Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
سورة المائدة : الآيتان ٧٣، ٧٤
بكفرهم باللّهِ .
وقد قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ بنحوِ قولِنا، فى أنه عُنِىَ بهذه الآياتِ
النصارى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا [٧٠٣/١و]
أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِتَ اَللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ﴾. قال :
قالت النصارى: هو المسيح وأمُّه . فذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿َأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
اَّخِذُونِيِ وَأَتِّىَ إَِهَيْنِ مِن دُونِ اَللَّهِ﴾(١) [المائدة: ١٦
[١١].
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
قال مجاهدٌ: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَ اللَّهُ ثَالِكُ ثَاثَةُ﴾ نحوَهُ(٢).
ج
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ
٧٤
يقولُ تعالى ذكره : أفلا يَرْجِعُ هذان الفريقان الكافران ، القائلُ أحدُهما :
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَةٌ﴾. والآخر القائلُ: ﴿إِنََّ اللَّهُ ثَالِثُ
ثَلَاثَةُ﴾. عما قالا مِن ذلك، و "يُنيبان مما قالا ونطَقاً) به مِن كفرِهما، ويَسْأَلان
ربَّهما المغفرةَ مما قالا، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ التائبين مِن خلقِه، المُنِين إلى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٩/٤ (٦٦٤٦) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
والأثر فى تفسير مجاهد ص٣١٣ ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٨/٤ (٦٦٤٤). وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٠/٢ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣ - ٣) فى م: (( يتوبان بما قالا وقطعا)).

٥٨٢
سورة المائدة : الآيتان ٧٤، ٧٥
طاعتِه بعدَ معصيتِهم، ﴿ رَّحِيمٌ﴾ بهم فى قبولِه توبتَهم، ومُراجعتَهم إلى ما
يُحِبُّ مما يَكْرَهُ، فيَصْفَحُ بذلك مِن فعلِهم عما سلف مِن إجرامِهِم قبلَ ذلك.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ وَأُتُهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا بَأْكُلَانِ الطَّعَامُ﴾ .
٣١٥/٦
/ وهذا من الله تعالی ذ کژه احتجاج(١) لنبيه محمدٍ څ على فِرُقِ النصارى فى
قولِهم فى المسيح، يقولُ مُكَذِّبًا لليَعْقوبيةِ فى قِيلِهم: هو اللَّهُ. والآخرين فى قيلهم:
هو ابنُ اللَّهِ : ليس القولُ كما قال هؤلاء الكفَرةُ فى المسيح، ولكنه ابنُ مريمَ ، ولَدَته
ولادةَ الأمهاتِ أبناءَهن، وذلك مِن صفةِ البشرِ، لا مِن صفةٍ خالقِ البشرِ، وإنما هو
للَّهِ رسولٌ كسائرٍ رسلِه الذين كانوا قبلَه، فمضَوْا وَخَلَوْا ، أَجْرَى على يدِه ما شاء أن
يُجْرِيَه عليها مِن الآياتِ والعِبَرِ ؛ حجةٌ له على صدقِه، وعلى أنه للَّهِ رسولٌ إلى مَن
أُرْسَله إليه مِن خلقِه، كما أَجْرَى على أيدى مَن قبلَه مِن الرسلِ مِن الآياتِ والعبرِ،
حجةً لهم على حقيقةٍ صدقِهم فى أنهم للَّهِ رسلٌ .
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأمّ المسيح صِدِّيقةٌ. والصِّدِّيقةُ
الفِعِّيلةُ مِن الصدقِ ، وكذلك قولُهم : فلانٌ صِدِّيقٌ . فِعِيلٌ مِن الصدقِ ، ومنه قولُه
تعالى ذكره: ﴿وَاُلْصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ ﴾ [النساء: ٦٩]. وقد قيل: إن أبا بكر الصديقَ
رضِى اللهُ عنه إنما قيل له : الصِّدِّيقُ لصدقِه. وقد قيل: إنما سُمِّى صِدِّيقًا لتصديقِه
النبىَّ ◌َّهِ فى مسيرِه فى ليلةٍ واحدةٍ إلى بيتِ المقدسِ مِن مكةَ وعودِه إليها .
وقولُه: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُ﴾. خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن
المسيح وأمِّه، أنهما كانا أهلَ حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتَقُومُ به أبدانُهما، مِن المطاعمِ
(١) فى النسخ: ((احتجاجا)). وسيأتى فى كلام المصنف فى الآية بعدها كما أثبتناه.

٥٨٣
سورة المائدة : الآيتان ٧٥، ٧٦
والمشاربِ، كسائرِ البشرِ مِن بنى آدمَ ، فإن مَن كان كذلك فغيرُ كائنٍ إلهًا؛ لأن
المحتاجَ إلى الغذاءِ قِوَامُه بغيرِهِ ، وفى قِوامِه بغيرِهِ وحاجتِه إلى ما يُقِيمُه دليلٌ واضحٌ على
عجزِه، والعاجزُ لا يكونُ إلا مربوبًا لا ربًّا .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ اَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْأَبَتِ ثُمَّ أَنْظْ أَنَّى
يُؤْفَّكُونَ
٧٥
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلَه: ﴿أَنْظُرْ﴾ يا محمدُ ﴿كَيْفَ
◌ُبَيِّبُ ﴾ لهؤلاء الكَفَرَةِ مِن اليهودِ والنصارى ﴿اُلَيَتِ﴾ وهى الأدلةُ والأعلامُ
والحُجَجُ على بُطُولٍ ما يَقُولون فى أنبياءِ اللَّهِ، وفى فِرْبتِهم على اللَّهِ، وادِّعائهم له
ولدًا ، وشَھادَتِھم لبعضٍ خلقہ بأنہ لھم ربِّ وإله ، ثم لا يُؤْتَدِعون عن کذپھم وباطلٍ
قِيلِهم، ولا يَتْزَجِرون عن فِرْيتهم على ربِّهم وعظيم جهلهم، مع ؤُرودِ الحُججِ
القاطعةِ عذرَهم عليهم، يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ له: ﴿ثُمَّ أُنْظُرْ﴾ یا
محمدُ، ﴿أَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: ثم انْظُرْ مع تَبْبينِنا لهم آياتِنا على بُطولٍ
قولِهم، أىَّ وجهٍ يُصْرَفون عن بيانِنا الذى نُبَيِّنُهُ(١) لهم؟ وكيف عن الهُدَى الذى
نَهْدِیهم إليه مِن الحقِّ يَضِلُّون ؟
والعربُ تقولُ لكلِّ مَصْروفٍ عن شىءٍ: هو مَأْقُودٌ عنه. يقالُ: قد أَفَكْتُ
فلانًا عن كذا، أى: صرَفْتُه عنه، فأنا آفِكُه أَفْكًا ، وهو مَأْفوٌ، وقد أُفِكَت الأرضُ،
إذا صُرِف عنها المطرُ.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً
(٧٦
وَلَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(١) فى م: ((بينته)).

