Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ سورة المائدة : الآيتان ٦٤، ٦٥ حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أَشْباطُ ، عن السدىِّ قولَه: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرَّبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. قال: كلما أَجْمَعوا أمرهم على شىءٍ فرَّقه اللَّهُ، وأطْفَأُ حدَّهم ونارَهم ، وقذَف فى قلوبهم (١) الرعبَ(١). وقال مجاهدٌ بما حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْج، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿ كُلَّمَّاً أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرَّبِ﴾. قال: حربُ محمدٍ عامٍ(٢). القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ (٦٤ اُلْمُفْسِدِينَ يقولُ تعالى ذكرُه : ويَعْمَلُ هؤلاء اليهودُ والنصارى بمعصيةِ اللَّهِ، فِيَكْفُرون بآياتِهِ ، ويُكَذِّبون رسلَه، ويُخالِفون أمرَه ونهيَه، وذلك سعيُهم فيها بالفسادِ ، ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ لا يُحِبُّ مَن كان عامِلًا بمَعاصِيه فى أرضِه . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَهُمْ جَنَّتِ اٌلَّعِيمِ هِ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ﴾، وهم اليهودُ [٧٠٠/١ظ] والنصارى، ﴿ ءَامَنُواْ﴾ باللّهِ وبرسولِه محمدٍ عَّهِ فصدَّقوه واتَّبَعوه، وما أَنْزِل عليه، ﴿ وَأَتَّقَوْاْ﴾ ما نهاهم اللَّهُ عنه فاجْتَنَبوه، ﴿لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٩/٤ (٦٥٨٨) من طريق أحمد بن مفضل به . (٢) تفسير مجاهد ص ٣١٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٩/٤ (٦٥٨٧). ( تفسير الطبرى ٣٦/٨ ) ٥٦٢ سورة المائدة : الآيتان ٦٥، ٦٦ يقولُ: محَوْنا عنهم ذنوبَهم، فغطّيْنا عليها، ولم نَفْضَخْهم بها، ﴿ وَلَأَدْخَلْنَهُمْ جَنَتِ التَّعِيمِ ﴾. يقولُ: ولأدْخَلْناهم بَساتينَ يَنْعَمون فيها فى الآخرةِ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْا﴾. يقولُ: آمَنوا بما أَنْزَل اللَّهُ، واتَّقَوْا ما حرَّمِ اللَّهُ، ﴿لَكَفَّْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (١). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَّةَ وَاُلْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّيِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ . يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنجِيلَ﴾ : ولو أنهم عمِلوا بما فى التوراة والإنجيلِ، ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِّن ◌َّهِمْ﴾. يقولُ: وعمِلوا بما أنْزِل إليهم مِن ربِّهم مِن الفرقانِ الذى جاءَهم به محمدٌ عَلَّهِ . / فإن قال قائلٌ: وكيف يُقِيمون التوراةَ والإنجيلَ وما أُنْزِل إلى محمدٍ عَِّ، مع اخْتِلافِ هذه الكتبِ ، ونشْخِ بعضِها بعضًا؟ ٣٠٥/٦ قيل: إنها (٢) وإن كانت كذلك فى بعضِ أحكامِها وشرائِعِها، فهى مثَّفِقةٌ فى الأمرِ بالإيمانِ برسلِ اللَّهِ ، والتصديقِ بما جاءَت به مِن عندِ اللَّهِ. فمعنى إقامتهم التوراةَ والإنجيلَ وما أَنْزِل إلى محمدٍ عَ لَّهِ، تصديقُهم بما فيها، (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٩/٤ (٦٥٩٢) من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. (٢) سقط من: م. ٥٦٣ سورة المائدة : الآية ٦٦ والعملُ بما هى مُتَّفِقَةٌ فيه، ( وبكلِّ واحدٍ منهما فى الحينِ الذى فُرِض العملُ به . وأما معنى قوله : ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ . فإنه يعنى : لأَنْزَل اللَّهُ عليهم مِن السماءِ قَطْرَها، فأنْبَتَت لهم به الأرضُ حبَّها ونَباتَها، فأخْرَج ثمارَها . وأما قولُه: ﴿ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكره: لأكَلوا مِن برَكَةٍ ما تحتَ أقدامِهِم مِن الأرضِ، وذلك ما تُخْرِجُه الأرضُ مِن حَبِّها ونَباتِها وثِمارِها، وسائرٍ ما يُؤْكَلُ مما تُخْرِجُه الأرضُ. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَاُلْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾. يعنى: لأَرْسَل السماءَ عليهم مِدْرارًا، ﴿ وَمِن ◌َحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ تُخْرِجُ الأرضُ برَكتَها(٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَاَلْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن ◌َّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرَُّلِهِمْ﴾. يقولُ: إذن لأَعْطَتْهم السماءُ بركتَها والأرضُ نَّبَاتَها(٢). (١ - ١) فى م: ((وكل واحد منهما فى الخبر)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧١/٤ (٦٥٩٩، ٦٦٠٠) من طريق أبى صالح به . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ. ٥٦٤ سورة المائدة : الآية ٦٦ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ وَلَوْ أَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن زَّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْفِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: لو عمِلوا بما أَنْزِل إليهم مما جاءَهم به محمدٌ عَِّهِ، لأنْزَلْنا عليهم المطرَ، فلأَنْبَتَ الثمرَ(). حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حُذيفةَ، قال : ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن مُجاهدٍ: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَاَلْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن ◌َّبِهِمْ﴾: أما إقامتُهم التوراةَ فالعملُ بها ، وأما ما أَنْزِل إليهم مِن ربِّهم فمحمدٌ عٍَّ وما أُنْزِل عليه. يقولُ: لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: أما ﴿ مِن فَوْقِهِمْ﴾ فَأرْسَلْتُ عليهم مطرًّا، وأما ﴿ مِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: لأنْبَتُّ لهم مِن الأرضِ مِن رزقى ما (٢) يُغْنِيهم(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. قال: بَرَكاتُ السماءِ والأرضِ. قال ابنُ نجريج: ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾: المطرُ، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرَجُلِهِمْ﴾: مِن نباتِ الأرضِ . ٣٠٦/٦ / حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: لأَكَلوا مِن الرزقِ الذى يَثْزِلُ مِن السماءِ، ﴿ وَمِنْ تَّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: مِن الأرضِ(٣). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٠/٤، ١١٧١ (٦٥٩٨) من طريق أحمد بن المفضل به. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٠/٤ (٦٥٩٦) من طريق أبي حذيفة به مختصرا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٢ إلى أبى الشيخ . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٢ إلى المصنف. ٥٦٥ سورة المائدة : الآية ٦٦ وكان بعضُهم يقولُ: إنما أُرِيد بقولِه: ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْكُلِهِمْ﴾. التَّوْسِعةُ، كما يقولُ القائلُ: هو فى خيرٍ مِن قَرْنِه(١) إلى قدمِه(٣). وتأويلُ أهلِ التأويلِ بخلافٍ ما ذكَرْنا مِن هذا القولِ ، وكفَى بذلك شاهدًا علی فَسادِه . القولُ فى تأويل قوله: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ﴾: منهم جماعةٌ، ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾ . يقولُ : مُقْتَصِدةٌ فى القولِ فى عيسى ابنٍ مريمَ ، قائلةٌ فيه الحقَّ : إنه رسولُ اللَّهِ و كلمتُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه ، لا غاليةٌ قائلةٌ : إنه ابنُ اللَّهِ. تعالى اللَّهُ عما قالوا مِن ذلك، ولا مُقَصِّرةٌ قائلةٌ: هو لغيرِ رَشْدةٍ (٢). ﴿وَكَثِّرُ مِنْهُمْ﴾ يعنى: مِن بنى إسرائيلَ مِن أهلِ الكتابِ؛ اليهودِ والنصارى، ﴿سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: كثيرٌ منهم سىٍّ عملُهم، وذلك أنهم يَكْفُرون باللّهِ؛ فتُكَذِّبُ النصارى بمحمدٍ عَ لَّهِ، وتَزْعُمُ أن المسيحَ ابنُ اللَّهِ، وَتُكَذِّبُ اليهودُ بعيسى وبمحمدٍ صلى اللَّهُ عليهما، فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه فيهم ذامًا لهم: ﴿سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ، فى ذلك مِن فعلِهم . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مُجاهدٍ: ﴿ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾: وهم مُسْلمةُ أهلِ الكتابِ، ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا (١) فى م: ((فرقه)). والقرن : حد الرأس وجانبه. (٢) ينظر معانى القرآن للفراء ٣١٥/١. (٣) لغير رشدة: لغير نكاح صحيح. ٥٦٦ سورة المائدة : الآية ٦٦ (١) يَعْمَلُونَ ! حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ، أنه سمِع مُجاهدًا يقولُ: تَفَرَّقَت بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فرقةٌ : عيسى هو ابنُ اللَّهِ. وقالت فرقةٌ: هو اللَّهُ. وقالت فرقةٌ: هو عبدُ اللَّهِ ورُوحُه . وهى المُقْتَصِدةُ، وهى مُشْلِمةُ أهلِ الكتابِ(٢) . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللَّهُ: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾. يقولُ: على كتابِه وأمرِه. ثم ذمَّ أكثرَ القوم، فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ [٧٠١/١ ر] سَآَ مَا يَعْمَلُونَ﴾(٢). حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُفْتَصِدَةٌ﴾. يقولُ: مُؤْمِنةٌ (٤). حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. قال: المُقْتَصِدةُ أهلُ طاعةِ اللَّهِ. قال: وهؤلاء أهلُ الكتاب(٥) . حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن الربيع بنِ أنسٍ فى قوله: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. قال: (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم وأبى الشيخ. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧١/٤ (٦٦٠٢) من طريق أبي حذيفة به. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤ /١١٧٢ (٦٦٠٥، ٦٦٠٧) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٩/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧١/٤ (٦٦٠٣) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٢ إلى أبى الشيخ . (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧١/٤، ١١٧٢ (٦٦٠٤) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد . ٥٦٧٠ سورة المائدة : الآيتان ٦٧،٦٦ فهذه الأمةُ المُقْتَصِدةُ الذين لا هم فسَقوا(١) فى الدِّينِ، ولا هم غَلَوْا. قال: والغُلُوُ الرغبةُ ، والفسقُ التقصيرُ عنه (١) . ٣٠٧/٦ / القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ, وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْكَفِرِينَ وهذا أمْرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا عَ لَه بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى مِن أهلِ الكتابَيْن الذين قصَّ اللَّهُ تعالى ذكرُه قَصصهم فى هذه السورة، وذكر فيها مَعاييَهم، وخُبْثَ أديانِهم، واخْتِراءَهم على ربِّهم، وتؤَثُّبَهم(١) على أنبيائهم، وتبديلَهم كتابه، وتَحْرِيفَهم إياه، ورَداءةَ مطاعمِهم ومآكلِهم - وسائرِ المشركين غيرِهم، ما أَنْزَل عليه فيهم مِن مَعايِهم، والإزْراءِ عليهم، والتقصيرِ بهم، والتَّهْجينِ(١) لهم، وما أمَرَهم به، ونهاهم عنه، وألا يُشْعِرَ نفسَه حذَرًا منهم أن يُصِيبوه فى نفسِه بمكروهٍ)، ما قام فيهم بأمرِ اللَّهِ، ولا جَزَعًا مِن كثرةٍ عددِهم، وقلةٍ عددٍ مَن معه، وألا يَتَّقِىَ أحدًا فى ذاتِ اللَّهِ ، فإن الله تعالى ذكرُه كافيه كلَّ أحدٍ مِن خلقِه، ودافعٌ عنه مَكْروهَ كلِّ مَن يَبْغِى(٩) مَكروهَه. وأَعْلَمه تعالى ذكرُه أنه إن قصَّر عن إبلاغ شىءٍ مما أنْزِل إليه ١ إليهم، فهو فى تركِه تبليغَ ذلك ، وإن قلّ ما لم يُتَلِّغْ منه، فهو فى عظيم ما ركِب بذلك مِن الذَّنبِ ، بمنزلتِه لو لم يُلِّغْ مِن تنزيلِه (١) فى ص، س: ((حقوا))، ولعل صوابها : جفوا. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٧/٢ إلى المصنف وأبى الشيخ، وينظر ما تقدم فى ٧٠١/٧. (٣) فى س: (( فريتهم)). (٤) فى ص، ت ١: (( التهجير)). (٥ - ٥) فى م: (( يصيبه فى نفسه مكروه)). (٦) فى ص، م، ت ٢، ت ٣، س: ((يتقى))، وفى ت ١: ((يبقى)). والمثبت ما يقتضيه السياق. (٧) فى ت ١، س: ((الله)). ٥٦٨ سورة المائدة : الآية ٦٧ شيئًا . وبما قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنی معاویةُ ، عن على بن أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّقٌ وَإِن لَّمَ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. يعنى: إن كنتَمْتَ آيَةً مما أُنْزِل (١ عليك مِن ربِّك) لم تُلِّغْ (٢) رِسالتی" . حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ﴾ الآية: أَخْبَرِ اللَّهُ نبيَّه ◌َمِ أنه سيَكْفِيه الناسَ ويَعْصِمُه منهم، وأمَرَه بالبلاغ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ سَ لّهِ قيل له: لو احْتَجَبْتَ؟ فقال: ((واللَّهِ لِأُبْدِيَنَّ عَقِيِى للناسِ ما صاحَبْتُهم)) (١). حدَّثنى الحارثُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثَّورىُّ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: لََّ نزَلَت: ﴿ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ﴾. قال: ((إنما أنا واحدٌ كيف أَصْنَعُ؟ تَجْتَمِعُ علىَّ الناسُ !)). فنزَلَت: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية (٤). (١ - ١) فى ت ١، س: ((الله عليك)). (٢) فى ص، ت ١: (( رسالاتى)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٣/٤ (٦٦١٢) من طريق أبى صالح به . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٤/٤ (٦٦١٦) من طريق يزيد إلى قوله: بالبلاغ. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. (٤) تفسير سفيان ص ١٠٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٣/٤ (٦٦١٣)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٨/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ. ٥٦٩ سورة المائدة : الآية ٦٧ حدَّثنا هنادٌ وابنُ وَكيع، قالا : ثنا جَرِيرٌ، عن ثعلبةَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لمّ نزَلَت: ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُمْ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾. قال رسولُ اللَّهِ عَه: (( لا تَحْرُسونى، إن ربى قد عصَمَنی))(١). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عَلَيَّةَ ، عن الجُرَيْرِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَقيقٍ، / أن رسولَ اللَّهِ مَّ ◌َهِ كان يَعْتَقِبُه ناسٌ مِن أصحابِه، فلمَّا نزَلَت: ٣٠٨/٦ ﴿ وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. خرَج فقال: ((يا أيُّها الناسُ ، الْحَقوا بمَلاحِقِكم، فإن اللَّهَ قد عصَمنى مِن الناسٍ)) (١) . - حدَّثنا هَنَّادٌ، قال : ثنا وَكيعٌ، عن عاصمِ بنِ محمدٍ ، عن محمدِ بنِ کعبٍ القُرَظِيِّ، قال: كان النبيُّ عَلَم يَتَحَارَسُه أصحابُه، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ إلى آخرِها(٢). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا مُسْلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عُبَيْدٍ (٤) أبو قُدامةَ الإِيادىُّ، قال: ثنا سعيدٌ الْجُرَيْرىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ عَلَّهِ يُحْرَسُ حتى نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾. قالت: فَأَخْرَج النبيُّ عَ لَه رأسَه مِن القُّتَّةِ، فقال: ((أيُّها الناسُ، انْصَرِفوا، فقد عصَمَنى اللَّهُ)). (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٩/٢ إلى المصنف وأبى الشيخ. (٢) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤١٤/١ عن المصنف ، وأخرجه ابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف ، وتفسير ابن كثير ١٤٤/٣ من طريق الجريرى به . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ. (٤) فى م: (( عبيدة))، وينظر تهذيب الكمال ٢٥٨/٥. (٥ - ٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فإن الله قد عصمنى)). والحديث أخرجه عبد بن حميد وعنه الترمذى (٣٠٤٦) ، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٣/٤ = ٥٧٠ سورة المائدة : الآية ٦٧ حدَّثْنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصم، عن القُرَظىِّ، أن رسولَ اللَّهِ وَِّ ما زال يُخْرَسُ حتى أَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ ﴾ . واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أَجْلِه نَزَلَت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلَت بسببٍ أَعْرابىٌّ كان همَّ بقتلِ رسولِ اللَّهِ سَ لَّهِ، فكفاه اللَّهُ إِياه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنى الحارثُ ، قال : ثناعبدُ العزيزِ، قال : ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمد بن کعبٍ القُرظىّ وغيرِهِ، قال: كان رسولُ اللَّهِ عَّهِ إذا نزَل مَنْزِلًا اخْتار له أصحابُه شجرةٌ ظَليلةً فيَقِيلُ تحتَها، فأتاه أعرابِيٌّ فاخْتَرط سيفَه (١)، ثم قال: مَن يَمْنَعُك منى؟ قال : ((اللَّهُ)). فرعِدَت يدُ الأعرابيّ، وسقَط السيفُ منه. قال: وضرَب برأسِه الشجرةَ حتى (٢) انْتثر دِماغُه، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾ (١). وقال آخرون : بل نزَلَت لأنه كان يَخافُ قُريشًا ، فأُومِن مِن ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حَجاجٌ، عن ابنٍ ◌ُريجٍ، قال : كان النبىُّ ◌َّهِ يَهابُ قُرِيشًا، فلما نزَلَت: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾. اسْتَلْقَى ثم قال: ((مَن شاء فلْيَخْذُلْنِى)). مرتين أو(٣) ثلاثًا(٢). = (٦٦١٥)، والحاكم ٣١٣/٢، والبيهقى ٨/٩ من طريق مسلم بن إبراهيم به، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٦٨ - تفسير) عن الحارث بن عبيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٨/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وأبی نعیم فى الدلائل وابن مردويه . (١) اخترط سيفه: سله. الصحاح (خ ر ط). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٩/٢ إلى المصنف .. (٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((و)). ٥٧١ سورة المائدة : الآية ٦٧ حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ابنِ (١) أبى خالدٍ، عن عامٍ، عن مَشْروقٍ ، قال: قالت عائشةُ: مَن حدَّثك أن رسولَ اللَّهِ عِظَلِ كتَم شيئًا مِن الوحى فقد كذب. ثم قرأَت: ﴿يَّأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ﴾ الآية(٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن المغيرةِ ، عن الشعبيّ، قال: قالت عائشةُ: مَن قال: إن محمدًا مِِّ كتَم فقد كذَب، وأَعْظَم الفِرْيَةَ على اللَّهِ، قال اللَّهُ: ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ﴾ الآية . / حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أَخْبَرنا داودُ بنُ أبى ٣٠٩/٦ هندٍ، عن الشعبىِّ، عن مسروقٍ، قال: قالت عائشةُ: مَن زعَم أن محمدًا عَّهِ كتَم شيئًا مِن كتابِ اللهِ فقد أعْظَم على اللَّهِ الفِرْبةَ، واللَّهُ يقولُ: ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّقٌ﴾ الآية(٣). حدَّثْنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى الليثُ ، قال : ثنى خالدٌ ، عن سعيدِ بنِ أبى هلالٍ، عن محمدِ بنِ الجهمِ، عن مَشْروقِ بنِ الأَجْدَع، قال : دَخَلْتُ على عائشةَ يومًا ، فسمِعْتُها تَقولُ : لقد أعْظَم الفِرْيةَ مَن قال: إن محمدًا كثَم شيئًا مِن الوحي. واللَّهُ يقولُ: ﴿يَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَيَّةٌ﴾ . ويعنى بقولِه: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾: يَمْنَعُكُ مِن أَن يَنالُوك بسُوءٍ . وأصلُه مِن عِصامِ القِرْبةِ، وهو ما تُوكَّى به مِن سَيْرٍ وخيطٍ ، ومنه قولُ الشاعرِ(٤): (١) سقط من النسخ، والمثبت من صحيح البخارى، وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٦٩. (٢) أخرجه البخارى (٤٨٥٥، ٧٥٣١) من طريق وكيع وشعبة عن ابن أبى خالد به مطولا عن داود بن أبى هند عن الشعبى . (٣) أخرجه مسلم (١٧٧/٢٨٧) من طريق ابن علية به، وأخرجه البخارى (٤٨٥٥)، والترمذى (٣٠٦٨)، والنسائى فى الكبرى (١١٥٣٢) من طريق داود به، كلهم بأطول من هذا . (٤) مجاز القرآن للفراء ١/ ١٧١. ٥٧٢ سورة المائدة : الآيتان ٦٧، ٦٨ سیَعْصِمُکم إن کان فی الناسِ عاصِمُ وقلتُ علیکم مالِگًا إن مالِكًا يعنى : يَمْنَعُكم . وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾. فإنه يعنى: إن اللَّهَ لا يُوَفِّقُ للؤُشْدِ مَن حادَ عن سبيلِ الحقِّ، وجار عن قصدِ السبيلِ، وجحَد ما جثْتَه به مِن عندٍ اللَّهِ ، ولم يَثْتَهِ إلى أمرِ اللَّهِ وطاعتِه فيما فرَض عليه وأُؤْجَبه . القولُ فى تأويلٍ قولِه : ﴿ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن زَبِّكُمْ﴾. وهذا أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا عَ لَّه بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بينَ ظهْرانَيْ مُهاجَرِه ◌ُ(١)، يقولُ تعالى ذكرُه له: ﴿ قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ والنصارى: ﴿يَأَهْلَ اَلْكِتَبِ﴾؛ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ مما تَدَُّون أنكم علیه، مما جاءكم به موسی تِّ معشرَ اليهودِ، ولا مما جاءكم به عيسى مَعْشَرَ النصارى، ﴿ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ مما جاءكم به محمدٌ عَظِّهِ مِن الفُرْقانِ، فَتَعْمَلوا بذلك كلِّه، وتُؤْمِنوا بما فيه مِن الإِيمانِ بمحمدٍ عَ لَّهِ وتَصْدِيقِه، وتُقِرُوا بأن كلَّ ذلك مِن عندِ اللَّهِ، فلا تُكَذِّبوا بشىءٍ منه، ولا تُفَرِّقوا بينَ رسلِ اللَّهِ ، فَتُؤْمِنوا ببعضٍ، وتَكْفُروا ببعضٍ فإن الكفرَ بواحدٍ مِن ذلك كفرٌ بجميعِه؛ لأن كتبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا، فمن كذَّب ببعضِها فقد كذَّب بجميعِها . ٣١٠/٦ / وبنحو الذى قلنا فى ذلك جاء الأثر. حدَّثنا هَنَّدُ بنُ السَّرِىِّ وأبو كُرَيْبٍ ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ (١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أمره)). (٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يقول)). ٥٧٣ سورة المائدة : الآية ٦٨ ابنُ إسحاقَ ، قال : ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةً ، أو عن سعيدِ بنِ جبيٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء رسولَ اللّهِ عَ لَه رافعُ بنُ حارثةَ ، وسَلَامُ بنُ مِشْكم ٢)، ومالكُ بنُ الصَّيْفِ، ورافعُ بنُ حُريملةَ(٢) ، فقالوا: يا محمدُ، أَسْتَ تَرْعُمُ أنك على مِلَّةِ إبراهيمَ ودينِه ، وتُؤْمِنُ بما عندَنا مِن التوراةِ ، وتَشْهَدُ أنها مِن اللَّهِ حقٌ؟ فقال رسولُ اللّهِ وَهِ: (( بلى، ولكنكم أحْدَثْتُم وجحَدْتُم ما فيها، مما أُخِذ عليكم مِن الميثاقِ، وكتَمْتُم منها ما أُمِرْتُم أنْ تُبُّوه للناسِ، وأنا برىءٌ مِن أحْداثِكم)). قالوا: فإنا نَأْخُذُ بما(٢) فى أيدينا، فإنا على الحقِّ والهُدَى، ولا تُؤْمِنُ بك ولا نَتَبِعُك. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ الثَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ﴾ إلى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِينَ﴾(٤). حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ﴾. قال: فقد صِرْنا مِن أهلِ الكتابِ ؛ الثَّوْرةُ لليهودِ ، والإنجيلُ للنصارى . ﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: وما أُنْزِل إلينا مِن ربَّنا، أى: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ﴾ : حتى تَعْمَلوا بما فيه (٥) . (١) فى ص، م، ت ١، ت٢، ت٣: ((مسكين)). وسلام بتخفيف اللام، وتشدد أيضًا. ينظر التاج (س ل م). (٢) فى م: ((حرملة)). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((مما)). (٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٧، ٥٦٨. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٤/٤ (٦٦١٨) من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبى محمد قوله ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٩/٢ عن ابن عباس إلى ابن المنذر وأبى الشيخ . (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤ / ١١٧٤، ١١٧٥ (٦٦١٩، ٦٦٢٠، ٦٦٢٢) من طريق أصبغ، عن ابن زيد . ٥٧٤ سورة المائدة : الآية ٦٨ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلَيَزِيدََ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ مُغْيَانًا ٦٨ وَكُفْرَ فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ( يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَلَيَزِيدََ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ◌ُغْيَنَا وَكُفْرَا﴾: وَأَقْسِمُ لِيَزِيدَنَّ كثيرًا مِن هؤلاء اليهودِ والنصارى، الذين قصَّ قَصَصَهم فى هذه الآياتِ الكتابُ الذى أَنْزَلْتُه إليك يا محمدُ، ﴿ ◌ُغْيَنَا﴾. يقولُ: تَجَاؤُزًا وغُلُوًّا فى التكذيبِ لك على ما كانوا عليه لك مِن ذلك قبلَ نزولٍ الفرقانِ، ﴿وَكُفْرَأْ﴾. يقولُ: ومجحودًا لنبوتِك. [٧٠٢/١ و] وقد أتَّيْنا على البيانِ عن معنى ((الطُّغيانِ)) فيما مضى قبلُ(١). وأما قولُه: ﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾. يعنى بقوله(٢): ﴿فَلَا تَأْسَ﴾: فلا تَحْزَنْ. يقالُ: أَسِى فلانٌ على كذا. إذا حزِن، يَأْسَى أَسَى، ومنه قولُ الراجِ(٣). : وانْحَلَبَت(٤) عَيْناه مِن فَرْطِ الأَسَى يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه : لا تَحْزَنْ يا محمدُ على تكذيبٍ هؤلاء الكفارِ مِن اليهودِ والنصارى مِن بنى إسرائيلَ لك، فإن مثلَ ذلك منهم عادةٌ وخلُقٌ فى أنبيائهم، فكيف فيك ؟ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن (١) ينظر ما تقدم فى ٣٢٠/١، ٣٢١. (٢) فى م: ((يقول)). (٣) ديوان العجاج ص ١٢٣، واللسان ( ح ل ب ). (٤) فى م: ((أبخلت)). وانحلبت عيناه: سال دمعهما . ينظر اللسان (ح ل ب ). ٥٧٥ سورة المائدة: الآيتان ٦٩، ٧٠ عليّ بنِ أبى طلحةً، / عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَيَزِيدََ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ٣١١/٦ رَّبِّكَ ◌ُغْيَئِنًا وَكُفْرَأَ﴾. قال: الفُرْقَانُ، يقولُ: فلا تَحْزَنْ . حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ قوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾. قال: لا تَحْزَنْ(١). القولُ فى تأويل قوله عز ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ وَالنَّصَرَىُ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ◌َ يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين(٢) صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وهم أهلُ الإسلامِ، ﴿ وَاُلَّذِينَ هَادُواْ﴾ وهم اليهودُ، ﴿ وَالصَِّئُونَ﴾ وقد بيّنا أمرَهم(١)، ﴿ وَالنَّصَرَى مَنْ ءَامَنَ﴾ منهم، ﴿بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ فصدَّق بالبعثِ بعدَ المماتِ ، ﴿ وَعَمِلَ﴾ مِن العملِ، ﴿صَِحًا﴾ لمعادِهِ، ﴿فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما قَدِموا ، عليه مِن أهْوالِ القيامةِ، ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلَّفوا وراءَهم مِن الدنيا وعيشِها بعدَ مُعاينتِهم ما أكْرَمهم اللَّهُ به مِن جَزيلٍ ثوابِه . وقد بيَّنا وجهَ الإِعْرابِ فيه فيما مضى قبلُ بما أغْنَى عن إِعادتِه(٤). القولُ فى تأويل قوله: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَّ كُلَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىَ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٥/٤ عقب الأثر (٦٦٢٣) من طريق عمرو بن حماد ، عن أسباط به . (٢) بعده فى س: ((آمنوا)) .. (٣) ينظر ما تقدم فى ٣٤/٢ وما بعدها . (٤) ينظر ما تقدم فى ٨٩/٣، ٩٠. ٥٧٦ سورة المائدة : الآيتان ٧٠، ٧١ يَقْتُلُونَ يقولُ تعالى ذكرُه: أُقْسِمُ لقد أخذنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ على الإخلاصِ و(١) تَوْحيدِنا، والعمل بما أمَرْناهم به، والانتهاءِ عما نَهيْناهم عنه، وأرسَلنا إليهم بذلك رسلًا، ووعَدْناهم على ألسنٍ رسلِنا إليهم على العملِ بطاعتِنا الجزيلَ مِن الثوابٍ، وأوْعَدْناهم على العملِ بمعصيتِنا الشديدَ مِن العقابِ، كلما جاءَهم رسولٌ لنا بما لا تَشْتَهِيه نفوسُهم، ولا يُوافِقُ محبَّتَهم، كذَّبوا منهم فريقًا ، ويَقْتُلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقِنا الذى أخَذْناه عليهم، ومجزأةً علينا وعلى خلافٍ أمْرِنا . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَحَسِبُواْ أَلَّ تَكُونَ فِتْنَهُ فَعَمُواْ وَصَقُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَقُواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمَّ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ٧١ يقولُ تعالى: وظنَّ هؤلاء الإسرائيليون الذين وصَف تعالى ذكرُه صفتَهم أنه أَخَذ ميثاقَهم، وأنه أرْسَل إليهم رسلاً، وأنهم كانوا كلما جاءَهم رسولٌ بما لا ٣١٢/٦ تَهْوَى أنفسهم كذَّبوا فريقًا، وقتلوا فريقًا /، - ألَّ(٢) يَكونَ لهم مِن اللَّهِ ابتلاءٌ واخْتِبارٌ بالشَّدائدِ مِن العُقوباتِ بما كانوا يَفْعَلون، ﴿فَعَمُواْ وَصَقُّواْ﴾. يقولُ: فَعَمُوا عن الحقِّ والوَفاءِ بالميثاقِ الذى أَخَذْتُه عليهم مِن إخلاصٍ عبادتى، والانْتِهاءِ إلى أمرى ونَهْبى، والعملِ بطاعتى، بحِشبانِهم ذلك وظنِّهم، وصَمُّوا عنه، ثم تُبْتُ عليهم، يقولُ: ثم هدَيْثُهم بلُطْفٍ منى لهم - حتى أنابوا ورجَعوا عما كانوا عليه مِن معاصِيَّ وخلافٍ أمْرى، والعملِ بما أكْرَهُه منهم - إلى العملِ بما أُحِبُّه، والانْتهاءِ إلى طاعتى وأمرى ونهبى، ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُواْ كَثِيرٌ (١) سقط من: ص، ت ١. (٢) بعده فى م: (( لا)). ٥٧٧ سورة المائدة : الآية ٧١ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ثم عَمُوا أيضًا عن الحقِّ والوفاءِ بميثاقى الذى أخَذتُه عليهم مِن العملِ بطاعتى، والانتهاءِ إلى أمرى، واجتنابٍ معاصىٍّ، ﴿وَصَنُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾. يَقُولُ: عَمِى كثيرٌ مِن هؤلاء الذين كُنْتُ أَخَذتُ ميثاقَهم مِن بنى إسرائيلَ باتباعِ رسلى ، والعملِ بما أنزَلتُ إليهم مِن كتبى، عن الحقِّ، وصَمُّوا بعدَ توبتى عليهم، واستنقاذى إياهم مِن الهلكةِ، ﴿وَاللَّهُ بَصِيْرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. يَقُولُ : بصيرٌ فيرى أعمالَهم خيرَها وشرَّها، فيُجازِيهم يومَ القيامةِ بجميعِها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآية. يقولُ: حسِب القومُ ألا يَكُونَ بلاءٌ، ﴿ فَعَمُواْ وَصَنُواْ﴾ ، كلما عرَض (١) بلاء ابتُلوا به هلكوا فيه(٢) . حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَنُواْ﴾. يَقُولُ: حسِبوا ألا يُقْتَلوا، فَعَمُوا عن الحقِّ وصُوا(٣). حدَّثنا ابنُ وكيع، [٧٠٢/١ظ] قال: ثنا أبى، عن مباركٍ، عن الحسنِ: (١) بعده فى تفسير ابن أبى حاتم والدر المنثور: ((لهم)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٨/٤ (٦٦٤١) من طريق يزيد به مقتصرا على آخره، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٩/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٨/٤ (٦٦٣٩) من طريق أحمد بن المفضل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٩/٢ إلى أبى الشيخ . ( تفسير الطبرى ٣٧/٨ ) ٥٧٨ سورة المائدة : الآيتان ٧١، ٧٢ وَحَسِبُوَاْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: بلاءُ(١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنٍ عباسٍ: ﴿وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: الشركُ(٢) . حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿ وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَنُواْ﴾. قال: اليهودُ(٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ فَعَمُواْ وَصَقُّواْ ﴾. قال: يَهودُ. قال ابنُ مجريج، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، قال : هذه الآيةُ لبنى إسرائيلَ. قال: والفتنةُ البلاءُ والتمحيصُ. القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ ٣١٣/٦ اُلْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ / أُعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنَهُ النَّارُ وَمَا لِلظََّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ٧٢ وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن بعضٍ ما فتن به الإسرائيليين الذين أخبرَ عنهم أنهم حسِبوا ألا تكونَ فتنةٌ، يقولُ تعالى ذكرُه : فكان مما ابْتَلِيتُهم واخْتَبَرتُهم به - فنقَضوا فيه ميثاقى، وغيَّروا عهدِى الذى كُنْتُ أَخَذته عليهم بألا يَعْبُدوا سِواى، ولا يَتَّخِذوا ربًّا غيرى، وأن يُوَحِّدونى، ويَنْتَهُوا إلى طاعتى - عبدى عيسى ابنُ مريمَ، فإنى خَلَقْتُه، وأجْرَيتُ على يَدِه نحوَ الذى (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٧/٤ (٦٦٣٨) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٩/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٧/٤ (٦٦٣٧) من طريق أبى صالح به . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٧٨/٤ (٦٦٤٠) من طريق ابن أبى نجيح به . ٥٧٩ سورة المائدة : الايتان ٧٣،٧٢ أْرَيْتُ على يَدِ كثيرٍ مِن رسلى، فقالوا كفرًا منهم: هو اللَّهُ. وهذا قولُ اليعقوبيةِ مِن النصارى، عليهم غَضَبُ اللهِ. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكره: فلما اختبرتُهم وابْتَلَيْتُهم بما ابْتَلَيتُهم به أَشْرَكوا بى، وقالوا لخلقٍ مِن خَلْقَى، وعبدٍ مثلِهم مِن عبيدى، وبَشَرِ نحوِهم، معروفٍ نسبُه وأصلُه، مولودٍ مِن البشرِ، یڈُوهم إلی توحیدی، ويأمرهم بعبادتی وطاعتی، وُقِرُّ لهم بأنی ربُّه وربُّهم، ويَنْهاهم عن أن يُشْرِكوا بى شيئًا - هو إلهُهم. جهلا منهم باللَّهِ وكفرًا به، ولا يَنْتَغى للَّهِ أن يكونَ والدًا ولا مولودًا . ويَعْنى بقولِه: ﴿ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِىّ إِسْرَوِيلَ أُعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ﴾ يقولُ: اجعَلوا العبادةَ والتَّذَلَّلَ للذى له يَذِلُّ كلُّ شىءٍ، وله يَخْضَعُ كلُّ موجودٍ ، ﴿رِّ وَرَبَّكُمْ﴾. يقولُ: مالكى ومالككم، وسيدى وسيدَ كم ، الذى خلقنی وإيا كم. ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أن يَسْكُنَها فِى الآخرة ، ﴿ وَمَأْوَنُهُ النَّارُ ﴾ . يقولُ : ومَرْجِعُه ومكانُه الذى يَأْوِی إلیه ، ويَصيرُ فی مَعادِهِ، مَن جعَل للَّهِ شريكًا فى عبادتِه، نار جهنمَ، ﴿وَمَا لِلَّالِمِينَ﴾. يَقُولُ: وليس لمن فعَل غيرَ ما أباح اللَّهُ له، وعبد غيرَ الذى له عبادةُ الخلقِ، ﴿ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يَنْصُرونه يومَ القيامةِ مِن اللَّهِ، فيُنْقِذونه منه إذا أورَده جهنمَ . القولُ فى تأويلِ قولِه : ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ وهذا أيضًا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن فريقٍ آخرَ مِن الإسرائيليين الذين وصَف صفتَهم فى الآياتِ قبلُ ، أنه لما ابتلاهم بعدَ حِسْبانِهم أنهم لا يُتَلَوْن ولا يُفْتَنون ، قالوا كفرًا بربِّهم وشركًا : اللَّهُ ثالثُ ثلاثةٍ . وهذا قولٌ كان عليه جماهيرُ النصارى قبلَ ٥٨٠ سورة المائدة : الآية ٧٣ افتراقِ الْيَعْقُوبِيةِ والملكيةِ(١) والنَّسْطُوريةِ، كانوا فيما بلَغنا يَقُولُون: الإِلهُ القديمُ جوهرٌ واحدٌ ، يَعُمُّ ثلاثةَ أقانيمَ؛ أبًا والدًا غيرَ مولودٍ ، وابنًا مولودًا غيرَ والدٍ، وزوجًا متَتَبَعةً بينهما. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا لهم فيما قالوا مِن ذلك: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾. يقولُ: ما لكم معبودٌ ، أيُّها الناسُ، إلا معبودٌ واحدٌ ، وهو الذى ليس بوالدٍ لشىءٍ، ولا مولودٍ، بل هو خالقُ كلِّ والدٍ ومولودٍ، ﴿وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ﴾. يقولُ : إن لم يَنْتَهوا قائلو هذه المقالةِ عما يَقُولُون مِن قولِهِم: اللَّهُ ثالثُ / ثلاثةٍ. ﴿ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيهُ ﴾. يقولُ: ليمسَنَّ الذين يَقُولُون هذه المقالةَ، والذين يَقُولون المقالةَ الأخرى(١): هو المسيح ابنُ مريمَ. لأن الفريقين كلاهما كفرةٌ مشركون ، فلذلك رجَع فى الوعيدِ بالعذابِ إلى العموم ، ولم يَقُلْ : ليمسَّنَّهم عذابٌ أليم . لأن ذلك لو قيل كذلك صار الوعيدُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه خاصًّا لقائلِ القولِ الثانى، وهم القائلون: اللَّهُ ثالثُ ثلاثةٍ. ولم يَدْخُلْ فيهم القائلون: المسيح هو اللَّهُ. فعمّ بالوعيدِ تعالى ذكرُه كلَّ كافٍ، لِيَعْلَمَ المخاطَبون بهذه الآياتِ أن وعيدَ اللَّهِ قد شمِل كلا الفريقين مِن بنى إسرائيلَ، ومَن كان مِن الكفارِ على مثلِ الذى هم عليه . ٣١٤/٦ فإن قال قائلٌ: وإن كان الأمرُ على ما وصَفتَ ، فعلى مَن عادت الهاءُ والميمُ اللتان فى قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾؟ قيل: على بنى إسرائيلَ. فتأويلُ الكلام إذ كان الأمرُ على ما وَصفنا: وإن لم يَتْتَهِ هؤلاء الإسرائيليون عما يَقُولُون فى اللَّهِ مِن عظيم القولِ، لِيَمَسَّنَّ الذين يَقُولون منهم: إن المسيح هو اللَّهُ. والذين يَقُولون: إن اللَّهَ ثالثُ ثلاثةٍ. وكلَّ كافرٍ سَلَك سبيلَهم - عذابٌ أليم (١) فى م: (( الملكانية)). (٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((و)).