Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سورة المائدة : الآية ٦٠
أَمَرَتْهم بالخروج، فخرَجوا وخرَجَت، فأَصِيبوا جميعًا، وانْفَلَتَت مِن بينهم،
فرجَعَت وقد أيسَت، وهى تقولُ : سبحانَ اللَّهِ لو كان لهذا الدينِ ولِّ وناصرٌ لقد
أَظْهَره بعدُ . قال: فباتَت مَخْزونةً ، وأَصْبَح أهلُ القريةِ يَسْعَوْن فى نَواحِيها خَنازيرَ،
وقد مسَخّهم اللَّهُ فى ليلتهم تلك، فقالت(١) حينَ أصْبَحَت ورأَت ما رأَت : اليومَ
أَعْلَمُ أن اللَّهَ قد أعَزَّ دينَه وأمر دينَه. قال: فما كان مَسْخُ الخنازيرِ فى بنى إسرائيلَ إلا
على يدَىْ تلك المرأةٍ(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مُجاهدٍ: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَاَلْخَازِيَ﴾. قال: مُسِخَت مِن يهودَ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال : ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ مثلَه .
وللمسخ سببٌّ فيما ذُكِرِ غيرُ الذى ذكَرْنا، سنَذْ كُرُّه فى موضعِه إن شاء اللَّهُ(٤).
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَعَبَدَ الطَّغُوتَّ أُوْلَكَ شَرٌ مَكَنَا وَأَضَلُ عَن سَوَآءِ ٢٩٤/٦
السَّبِيلِ
٦٠
اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتَه قرَأَةُ الحجازِ والشامِ والبصرةِ وبعضُ
الكوفِيّين: ﴿ وَعَبَدَ الطَّغُونَ﴾. بمعنى: وجعَل منهم القِردةَ والخنازيرَ ومَن عبَد
الطاغوتَ. بمعنى ((عابدٍ))، فجعَل ﴿ عَبَدَ﴾ فعلًا ماضيًا مِن صِلَةِ المُضْمَرِ،
(١) فى ص، ت ١، س: ((قال تقول)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٥/٢ إلى المصنف.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣١١، ٣١٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٤/٤، ١١٦٥ (٦٥٦١)،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٥/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وعبد بن حميد.
(٤) ينظر ما سيأتى فى ٥١٢/١٠ وما بعدها .
(٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٦ .

٥٤٢
سورة المائدة : الآية ٦٠
ونصَب ﴿الَّغُونَ﴾ بوقوعِ ﴿ وَعَبَدَ﴾ عليه .
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن الكوفيّين: (وعَبْدَ الطاغوتِ ) . بفتح العينِ مِن
((عَبْدَ)) وضَمّ بائِها، وخفضِ ((الطاغوتِ)) بإضافةِ ((عَبُد)) إليه، وعنَوْا بذلك:
وخَدَمَ الطاغوتِ .
حدَّثنى بذلك المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حَمَّادٍ ،
قال: ثنى حمزةُ ، عن الأعمشِ، عن يحيى بنٍ وَتَّابٍ أنه قرَأ: (وعَبُدَ الطاغوتِ).
يقولُ : خدَمَ . قال عبدُ الرحمنِ: وكان حمزةُ كذلك يَقْرَؤُها (٢).
حدَّثنى ابنُ وَكيع وابنُ محُميدٍ ، قالا : ثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ أنه كان يَقْرَؤُها
كذلك (٣).
وكان الفَرَاءُ يقولُ(٤) : إن يَكُنْ فيه لغةً مثلَ خَذِرٍ وخَذُرٍ، وعچِلٍ وعُلٍ ، فهو
وجةٌ، واللَّهُ أعلمُ، وإلا فإنه (*) أراد قولَ الشاعرٍ (١) :
أَمَةٌ وإن أباكمُ عَبْدُ
أَبَنِى لُبَيْنَى إن أمَّكمُ
(" قال: وهذا مِن ضرورةِ الشعرِ، وهذا يَجوزُ فى الشعرِ لضرورةِ القَوافى،
وأما فى القراءة فلا .
(١) وهى قراءة حمزة كما سيذكر المصنف. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٦.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٥/٢ إلى المصنف.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٥/٣ عن المصنف .
(٤) معانى القرآن للفراء ٣١٤/١، ٠٣١٥
(٥) فى م: ((فإن )).
(٦) هو أوس بن حجر ، والبيت فی دیوانه ص ٢١.
(٧ - ٧) فى م: ((فإن)).

٥٤٣
سورة المائدة : الآية ٦٠
وقرَأْ ذلك آخرون: (وعُبْدَ الطاغوتِ) ذُكِر ذلك عن الأعمشِ(١). وكأن مَن
قرَأ ذلك كذلك أراد جمعَ الجمع مِن العبدِ ، كأنه جمَع العبدَ عبيدًا ، ثم جمَع العبيدَ
عُبْدًا، مثلَ ثِمارٍ وَثُمُرٍ .
وذُكِر عن أبى جعفرٍ القارئُّ أنه كان يَقْرَؤُه: (وُبِدَ الطاغوتُ).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : كان أبو جعفرٍ
النَّحْوىُّ يَقْرَؤُها: (وعُبِدَ الطاغوتُ) كما تقولُ: ضُرِب عبدُ اللَّه(٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذه قراءةٌ لا معنى لها؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما ابْتَدَأُ الخبرَ بذمِّ
أقوامٍ ، فكان فيما ذمَّهم به عِبادتُهم الطاغوتَ ، وأما الخبرُ عن أن الطاغوتَ قد ◌ُبِد ،
فليس مِن نوع الخبرِ الذى ابْتَدَأ به الآيةَ، ولا مِن جنسٍ ما ختَمَها به، فيَكونَ له وجهٌ
يُوَجَّهُ إليه فى(٢) الصحةِ .
وذُكِر أن بُرَيْدةَ الأسْلميَّ كان يَقْرَؤُه: (وعابِدَ الطاغوتِ)(٤).
حدَّثنى بذلك المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا شيخٌ
بَصْرِىٌّ، أن بُرَيْدةَ كان يَقْرَؤُه كذلك(٥).
ولو قُرِئ ذلك: ( وعَبَدَ الطاغوتِ). بالكسرِ ، كان له مخرجٌ فى العربيةِ
صحيحٌ، وإن لم أَسْتَجِزِ اليومَ القراءةَ بها؛ إذ كانت قراءةُ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ بخلافِها ،
ووجهُ جَوازِها فى العربيةِ أن يَكونَ مُرادًا بها : وعَبَدةُ الطاغوتِ. ثم حُذِفَت الهاءُ مِن
(١) البحر المحيط ٥١٩/٣، والقراءة شاذة .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٥/٢ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير ١٣٥/٣.
(٣) فى م: ((من)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الشيطان)). والقراءة شاذة لا تجوز القراءة بها .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٥/٢ إلى المصنف، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٠.
.