٥٨٤
سورة المائدة : الآيتان ٧٧،٧٦
وهذا أيضًا احتجاجٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه عَ لِّ على النصارى القائلين فى
المسيحِ ما وصَف مِن قِيلِهم فيه قبلُ، يقولُ تعالى ذكره لمحمدٍ لل: ﴿قُلْ﴾ یا
محمدُ لهؤلاء الكفَرةِ مِن النصارى الزاعمين أن المسيح ربُّهم، القائلين(١): إن اللَّهَ
ثالثُ ثلاثةٍ: ﴿ أَعْبُدُونَ﴾ سوى اللَّهِ الذى يَمْلِكُ ضَرَّكم ونفعَكم، وهو الذى
خَلَقَكم ورزَقَكم، وهو يُخْيِيكم ويُمِيتُكُم - شيئًا ﴿لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلَا
٣١٦/٦ نَفْعًا﴾. يُخْبِرُهم تعالى / ذِكْرُه أن المسيحَ الذى زعَم مَن زعَم مِن النصارى أنه إلهٌ ،
والذى زعَم مَن زعَم منهم أنه للَّهِ ابنٌ، لا يَمْلِكُ لهم ضرًا يَدْفَعُه عنهم إن أحَلَّه اللَّهُ
بهم، ولا نفعًا يَجْلِبُه إليهم إن لم يَقْضِه اللَّهُ لهم. يقولُ تعالى ذكره : فكيف يكونُ
ربًّا وإِلهَا مَن كانت هذه صِفَتُه، بل الربُّ المعبودُ الذى بيدِه كلَّ شىءٍ والقادرُ على
كلِّ شيءٍ، فإياه فاعبدوا وأخْلِصوا له العبادةَ، دونَ غيرِهِ مِن العَجَزةِ الذين لا
يَنْفَعونكم ولا يَضُرون(٢) .
وأما قولُه: ﴿وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . فإنه یعنی تعالى [٧٠٣/١ظ] ذِكْرُه
بذلك: واللَّهُ هو السميعُ لاسْتغفارِهم لو اسْتَغْفروه مِن قيلِهم ما أخبر عنهم أنهم
يقولونه فى المسيحِ، ولغيرِ ذلك مِن منطقِهم ومنطقٍ خلقِه ، العليمُ بتوبتهم لو تابوا
منه ، وبغيرِ ذلك من أمورهم .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ اُلْحَقِّ
وَلَا تَتَِّّعُواْ أَهْوَاَءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ
السَّبِيلِ
٧٧
وهذا خطابٌ مِن اللَّهِ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَه ، يقول تعالى ذكرُه:
(١) فى م: ((والقائلين)).
(٢) فى ت ٢: (( يضرونكم)).

٥٨٥
سورة المائدة : الآية ٧٧
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء الغاليةِ مِن النصارى فى المسيح: ﴿يَكَأَهْلَ اُلْكِتَبِ﴾.
يعنى بالكتابِ: الإنجيلَ، ﴿لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ﴾. يقولُ: لا تُفْرِطوا فى القولِ
فيما تَدينون به من أمرِ المسيحِ، فتُجاوزوا فيه الحقَّ إلى الباطلِ، فتقولوا فيه: هو اللَّهُ.
أو: هو ابنُّه. ولكن قولوا: هو عبدُ اللَّهِ وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. ﴿ وَلَا
تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا﴾. يقولُ: ولا تَتَبِعوا
أيضًا فى المسيح أهواءً اليهودِ الذين قد ضَلُّوا قبلَكم عن سبيلِ الهُدَى فى القولِ فيه،
فتقولوا(١) فيه كما قالوا: هو لغيرِ رَشْدةٍ. وَتَبْهَتوا أمَّه كما بَهَتوها(١) بالفِرْيَةِ وهى
صِدِّيقةٌ، ﴿ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: وأضلَّ هؤلاء اليهودُ كثيرًا
مِن الناسٍ، فحادوا بهم عن طريقِ الحقِّ، وحمَلوهم على الكفرِ باللّهِ ، والتكذيبِ
بالمسيحِ، ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: وضلَّ هؤلاء اليهودُ عن قَصْدِ
الطريقِ، وركِبوا غيرَ مَحَّةِ الحقِّ. وإنما يعنى تعالى ذكرُه بذلك كفرَهم باللّهِ
وتكذيتهم رُسُلَه؛ عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم ، وذهابَهم عن الإيمانِ
وبُعْدَهم منه، وذلك كان ضلالَهم الذى وصَفهم اللَّهُ به .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. قال: يهودُ(٢).
(١) سقط من: ت ١، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣، س: ((تقولون)). والمثبت مما يقتضيه السياق.
(٢) فى م: ((يبهتونها)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣١٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨١/٤ (٦٦٥٩).

