآيةِ: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾ [الكهف: ٢٨] الآية: إنهم الذين
يَشْهَدون الصلواتِ المكتوبةَ(٢) .
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ وإبراهيمَ: ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ﴾.
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٢٥٤.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٨/٤ عقب الأثر (٧٣٣٦) معلقًا.
(٣) أخرجه الطحاوى فى المشكل ٣٤١/١ عقب الحديث (٣٦٧) من طريق ابن أبى مريم به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢١٩/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
٢٦٦
سورة الأنعام : الآية ٥٢
قالا : الصلوات الخمس(١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾. قال: المُصَلِّين
المؤمنين، بلالٌ وابنُ أمّ عبدٍ(٢) .
قال ابنُ جُرَيج: وأخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: صَلَّْتُ
الصبحَ مع سعيدِ بنِ المسيبِ ، فلما سَلَّمَ الإمامُ ابْتَدَر الناسُ القاصَّ، فقال سعيدٌ: ما
أسْرَعَهم (١) إلى هذا المجلسِ ! قال مجاهدٌ: فقلتُ: يَتَأوَّلُون ما قال اللَّهُ تعالى . قال: وما
قال؟ قلتُ: ﴿ وَلَا تَظْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَاَلْعَشِ﴾. قال: وفى هذا ذا؟
إنما ذاك فى الصلاةِ التى انصَرَفْنا عنها الآنَ، إنما ذاك فى الصلاةِ().
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنا و کیت ، عن أبيه ، عن منصور ، عن
عبد الرحمنِ بنِ أبى عَمْرةَ ، قال : الصلاةُ المكتوبةُ(٥) .
حدَّثُنا المُثَنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن إِسرائيلَ، عن جابرٍ ،
عن عامرٍ، قال : هى الصلاةُ .
حدَّثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيع، عن أبيه و(١)إسرائيلَ، عن
عامٍ، قال : هى الصلاةُ .
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٢٩١٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٩/٤ (٧٣٣٩).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أسرع)).
(٤) ينظر تفسير البغوى ١٤٦/٣، ١٤٧.
(٥) ينظر البحر المحيط. ١٣٦/٤.
(٦) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((عن)). وينظر ما تقدم فى ٤٩٧/٨.
٢٦٧
سورة الأنعام : الآية ٥٢
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِدُونَ وَجْهٌَ﴾ . يقولُ: صلاةُ الصبحِ، وصلاةُ العصرِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: صلَّى
عبدُ الرحمنِ (" بنُ أبي عمرةً) فى مسجدِ الرسولِ، فلمَّا صَلَّى قامَ فاسْتَنَد إلى حجرةٍ
النبىّ ◌َهِ، فانْثَالَ(١) الناسُ عليه، فقال: يا أيُّها الناسُ، إليكم. فقيل: يَرْحَمُك اللَّهُ،
إنما جاءوا يُريدون هذه الآيةَ ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْهِ
وَالْعَشِ﴾. فقال: وهذا عُنِى بهذا؟! إنما هو فى الصلاةِ.
/ وقال آخرون: هى الصلاةُ، ولكنَّ القومَ لم يَسْألوا رسولَ اللَّهِ حَ لِّ طَرْدَ هؤلاءِ ٢٠٥/٧
الضعفاءِ عن مجلسِه، ولا تَأْخِيرَهم عن مجلسِه، وإنما سألوه تأخيرَهم عن الصفِّ
الأولٍ حتى يكونوا وراءَهم فى الصفِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية: فهم أناسٌ كانوا
مع النبيِّ عَّهِ مِن الفقراءِ، فقال أُناسٌ مِن أشرافِ الناس: تُؤْمِنُ لك، وإذا صَلَّيْنَا فأخِرْ
هؤلاءِ الذين معك، فليُصَلُّوا خَلْفَنا(٢).
وقال آخرون: بل معنى دُعائهم كان ذكرَهم الله تعالى ذكره .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هَنَّدٌ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ ،
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) انثال الناس عليه: انصبوا عليه. تاج العروس (ث ول ).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٣ إلى ابن مردويه.
٢٦٨
سورة الأنعام : الآية ٥٢
عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿ وَلَا تَطْرُكِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ﴾
قال : أهلُ الذكرِ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ: ﴿ وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾. قال: هم أهلُ الذكرِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿ وَلَا تَطْرٍُ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾. قال: لا تَطْرُدْهم عن الذكرِ(١).