٥٤٤
سورة المائدة : الآية ٦٠
((العبدةِ)) للإضافةِ، كما قال الراجزُ(١):
/ قام وُلَاها فسَقَوْه صَوْخَدًا (٢)
٢٩٥/٦
يُرِيدُ: قام وُلاتُها. فحذَف التاءَ مِن (( ؤُلاتِها)) للإضافةِ.
٥
وأما قراءةُ القَرَأَةِ فبأحدٍ الوجهين اللذين بدَأَتُ بذكرِهما، وهو ﴿وَعَبَدَ
الَّغُوتَ﴾ بنصبِ ((الطاغوتِ)) وإعمالِ ((عبَد)) فيه، وتوجيهِ ((عبَد )) إلى أنه فعلٌ
ماضٍ مِن العبادةِ. والآخَرُ: (وعَبْدَ الطاغوتِ) على مثالٍ ((فَعُل))، وخفضٍ
((الطاغوتِ)) بإضافة ((عَبْد)) إليه .
فإذا كانت قراءةُ القرأةِ بأحدٍ هذين الوجهين دونَ غيرهما مِن الأوجهِ التى هى
أُصَحُ مخرجًا فى العربيةِ منهما، فأولاهما بالصوابِ مِن القراءةِ [٦٩٨/١ و] قراءةُ مَن
قرَأ ذلك: ﴿ وَعَبَدَ الطّغُونَ﴾. بمعنى: وجعَل منهم القردَةَ والخنازيرَ، ومَن عبَد
الطاغوتَ؛ لأنه ذُكِر أن ذلك فى قراءةٍ أبيّ بنِ كعبٍ وابنٍ مسعودٍ: (وجعَل منهم
القِرَدَةَ والخنازيرَ وعبَدُوا الطاغوتَ)(١). بمعنى: والذين عبدوا الطاغوتَ. ففى ذلك
دليلٌ واضحٌ على صحةِ المعنى الذى ذكَرْنا مِن أنه مرادٌ به: ومَن عبَد الطاغوتَ . وأن
النصبَ بـ ((الطاغوتِ)) أولى على ما وصَفْتُ فى القراءةِ؛ لإعمالِ ((عبَد)) فيه؛ إذ
كان الوجهُ الآخرُ غيرَ مُسْتَفِيضٍ فى العربِ ولا معروفٍ فى كلامِها .
على أن أهلَ العربيةِ يَسْتَنْكِرون إعمالَ شىءٍ فى ((مَن)) و ((الذى)) المُضْمَرَيْن
مع ((مِن)) و((فى)) إذا كفَتْ ((مِن)) أو ((فى)) منهما، ويَسْتَقْبِحونه، حتى كان
(١) الرجز فى معانى القرآن للفراء ٣١٤/١، وتاج العروس (صرخد) غير منسوب فيهما .
(٢) الصرخد: اسم للخمر. التاج ( صرخد ).
(٣) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٠، وتفسير القرطبى ٦/ ٢٣٥، والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

٥٤٥
سورة المائدة : الآية ٦٠
بعضُهم يُحِيلُ ذلك ولا يُچِيزُه، وكان الذى يُحِيلُ ذلك يَقْرَؤُه: (وعَبْدَ
الطاغوتِ ). فهو على قولِه خطأً ولحنٌ غيرُ جائزٍ.
وكان آخَرون منهم يَسْتَجِيزُونه على قُبْح، فالواجبُ على قولِهم أن تَكونَ
القراءةُ بذلك قَبيحةً، وهم مع استقباحِهم ذلكَ فى الكلامِ قد اخْتاروا القراءةَ بها ،
وإعمالَ ((وجعَل)) فى ((مَن))، وهى محذوفةٌ مع ((مِن)) .
ولو كنا نَسْتَجيزُ مخالفةَ الجماعةِ فى شىءٍ مما جاءت به مُجْمِعةً علیه ، لَاحْتَوْنا
القراءةَ بغيرِ هاتين القراءتين، غيرَ أن ما جاء به المسلمون مُسْتَفِيضًا فيهم (١) لا
يَتَنَاكَرونه، فلا نَسْتَجِيزُ الخروجَ منه إلى غيرِهِ، فلذلك لم نَسْتَجِزِ القراءةَ بخلافٍ
إحدى القراءتَيْن اللتين ذكّرْنا أنهم لم يَعْدُوهما .
وإذا كانت القراءةُ عندَنا ما ذكَرْنا، فتأويلُ الآيةِ : قل هل أَنَبِّئُكم بشرٌّ مِن ذلك
مَثُوبةً عندَ اللَّهِ ، مَن لعَنه اللَّهُ وغضِب عليه، وجعَل منهم القردةَ والخنازيرَ، ومَن عبَدَ
الطاغوتَ .
وقد بيَّنا معنى ((الطاغوتِ)) فيما مضى بشواهدِه مِن الرواياتِ وغيرِها، فأغْنَى
ذلك عن إعادته هلهنا (٢).
وأما قولُه: ﴿أُوْلَكَ شَرٌ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ ﴾. فإنه يعنى بقولِه:
أُؤُلَكَ﴾ : هؤلاء الذين ذكَرَهم تعالى ذكرُه ، وهم الذين وصَف صفتَهم ، فقال :
﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَازِيَ وَعَبَدَ الطَّغُوتَ﴾. وكلُّ
ذلك مِن صفةِ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ . يقولُ تعالى ذكره : هؤلاء الذين هذه صفتُهم
شرّ مكانًا فى عاجل الدنيا والآخرةِ عندَ اللَّهِ مَّن نقَمْتُم عليهم) يا معشرَ اليهودِ
(١) فى م: ((فهم)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٥٥/٤ وما بعدها .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عليه)).
( تفسير الطبرى ٣٥/٨ )