٥٨٦
سورة المائدة : الآيتان ٧٧، ٧٨
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوْ أَهْوَاَءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا﴾:
فهم أولئك الذين ضَلُّوا وأضلوا أتباعَهم، ﴿ وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ عن عَدْلٍ
(١)
السبيلِ(١).
٣١٧/٦
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْمِنَّ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ
دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَةٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ(
٧٨
يقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: قل لهؤلاء النصارى الذين وصَف تعالى
ذكرُه صِفَتَهم : لا تَغْلوا، فتقولوا فى المسيحِ غيرَ الحقِّ ، ولا تقولوا فيه ما قالت اليهودُ
الذين قد لعَنهم اللَّهُ على لسانٍ أنبيائه ورُسُلِه؛ داودَ وعيسى ابن مريمَ، وكان لعنُ اللَّهِ
إياهم على ألسنتِهم .
کالذی حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْمِنُ بَفِي إِسْرَِّيلَ
عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَّ﴾. قال: لُعِنوا بكلِّ لسانٍ ؛ لُعِنوا على عهدٍ
موسى فى التوراةٍ ، ولُعِنوا على عهدٍ داودَ فى الزَّبورِ، ولُعِنوا على عهدٍ عيسى فى
الإنجيلِ، ولُعِنوا على عهدٍ محمدٍ عَ لَه فى القرآنِ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بن أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْمِنُ بَنِىّ
إِسْرَِّ يلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمًّ﴾. يقولُ: لُعِنوا فى الإنجيلِ على
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨١/٤ (٦٦٥٨، ٦٦٦٠) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٠/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٢/٤ (١١٦٣) عن محمد بن سعد به .

٥٨٧
سورة المائدة : الآية ٧٨
لسانِ عيسى ابنٍ مريمَ، ولُعِنوا فى الزَّبورِ على لسانٍ داودَ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن أبيه، عن خُصَيفٍ ، عن سعيدٍ
بنِ مُجُبَيٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْمِنُ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى
لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَرٌ﴾. قال: خالَطوهم بعدَ النَّهْىِ فى تجاراتِهم،
فضرَب اللَّهُ قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، فهم ملعونون على لسانِ داودَ وعيسى ابنٍ
مريم(٢)
مريم
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن محُصَينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْمِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَرٌ﴾. قال: لُعِنوا
على لسانٍ داودَ فصاروا قِرِدةً ، ولُعِنوا على لسانٍ عيسى فصاروا خنازيرَ".
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال :
قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْمِنَّ بَنِي إِسْرَّهِيلَ﴾ : بكلِّ لسانٍ؛
لُعِنوا : على عهدٍ موسى فى التوراةِ، وعلى عهدِ داودَ فى الزبورِ ، وعلى عهدِ عیسی
فى الإنجيلِ، ولُعِنوا على لسانِ محمدٍ عَِّ فى القرآنِ. قال ابنُ جُرَيجٍ: وقال
آخرون: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْمِنُ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ﴾: دعا
عليهم داودُ) على عهدِه، فلُعِنوا بدعوتِه، قال: مرَّداودُ على نَفَرٍ منهم وهم فى بيتٍ ،
فقال : مَن فى البيتِ ؟ قالوا: خنازيرُ. قال: اللهم اجْعَلْهم خنازيرَ، فكانوا خنازيرَ.
قال : ثم أصابتهم لعنتُه، ودعا عليهم عيسى فقال: اللهم الْعَنْ مَن افْتَرى علىَّ وعلى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨١/٤، ١١٨٢ (٦٦٦٢) من طريق أبى صالح به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٢ إلى أبى الشيخ.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) سقط من: م.

٥٨٨
سورة المائدة : الآية ٧٨
أمّى، واجْعَلْهم قِرِدةٌ خاسئين(١) .
حدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لُعِنَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ / مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ﴾ الآية: لعَنهم اللَّهُ على لسانِ داودَ فى زمانِهِ،
فجعَلهم قِرِدةٌ خاسئين، وفى الإنجيلِ على لسانِ عيسى ، فجعَلهم خنازيرَ (١).
٣١٨/٦
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعِ، قال: ثنا أبو مِخْصَنٍ حُصَينُ بنُ ثُمَيَرٍ، عن
محُصَينٍ، يعنى ابنَ عبدِ الرحمنِ، عن أبى مالكِ، قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنُ
بَنِي إِسْرَّهِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾. قال: مُسِخوا على لسانِ داودَ قِرِدةً، وعلى
لسانٍ عیسی خنازيرَ .
حدَّثنی يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا محُصَيْنٌ، عن أبى مالكِ مثلَه .
[٧٠٤/١ و] حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمد المحاربى، عن
العلاءِ بنِ المُسيبِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو بنِ مُرَّةً، عن سالمِ الأَقْطَسِ، عن أبى
عُبَيدةً، عن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللّهِ مَ ◌ّهِ: ((إن الرجلَ مِن بنى إسرائيلَ
كان إِذا رأَى أخاه على الذنبِ نهاه عنه تَعْذِيرًا() ، فإذا كان مِن الغدِ لم يَمْتَغْه ما رأَى
منه أن يكونَ أكِيلَه وخَلِيطَه وشَرِيبَه ، فلما رأى ذلك منهم ضرَب بقلوبِ بعضِهم على
بعضٍ، ولعَنهم على لسانِ نبيِّهم داودَ وعيسى ابنِ مريمَ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَعْتَّدُونَ﴾))؛ ثم قال: ((والذى نفسى بيدِه، لتَأْمُرُنَّ بالمعروفِ، ولتَنْهَؤُنَّ عن
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٥٣٩/٣ عن ابن جريج نحوه.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٧٠ - تفسير)، وابن أبى حاتم ١١٨٢/٤ (٦٦٦٤) من طريق
حصين بن عبد الرحمن به، وعند سعيد بلفظ آخر وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٢ إلى أبى عبيد
وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٤) فى م: ((تعزيرا)) قال ابن الأثير: أى: نهيا قصَّروا فيه ولم يبالغوا، وضع المصدر موضع اسم الفاعل حالا .
النهاية ٣/ ١٩٨.