وقال آخرون : بل كان ذلك تَعَلُّمَهم القرآنَ وقراءته .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی المُثَنَّی ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا و کیت، عن إِسرائيلَ ، عن جابرٍ ،
عن أبى جعفرٍ قولَه: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِلْغَدَوَةِ وَالْعَشِّتِىّ﴾.
قال: كان يُقْرِثُهم القرآنَ، (مَن الذى يَقُصُّ على " النبيِّ عٍََّّ(٢)؟!
وقال آخرون : بل عَنَى بدعائِهم ربَّهم عبادتَهم إياه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُّ سليمانَ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ﴾ . قال : يعنى:
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٨/٤ (٧٣٣٤) من طريق وكيع، عن سفيان، عن مغيرة عن
إبراهيم، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٧٩ - تفسير) من طريق جرير به .
(٣ - ٣) سقط من : م.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٨/٤ (٧٣٣٥) من طريق إسرائيل به بنحوه .
٢٦٩
سورة الأنعام : الآية ٥٢
يَعْبُدون، أَلَا تَرَى أنه قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيَ إِلَيْهِ﴾ [غافر: ٤٣]. يعنى:
تَعْبُدون(١) .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إِن اللَّهَ تعالى ذكرُه نَهَى نبيَّه
محمدًا عَ لِ أن يَطْرُدَ قومًا كانوا يَدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشىِّ. والدعاءُ للَّهِ يكونُ
بذكرِه وتمجيدِه والثناءِ عليه قولًا وكلامًا، وقد يكونُ بالعملِ له بالجوارح الأعمالَ
التى كان عليهم فَوْضُها، وغيرَها مِن النوافلِ التى تُرْضَى ، والعاملُ له عابدُه بما هو
عاملٌ له ، وقد يجوزُ أن يكونَ القومُ كانوا جامِعِين هذه المعانىَ كلَّها، فوصَفَهم اللَّهُ
بذلك، بأنهم يَدْعُونه بالغداةِ والعشيّ؛ لأن اللَّهَ قد سَمَّى العبادةَ دعاءً، فقال تعالى
ذكرُه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أُدْعُونِيّ / أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ [٧٥٨/١و] يَسْتَكْبِرُونَ
ج
عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وقد يَجوزُ أن يَكونَ ذلك
على خاصٍّ مِن الدعاءِ .
٢٠٦/٧
ولا قولَ أولى بذلك بالصحةِ مِن وصْفِ القومِ بما وصَفَهم اللَّهُ به، مِن أنهم
كانوا يَدْعُون ربَّهم بالغَداةِ والعَشِيِّ، فيُعَمُّون بالصفةِ التى وصَفَهم بها ربُّهم ، ولا
يُخَصُّون منها بشىءٍ دونَ شىءٍ .
فتأويلُ الكلام إذن: يا محمدُ ، أَنْذِرْ بالقرآنِ الذى أَنْزَلْتُه إليك، الذين يَعْلَمون
أنهم إلى ربِّهم مَحْشُورون ، فهم مِن خوفٍ وُرودِهم على اللَّهِ الذى لا شَفيعَ لهم مِن
دونِه ولا نَصيرَ، فى العملِ له دائمون، إذ أَعْرَض عن إنذارِك واسْتماع ما أَنْزَل اللَّهُ
عليك المكذِّبون باللّهِ واليومِ الآخرِ مِن قومِك؛ اسْتِكبارًا على اللَّهِ. ولا تَطْردهم ولا
تُقْصِهم فتكونَ مَّن وضَعِ الإِقْصاءَ فى غيرِ موضعِه، فأَقْصَى وطرَد مَن لم يَكُنْ له
طردُه وإقْصاؤُه، وقرّب مَن لم يَكُنْ له تقديمُه بقُزيه وإذْناؤُه ، فإِن الذین نهَيْتُك عن
(١) ينظر البحر المحيط ١٣٦/٤، والآية المذكورة لا يستقيم بها الاستدلال، ولعله أراد الآية (٦٦) من سورة
غافر: ﴿قُلّ إِّ نُهِيْثُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
٢٧٠
سورة الأنعام : الآيتان ٥٢، ٥٣
طردِهم هم الذين يَدْعُون ربَّهم، فيَسْأَلُون عفوَه ومغفرتَه بصالح أعمالِهم ، وأداءٍ ما
أَلْزَمهم مِن فَرائضِه ونوافلٍ تطوّعِهم، وذكْرِهم إياه بألسنتِهم بالغَداةِ والعشىِّ،
يَلْتَمِسون بذلك القُرْبةَ إلى اللَّهِ والدنَّ مِن رِضاه، ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن
شَىْءٍ﴾. يقولُ: ما عليك مِن حسابٍ ما رَزَقْتُهم مِن الرزقِ مِن شىءٍ، وما عليهم مِن
حسابٍ ما رزَقْتُك مِن الرزقِ مِن شَىءٍ ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ﴾ حِذارَ مُحاسَبتی إياك بما
خوَّلْتُهم فى الدنيا مِن الرزقِ .