٥٤٦
سورة المائدة : الآيتان ٦١،٦٠
إيمانَهم باللّهِ، وبما أُنْزِل إليهم من عندِ اللَّهِ مِن الكتابِ، وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَهم مِن
الأنْبياءِ، ﴿ وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ / السَّبِيلِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وأنتم مع ذلك أيُّها
اليهودُ أشدُّ أَخْذًا على غيرِ الطريقِ القَويمِ، وأجْورُ عن سبيلِ الرُّشْدِ والقَصْدِ منهم.
قال أبو جعفرٍ: وهذا مِن لَحْنٍ(١) الكلام، وذلك أن اللَّه تعالى ذكرُه إنما قصد
بهذا الخبرِ إلى إخبارِ اليهودِ الذين وصَف صفتَهم فى الآياتِ قبلَ هذه بقبيحِ فِعالِهم ،
وذَميم أخْلاقِهم، واسْتيجابِهِم سُخْطَه بكثرةٍ ذنوبِهم ومَعاصِيهم، حتى مسَخ
بعضَهم قردةً وبعضَهم خنازيرَ، خِطابًا منه لهم بذلك، تَعْريضًا بالجميلِ مِن
الخطابِ، ولَحَن لهم بما عرَّفوا معناه مِن الكلامِ بأحسنِ اللحنِ، وعلّم نبيَّه عَّهِ مِن
الأدبِ أحسنَه، فقال له : قُلْ لهم يا محمدُ : أهؤلاء المؤمنون باللّهِ وبكتبِه الذين
تَسْتَهْزِئون منهم شرٌّ أم مَن لعَنه اللَّهُ؟ وهو يعنى المَقُولَ ذلك لهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنًا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ
بِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُونَ
يقولُ تعالى ذكره: وإذا جاءَكم أيُّها المؤمنون هؤلاء المنافقون مِن اليهودِ قالوا
لكم: ﴿ءَامَنَا﴾. أىْ: صدَّقْنا بما جاء به نبيكم محمدٌ عَظ ◌ِلّه، واتَّتَعْناه على دينِه.
وهم مُقِيمون على كفرِهم وضَلالتِهم، قد دخلوا عليكم بكفرِهم الذى يَعْتَقِدونه
بقلوبهم، ويُضْمِرونه فى صدورِهم، وهم يُتْدُون كذبًا التصديقَ لكم بألسنتِهم ،
﴿قَدْ خَرَجُواْ بِهٍ﴾ . يقولُ : وقد خرجوا بالكفرِ مِن عندِ کم، كما دخلوا به علیکم لم
يَرْجِعوا بمجيئِهم إليك عن كفرِهم وضَلالتِهم، يَظُنُّون أن ذلك مِن فعلِهم يَخْفَى على
اللَّهِ؛ جهلًا منهم باللَّهِ، ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ أعلم بما
كانوا - عندَ قولهم لكم بألسنتِهم : آمَنَّا باللّهِ وبمحمدٍ ، وصدَّقْنا بما جاء به - يَكْتُمون
(١) اللحن: التعريض والإيماء، وقد لحن له لحنا: قال له قولا يفهمه عنه ويخفى على غيره. التاج ( لح ن).
٢٩٦/٦

٥٤٧
سورة المائدة : الآية ٦١
منهم، بما(١) يُضْمِرونه مِن الكفرِ بأنفسِهم.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا
جَآءُوَكُمْ قَالُواْ ءَامَنَا﴾ الآية: أُناسٌ مِن اليهودِ كانوا يَدْخُلون على النبيِّ ◌َلِ فَيُخْبِرونه
أنهم مُؤْمنون راضُون بالذى جاء به، وهم مُتَمَسّكون بضَلالتِهم والكفرِ، وكانوا
يَدْخُلون بذلك ويَخْرُجون به مِن عندِ نبيِّ اللّهِ عَهٍ(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الْمُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَإِذَا جَاءُوَكُمْ قَالُواْ ءَامَنَا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾. قال:
هؤلاء ناسٌ مِن المنافقين كانوا يَهودَ. يقولُ: دخَلوا كُفَّارًا وخرَجوا كُفَّارًا(٢).
[٦٩٨/١ط] حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال: ثنی عمى ، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ / قولَه: ﴿ وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرٍ وَهُمْ ٢٩٧/٦
قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾: وإنهم دخَلوا وهم يَتَكَلِّمون بالحقِّ وتُسِرُ قلوبُهم الكفرَ، فقال:
وَدَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِّ﴾(١).
حدَّثنی یونُسُ بنُ عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی
قولِه: ﴿ وَإِذَا جَآءُوَكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِّهِ﴾، ﴿ وَقَالَت
(١) فى م: ((مما).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٥/٤ (٦٥٦٤) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٩٥/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦/٢ إلى المصنف.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٥/٤ (٦٥٦٥) عن محمد بن سعد به .