٥٨٩
سورة المائدة : الآية ٧٨
المنكرِ، ولتَأْخُذُنَّ على يَدَيِ المُسىءِ، ولتؤطّرنَّه(١) على (٢الحقِّ أَطْرًا)، أو ليَضْرِبِنَّ اللَّهُ
قلوبَ بعضِكم على بعضٍ ، ولَيَلْعَنَّكم كما لعنهم)) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا الحكمُ بنُ بشيرِ بنِ سلمانَ ، قال : ثنا عمرُو بنُ قَیْسِ
المُلائىُّ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةً، عن أبى عبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما فشَا المنكَرُ فِى
بنى إسرائيلَ ، جعل الرجلُ يَلْقَى الرجلَ فيقولُ: يا هذا، اتَّقِ اللَّهَ. ثم لا يَمْنَعُه ذلك أن
يؤاكلَه ويُشاربَه ، فلما رأَى اللَّهُ ذلك منهم ضرَب بقلوبٍ بعضِهم على بعضٍ ، ثم
أَنزَل فيهم كتابًا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْمِنْ بَنِى إِسْرَّهِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَدَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ (١٨) كَانُواْ لَا
يَتَنَاهَوْنَ عَن تُنكَرٍ فَعَلُوُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. وكان رسولُ
اللَّهِ بِلِ مُتكئًا فجلَس وقال: ((كلا والذى نفسِى بيدِه: حتى تَأْطِروا الظالمَ على
٥
الحقِّ أطرًا))(٤).
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلِ الرملىُّ ، قال: ثنا المُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ ،
قال : ثنا علىُّ بنُ بَذِيمةً، عن أبى عُبيدةَ ، أظنُّه عن مُسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ ، قال : قال
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ولتواطونه))، وفى م: ((لا تواطئونه))، وفى مصادر التخريج:
((لتأطرنه)). وما فى النسخ تصحيف ما أثبتناه، وأطَره وأطّره: عطفه، ينظر النهاية ٥٣/١، واللسان (أطر).
(٢ - ٢) فى م: ((الخواطر)).
(٣) أخرجه أبو يعلى (٥٠٣٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨١/٤ (٦٦٦١) من طريق المحاربى به ،
وأخرجه البيهقى فى الشعب (٧٥٤٥) من طريق سالم الأفطس به، وأخرجه أبو داود أيضًا (٤٣٣٧)،
والطبرانى (١٠٢٦٧، ١٠٢٦٨) من طريق العلاء به عن عمرو مرة ، عن سالم الأفطس به ، وأخرجه أبو يعلى
(٥٠٩٤) من طريق العلاء به بدون ذكر سالم الأفطس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٠/٢ إلى عبد بن
حميد وأبى الشيخ وابن مردويه .
(٤) أحمد ٢٥٠/٦ (٣٧١٣)، وأبو داود (٤٣٣٦)، وابن ماجه عقب حديث (٤٠٠٦)، والترمذى
(٣٠٤٧) عقب الحديث (٣٠٤٨)، والطبرانى ١٧٩/١٠ (١٠٢٦٤ - ١٠٢٦٦) من طريق على بن بذيمة
به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٠/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .

٥٩٠
سورة المائدة : الآية ٧٨
رسولُ اللَّهِ عَلِ: ((إن بنى إسرائيلَ لما ظهَر منهم المنكرُ، جعَل الرجلُ يرَى أخاه
وجارَه وصاحبَه على المنكرِ فيَنْهاه، ثم لا يَمْنَعُه ذلك من أن يكونَ أكيلَه وشَرِيبَه
ونَديَه، فضرَب اللَّهُ قلوبَ بعضِهم على بعضٍ ، ولُعِنُوا على لسانِ داودَ وعيسى ابنٍ
مريمَ ؛ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ إلى ﴿فَسِقُونَ﴾. قال
عبدُ اللَّهِ: وكان رسولُ اللَّهِ مَّالِ مُتَكِنًا فاسْتَوى جالسًا، فغضِب وقال: ((لا واللَّهِ،
حتى تَأْخُذوا على يَدَي الظالمِ فَتَأْطِرِوه على الحقِّ أَطْرًا)).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا ابنُ مَهْدِىٌّ، قال : ثنا سفيانُ ، عن على بنِ بَذِیمةً ، عن
أبى عُبيدةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((إن بنى إسرائيلَ لما وقَع فيهم النَّقْصُ، كان
٣١٩/٦ الرجلُ يرَى / أخاه على الذَّنبِ (١) فينهاه عنه، فإذا كان الغدُ لم يَمْتَغْه ما رأَى منه أن
يكونَ أكيلَه وشريبه وخليطَه، فضرَب اللَّهُ قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، ونزَل فيهم القرآنُ،
فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْمِنُ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنٍ
مَرْيَةٌ﴾)). حتى بلَغ ﴿ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾. قال: وكان رسولُ
اللَّهِ بَلَّمِ مُتَكئًا فجلَس وقال: ((لا، حتى تأخذوا على يَدَي الظالم فتَأْطِروه على الحقِّ
(٢)
أطْرًا))(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ ، قال: أَمْلاهُ علَىَّ، قال : ثنا محمدُ بنُ أَبِى
الوَضّاحِ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةً، عن أبى عبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ مَلِ بمثله(١).
حدَّثنا هنادُ بنُ الشَّرِىِّ، قال : ثنا وكيع، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أنى، عن
(١) فى النسخ: (( الريب))، والمثبت من جامع الترمذى وسنن ابن ماجه .
(٢) أخرجه الترمذى (٣٠٤٨)، وابن ماجه (٤٠٠٦) عن محمد بن بشار به، وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ١٩٤/١، ١٩٥ عن الثورى عن ابن بذيمة عن أبى عبيدة عن عبد الله، وينظر الترمذى (٣٠٤٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه عقب حديث (٤٠٠٦) والترمذى عقب حديث (٣٠٤٨) عن محمد بن بشار به ،
وأخرجه البيهقى فى الشعب (٧٥٤٤) من طريق سفيان به .
٠٠