وقولُه: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾. جوابٌ لقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ
وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ﴾ .
وقولُه: ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جوابٌ لقوله: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
ـ﴾.
رَّ
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَ اَللَّهُ
عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَأُ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾: وكذلك
اخْتَبَرْنا وابْتَلَيْنا .
كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ ،
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن قتادةً:
﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ يقولُ: ابْتَينا بعضَهم ببعضٍ(١).
وقد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على معنى ((الفتنةِ))، وأنها الاختبارُ
(٢)
والابتلاءُ، بما أُغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٨/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٥٦/٢، ٣٥٧.
٢٧١
سورة الأنعام : الآية ٥٣
وإنما فتنةُ اللَّهِ تعالى ذكرُه بعضَ خلقِهِ ببعض مخالفتُه بينَهم فيما قسَم لهم مِن
الأرزاقِ والأخلاقِ ، فجعَل بعضًا غنيًّا وبعضًا فقيرًا، وبعضًا قويًّا وبعضًا ضعيفًا،
فأخْوَجَ بعضَهم إلى بعضٍ ؛ اختبارًا منه لهم بذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن ٢٠٧/٧
علىّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾: يعنى
أنه جعَل بعضَهم أَغْنياءَ وبعضَهم فقراءَ، فقال الأغنياءُ للفقراءِ: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا﴾. يعنى: هداهم اللَّهُ. وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخريًّا(١).
وأما قولُه: ﴿لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَ اَللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَّأُ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: اخْتَبَرْنا الناسَ بالغنى والفقرِ، والعزِّ والذَّلُ، والقوةِ والضعفِ، والهدى
والضلالِ؛ كى يَقولَ مَن أضلَّ اللَّهُ وأعماه عن سبيلِ الحقِّ للذين هداهم اللّهُ
ووفَّقَهم: ﴿أَهَؤُلَاءٍ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بالهُدَى والرُّشْدِ، وهم فقراءُ ضعفاءُ أذلاءُ،
﴿مِّنْ بَيْنِناً﴾، ونحن أغنياءُ أقوياءُ؟ اسْتِهِزاءً بهم ، مَعابةً للإسلام وأهله.
يقولُ تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾. وهذا منه تعالى ذكرُه إجابةٌ
لهؤلاءِ المشركين الذين أَنْكَروا أن يَكونَ اللَّهُ هدَى أهلَ المَسْكَنةِ والضعفِ للحقِّ ،
وخذَلَهم عنه وهم أغنياءُ، وتَقْرِيرٌ لهم: أنا أعْلَمُ بَمَن كان مِن خَلْقِى شاكرًا نِعْمتى،
(١) فى م، س: (( سخرية ) .
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٩/٤ (٧٣٤١) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٤/٤ إلى ابن المنذر.
(٢) فى م، ت٢، ت ٣: ((معاداة).
٢٧٢
سورة الأنعام : الآيتان ٥٣، ٥٤
ثمّن هو لها كافر، فمَنِّى على مَن منَنْتُ عليه منهم بالهداية ؛ جزاءَ شکرِه إیای
على نعمتى، وتَحْذیلی مَن خذَلْتُ منهم عن سبیلِ الرَّشادِ ؛ عقوبةً كُفْرانِه إِیای
نعمتى - لا لِغِنَى الغنىِّ منهم، ولا لفَقْرِ الفقيرِ؛ لأن الثواب والعقابَ لا يَسْتَحِقُّه أحدٌ
إلا جزاءً على عملِه الذى اكْتَسَبه، لا على غناه وفقرِه؛ لأن الغِنَى والفقرَ، والعجزَ
والقوةَ ، ليس مِن أفعالٍ خلقى .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَقِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ
٥٤
بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذين عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم:
عنَى بها الذين نهَى اللَّهُ نبيّه عن طردِهم. وقد مضَت الروايةُ بذلك عن قائليه.