٥٤٨
سورة المائدة : الآيتان ٦٢،٦١
طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوّاً
ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [آل عمران: ٧٢]. فإذا رجَعوا إلى كُفَّارِهم مِن أهلِ الكتابِ
وشياطينِهم ، رجَعوا بكفرِهم، وهؤلاء أهلُ الكتابِ مِن يهودَ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ لجُرَيْجٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ كَثِيرٍ: ﴿وَقَدَ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِّ، ﴾ . أْ : إنه مِن عندهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ
٦٢
السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: وترى يا محمدُ كثيرًا مِن هؤلاء اليهودِ
الذين قصَصْتُ عليك نبأهم مِن بنى إسرائيل، ﴿ يُسَرِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ .
يقولُ: يَعْجَلون بُمُواقَعةِ الإثمِ .
وقيل : إن الإثمَ فى هذا الموضعِ مَغْنٍّ به الكفرُ.
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أشباطُ، عن
السدىِّ فى قوله: ﴿ وَتَرَ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾. قال: الإثمُ
(١)
الكفرُ(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَتَرَى
كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: وكان هذا فى محُكَامٌ) اليهودِ بينَ
(٣)
أیدیکم() .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٦/٤ (٦٥٦٨) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٢) فى م، والدر المنثور: (( أحكام )).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٦/٤ (٦٥٦٩) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٩٦/٢ إلی عبد بن حميد .

٥٤٩
سورة المائدة : الآية ٦٢
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يُسَرِعُونَ
فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾. قال: هؤلاء اليهودُ، ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لَوْلًا يَنْهَنُهُمُ
الرَّبَّنِيُّونَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٢، ٦٣]. قال:
﴿ يَصْنَعُونَ﴾ و﴿ يَعْمَلُونَ﴾ واحدٌ ، قال لهؤلاء حينَ لم يَنْهَوْا كما قال لهؤلاء حينَ
عمِلوا. قال: "وذلك الأركانُ(١) .
وهذا القولُ الذى ذكَوْناه عن السدىِّ، وإن كان قولًا غيرَ مدفوعِ جوازٌ
صحتِه ، فإن الذى هو أولى بتأويلِ الكلامِ أن يَكونَ القومُ موصوفِين بأنهم يُسارِعون
فى جميع مَعاصِى اللَّهِ لا يَتَحاشَوْن من شىءٍ منها، لا مِن كفرٍ ولا مِن غيرِه؛ لأن اللَّهَ
تعالى ذكرُه عمَّ فى وصفِهم بما وصَفَهم به مِن أنهم يُسارِعون فى الإثم والعُدْوانِ ، مِن
غيرٍ أن يَخْصَّ بذلك إِثْمًا دونَ إثمٍ .
وأما العُدْوانُ فإنه مُجاوزةُ الحدِّ الذى حدَّه اللَّهُ لهم فى كلِّ ما حدَّه لهم.
وتأويلُ ذلك أن هؤلاء اليهودَ الذين وصَفَهم فى هذه الآياتِ بما وصَفَهم به
تعالى ذكرُه، يُسارِعُ كثيرٌ منهم فى مَعاصِى اللَّهِ وخِلافٍ أَمْرِهِ، ويَتَعَدَّوْن حُدودَه
التى حدَّ لهم، فيما أحَلَّ لهم وحَرَّم عليهم فى أكلِهم السُّحْتَ ، وذلك الرّشْوةُ التى
يَأْخُذونها مِن الناسِ على الحكمِ بخلافٍ حكمٍ / اللَّهِ فيهم.
٢٩٨/٦
يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾. يقولُ: أَقْسِمُ لَبِئْسَ العملُ
ما كان هؤلاء اليهودُ يَعْمَلون فى مُسارَعتِهم فى الإثم والعُدْوانِ وأكْلِهم السُّحْتَ.
(١ - ١) سقط من: م، وكلمة ((الأركان)) كذا فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س وتفسير ابن كثير، وفى
تفسير ابن أبى حاتم: ((الأمر كان)). واستظهر الشيخ شاكر أن يكون صوابها: ((الإدهان)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤ / ١١٦٦، ١١٦٧ (٦٥٦٧، ٦٥٧٢، ٦٥٧٤) من طريق أصبغ
عن ابن زید ، وذكره ابن کثیر فی تفسيره ١٣٦/٣ عن ابن زید .

٥٥٠
سورة المائدة : الآية ٦٣
القولُ فى تأويل قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَنُهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ
٦٣
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
يقولُ تعالى ذكره: هلَّا يَنْهَى هؤلاء الذين يُسارِعون فى الإثمِ والعُدوانِ ،
وأكْلِ الرِّشَا فى الحكم مِن اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ - رَبَّنِيُّوهم، وهم أَثمتُهم
المؤمنون، وساسَتُهم العلماءُ بسياستِهم، وأخبارُهم، وهم علماؤُهم وقُؤَّادُهم ،
﴿عَنْ قَوْلِمُ آلْإِثْمَ﴾. يعنى: عن قولِ الكذبِ والزُّورِ . وذلك أنهم كانوا يَحْكُمون
فيهم بغيرِ حكم اللَّهِ ، ويَكْتُبون كتبًا بأيديهم ، ثم يقولون: هذا مِن حكم اللَّهِ ، وهذا
مِن كتبِه. يقولُ اللَّهُ: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَبْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾
[ البقرة : ٧٩].
وأما قولُه: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ﴾. فإنه يعنى به الرِّشْوةَ التى كانوا يَأْخُذونها
علی حکمهم بغیر کتابِ اللَّهِ لمن حگموا له به .
وقد بيَّنَّ معنى الربانيّين والأحبارِ ومعنى السُّحْتِ بشواهدِ ذلك فيما مضى، بما
أُغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ(١) .
﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ وهذا قسَمٌ مِن اللَّهِ أَقْسَم به، يقولُ تعالى ذكرُه:
أَقْسِمُ لَبئس الصَّنيعُ كان يَصْنَعُ هؤلاء الربانيون والأخبارُ فى تركِهم نهْىَ
الذين يُسارِعون منهم فى الإثم والعُدْوانِ وأكْلِ السّحْتِ، عما كانوا يَفْعَلُون مِن
ذلك .
وكان العلماء يقولون: ما فى القرآنِ آيةٌ أَشدَّ تَوْبيخًا للعلماءِ مِن هذه الآيةِ ، ولا
أخوَفَ عليهم منها .
(١) ينظر ما تقدم فى ١١١/٦ وما بعدها .