٥٩١
سورة المائدة : الآيتان ٧٨، ٧٩
سفيانَ ، عن علىِّ بنِ بذيمةً، قال: سمِعت أبا عبيدةَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ حَ اتٍ فذكَر
نحوَه، غيرَ أنهما قالا فى حديثهما: وكان رسولُ اللَّهِ مَ الِ مُتكئًا فاسْتَوى جالسًا ثم
قال: ((كلا والذى نفسى بيدِه، حتى تأخذوا على يَدَيِ الظالم فتَأْطِروه على الحقِّ أُطرّا)).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿لُعِنَ
الَّذِينَ كَفَرُواْمِنْ بَنِى إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَرَّ﴾ . قال :
فقال: لُعِنوا فى الإنجيلِ وفى الزبورِ. وقال: قال رسولُ اللَّهِ عَ له: ((إن رَحَى الإِيمانِ
قد دارت ، فدُوروا مع القرآنِ حيثُ دار، فإنه (١) قد فرَغ اللَّهُ مما افْتَرض فيه، ( وإنه
كانت٢) أمةٌ مِن بنى إسرائيلَ كانوا أهلَ عَدْلٍ، يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَون عن المُّكَرِ ،
فأخذهم قومُهم فنشَروهم بالمناشيرِ ، وصلَبوهم على الخُشُبِ ، ويَقِيَتْ منهم بَقِيَّةٌ ، فلم
يَرْضَوا حتى داخَلُوا الملوكَ وجالَسوهم، ثم لم يَرْضَوا حتى واكَلُوهم، فضرَب اللَّهُ تلك
القلوبَ بعضَها ببعضٍ فجعَلها واحدةً ، فذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿لُعِرَبَ اُلَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْ بَفِي إِسْرَِّ يلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ إلى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَعْتَدُونَ﴾. ماذا كانت معصيتُهم؟ قال: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنِ
مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾(١).
فتأويلُ الكلام إذن : لعَن اللَّهُ الذين كفروا مِن اليهودِ باللَّهِ ، على لسانٍ داودَ
وعيسى ابن مريمَ ، ولُعِنَ واللّهِ آباؤهم على لسانِ داودَ وعيسى ابنِ مريمَ ، بما عصوا اللَّهَ
فخالفوا أمرَه، ﴿ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾. يقولُ: وكانوا يتجاوزون حُدودَه.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوَّنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا
(١) بعده فى ص بياض بقدر كلمتين، وكتب مقابله فى الحاشية: ط. دلالة على الخطأ .
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وإن ابن مرح))، وفى مطبوعة الدر المنثور عن معاذ مرفوعا بنحوه:
((إن بنى يأجوج))، وفى النسخ الخطية: ((إن بنى مرخ))، أو ((إن بنى مرح)). ولم نهتد إلى صواب هذه العبارة.
(٣) أخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٢/٤ (٦٦٦٦) من طريق أصبغ، عن ابن زيد .

٥٩٢
سورة المائدة : الآيتان ٧٩، ٨٠
كَانُواْ يَفْعَلُونَ
V
[٧٠٤/١ظ] يقولُ تعالى ذكره: كان هؤلاء اليهودُ الذين لعنهم اللَّهُ، ﴿لَا
يَتَنَاهَوْنَ﴾. يقولُ: لا يَنْتَهُون ﴿عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، ولا يَنْهَى بعضُهم
بعضًا . ويعنى بالمنكرِ المعاصىّ التى كانوا يَعْصون اللَّهَ بها. فتأويلُ الكلام: كانوا / لا
يَنْتَهُون عن منكرٍ أَتَوْه. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾. وهذا قَسَمٌ مِن اللَّهِ
تعالى ذكره. يقولُ: أَقْسِمُ لَبئسَ الفعلُ كانوا يفعلون؛ فى تركِهم الانتهاءَ عن
معاصِى اللَّهِ تعالى، وركوبٍ محارمِه، وقتلِ أنبياءِ اللَّهِ ورسلِهِ .
٣٢٠/٦
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنٍ مجريجٍ:
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾: لا تَتَناهى أنفسُهم بعد أن وقَعوا
فی الکفرِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَيْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِىِ الْعَذَابِ هُمْ
خَلِدُونَ وَّـ
يقولُ تعالى ذِكْرُه: ترَى يا محمدُ كثيرًا مِن بنى إسرائيلَ ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ . يقولُ: يَتَوَلَّون المشركين مِن عبدة الأوثانِ، ويُعادون أولياءَ اللَّهِ
ورسلَه، ﴿لَيْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُمْ﴾. يقولُ تعالى ذِْرُه: أُقْسِمُ لبئس الشىءُ
الذى قدَّمَت لهم أنفسُهم أمامَهم إلى مَعادِهم فى الآخرةِ، ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: قدَّمت لهم أنفسهم سخطَ اللَّهِ عليهم بما فعلوا.
و﴿أَنْ﴾ فى قوله: ﴿أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيَّهِمْ﴾. فى موضعِ رفعٍ؛ تَرْجمةٌ
عن ﴿ مَا﴾ الذى فى قولِهِ: ﴿لَبِتْسَ مَا﴾ .
﴿ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ﴾ . يقولُ: وفى عذابِ اللَّهِ يومَ القيامةِ هم