وقال آخرون: عنَى بها قومًا اسْتَفْتَوُا النبيَّ ◌َ ◌ِّ فى ذنوبٍ أصابوها عظامٍ ، فلم
يُؤَيِّسْهم اللَّهُ مِن التوبةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا سفيانُ، عن
مُجَمِّع، قال: سمِعْتُ ماهانَ ، قال: جاء قومٌ إلى النبيِّ عَ لّم قد أصابوا ذنوبًا عظامًا،
قال ماهانُ: فما إخالُهُ ردَّ عليهم شيئًا. قال: فَأَنْزَل اللّهُ هذه الآيةَ: ﴿ وَإِذَا جََ
اُلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية(٣) .
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن مُجَمِّع، عن ماهانَ ، أن قومًا
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، ت ٣: (( له كافرا)).
(٢) تفسير سفيان ص ١٠٧، ١٠٨، وأخرجه مسدد فى مسنده- كما فى المطالب العالية (٣٩٧٣) - من طريق
يحيى بن سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٣ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
٢٧٣
سورة الأنعام : الآية ٥٤
جاءوا إلى النبيِّ عَلَّهِ، فقالوا: يا محمدُ، إِنا أَصَبْنا ذنوبًا عظامًا. فما إخالُه ردَّ عليهم
شيئًا ، فانْصَرَفوا، فَأَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَإِذَا جَآءَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِنَا فَقُلْ
سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾. قال: فدعاهم ، فقرأَها عليهم .
/ حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْم، قال: ثنا سفيانُ، عن مُجَمِّع التَّميمىِّ، قال: ٢٠٨/٧
سَمِعْتُ ماهانَ يقولُ [٧٥٨/١ظ]. فذكَر نحوَه(١).
وقال آخرون: بل عُنِى بها قومٌ مِن المؤمنين كانوا أشاروا على النبىِّ عَلِّ بطردٍ
القومِ الذين نهاه اللَّهُ عن طردِهم، فكان ذلك منهم خَطيئةً ، فغفَرها اللَّهُ لهم، وعفا
عنهم، وأمَر نبيَّه عَّهِ إذا أتَوْه أن يُبَشِّرَهم بأن قد غفر لهم خَطيئْتَهم التى سلَفَت منهم
بِمَشُورتِهم على النبىِّ عَلَِّ بطردِ القومِ الذين أشاروا عليه بطردِهم. وذلك قولُ عكرمةً
وعبد الرحمنِ بنِ زيدٍ ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهما بذلك قبلُ .
وأولى الأقْوالِ فى ذلك عندى بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: المعنيُّون بقوله: ﴿ وَإِذَا
جَمَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾. غيرُ الذين نهَى اللَّهُ النبىَّ ◌َه
عن طردِهم؛ لأن قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا﴾ خبرٌ مُسْتَأَنَفٌ بعدَ
تَقَضِّى الخبرِ عن الذين نهَى اللَّهُ نبيَّه عَ لِّ عن طردِهم، ولو كانوا هم لقيل: وإذا
جاءوك فقلْ: سلامٌ عليكم. وفى ابتداءِ اللَّهِ الخبرَ عن قصةِ هؤلاء وتركِه وَصْلَ
الكلامِ بالخبرِ عن الأوَّلِين ما يُنْبِئُ عن أنهم غيرُهم .
فتأويلُ الكلام(٢) إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا: وإذا جاءك يا محمدُ القومُ الذين
◌ُصَدِّقون بتنزیلنا وادلتِنا وحُجچِنا ، فيُقِرُون بذلك قولًا وعملًا ، مُسْتزشِدِیك عن
ذنوبِهم التى سلَفَت منهم بينى وبينَهم ، هل لهم منها توبةٌ ؟ فلا تُؤَيِّشْهم منها ، وقل
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٠/٤ (٧٣٤٥) من طريق أبى نعيم به .
(٢) بعده فى س: ((إذن )).
( تفسير الطبرى ١٨/٩ )
٢٧٤
سورة الأنعام : الآية ٥٤
لهم: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ أمَنَةُ اللَّهِ لكم مِن ذنوبِكم، أن يُعاقِبَكم عليها بعدَ توبتكم
منها، ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾. يقولُ: قضَى رَبُّكم الرحمةَ
بخلقِه ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾.