٥٥١
سورة المائدة : الآية ٦٣
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ ، قال: ثنا سلَمَةُ بنُ نُبَيْطٍ ،
عن الضَّحَّاكِ بنِ مُزاحِمٍ فى قولِه: ﴿لَوْلَا يَنْهَنُهُمُ الرَّبِِّيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْهِهُ
اُلْإِثْمَ﴾. قال: ما فى القرآنِ آيَةٌ أُخْوَفَ عندى منها، أنَّا لا نَنْهَى (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ(١) عطيةَ، قال: ثناقيسٌ، عن العَلاءِ بنِ المسيبِ،
عن خالدِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: ما فى القرآنِ آيةٌ أشدَّ توبيخًا مِن هذه الآيةِ :
( لولا ينهاهم الرَّائِيُون والأحبارُ عن قولهم الإثمَ وأكلِهم الشُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانوا
يعملون). قال [٦٩٩/١و]: كذا قرأ؟ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثَنَا هَنَادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعِ قال : ثنا أبى، عن سلمةَ بنِ
نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَوْلَا يَنْهَنُهُمُ الرَّبَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ
(٤)
الشُّحْتَّ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبى طلحةَ، / عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَوْلَا يَنْهَنَهُمُ الرَّبَّنِيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَن ٢٩٩/٦
٠
قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتُ لَبِئْسَ مَا كَانُوْ يَصْنَعُونَ﴾. يعنى: الربانيِّين أنهم
(١) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٥٧ - زيادات المروزى) من طريق سلمة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٩٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى النسخ: ((أبو)). وتقدم مرارًا .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٢ إلى المصنف وأبى الشيخ، وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٦/٣ عن
المصنف .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٢ إلى عبد بن حميد ، من طريق سلمة بن نبيط ، عن الضحاك،
ولفظه: الربانيون والأحبار فقاؤهم . قال : ثم يقول الضحاك : وما أخوفنى من هذه الآية .

٥٥٢
سورة المائدة : الآيتان ٦٤،٦٣
بئس(١) ما كانوا يَصْتَعون (٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلّ
يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءٍ﴾ .
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن جَراءةِ اليهودِ على ربِّهم، ووصْفِهم إياه
بما ليس مِن صفتِه؛ تَوْبيخًا لهم بذلك، وتَعْرِيفًا منه نبيَّه عَلِّ قديمَ جهلِهم
واغْترارِهم به، وإنكارِهم جميعَ جَميلٍ أياديه عندَهم، وكثرةَ صَفْحِه عنهم
وعفوِه عن عظيمِ إِنْرامِهم، واحتجاجًا لنبيِّه محمدٍ عَِّ بأنه له نبيٌّ مَبْعوثٌ
ورسولٌ مُرْسَلٌ؛ أن كانت هذه الأنباءُ التى أَنْبأهم بها كانت مِن خَفِىٌّ عُلومِهم
ومَكْنونِها التى لا يَعْلَمُها إلا أخْبارُهم وعلماؤهم دونَ غيرِهم مِن اليهودِ فضلاً عن
الأمةِ الأَمِّيَّةِ مِن العربِ الذين لم يَقْرَءوا كتابًا ، ولا وَعَوْا مِن علومِ أهلِ الكتابِ
علمًا، فَأَطْلَعِ اللَّهُ على ذلك نبيَّه محمدًا عَ لِّ؛ ليُقَرِّرَ عندَهم صدقَه ويَقْطَعَ بذلك
حجتهم .
يقولُ تعالى ذكره : وقالتٍ اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.
يَعْنون: إِن خيرَ اللَّهِ ثُمْسَكٌ، وعَطاءَه مَخْبوسٌ عن الاتساع عليهم. كما قال تعالى
ذكرُه فى تأديبٍ نبيِّه ◌َّهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلّ
اَلْبَسْطِ ﴾ [الإسراء: ٢٩].
وإنما وصَف تعالى ذكرُه اليدَ بذلك، والمعنى العَطاءُ؛ لأن عطاءَ الناسِ وبذْلَ
معروفِهم الغالبَ بأيديهم، فجرَى استعمالُ الناسِ فى وصفِ بعضِهم بعضًا إذا
وصَفوه بجُودٍ وكرمٍ ، أو يُبُخْلِ وشُحّ وضِيقٍ، بإضافةٍ ما كان مِن ذلك مِن صفةٍ
(١) فی م: ( لبئس)) .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٧/٤ (٦٥٧٣) من طريق أبى صالح به .