٥٩٣
سورة المائدة : الآيات ٨٠ - ٨٢
خالدون ، دائمٌ مُقامُهم ومُكثُهم فيه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ
٨١
مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ
يقولُ تعالى ذِكْرُه: ولو كان هؤلاء الذين يَتَولون الذين كفروا مِن بنى
إسرائيلَ، ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾. يقولُ: يُصَدِّقون اللَّهُ(١) ويُقِرُّون به
ويُوحِّدونه، ويُصَدِّقون نبيَّه محمدًا مََّه، بأنه للَّهِ نبىٌّ مبعوثٌ، ورسولٌ مُرسلٌ،
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾، يقولُ: ويُقِرُّون بما أُنْزِل إلى محمدٍ عَلَه مِن عندِ اللَّهِ مِنْ آي
الفرقانِ، ﴿ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَةَ ﴾ . يقولُ: ما اتخذوهم أصحابًا وأنصارًا مِن دونٍ
المؤمنين، ﴿ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ كثيرًا منهم أهلُ
خروجِ عن طاعةِ اللَّهِ إلى معصيتِه، وأهلُ اسْتِحلالٍ لما حرَّم اللَّهُ عليهم مِن القولِ
والفعلِ .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ،
قال: ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالنَِّيّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أُتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. قال: المنافقون(١).
/القولُ فى تأويل قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ ١/٧
وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىُّ
٨٢
ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيِّيِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَظله: لتجِدَنَّ يا محمدُ أشدَّ الناسِ عداوةً للذين
(١) فى م: ((بالله)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٣١٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٣/٤ (٦٦٦٩)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
( تفسير الطبرى ٣٨/٨ )

٥٩٤
سورة المائدة : الآية ٨٢
صدَّقوك واتَّبعوك وصدَّقوا بما جئتَهم به من أهلِ الإسلامِ اليهودَ، ﴿ وَالَّذِينَ
أَشْرَكُواْ ﴾. يعنى: عبدةَ الأوثانِ الذين اتخذوا الأوثانَ آلهةً يعبدونها من دونِ اللَّهِ ،
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾. يقولُ: ولتجدنَّ(١) أقربَ الناسِ مودّةً
ومحبةً - والمودَّةُ الْمَفْعَلةُ ، من قولِ الرجلِ: وَدِدْتُ كذا ، أوَدُّه وَدًّا وُدًّا وَوِدًّا ومَودةً ،
إذا أحببتَه - ﴿لَّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. يقولُ: للذين صدَّقوا الله ورسوله محمدًا عَاه ،
﴿ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَّ ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
يَسْتَكْبُونَ﴾ عن قبولِ الحقِّ واتباعِه، والإذعانِ به .
وقيل: إن هذه الآيةَ والتى بعدَها نزلت فى نفرٍ قدِموا على رسولِ اللَّهِ مَ لِ من
نصارى الحبشةِ، فلما سمعوا القرآنَ أسلموا، واتَّبعوا رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ .
وقيل : إنها نزلت فى النجاشىّ ملك الحبشةِ وأصحابٍ له أسلموا معه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ ،
قال : ثنا خُصَيفٌ ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: بعَث النجاشيّ وفدًا إلى النبيِّ ◌َ التِّ ،
فقرَأْ عليهم النبىُّ عَّهِ فأسلموا. قال: فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ
النَّاسِ عَدَوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوْ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ . قال: فرجعوا
إلى النجاشيّ فأخبروه، فأسلَم النجاشىُّ، فلم يَزَلْ مسلمًا حتى مات . قال : فقال
رسولُ اللّهِ عَطَهِ: [٧٠٥/١ و] ((إن أخاكم النَّجاشيَّ قد مات فصَلُّوا عليه)). فصَلَّى عليه
رسولُ اللَّهِ مَّهِ بِالمدينةِ، والنجاشىُّ ثَمَّ(٢).
(١) فى ص، ت ٢، ت ٣، س: ((لتصيبين))، وفى ت١: ((لتجيدن)).
(٢) فى م: ((الحبشة)).

٥٩٥
سورة المائدة : الآية ٨٢
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبی
نجيحٍ، عن مجاهدٍ / فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٢/٧
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَى﴾. قال: هم الوفدُ الذين جاءوا مع جعفرٍ وأصحابه من
أرض الحبشةِ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ﴾. قال: كان رسولُ اللَّهِ مَّهِ وهو بمكةَ،
خاف على أصحابِه من المشركين، فبعَث جعفرَ بنَ أبى طالبٍ وابن مسعودٍ وعثمانَ
ابنَ مظعونٍ فى رهطٍ من أصحابِهِ إلى النجاشىِّ ملكِ الحبشةِ ، فلما بلغ ذلك
المشركين، بعَثُوا عمرو بنَ العاصِ فى رهطٍ منهم، ذُكِرَ أنهم سبقوا أصحابَ
النبىِّ ◌َّهِ إلى النجاشىّ، فقالوا: إنه خرَج فينا رجلٌ سَفَّه عقولَ قريشٍ وأحلامَها،
زعَم أنه نبيٌّ، وإنه بعَث إليك رهطًا ليُفْسِدوا عليك قومَك، فأَحْبَيْنا أن نأتيَك،
ونُخْبِرَك خبرَهم. قال : إن جاءونى نظرتُ فيما يقولون . فقدِم أصحابُ رسولٍ
اللَّهِ مَّهِ، (٢) فَأمُّوا بابَ) النجاشيّ، فقالوا: استَأْذِنْ(٣) لأولياءِ اللَّهِ. فقال: ائذَنْ لهم،
فمرحبًا بأولياءِ اللَّهِ. فلما دخلوا عليه سلَّموا، فقال له الرهطُ من المشركين : ألا ترَى أيّها
الملكُ أنا صَدَقْناك؛ لم يُحْيُّوك بتحيتِك(٤) التى تُحِيّا بها! فقال لهم: ما منَعكم أن
تُحِيُّونی بتحيَِّى . فقالوا : إنا حيَّيناك بتحيةِ أهلِ الجنةِ وتحيةِ الملائكةِ . قال لهم: ما يقولُ
(١) تفسير مجاهد ص ٣١٣، ٣١٤ ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٣/٤ قبل الأثر (٦٦٧٠).
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢ - ٢) فى م: ((فأقاموا بباب))، وفى س: (( فأتوا باب )).
(٣) فى م: (( أتأذن)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بتحيتنا)).