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَّتْه عامَّةُ قرأةِ المَدَنِين: (أنه من عمِل
منكم سوءًا). فيَجْعَلون ((أنَّ)) منصوبةٌ على الترجمةِ بها عن ((الرحمةِ))، ( ثم تاب
مِن بعدِه وأصْلَح فإنه غفورٌ رحيمٌ) (١). على ائْتِنَافِ ((إنه)) بعدَ الفاءِ، فَيَكْسِرونها
ويَجْعَلونها أداةً لا موضعَ لها ، بمعنى: فهو له غفورٌ رحيمٌ، أو: فله المغفرةُ والرحمةُ .
وقرَأَهما بعضُ الكوفِيّين بفتح الألفِ منهما جميعًا، بمعنى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ
عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ ﴾ ثم تَرْجَم بقولِه: ﴿أَنَمُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بَجَهَالَةٍ﴾ .
عن الرحمةِ، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٢). فيَعْطِفُ بـ ((أنه)) الثانيةِ، على ((أنه))
الأولى، ويَجْعَلُهما اسمين منصوبين على ما يَنْتُ .
وقرَأْ ذلك بعضُ المكيّين وعامةُ قرأةِ أهلِ العراقِ مِن الكوفة والبصرة ، بکسرٍ
الألفِ مِن ((إنه)) و ((إنه )) على الابتداءِ، وعلى أنهما أداتان لا موضعَ لهما (٢) .
وأولى القراءاتِ فى ذلك عندى بالصواب قراءةُ مَن قرَأهما بالكسرِ: ( كتب
ربُّكم على نفسِه الرحمةَ إنه ) على ابتداءِ الكلامِ، وأن الخبرَ قد انْتَهَى عندَ قولِه:
﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ، ثم اسْتُؤْنِف الخبرُ عما هو فاعلٌ تعالى
ذكرُه بَمَن عمِل سوءًا بجهالةٍ ثم تاب وأَصْلَح منه .
(١) وهى قراءة نافع وأبى جعفر. ينظر النشر ١٩٤/٢.
(٢) وهى قراءة عاصم وابن عامر ويعقوب. المصدر السابق .
(٣) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائى وخلف . المصدر السابق .
٢٧٥
سورة الأنعام : الآية ٥٤
ومعنى قولِهِ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوَءًا بِجَهَالَةٍ ﴾: أنه مَن اقْتَرَف منكم
ذنبًا ، فجهِل باقْتِرافِه إياه، ثم تاب / وأصْلَح ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ ﴾ لذنبِه إذا تاب وأناب، ٢٠٩/٧
وراجع العملَ بطاعةِ اللَّهِ، وترَك العَوْدَ إلى مثله مع الندم على ما فرط منه ﴿رَحِيمٌ﴾
بالتائبِ أن يُعاقِه علی ذنبِه بعدَ توبتِه منه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن عثمانَ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ
عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بَجَهَالَةٍ ﴾. قال: مَن جهِل أنه لا يَعْلَمُ حلالاً مِن حرامٍ ، ومِن
جَهالتِه ركِب الأمرَ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبو خالدٍ ، عن جُوَثِيرٍ، عن الضحاكِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جَريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْمَلُونَ
السُّوَةَ بِجَهَلَةٍ﴾ [النساء: ١٧]. قال: مَن عمِل بمعصيةِ اللَّهِ، فذاك منه جهلٌ حتى
(٢)
ترجع ".
حدَّثنى الحارثُ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا بكرُ بنُ خُنَيْسٍ، عن ليثٍ ، عن
مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ﴾. قال: كلَّ مَن عمِل بخَطيئةٍ
فهو بها جاهلٌ .
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا خالدُ بنُ دينارٍ أبو خَلْدةَ ، قال :
كنا إذا دخَلْنا على أبى العاليةِ قال: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠١/٤ (٧٣٤٧) من طريق أبى خالد به بنحوه .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠١/٤ (٧٣٤٨) من طريق ابن أبى نجيح ، عن مجاهد بنحوه .