٥٥٣
سورة المائدة : الآية ٦٤
الموصوفِ إلى يديه، كما قال الأعْشَى فى مدح رجل ١:
وكفِّ إذا ما ضُنَّ بالزادٍ تُنْفِقُ
يَداك يدا مَجْدٍ فَكَفَّ مُفِيدةٌ
فأضاف ما كان صفةً صاحبِ اليدِ مِن إنفاقٍ وإفادةٍ إلى اليدِ . ومثلُ ذلك مِن
كلامِ العربِ فى أَشْعارِها وأمثالها أكثرُ مَن أن يُحْصَى، فخاطَبَهم اللَّهُ بما يَتَعارَفونه
ويَتَحاوَرونه بينَهم فى كلامِهم، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ . يعنى
ج
بذلك أنهم قالوا : إن اللَّهَ يَتْخَلُ علينا ويَمْنَعُنا فضلَه فلا يُفْضِلُ، كالمغلولةِ يدُه الذى لا
يَقْدِرُ أن يَبْسُطَها بِعَطاءٍ ولا بَذْلِ معروفٍ - تعالى اللَّهُ عما قالوا (٢) ، أغْداءَ اللَّهِ - فقال
اللَّهُ مُكَذِّبَهم / ومُخْبِرَهم بسُخْطِه عليهم: ﴿عُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾. يقولُ: أَمْسِكَت ٣٠٠/٦
أيديهم عن الخَيَّراتِ، وقُبِضَت عن الاْبِساطِ بالعَطِيَّاتِ، ﴿ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُوا ﴾ وَأَبْعِدوا
مِن رحمةِ اللهِ وفضلِهِ، بالذى قالوا مِن الكفرِ، وافْتَرَوْا على اللَّهِ، ووصفوه به مِن
الكذبِ والإِفْكِ، ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ ﴾. يقولُ: بل يداه مَبْسوطتان بالبَذْلِ
والإعطاءِ، وأرزاقٍ عبادِهِ، وأَقْواتٍ خلقِه، غيرُ مَغْلولتَيْن، ولا مَقْبوضتَيْن، ﴿ يُنْفِقُ
كَيْفَ يَشَدٍ﴾. يَقولُ: يُعطِى هذا، ويَمْنَعُ هذا فيُقَتِّرُ عليه .
وبمثلِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالح، عن
علىٍّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَقَالَتِ الْيُهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِ يهِمْ
ج
وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾. قال: ليس يَعْنون بذلك أن يدَ اللَّهِ مُوثَقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه
(١) ديوان الأعشى ص ٢٢٥.
(٢) فى م: ((قال)).

٥٥٤
سورة المائدة : الآية ٦٤
بَخيلٌ أمْسَك ما عندَه. تعالى اللَّهُ عما يقولون عُلُؤًا كبيرًا (١).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
ج
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال: لقد تجهَّدنا(٢) اللَّهُ(٣)
يا بنى إسرائيلَ، حتى جعَل اللَّهُ يدَه إلى نحرِه. وكذبوا (4) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ،
ج
عن مجاهدٍ: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَهُ﴾. قال: اليهودُ تقولُه: لقد تجهَّدنا اللَّهُ(١) يا بنى
إسرائيلَ ويا أهلَ الكتابِ، حتى إن يدَه إلى نحرِهِ. ﴿بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنِفِقُ كَيْفَ
ج
يَشَآءُ
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَقَالَتِ الْهُودُ يَدُ
اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْبِمَا قَالُواْ﴾ إِلَى: ﴿ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: أما قولُه:
ج
﴿يَدُ اَللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قالوا: اللَّهُ بَخيلٌ غيرُ جَوَادٍ . قال اللَّهُ: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
ج
السدىِّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيَدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ
يُفِقُ كَيَفَ يَشَاءُ﴾. قالوا: إن اللَّهَ وضَعِ يدَه على صدرِه فلا يَتْسُطُها حتى يَرُدَّ علينا
مُلْكَنا. وأما قولُه: ﴿ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يَرْزُقُ كيف يَشاءُ(٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٧/٤ (٦٥٧٦) من طريق أبى صالح به .
(٢) فى مصدرى التخريج: ((تجمدنا)). والمعنى: ألحّ علينا فى السؤال.
(٣) بعده فى ص، ت ١: ((أى يحمدنا الله)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٣١٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٧/٤ (٦٥٧٧).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٨/٤ (٦٥٧٩، ٦٥٨٢) من طريق أحمد بن مفضل به.

٥٥٥
سورة المائدة : الآية ٦٤
حدَّثنا القاسمُ، قال: [٦٩٩/١ظ] ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاتجٌ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ،
ج
قال: قال عكرمةُ: ﴿ وَقَالَتِ اٌلْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية. نزَلَت فى فِنْحاصَ
اليهودى(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو ثُمَيْلَةَ ، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ ، عن
ج
الضحاكِ بنِ مُزاحم قولَه: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. يقولون: إنه بخيلٌ ليس بجَوَادٍ . قال
اللَّهُ: ﴿ غُلَّتْ أَيَدِهِمْ﴾: أَمْسِكَت / أيديهم عن النفقةِ والخيرِ. ثم قال - يعنى ٣٠١/٦
نفسَه -: ﴿ بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقال: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً
إِلَى عُنُقِكَ ﴾ [الإسراء: ٢٩]. يقولُ: لا تُمْسِكْ يدَك عن النفقةِ(١).
واخْتَلَف أهلُ الجَدَلِ فى تأويل قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾؛ فقال بعضُهم:
مُنِى بذلك نِعْمتاه . وقال : ذلك بمعنى: يدُ اللَّهِ على خلقِه، وذلك نِعَمُه عليهم .
وقال : إن العربَ تقولُ: لك عندى يدٌ. يَعْنون بذلك: نعمةٌ.
وقال آخَرون منهم: عُنِى بذلك القوةُ . وقالوا : ذلك نَظيرُ قولِ اللَّهِ تعالى
ذكرُه: ﴿ وَأَذَكُرْ عِبَدَنَا إِنْرَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى﴾ [ص: ٤٥].
وقال آخرون منهم: بل يدُه مُلْكُه. وقالوا: معنى قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيُهُودُ يَدُ اللَّهِ
مَغْلُولَهُ﴾: مِلْكُه وخَزائنُه . قالوا: وذلك كقولِ العربِ للمَمْلوكِ: هو مِلْكُ يمينه ،
وفلانٌ بيدِه عُقْدةُ نكاح فلانةَ. أى : يَمْلِكُ ذلك. وكقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه :
فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَى نَجْوَنَّكُمْ صَدَقَّةٌ ﴾ [ المجادلة: ١٢].
وقال آخَرون منهم: بل يدُ اللَّهِ صفةٌ مِن صفاتِه، هى يدٌ، غيرَ أنها ليست
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٨/٤ (٦٥٧٨)، من طريق عبيد بن سليمان به .