٥٩٦
سورة المائدة : الآية ٨٢
صاحبُكم فى عيسى وأمّه؟ قالوا (١): يقولُ: هو عبدُ اللَّهِ وكلمةُ (٢) من اللَّهِ ألقاها إلى
مريم وروحٌ منه . ويقولُ فى مريمَ : إنها العذراءُ البَتُولُ. قال: فأخَذ عودًا مِن الأرضِ،
فقال: ما زاد عيسى وأمُّه على ما قال صاحبُكم قدرَ هذا العودِ. فكرِه المشركون قولَه،
وتَغيّرت وجوهُهم. قال لهم: هل تعرفون شيئًا مما أَنزل عليكم؟ قالوا : نعم . قال :
اقرَءوا. فقرَءوا، وهنالك منهم قِّيسون ورهبانٌ وسائرُ النصارى، فعرَفَت كلَّ ما
قرءوا، وانْحدرَت دموعُهم مما عرَفوا من الحقِّ، قال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ فِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ (٨) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾
الآية(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ﴾
الآية. قال: بعَث النجاشىُّ إلى رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ اثنى عشَرَ رجلاً من الحبشةِ؛ سبعةً
قسيسين وخمسةً رهبانًا ، ينظرون إليه ويسألونه ، فلما لَقُوه فقرَأ عليهم ما أنزل اللَّهُ
بَكَوا وآمنوا ، فأنزل اللّهُ عليه فيهم: ﴿ وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ (٨) وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ
إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا
فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢، ٨٣]، فآمنوا، ثم رجعوا إلى النجاشىّ ، فهاجر
النجاشىُّ معهم، فمات فى الطريقِ، فصلَّى عليه رسولُ اللَّهِ مَّهِ والمسلمون،
واستَغْفَروا له ).
(١) فى م: ((قال)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( كلمته ) .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٤/٤ (٦٦٧٧) من طريق عبد الله بن صالح به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٠٣/٢ إلى ابن مردويه .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٤/٤ (٦٦٧٥) من طريق أحمد بن المفضل به، إلى قوله: ﴿وأنهم
لا يستكبرون ﴾ .

٥٩٧
سورة المائدة : الآية ٨٢
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيج ، قال : قال
عطاءٌ فى قولِه: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَىَ﴾ الآية: هم ناسٌ من الحبشةِ آمنوا، إذ جاءتهم مهاجِرَةُ المؤمنين(١).
/وقال آخرون: بل هذه صفةُ قوم كانوا على شريعةٍ عيسى من أهلِ الإيمانِ ، ٣/٧
فلما بعَث اللَّهُ تعالى ذِكْرُه نبيّه محمدًا مَِّ آمنوا به .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَوَدَّةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿فَأَكْثُبْنَا مَعَ
الشَِّهِدِينَ﴾ : أناسٌ من أهلِ الكتابِ كانوا على شريعةٍ من الحقِّ مما جاء به عيسى،
يؤمنون به ويَنْتَهون إليه، فلما بعَث اللَّهُ نبيَّه محمدًا عَ لَّهِ صدَّقوا به وآمَنوا، وعرَفوا
الذى جاء به أنه الحقُّ، فأثنَى عليهم ما تسمعون(٢).
والصوابُ فى ذلك من القولِ عندى أن اللَّهَ تعالى ذكرُه وصَف صفةً
قومٍ قالوا : إنا نصارى . أن نبىَّ اللَّهِ عَ لَّهِ يجدُهم أقربَ الناسِ وِدادًا لأُهلِ الإِيمانِ
باللّهِ ورسوله، ولم يُسمِّ لنا أسماءَهم. وقد يجوزُ أن يكونَ أُرِيدَ بذلك
أصحابُ النجاشيّ، ويجوزُ أن يكونَ أُرِيدَ به قومٌ كانوا على شريعةِ عيسى
فأدرَ كهم الإسلامُ، فأسلموا لمَّا سمِعوا القرآنَ وعرَفوا أنه الحقُّ، ولم يستكبِروا
عنه .
وأما قولُه تعالى: ﴿ ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيِسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. فإنه يقولُ:
قَرُبت مودةُ هؤلاء الذين وصَف اللَّهُ صفتَهم للمؤمنين، من أجلِ أن منهم قسيسين
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٣/٤ عقب الأثر (٦٦٦٩) معلقا .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٤/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ .
٠٠٠