٢٧٦
سورة الأنعام : الآيتان ٥٤، ٥٥
عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِلُ اُلَآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ
اُلْمُجْرِمِينَ
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾: وكما فضَّلْنا لك فى
هذه السورةِ مِن ابتدائِها وفاتحتِها يا محمدُ إلى هذا الموضع، حجتنا على المشركين
مِن عَبَدةِ الأوثانِ ، وأدلتَنا ، ومَّرْناها لك وبيَّنَاها، كذلك نُفَصِّلُ لك أعلامَنا وأدلتَنا
فى كلِّ حقِّ يُتْكِرُه أهلُ الباطلِ مِن سائرٍ أَهلِ المللِ غيرِهم ، فتُبِنُها لك حتى يَبَّنَ حقُّه
مِن باطلِهِ ، وصَحيحُه مِن سَقیمِه .
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك
عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (ولتَسْتَبِينَ) بالتاءِ (سَبِيلَ المجرمين) بنصبٍ ((السبيلِ))،
على أنَّ ((تَستبين)) خطابٌ للنبيِّ ◌َّهِ، كأن معناه عندهم: ولِتَسْتَبِينَ أنت يا محمدُ
سبيلَ المجرمين .
وكان ابنُ زيدٍ يَتَأَوَّلُ ذلك: ولِتَسْتَبِينَ أنت يا محمدُ سبيلَ المجرمين الذين
سأَلوك طَوْدَ النفر الذين سألوه طردهم عنه مِن أصحابِهِ .
حدَّثْنى يونُسُ ، قال: أَخْبِرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ( ولِتَسْتَبِينَ سبيلَ
المُجْرِمين). قال: الذين يَأْمُرُونك بطردِ هؤلاء(٢).
وقرَأ ذلك بعضُ المكَيِّين وبعضُ البصريين: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاءِ ﴿سَبِيلُ
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢/ ٢٢١، وابن عساكر فى تاريخه ١٨٥/١٨ من طريق أبى خلدة به.
(٢) وهى قراءة نافع وأبى جعفر. ينظر النشر ١٩٤/٢.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٢/٤ (٧٣٥٧) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.
٢٧٧
سورة الأنعام : الآية ٥٥
الْمُجْرِمِينَ﴾(١) برفعِ ((السبيلِ)) على أن القصدَ للسبيلِ، ولكنه يُؤَنّئُها ، وكأن معنى
الكلام عندَهم : وكذلك نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَتَّضِحَ لك وللمؤمنين طريقُ المجرمين .
٢١٠/٧
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: / (ولِيَسْتَبِينَ) بالياءِ (سبيلُ المَجْرِمِين)(٢)
برفعٍ ((السبيلِ))، على أن الفعلَ للسبيلِ، ولكنهم يُذَكَرونه، [٧٥٩/١و] ومعنى
هؤلاء فى هذا الكلام، ومعنى مَن قرأ ذلك بالتاءِ فى: ﴿ وَلِتَسْتَّبِينَ﴾، ورفَع
السبيلَ، واحدٌ، وإنما الاختلافُ بينَهم فى تذكيرِ السبيلِ وتأنيثِها .
وأولى القراءتين بالصوابِ عندى فى ((السبيلِ)) الرفعُ؛ لأن الله تعالى ذكرُه
فصَّل آياتِه فى كتابِهِ وتنزيله ليَتَبَيَّنَ الحقَّ بها مِن الباطلِ جميعُ مَن خُوطِب بها ، لا
بعض دونَ بعضٍ .
ومَن قَرَأ ((السبيلَ)) بالنصبِ، فإِنما جعَل تَبْبينَ ذلك مخصورًا على النبيِّ عَّلٍَّ .
وأما القراءةُ فى قوله: ﴿ وَلِتَسْتَّبِينَ﴾ فسواءٌ قُرِئَت بالتاءِ أَو بالياءِ؛ لأن مِن
العربِ مَن يُذَكِّرُ ((السبيلَ))، وهى تَمِيمٌ وأهلُ نجدٍ، ومنهم مَن يُؤَنِّثُ ((السبيلَ))،
وهم أهلُ الحجازِ، وهما قراءتان مُسْتَفِيضتان فى قرأةِ الأمصارِ ، ولغتان مشهورتان
مِن لغاتِ العربِ، وليس فى قراءةٍ ذلك بإحداهما خلافٌ لقراءته بالأُخرى ، ولا
وجهَ لاختيارِ إحداهما على الأخرى بعدَ أن يُرْفَعَ ((السبيلُ))؛ للعلةِ التى ذكَرْنا .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل قوله: ﴿نُفَصِّلُ اَلَيَتِ﴾ . قال أهلُ التأويلِ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا معمرٌ،
عن قتادةَ: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلَيَتِ﴾: نُبَيِّنُ الآياتِ(١) .
(١) وهى قراءة ابن كثير، وحفص عن عاصم، وأبى عمرو وابن عامر ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ١٩٤.
(٢) وهى قراءة حمزة والكسائى وأبى بكر عن عاصم، وخلف. النشر ٢/ ١٩٤.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢١٧/١.
٢٧٨
سورة الأنعام : الآيات ٥٥ - ٥٧
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى: ﴿نُفَصِّلُ
اُلَيَتِ﴾ : نُبَيِّنُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنِّ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِقُل لَّا
٥٦
أَّعُ أَهْوَاءَ كُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
٠
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ له: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين بربِّهم مِن
قومِك، العادِلين به الأوثانَ والأندادَ الذين يَدْعُونك إلى موافقتهم على دينهم،
وعبادة الأوثانِ - : إن اللَّهَ نهانى أن أَعْبُدَ الذين تَدْعُون مِن دونِه ، فلن أُّعَكم على ما
تَدْعُوننى إليه مِن ذلك ، ولا أُوافِقَكم عليه، ولا أُعْطِيَكم محبَّتَكم وهواكم فيه، وإن
فعَلْتُ ذلك فقد ترَكْثُ مَحَجَّةَ الحقِّ، وسلَكْتُ على غيرِ الهُدَى، فصِرْتُ ضالّا
مثلَكم على غيرِ استقامةٍ .
وللعربِ فى ((ضَلِلْتُ)) لغتان؛ فتحُ اللامِ وكسرُها، واللغةُ الفصيحةُ المشهورةُ
هى فتحُها ، وبها قرَأ عامةُ قرأةِ الأمصارِ ، وبها نَقْرَأُ؛ لشهرتِها فى العربِ، وأما الكسرُ
فليس بالغالبِ فى كلامِها، والقرأةُ بها قليلون(١)، فمَن قال: ((ضلَلْتُ)) قال:
أَضِلُّ. ومَن قال: ((ضلِلْتُ)) قال فى المستقبلِ: أَضَلَّ. وكذلك القراءةُ عندَنا فى
سائرِ القرآنِ ﴿ وَقَالُواْ أَِذَا ضَلَلْنَا﴾ [السجدة: ١٠] بفتحِ اللامِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلّ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِ وَكَذَّبْتُم بِِّ مَا عِندِى مَا
تَسْتَعِْلُونَ بِّهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُ اَلْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِينَ
٥VI
٢١١/٧
يقولُ / تعالى ذكرُه لنبيّه عَ له: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم،
الداعِين لك إلى الإشراكِ بربّك : ﴿ إِنِ عَلَى بَهِنَةٍ مِّن رَّبٍ ﴾ أی : إنی علی بیانٍ قد
تبيَّنْتُه، وبرهانٍ قد وضَح لى ﴿مِّن رٍَّ﴾. يقولُ: مِن توحيدِه(١)، وما أنا عليه مِن
(١) وهى قراءة شاذة، قرأ بها السلمى وابن وثاب وطلحة. البحر المحيط ٤/ ١٤٢.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( توحيدى).
٢٧٩
سورة الأنعام : الآية ٥٧
إخلاص عبودتِهِ مِن غيرِ إشراكِ شىءٍ به .