٥٥٦
سورة المائدة : الآية ٦٤
بجارحةٍ كجوارح بنى آدمَ . قالوا: وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكره أخْبَر عن خُصوصِهُ(١)
آدمَ بما خصَّه به مِن خلقِه إياه بیده .
قالوا : ولو كان (" معنى اليدِ فى ذلك النعمةَ ما كان٢) لخُصوصِه آدمَ بذلك وجهٌ
مفهومٌ؛ إذ كان جميعُ خلقِه مخلوقين بقدرته، ومشيئتُه فى خلقِه تَعُمُّه، وهو
لجمیعهم مالكٌ .
قالوا: وإذ کان تعالی ذکرُه قد خصَّ آدمَ بذ کرِه خلقَه إياه بیدِه دونَ غيرِهِ مِن
عبادِه، كان مَعْلومًا أنه إنما خصَّه بذلك لمعنَّى به فارَق غيرَه مِن سائرِ الخلقِ .
قالوا : وإذا كان ذلك كذلك، بطَل قولُ مَن قال: معنى اليدِ مِن اللَّهِ القوةُ
والنعمةُ ، أو الملكُ فى هذا الموضعِ .
قالوا: وأخْرَى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون : إن يدَ اللَّهِ فى قولِه :
ج
﴿ وَقَالَتِ الْيُهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾. هى نعمتُه. لقيل: بل يدُه مَبْسوطةٌ . ولم يَقُلْ: بل
يداه؛ لأن نعمةَ اللَّهِ لا تُحْضَى كثرةً، وبذلك جاء التنزيلُ، يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿ وَإِن
تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاً﴾. قالوا: ولو كانت نعمَتَيْن كانتا مُحْصاتَيْن.
قالوا : فإن ظنَّ ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النِّعَم الكثيرةِ ، فذلك منه خطأ ، وذلك
أن العربَ قد تُخْرِجُ الجميعَ بلفظِ الواحدِ؛ لأداءِ الواحدِ عن جميع جنسِه، وذلك
كقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ وَاَلْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنْسَنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢].
وكقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنِسَنَ﴾ [البلد: ٤]. وقوله: ﴿وَكَانَ الْكَاِرُ عَلَى رَبِّهِ،
ظَهِيرًا﴾ [ الفرقان: ٥٥]. قالوا: فلم يُرَدْ بالإنسانِ والكافرِ فى هذه الأماكنِ إنسانٌ
بعينِه ، ولا كافرٌ مُشارٌ إليه حاضرٌ، بل عُنِى به جميعُ الإنسِ وجميعُ الكفارِ، ولكنَّ
(١) فى م: ((خصوصية)) وكذا فى المواضع التالية.
(٢ - ٢) زيادة يقتضيها السياق.

٥٥٧
سورة المائدة : الآية ٦٤
الواحدَ أدَّى عن جنسِه، كما تقولُ العربُ : ما أكثرَ الدرهمَ فى أيدى الناسِ !
وكذلك قولُه: ﴿وَكَنَ اُلْكَافِرُ﴾. معناه: وكان الذين كفَروا.
قالوا: فأما إذا ثُنِّى الاسمُ، فلا يُؤَدِّى عن الجنسِ، ولا يُؤَدِّى إلا عن اثنين
بأغيانِهما دونَ الجميعِ ودونَ غيرِهما .
قالوا : وخطأ فى كلام العربِ أن يقالَ : ما أكثر الدرهمین فی أیدی الناسِ !
بمعنى : ما أكثرَ الدراهمَ فى أيديهم! قالوا: وذلك أن الدرهمَ إذا ثُنِّى لا يُؤَدِّى فى
كلامِها إلا عن اثنين بأعْيانِهما. قالوا: وغيرُ مُحالٍ : ما أكثرَ الدرهم فى أيدى الناسِ !
٣٠٢/٦
/ وما أكثرَ الدراهمَ فى أيديهم! لأن الواحدَ يُؤَدِّى عن الجميعِ .
قالوا: ففى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ﴾. مع إعلامِه عبادَه
أن نعمَه لا تُحْصَى ، ومع ما وصَفْناه مِن أنه غيرُ معقولٍ فى كلام العربِ أن اثنين يُؤَدِّیان
عن الجميع - ما يُنْبِئُ عن خطاً قولٍ مَن قال: معنى اليدِ فى هذا الموضعِ النعمةُ.
وصحةِ قولٍ مَن قال : إن يدَ اللَّهِ هى له صفةٌ.
قالوا: وبذلك تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ مِ لَّهِ، وقال به العلماءُ وأهلُ
التأويل .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَيَزِيدَنَ كَيْرًا مِنْهُم ◌َّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَِّكَ مُغْيَنًا
وَكُفْرًا ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّ اله: إن هذا الذى أطْلَعناك عليه مِن خَفِىٌّ
أمورٍ هؤلاء اليهودِ مما لا يَعْلَمُه إلا عُلماؤُهم وأخبارُهم، اخْتِجاجًا عليهم لصحةٍ
نبؤَّتِك، وقطعًا لعُذْرِ قائلٍ منهم أن يقولَ: ما جاءَنا مِن بَشيرٍ ولا نَذيرٍ، ﴿ وَلَيَزِيدََ
كثيرً مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيِّكَ مُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾. يعنى بالطُّغْيَانِ الغُلُوَّ فِى إِنْكارِ ما قد
علِموا صحتَه مِن نبوةِ محمدٍ عَّهِ والتَّمادِىَ فى ذلك، ﴿وَكُفْرًا﴾. يقولُ:
ويَزِيدُهم مع غُلُوِّهم فى إنْكارِ ذلك جُحودَهم عظمةَ اللَّهِ ، ووَصْفَهم إياه بغيرِ صفتِه،