٥٩٨
سورة المائدة : الآية ٨٢
ورهْبانًا. والقِسِّيسون جمعُ قِسِّيسٍ، وقد يُجمعُ القسيسُ قُشُوسًا؛ لأن القَشَّ
والقِسِیسَ بمعنی واحدٍ .
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ((القسيسِ)) بما حدَّثنا يونسُ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ،
قال: قال ابنُ زيدٍ: القِسّيسُ(١) عُبَادُهم.
وأما ((الرُّهبانُ))، فإنه يكونُ واحدًا وجمعًا؛ فأما إذا كان جمعًا ، فإن واحدهم
يكونُ راهبًا، ويكونُ الراهبُ [٧٠٥/١ظ] حينئذٍ فاعلًا، من قول القائل: رَهِب اللَّهَ
فلانٌ - بمعنى: خافه - يَرْهَبُه رَهَبًا ورُهْبًا. ثم يُجْمعُ الراهبُ ((رُهبان)) ، مثلَ راکب
ورُكبانٍ، وفارسٍ وفُرسانٍ. ومن الدليل على أنه قد يكونُ عندَ العربِ جمعًا قولُ
(٢)
الشاعر(١) :
رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأْكِ تَنَزَّلُوا والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ العَقولِ الفادِرِ()
وقد يكونُ الرهبانُ واحدًا ، وإذا كان واحدًا كان جمعُه رَهابينَ ، مثلَ قُزبانٍ
وقَرابينَ، وبجودانٍ وجرادينَ(٤). ويجوزُ جمعُه أيضًا ((رَهابنةٌ))، إذا كان كذلك.
ومن الدليلِ على أنه قد يكونُ عندَ العربِ واحدًا قولُ الشاعرِ (٥):
لَوْ عايَنَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ فى القُلَلْ(٦)
(١) فى م: ((القسيسين)). بالجمع ، وجائز تفسير المفرد بالجمع.
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٢ إلى المصنف .
(٢) هو جرير، والبيت فى ديوانه ٣٠٨/١.
(٣) العصم: جمع أعصم، وهو: الوعل فى ذراعيه أو فى أحدهما بياض. والشعف: جمع شعفة، وهى
رأس الجبل ، والعقول الفادر: هو الوعل العاقل فى الجبل - أى المتحصن - وهو المسن. ينظر القاموس المحيط
(شع ف، ع ق ل ، ع ص م).
(٤) الجردان: القضيب من ذوات الحافر، وقيل: هو الذكر معمومًا به. ينظر اللسان (ج ر د).
(٥) البيت فى تفسير القرطبى ٢٥٨/٦، واللسان (رهـ ب ) مع اختلاف فى الرواية .
(٦) القلل: جمع قلة ، وهى رأس الجبل. القاموس المحيط (ق لل).

٥٩٩
سورة المائدة : الآية ٨٢
لا نْحِدَرَ الُّهْبانُ يَمْشِى وَنَزَلْ
/واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيِّبِسِينَ ٤/٧
وَرُهْبَانًا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِىَ بذلك قومٌ كانوا استجابوا لعيسى ابنٍ مريمَ حين
دعاهم، واتَّبَعوه على شريعتِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی یعقوبُ بنُ إبراهیم ، قال : ثنا هشیم ، عن حُصین، عمن حدثه، عن
ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِبِسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: كانوا نَواتِىَّ
فى البحرِ. يعنى ملَّاحين. قال: فمرّ بهم عيسى ابنُ مريمَ، فدعاهم إلى الإسلامِ
فأجابوه . قال: فذلك قوله: ﴿قِيِسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ .
وقال آخرون : بل ◌ُنِىَ بذلك القومُ الذين كان النجاشىُّ بعَثهم إلى رسولِ
اللَّهِ عَێِّ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا حَكّامُ بنُ سَلْم ، قال : ثنا عنبسةُ ، عمن حدثه ، عن
أبى صالح فى قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيّبِسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: ستةٌ
وستون ، أو سَبْعَةٌ وستون ، أو (١) اثنان وستون ، من الحبشةِ ، كلَّهم صاحبُ صومعةٍ ،
عليهم ثيابُ الصوفِ .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ، عن سفيانَ، عن سالم،
عن سعيدٍ بنِ جبيرٍ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: بعَث
النجاشىُّ إلى النبيِّ عَ لِ خمسين أو سبعين من خيارِهم، فجعَلوا بيكون . فقال : هم
(١) سقط من: ص، ت ١، س.

٦٠٠
سورة المائدة : الآيتان ٨٣،٨٢
هؤلاء .
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالم الأَقْطَسِ، عن
سعيدٍ بنٍ جبيرٍ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: هم رسلُ
النجاشىّ الذين أرسَل بإسلامِه وإسلام قومِه، كانوا سبعين رجلاً، اختارهم،
الخيّرَ فالخيّرَ، فدخلوا على رسولِ اللَّهِ مَ له، فقرَأَ عليهم ﴿يَسْ ﴿ وَالْقُرْءَانِ
اَلْحَكِيمِ﴾ [يس ٢،١]. فبَكَوا وعرفوا الحقَّ، فأنزل اللَّهُ فيهم: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ
قِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾. وأنزَل فيهم: ﴿ الَّذِينَ ءَانْتَهُمُ الْكِنَبَ
مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾(١)
[ القصص: ٥٢ - ٥٤] .
والصوابُ فى ذلك من القولِ عندَنا أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبر عن النفرِ
الذين أثْنَى عليهم من النصارى ، بقُربٍ مودَّتِهم لأهلِ الإيمانِ باللَّهِ ورسوله ، أن ذلك
إنما كان منهم لأن منهم أهلَ اجتهادٍ فى العبادةِ، وتَرهبٍ ١ فى الدياراتِ والصوامعِ،
وأن منهم علماءَ بكَتُبِهم وأهلَ تلاوةٍ لها ، فهم لا يَتْعُدون من المؤمنين ، لتواضعِهم
للحقِّ إذا عرفوه، ولا یشتکپرون عن قبولِه إذا تبیّوه ؛ لأنهم أهلُ دین واجتهادٍ فیه
ونصيحةٍ لأنفسِهم فى ذاتِ اللَّهِ، وليسوا كاليهودِ الذين قد دَرِبوا بقتلِ الأنبياءِ
والرسلِ، ومعاندةِ اللَّهِ فى أمره ونهيه، وتحريفٍ تنزيله الذى أنزله فى كتبِه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
(١) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤١٦/١ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٨٨/٩
(١٦٩٧٧)، وابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف - من طريق قيس به ، وأخرجه فى ٤/ ١١٨٤،
١١٨٥ (٦٦٧٣، ٦٦٧٩) من طريق سالم به مختصرًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٢/٢ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ترهيب)).