وكذلك تقولُ العربُ : فلانٌ على بينةٍ من هذا الأمرِ . إذا كان على بيانٍ منه ،
ومن ذلك قولُ الشاعرِ(١) :
أَبَيِّةً تَبْغُون بعدَ اعترافِهِ
وقولِ سُوَيْدٍ قد كفَتُكُمُ بِشْرًا
وَكَذَّبْتُم بِهِ،﴾. يقولُ: وكذَّبْتُم أنتم بربِّكم. والهاءُ فى قوله:
﴿به﴾(١) مِن ذكرِ الربِّ جلّ وعزّ. ﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بٍِّ﴾. يقولُ: ما
الذى تَسْتَعْجِلون مِن نِقَم اللَّهِ وعذابِه بيدى، ولا أنا على ذلك بقادرٍ . وذلك أنهم
قالوا حينَ بعَث اللَّهُ نبيَّه محمدًا عَ لَّهِ بِتَوحيدِه، فدعاهم إلى اللَّهِ، وأخْبَرَهم أنه رسولُه
إليهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُنَ اُلْسِحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
[الأنبياء: ٣]. وقالوا للقرآنِ: هو أضْغاثُ أحلامٍ. وقال بعضُهم: بل هو اخْتِلاقٌ
اخْتَلَقَه . وقال آخرون: بل محمدٌ شاعرٌ، فَلْيَأْتِنا بآيةٍ كما أُرْسِل الأوَّلون . فقال اللَّهُ
النبيِّه ◌َّهِ: أَجِبْهم بأن الآياتِ بيدِ اللَّهِ لا بيدِك، وإنما أنت رسولٌ، وليس عليك إلا
البلاغُ لَمَا أُرْسِلْتَ به، وأن اللَّهَ يَقْضِى الحقَّ فيهم وفيك، ويفصِلُ به بينك وبينَهم ،
فِيَتَبَيَّنُ المُحِقُّ منكم والمُبْطِلُ، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾. أىْ: وهو خيرُ مَن بينَّ
وميَّز بينَ المحِقِّ والمُطِلِ، وأَعْدُهم؛ لأنه لا يَقَعُ فى حكمِه وقَضائِهِ حَيْفٌ إلى أحدٍ ،
الوسيلةٍ له إليه ، ولا لقرابةٍ ولا مُناسبةٍ ، ولا فى قضائِهِ جَوْرٌ؛ لأنه لا يَأْخُذُ الرِّشْوةَ فى
الأحكامِ فيَجُورَ، فهو أعدلُ الحكامِ وخيرُ الفاصِلِين .
وقد ذُكِر لنا فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (وهو أَسْرَعُ الفاصِلِين)(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى
(١) مجاز القرآن ١٩٣/١.
(٢) سقط من : م.
(٣) البحر المحيط ١٤٣/٤، وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
٢٨٠
سورة الأنعام : الآية ٥٧
بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال: فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ : (يَقْضِى الحقَّ وهو أشْرَعُ
الفاصِلِين)(١).
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: (يَقْضِى الحَقَّ)؛ فقرَأَه عامةُ قرأةِ الحجازِ
والمدينةِ وبعضُ قرأةِ أهلِ الكوفة والبصرةِ: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُ اَلْحَّ﴾،
بالصادِ بمعنى القَصَصِ (١) . وتأوَّلوا فى ذلك قولَ اللهِ تعالى ذكره: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ
أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. وذُكِر ذلك عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا ابنُ عُبَيْنةَ، عن عمرٍو بنٍ دينارٍ ، عن عطاءٍ، عن ابنٍ
سط
عباسٍ، قال: ﴿ يَقُضُ أُلْحَقَّ﴾. وقال [٧٥٩/١ظ]: ﴿نَحْنُ نَقُضُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ﴾(٢).
وقرَأُ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ الكوفة والبصرةِ : (إنِ الحُكْمُ إِلَّا للَّهِ يَقْضِى الْحَقَّ)
بالضادِ ) ، مِن القضاءِ بمعنى الحكم والفصلِ بالقَضاءِ، واعْتَبَروا صحةً ذلك بقوله:
﴿ وَهُوَ خَيْرُ اَلْفَصِلِينَ﴾. وأن الفصلَ بينَ المختلِفِين إنما يكونُ بالقضاءِ لا بالقَصَصِ.
وهذه القراءةُ عندَنا أولى القراءتين بالصوابِ(٥)؛ لما ذَكَوْنا لأهلِها مِن العلةِ .
٢١٢
فمعنى الكلام إذن : ما الحكمُ / فيما تَسْتَعْجِلون به أيُّها المشر كون مِن عذابٍ
اللَّهِ ، وفيما بينى وبينَكم، إلا للَّهِ الذى لا يَجورُ فى حكمِه، وبيدِه الخلقُ والأمرُ،
يَقْضِى الحقَّ بينى وبينَكم، وهو خيرُ الفاصِلِين بيننا بقضائه وحكمِه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٣ إلى المصنف وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) وهى قراءة نافع وأبى جعفر وابن كثير وعاصم. النشر ١/ ١٩٤.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٨٨٠ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٣/٤ (٧٣٦٠) من
طريق ابن عيينة به .
--
(٤) وهى قراءة أبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى وخلف ويعقوب. النشر ١/ ١٩٤.
(٥) القراءتان كلتاهما صواب .