٥٥٨
بأن يَنْسِبوه إلى البخلِ، ويقولوا: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وإنما أَعْلَمَ تعالى ذكرُه
ج
سورة المائدة : الآية ٦٤
نبيّه عَ لَّهِ أنهم أهلُ عُتُوٌ وَتَرُّدٍ على ربِّهم، وأنهم لا يُذْعِنون لحقِّ وإن علِموا صحتَه،
ولكنهم يُعانِدونه، يُسَلِّى بذلك نبيّه محمدًا عَِّ عن المَوْجِدةِ بهم فى ذهابِهم عن
اللَّهِ وتكذيبهم إياه .
وقد بيَّنْتُ معنى ((الطَّغيانِ)) [٧٠٠/١و] فيما مضى بشواهِدِه بما أُغْنَى عن
(١)
إعادته(١).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثيرًا
مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ مُفْيَنًا وَكُفْرًا﴾. حمَلهم حسدُ محمدٍ عِلَّه والعربِ على
أن كفَروا به، وهم يَجِدونه مَكْتوبًا عندهم(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَلْقَيِّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾
:
بینَ اليهود والنصارى .
كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو محُذَيفةَ ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحِ،
عن مُجاهدٍ: ﴿ وَأَلْقَيَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾: اليهودُ
(٣)
والنصارى(١) .
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٢٠/١ - ٣٢٢.
(٢) أخرجه ابن حاتم فى تفسيره ١١٦٨/٤ (٦٥٨٣) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٩٧/٢ إلى عبد بن حميد .
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٧٧/٣ .

٥٥٩
سورة المائدة : الآية ٦٤
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ وَأَلْقَيِّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَعْضَآءَ ﴾. جُعِلَت
الهاءُ والميمُ فى قولِه: ﴿بَيْنَهُمُ﴾، كِنايةً عن اليهودِ والنصارى، ولم يَجْرِ لليهودِ
والنصارى ذكرٌ؟
قيل : قد جَرَى لهم ذكرٌ، وذلك قولُه: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيٌَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] جرَى الخبرُ فى بعضٍ / الآي عن الفريقين، وفى بعضٍ عن ٣٠٣/٦
أحدِهما ، إلى أن انْتَهَى إلى قولِه: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ ﴾ . ثم قصَد
بقولِه: ﴿ وَأَلْفَيَّنَا بَيْنَهُمُ﴾ الخبرَ عن الفريقين.
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرَّبِ أَطْفَهَا اللَّهُ ﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: كلما جُمِع أمرُهم على شىءٍ فاسْتقام واسْتَوى ، فأرادوا
مُناهضةَ مَن ناوَأَهم ، شتَّته اللَّهُ عليهم وأقْسَده ؛ لسُوءِ فِعالِهم، وخُبْثِ نِيَاتِهم.
كالذى حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع فى قوله: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِىِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٨) فَإِذَا
جَآءَ وَعْدُ أُوْلَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِّ وَكَانَ
وَعْدًا مَّفْعُولًا (® ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٤- ٦]. قال: كان
الفسادُ الأولُ، فبعَث اللَّهُ عليهم عدوًّا، فاسْتَباحوا الديارَ، واسْتَنْكحوا النساءَ،
واسْتَعْبَدوا الوِلْدانَ، وخرَّبوا المسجدَ، فَغَبَرُوا زمانًا ، ثم بعَث اللَّهُ فيهم نبيًّا، وعاد
أمرُهم إلى أحسنٍ ما كان. ثم كان الفسادُ الثانى بقتلهم الأنبياءَ، حتى قتَلوا
يحيى بنَ زكريا، فبعَث اللَّهُ عليهم بُخْتَنَصَّرَ، فقتَل مَن قتَل منهم، وسبّى مَن
سبّى، وخرَّب المسجدَ، فكان بُخْتُنَصَّرَ الفسادَ الثانىَ. قال: والفسادُ المعصيةُ.
ثم قال: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُئُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ الْمسْجِدَ كَمَا
دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. فبعث اللّهُ لهم عُزَيْرًا، وقد

٥٦٠
سورة المائدة : الآية ٦٤
كان عَلِم التوراةَ وحفظها فى صدرِه وكتَبها لهم، فقام بها ذلك القرنَ ، وليِثوا
فنَسُوا، ومات مُزَيٌُّ، وكانت أحداثٌ، ونَشْوا العهدَ، وبَخَّلوا ربَّهم، وقالوا:
﴿ يَدُ الَِّ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَنِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .
وقالوا فى عُزَيْرٍ: إن اللَّهَ اتَّخَذه ولدًا. وكانوا يَعِيبون ذلك على النصارى فى
قولهم فى المسيح، فخالَفوا ما نَهَوْا عنه، وعمِلوا بما كانوا يُكَفِّرون عليه، فسبق
مِن اللَّهِ كلمةٌ عندَ ذلك أنهم لن يَظْهَروا على عدوٌّ آخرَ الدهرِ، فقال: ﴿كُلَّمَاً
أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَ
يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فبعث اللَّهُ عليهم المجوسَ الثالثةَ(١) أربابًا، فلم يَزالوا كذلك،
والمجوسُ على رقابِهم وهم يقولون: يا ليتَنا أَدْرَكْنا هذا النبيَّ الذى نَجِدُه مكتوبًا
عندَنا ، عسى اللَّهُ أن يَفُكّنا به مِن المجوسِ والعذابِ والهوانِ. فبعث محمدًا مێِ ،
واسمُه محمدٌ ، واسمُه فى الإنجيلِ أحمدُ ، فلما جاءهم ما عرَّفوا كفَروا به . قال :
﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. وقال: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى
غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠].
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ : ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللَّهُ﴾: هم اليهودُ .
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا
لِلْحَرْبِ أَلْفَهَا اَللَّهَ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾: أولئك أعداءُ اللَّهِ اليهودُ، كلما
٣٠٤/٦ أَوْقَدوا نارًا للحربِ أَطْفَأَها اللَّهُ، فلن / تَلْقَى اليهودَ ببلدٍ إلا وجَدْتَهم مِن أذلِّ أهلِه، لقد
جاء الإِسلامُ حينَ جاء وهم تحتَ أيدى المجوسِ ، أَبْغضِ خلقِه إليه (١) .
(١) فى م: ((الثلاثة)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٩/٤ (٦٥٩١) من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٩٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .