Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سورة المائدة : الآية ٤٥
((فمَن أَقِيم عليه الحدُّ فهو كفَّارتُه)). ثم مما يُؤَكِّدُ صحةَ ما قلْنا فى ذلك الأخبار التى
ذكَوْناها عن رسولِ اللَّهِ مَ له مِن قوله: «فمَن تصَدَّق بدمُ)). وما أشْبَه ذلك مِن
الأخبارِ التى قد ذكَرْناها قبلُ .
وقد يجوزُ أن يَكونَ القائلون: إنه عنَى بذلك الجارحَ. أرادوا المعنى الذی ذُكِر
عن عروةَ بنِ الزبيرِ، الذى حدَّثنى به الحارثُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا ابنُ سَلَّامِ ، قال :
ثنا حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيْج ، قال: أَخْبَرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مُجاهِدٍ ، قال : إذا
أصاب رجلٌ رجلًا ، ولا يَعْلَمُ الْمُصابُ مَن أصابه، فَاعْتَرَف له المُصيبُ، فهو كفارةٌ
للمُصيبٍ. قال: وكان مجاهدٌ يقولُ عندَ هذا: أصاب عُروةُ بنُ الزبيرِ عينَ إنسانٍ
عندَ الرُّكّنِ فيما يَسْتَلِمون ، فقال له: يا هذا، أنا عروةُ بنُ الزبيرِ، فإن كان بعينِك
بأسّ فأنا بها .
وإذا كان الأمرُ مِن الجارح على نحوِ ما كان مِن عروةَ مِن خطأُ فعلٍ على غيرِ
عمْدٍ ، ثم اغْتَرَف للذى أصابه بما أصابه ، فعفا له المصابُ بذلك عن حقِّه قِبَلَه ، فلا
تَبِعَةً له حينئذٍ قِبَلَ الُصيبِ فى الدنيا ولا فى الآخِرةِ ؛ لأن الذى كان وجَب له قِبَلَه مالٌ
لا قِصاصٌ، وقد أَبْرَأَه منه، فإنْراؤه منه كفَّارةٌ ("له مِن٢) حقِّه الذى كان له أخْذُه به،
فلا طَلِبَةً له بسببٍ ذلك قِبَلَه فى الدنيا ولا فى الآخرةِ ، ولا عقوبةً نُلْزِمُه بها بما كان منه
إلى مَن أصابه؛ لأنه لم يَتَعَمَّدْ إصابته بما أصابه به فيَكونَ بفعلِه آئمًا( ١) يَسْتَحِقُّ به
العقوبةَ مِن ربّه؛ لأن الله عز وجل قد وضع الجناح عن عبادِه فيما أخْطَئوا فيه ولم
(١) فى النسخ: ((به)). والمثبت هو الصواب، وهو جزء من حديث تقدم فى الصفحة السابقة .
(٢ - ٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ليميز أمر)). وفى س: ((لتميز أمر))، وغير منقوطة فى ص، ولعل صواب
قراءتها: ((للمبرّأ من)) كما أثبته الشيخ شاكر.
(٣) فى م، ت١: ((إنما))
( تفسير الطبرى ٣١/٨ )

٤٨٢
سورة المائدة : الآية ٤٥، ٤٦
٢٦٤/٦ يَتَعَمَّدُوه مِن أفعالِهم، / فقال فى كتابِهِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم
بِهِ، وَلَكِن ◌َّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. ( والتصدقُ فى هذا الموضع"
بالدم العفو عنه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
٤٥
الظَّالِمُونَ
.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فى التوراةِ مِن قَوَدِ النفسِ القاتلةِ
قِصاصًا بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا ، ولم يَفْقَأُ عينَ الفاقىِّ بعينِ المَفْقوءِ ظلمًا، قِصاصًا ممَّن
أمَرَه اللَّهُ به بذلك فى كتابِهِ ، ولكن أقاد مِن بعضٍ ، ولم يُقِدْ مِن بعضٍ، أو قتَل فى
بعضِ اثنين بواحدٍ، وإنَّ مَن يَفْعَلُ ذلك، مِن الظالمين. يعنى: ممّن جار عن(١) حكمٍ
اللَّهِ ، ووضَع فعلَه ما فعَل مِن ذلك فى غيرِ موضعِه الذى جعَله اللَّهُ له موضعًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَى ءَاثَِّهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
مِنَ التَّوْرَةِ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَّةِ وَهُدِّى
٤٦
وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَدِهِمْ﴾: أَتْبَعْنا . يقولُ : أَتْبَغْنا عيسى
ابنَ مريمَ على آثارِ النبيِّين الذين أُسْلَموا مِن قبلِك يا محمدُ ، فبعثْاه نبيًّا مصدِّقًا لکتابِنا
الذى أَنْزَلْناه إلى موسى مِن قبلِه أنه حقٌّ ، وأن العملَ بما لم يَنْسَخْه الإنجيلُ منه فرضٌ
واجبٌ. ﴿ وَءَايَيْنَهُ الْإِنجِيلَ﴾. يقولُ: وَأَنْزَلْنا إليه كتابنا الذى اسمُه الإنجيلُ.
﴿فِيهِ هُدَى وَنُورٌ﴾. يقولُ: فى الإنجيلِ ﴿هُدَى﴾، وهو بَيَانُ ما جهِله الناسُ مِن
حكم اللَّهِ فى زمانِه، ﴿ وَنُورٌ﴾. يقولُ: وضِياءٌ مِن عَمَى الجَهالةِ. ﴿ وَمُصَدِّقًا لِّمَا
(١ - ١) رسمت فی ص هكذا: « وا
فی هذا الموضع))، ورسمت فى ت ١، ت ٢، س: ((وافى هذا
الموضع))، وفى م: ((وقد يراد))، والمثبت مستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.
(٢) فى م: ((على)).

٤٨٣
سورة المائدة : الآية ٤٧،٤٦
بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: أوْحَيْنا إليه ذلك وأَنْزَلْناه إليه بتَصْديقِ ما كان قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ
التى كان أَنْزَلَها على كلِّ أمَّةٍ أُنْزِل إلى نبيِّها كتابٌ للعملِ بما أُنْزِل إلى نبيِّهم فى ذلك
الكتابِ، مِن تَحْلِيلٍ ما حلَّل ، وتحريمٍ ما حرَّم. ﴿وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً﴾. يقولُ: أَنْزَلْنا
الإنجيلَ إلى عيسى مُصَدِّقًا للكتبِ التى قبلَه، وبيانًا لحكم اللَّهِ الذى ارتضاه لعبادِه
المتَّقِين فى زمانٍ عيسى وعِظةً(١) لهم. يقول: وزَجْرًا لهم عما يَكْرَهُه اللَّهُ إلى ما يُحِبُه
مِن الأعمالِ ، وتنبيهًا لهم عليه .
والمتقون هم الذين خافوا اللَّهَ وحَذِروا عقابَه، فاتقَوه بطاعتِه فيما أمَرَهم،
وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله .
وقد مضَى البيانُ عن ذلك بشواهدِه قبلُ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِجِيلِ بِمَا أَنَزَلَ اَللَّهُ فِيَةٍ وَمَنْ لَّمْ
٤٧
يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَلْيَحْكُمْ﴾؛ فقرَأته قَرَأةُ الحجازِ والبَصْرةِ
وبعضُ الكوفيين: ﴿وَلْيَحْكُمْ ﴾ بتسكينِ اللامِ على وجهِ الأمرِ مِن اللَّهِ لأهلِ
الإنجيلِ ، أن يَحْكُموا بما أَنْزَل اللَّهُ فيه مِن أحكامِه. وكأن مَن قرأ ذلك كذلك أراد: وآتيناه
الإنجيلَ فيه هُدًى ونورٌ ومُصَدِّقًا لِمَا بين يديه من / الثَّوْراة، وأَمَرْنا أهلَه أن يَحْكُموا بما أَنْزَل ٢٦٥/٦
اللَّه فيه . فيكونُ فى الكلامِ مَخذوفٌ تُرِكُ اسْتِغْناءً بما ذُكِرِ عمَّا حُذِف.
وقرَأْ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ الكوفةِ: (ولِيَحْكُمَ أهلُ الإنجيلِ) بكسرِ اللامِ مِن
( لِيَحْكُمَ)(٤) ، بمعنى: كى يَحْكُمَ أهلُ الإنْجيلِ. وكأن معنى مَن قرَ أ ذلك كذلك:
(١) فى م: ((موعظة)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٣٧/١ - ٢٤٠.
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٤.
(٤) وهى قراءة حمزة . المصدر السابق .

٤٨٤
سورة المائدة : الآية ٤٧
وآتَيْناه الإنجيلَ فيه هُدًى ونورٌ ومُصَدِّقًا لِمَا بين يديه مِنَ التَّوراة ، وکی یَحْكُمَ أهلُه بما
فيه مِن حکمِ اللَّهِ.
والذى يَتَراءَى فى ذلك أنهما قِراءتانِ مَشْهورتان مُتَقارٍبَتا المعنى، فبأىِّ ذلك
قرَأْ قارئٌ فمُصِيبٌ فيه الصوابَ. وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يُنْزِلْ كتابًا على نبىٌّ مِن
أنبيائِه إلا لِيَعْمَلَ بما فيه أهلُه الذين أُمِروا بالعملِ بما فيه، ولم يُنْزِلْه عليهم إلا وقد أَمَرّهم
بالعملِ بما فيه، فللعملِ بما فيه أنْزَله ، وأمَر بالعملِ بما فيه أهلَه ، فكذلك الإنجيلُ، إذ
كان مِن كتبِ اللَّهِ التى أَنْزَلها على أنبيائِه، فللعملِ بما فيه أنْزَله على عيسى، وأَمَر
بالعملِ به أهلَه ، فسَواءٌ قُرِئ ذلك على وجهِ الأمرِ بتسكينِ اللام، أو قُرِئ على وجهِ
الخبرِ بكسرِها ؛ لاتفاقِ معنيّيْهما .
وأما ما ذُكر عن أبىِّ بنِ كعبٍ مِن قِراءتِه ذلك: (وأنْ لِيَحْكُمُ(١)). على وجهِ
الأُمْرِ ، فذلك مما لم يَصِحّ به النقلُ عنه ، ولو صحّ أيضًا لم يكنْ فى ذلك ما يُوجِبُ أن
تَكونَ القِراءةُ بخلافِهِ مَحْظورةً ، إذ كان معناها صحيحًا، وكان المُتَّقَدِّمون مِن أئمةٍ
القرأة قد قرءوا بها .
وإذا كان الأمر فى ذلك على ما بينًّا، فتأويلُ الكلام إذا قُرِئ بكسرِ اللامِ مِن
(لِيَحْكُمَ ): وَآتَيْنا عيسى ابنَ مريمَ الإِنجيلَ فيه هُدِى ونُورٌ، ومُصَدِّقًا لما بين يديهمِن
التوراةِ، وهُدّى وموعظةً للمتقين، وكى يَحْكُمَ أهلُ الإنجيل بما أَنْزَلْنا فيه ، فبدَّلوا
حكمَه، وخالَفُوه، فضلُّوا بخلافِهم إياه، إذ لم يَحْكُموا بما أَنْزَل اللَّهُ فيه وخالَفوه
﴿ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾. يعنى الخارِجِين عن أَمْرِ اللَّهِ فيه، المُخالِفِين له فيما
أمرهم ونهاهم فى كتابه .
(١) فى م: ((احكم)). وفى س: ((يحكم)). البحر المحيط ٣/ ٥٠٠. وهى قراءة شاذة .

٤٨٥
سورة المائدة : الآيتان ٤٧، ٤٨
فأما إذا قُرِئ بتسكينِ اللام، فتأويلُه: وآتَيْنا عيسى ابن مريمَ الإنجيلَ فيه هُدًى
ونُورٌ، ومُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن التوراةِ، وأَمَرْنا أهلَه أن يَحْكُموا بما أَنْزَلنا فيه ، فلم
يُطِيعونا فى أمْرِنا إياهم بما أمَرْناهم به فيه، ولكنهم خالَفوا أُمْرَنا، فالذين خالَفوا أمْرَنا
الذی أمرناهم به فيه هم الفاسقون .
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ: الفاسقون فى هذا الموضع وفى غيرِه هم الكاذبون .
حدَّثنی یونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهپٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى
قوله: ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ
فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾. قال: ومَن لم يَحْكُمْ مِن أهلِ الإنجيلِ أيضًا بذلك
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾. قال: الكاذبون هنا) . قال: وقال ابنُ زيدٍ :
كلُّ شىءٍ فى القرآنِ، إلا قليلاً، ((فاسقٌ)) فهو كاذبٌ. وقرَأ قولَ اللَّهِ :
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ﴾ [الحجرات: ٦]. قال: الفاسِقُ هلهنا
(٢)
كاذب(٢).
وقد بيَّنا معنى ((الفسقِ)) بشَواهدِه فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا
(٣)
الموضعِ() .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
مِنَ اُلْكِتَبٍ وَمُهَيْمِنًا عَلَيَّةٍ﴾ .
/ وهذا خطابٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلَّه، يقول تعالى ذكرُه: ٢٦٦/٦
(١) فى ص، ت ٢، س: ((هذا))، وفى م، ت١، ت٣: ((بهذا)). والمثبت هو الصواب.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ١١٤٨/٤، ١١٤٩ (٦٤٦٠، ٦٤٦٦) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٢ إلى المصنف.
(٣) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٣٤.

٤٨٦
سورة المائدة : الآية ٤٨
وَأَنزَلْنا إليك يا محمدُ ﴿الْكِتَبَ﴾، وهو القرآنُ الذى أَنْزَلَه عليه. ويعنى بقولِه:
﴿ ◌ِآلْحَقِّ﴾: بالصدقِ ، ولا كذبَ فيه، ولا شكَّ أنه مِن عندِ اللَّهِ. ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ﴾. يقولُ: أَنْزَلْناه بتَصْديقِ ما قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التى
أَنْزَلها إلى أنبيائِه. ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيَّةٌ ﴾. يقولُ : أتْزَلْنا الكتابَ الذى أنزلناه إليك يا
محمدُ مُصَدِّقًا للكتبِ قبلَه، وشَهيدًا عليها أنها حقٌّ مِن عندِ اللَّهِ ، أمينًا عليها ، حافظًا
لها .
وأصلُ الهَيْمنةِ الحفظُ والارْتِقابُ، يقالُ إذا رَقَب الرجلُ الشىءَ وحفظه
وشهِده : قد هَيْمَن فلانٌ عليه، فهو يُهَيْمِنُ هَيْمَنةً، وهو عليه مُهَيْمِنٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم اخْتَلَفَت عباراتُهم عنه ،
فقال بعضُهم : معناه : شَهيدًا .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهٌ﴾. يقولُ: شهيدًا (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيّْةٍ﴾. قال: شهيدًا عليه(٢) .
حدَّثنى بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَنْزَلْنَآَ
إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ﴾. يقولُ: الكتبُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٠/٤ (٦٤٧٦) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٠/٤ عقب الأثر (٦٤٧٦) من طريق عمرو بن حماد ، عن أسباط
به .

٤٨٧
سورة المائدة : الآية ٤٨
التى خَلَت قبلَه، ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيَّةٍ﴾: أمينًا وشاهدًا على الكتبِ التى خلَت
(١)
قبلَه(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
مُجاهدٍ : ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهٍ﴾: مؤتمَنًا على القرآنِ وشاهدًا ومصدِّقًا . قال ابنُ
◌ُجرَيْجٍ: وقال(٢) آخرون: القرآنُ أمينٌ على الكتبِ فيما إذا أخْبَرَنا أهلُ الکتابِ فی
كتابِهم بأمرٍ ، إن كان فى القرآنِ فصدَقوا، وإلا فكذَبوا(٣).
وقال بعضُهم : معناه : أمينٌ عليه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال :
ثنا وكيعٌ، جَميعًا عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ ، عن التَّميمىّ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿ وَمُهَيْمِنَا عَلَيَّةِ﴾. قال: مُؤْتَمنًا عليه(٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدِ المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأخوصِ، عن أبى إسحاقَ ،
عن التَّميمىِّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿ وَمُهَيْمِنَا عَلَيَّةٍ﴾. قال: مُؤْتَمنًا
عليه .
/ حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سُفيانُ وإسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، ٢٦٧/٦
عن التَّميمىِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٤) .
(١) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٤٣/١، ٤٤ من طريق سنان ، عن قتادة مطولا .
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥١/٤ (٦٤٧٨) من طريق ابن أبى نجيح، عن مجاهد ببعضه، وينظر
تفسير ابن كثير ١١٩/٣ بنحو أثر ابن جريج.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم ١١٥٠/٤ (٦٤٧٢) من طريق وكيع به. وأخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات =

٤٨٨
سورة المائدة : الآية ٤٨
حدَّثْنا مَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ بإسنادِهِ،
عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا ابنُ عَطِيةَ ، قال: ثنا إسْرائيلُ ، عن أبى إسحاقَ ، عن
الثَّميمىِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ مُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْتَسةَ، عن أبى إسحاقَ، عن
التَّمِيمىِّ ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرّفٍ ، عن أبى إسحاقَ ،
عن رجلٍ مِن ◌َِّيمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُّ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: والمهَيْمِنُ
الأمينُ . قال : القرآنُ أمينٌ على كلِّ كتابٍ قبلَهُ(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
اُلْكِتَبِ﴾: وهو القرآنُ شاهدٌ على التوراة والإنجيلِ، مُصَدِّقًا لهما، ﴿وَمُهَيْمِنًا
عَلَيَّةٍ﴾. يعنى: أمينًا عليه، يَحْكُمُ على ما كان قبلَه مِن الكتبِ(١).
= (١٠٨) من طريق سفيان به. وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٦٣ - تفسير) من طريق أبى إسحاق
السبيعى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٢ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن
مردویه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١١٥٠/٤ (٦٤٧٤)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٩) من طريق عبد الله بن
صالح به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٢ إلى المصنف.

٤٨٩
سورة المائدة : الآية ٤٨
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن
أبى إسحاقَ، عن التَّميمىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيّْةٍ﴾. قال: مُؤْتمَنًا
عليه .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن زُهيْرٍ، عن أبى إسحاقَ ،
عن رجلٍ مِن بنى تَمِيمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهٍ﴾. قال: مُؤْتمَنًا
عليه .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا يحيى الحِمَّانىُ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ ،
عن التَّميمىِّ ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثنا هَنَّادٌ ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ
وإسرائيلَ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةً، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيَّةٍ﴾. قال:
مُؤْتمَنًا على ما قبلَه مِن الكتبِ(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رَجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ(٣) عن
قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيَّةٍ﴾. قال: مُصَدِّقًا لهذه الكتبِ وأمينًا عليها. وسُئِل عنها عكرمةُ وأنا أَسْمَعُ،
فقال: مُؤْتمَنًا عليه(٣) .
وقال آخرون : معنى المُهَيْمِنِ المُصَدِّقُ .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٠/٤ عقب الأثر (٦٤٧٧) معلقا .
(٢) فى م، ت ١: ((الحسين)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٠/٤ (٦٤٧٥) من طريق ابن علية به، دون قول عكرمة .

٤٩٠
سورة المائدة : الآية ٤٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه:
( وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهٍ﴾. قال: / مُصدِّقًا عليه؛ كلُّ شىءٍ أَنْزَلَه اللَّهُ مِن تَوْراةٍ أو إنْجيلِ أو
زَبُورٍ ، فالقرآنُ مُصَدِّقٌ على ذلك، وكلُّ شىءٍ ذكَر اللَّهُ فى القرآنِ، فهو مُصَدِّقٌ
عليها، وعلى ما حُدِّث عنها أنه حقٌّ(١).
٢٦٨/٦
وقال آخرون: عُنِى بقولِه: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيّْةٍ﴾. نبىُ اللَّهِ مْ لِهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو محُذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابن أبى نَجیح، عن
مُجاهدٍ: ﴿ وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ﴾: محمدٌ عَظٍِّ مُؤْتَنٌ على القرآنِ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
تَجيحِ، عن مُجاهدٍ: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهٍ﴾. قال: محمدٌ عَظِّمِ مُؤْتَنٌ على القرآنِ .
فتأويلُ الكلام على ما تأوَّله مُجاهدٌ: وأَنْزَلْنا الكتابَ مُصَدِّقًا الكتبَ قبلَه إليك،
مُهَيْمِنًا عليه. فيَكونُ قولُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾. حالًا مِن (( الكتابِ)) وبعضًا منه،
ويَكونُ التصديقُ مِن صفةِ ((الكتابِ))، و((المهيمنُ)) حالًا مِن الكافِ التى فى
﴿ إِلَيّكَ﴾، وهى كِنايةٌ عن ذِكْرِ اسمِ النبيِّ عَلِ، والهاءُ فى قوله: ﴿عَلَيٌّْ
عائدٌ على (( الكتاب )).
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٠/٤ عقب الأثر (٦٤٧٧) معلقا .
(٢) تفسير مجاهد ص ٣١٠ بلفظ: مؤتمن على الكتاب. ومن طريقه البيهقى فى الأسماء والصفات (١١٠)،
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٠/٤ (٦٤٧٣) من طريق أبي حذيفة به ، وفى ١١٥١/٤ (٦٤٧٨) من
طريق ابن أبى نجيح به بنحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.

٤٩١
سورة المائدة : الآية ٤٨
وهذا التأويلُ بعيدٌ مِن المفهومِ فى كلامِ العربِ ، بل هو خطأً؛ وذلك أن
((المهيمنَ)) عطفٌ على ((المصدِّقِ))، فلا يَكونُ إلا مِن صفةٍ ما كان ((المُصَدِّقُ))
صفةً له، ولو كان معنى الكلام ما رُوِى عن مُجاهِدٍ ، لقيلَ: وَأَنْزَلْنا إليك الكتابَ
مُصَدِّقًا لما بين يديه مِن الكتاب(١) مُهَيمنًا عليه. لأنه لم يَتَقَدَّمْ مِن صفةِ الكافٍ
التى فى ﴿ إِلَيْكَ﴾ بعدَها شىءٌ يكونُ ﴿ مُهَيْمِنًا عَلَيَّةٍ﴾ عطفًا عليه، وإنما
عُطِف به على ((المصدِّقِ))؛ لأنه مِن صفةِ ((الكتابِ)) الذى مِن صفتِه ((المصدِّقُ)).
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ((المصدِّقَ)) على قولٍ مُجاهِدٍ وتأويله هذا مِن صفةِ الكافٍ
التى فى ﴿ إِلَيْكَ﴾، فإن قوله: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ﴾ يُطِلُ أن يَكونَ
تأويلُ ذلك كذلك، وأن يَكونَ ((المُصَدِّقُ)) مِن صفةِ الكافِ(٤) التى فى ﴿إِلَيْكَ﴾؛
لأن الهاءَ فى قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كنايةُ اسم غيرِ المخاطَبِ، وهو النبىُّ عَ لِّ فِى
قوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ ولو كان («المصدِّقُ)) مِن صفةِ الكافِ لَكان الكلامُ: وَأَنْزَلْنا إليك
الكتاب مُصَدَّقًا لما بينَ يديك مِن الكتابِ ومُهَيْمِنًا عليه. فيكون معنى الكلامِ حينئذٍ
یکونُ كذلك.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا
جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ
وهذا أمْرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا عَّ له أن يَحْكُم بين المحتکِمین إلیه مِن
أهلِ الكتابِ وسائرِ أهلِ المللٍ بكتابِهِ الذى أَنْزَله إليه، وهو القرآنُ الذى خصَّه
(١) بعده فى النسخ: ((و)). والمثبت موافق للسياق قبل هذه العبارة وبعدها، وينظر تعليق الشيخ شاكر.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يتقدم))، وفى م: ((متقدم))، والمثبت مستفاد من تحقيق الشيخ
شاكر .
(٣) بعده فى م: (( وليس)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ذكر)).

٤٩٢
سورة المائدة : الآية ٤٨
بشَريعتِه ، يقولُ له تعالى ذكرُه : احْكُمْ يا محمدُ بينَ أهلِ الكتابِ والمشركين بما أُنْزِل
إليك مِن كتابى وأحكامى، فى كلِّ ما احتَكَموا فيه إليك مِن الحدودِ والجُرُوح،
والقَوَدِ والنفوسِ ، فارجم الزانىَ المحصَنَ، واقْتُلِ النفسَ القاتلةَ بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا،
وافْقَاً العينَ بالعينِ، وانجْدَع الأنفَ بالأنفِ، فإنى أَنْزَلْتُ إليك القرآنَ مُصَدِّقًا فى ذلك
٢٦٩/٦ ما بينَ يديه مِن / الكَتُبِ، ومُهَيْمِنًا عليه، رَقِيبًا يَقْضِى على ما قبلَه مِن سائرِ الكتبِ
قبلَه ، ولا تَتَبِعْ أهْواءَ هؤلاء اليهودِ الذين يقولون : إن أَوتِيتُم الجلدَ فى الزانى المحصَنِ
دونَ الرجْمِ ، وقتلَ الوَضيعِ بالشّريفِ إذا قتله، وتركَ قتلِ الشريفِ بالوَضيعِ إِذا قتَله
فخُذُوه ، وإن لم تُؤْتَوْه فاخذَروا - عن الذى جاءَك مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ ، وهو کتابُ
اللَّهِ الذى أَنْزَلَه إليك. يقولُ له : اعْمَلْ بكتابى الذى أَنْزَلْتُه إليك إذا احْتَكَموا إليك
فاخْتَرتَ (١) الحكم عليهم ، ولا تَتْرُكَنَّ العملَ بذلك اتِّباعًا منك أهواءهم ، وإيثارًا لها
على الحقِّ الذى أَنْزَلْتُه إليك فى كتابى .
كما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ،
عن علىِّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللّهُ﴾.
يقولُ: بحدودِ اللَّهِ، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَآءَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن عامٍ، عن
مَشروقٍ أنه كان يُحَلِّفُ اليهودىَّ والنصرانيَّ باللّهِ. ثم قرأ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآَ
أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾، وأَنْزَل اللَّهُ أَلَّا يُشْرِكُوا به شيئً(٣).
(١) فى م: ((فاختر)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥١/٤ (٦٤٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٩٠/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٠٢٣٧، ١٥٥٤٤) من طريق جابر به . وأخرجه سعيد بن منصور فى
سننه (٧٥٦ - تفسير)، وابن أبى شيبة ٩٩/٦ من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن مسروق بنحوه.

٤٩٣
سورة المائدة : الآية ٤٨
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ
يقولُ تعالى ذكره: لكلِّ قوم منكم جعَلْنا شِرْعةً. والشِّرْعةُ هى الشَّريعةُ
بعينِها، تُجْمَعُ الشِّرعةُ شِراعًا ، والشريعةُ شَرائعَ، ولو جُمِعَت الشرعةُ شَرائعَ كان
صَوابًا؛ لأن معناها ومعنى الشريعةِ واحدٌ ، فيَرُدُّها عندَ الجمع إلى لفظِ نظيرِها . وكلُّ
ما شرَعْتَ فيه مِن شىءٍ فهو شَريعةٌ ، ومِن ذلك قيل لشَريعةِ الماءِ: شَريعةٌ . لأنه يُشْرَعُ
منها إلى الماءِ، ومنه سُمِّيَت شَرائعُ الإسلامِ شَرائِعَ ؛ لشُروعِ أهلِه فيه ، ومنه قيل للقوم
إذا تَساوَوْا فى الشىءٍ: هم شَرَعُ سَواءٌ .
وأما المِنْهائجُ، فإن أصلَه الطريقُ البَيِّنُ الواضحُ، يقالُ منه: هو طريقٌ نَهْجٌ
ومَنْهجٌ. بَيِّنٌ، كما قال الراجزُ(١) :
مَن يَكُ فى شكِّ فهذا فَلْجُ
ماءٌ رَوَاءٌ وَطَرِيقٌ نَهْجُ
ثم يُسْتَعْمَلُ فى كلِّ شىءٍ كان بيّنًا واضحًا سهلًا .
فمعنى الكلام: لكلِّ قوم منكم جعَلْنا طريقًا إلى الحقِّ يَؤُمُّه، وسبيلًا واضحًا
يَعْمَلُ به .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ ﴾؛ فقال
بعضُهم: عَنَى بذلك أهلَ المللِ المختلفةِ. أىْ أن اللَّهَ جعَل لكلِّ مِلَّةٍ شريعةٌ ومِنْهاجًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلِّ
(١) مجاز القرآن ١٦٨/١، ومعجم ما استعجم ١٠٢٧/٣، واللسان (روى).

٤٩٤
سورة المائدة : الآية ٤٨
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾. يقولُ: سبيلًا وسُنَّةً. والسننُ مُخْتلِفةٌ ؛ للتوراةِ
شريعةٌ ، وللإِنْجيلِ شَريعةٌ ، وللقرآنِ شريعةٌ ، يُحِلُّ اللَّهُ فيها ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ
بَلاءً؛ لِيَعْلَمَ مَن يُطِيعُه مَمَّن يَعْصِيه، ( ولكنَّ الدينَ الواحدَ " الذى لا يُقْبَلُ غيرُه التوحيدُ
والإخلاصُ للَّهِ الذى جاءَت به الرسلُ(١).
/ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قَتادةَ قولَه: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾. قال: الدينُ واحدٌ والشريعةُ
۔۔(٣)
مختلفةٌ(٣).
٢٧٠/٦
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشم، قال: أَخْبَرَنى
سيفُ بنُ عُمَرَ(٤) ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبى أيوبَ، عن علىٍّ، قال: الإِيمانُ منذُ بَعَث اللَّهُ
تعالى ذكرُه آدمَ عَّهِ شهادةُ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، والإقْرارُ بما جاءمِن عندِ اللَّهِ ، لكلِّ قوم ما
جاءَهم مِن شِرْعةٍ أو مِنْهاجٍ، فلا يَكونُ المقرُ تاركًا، ولكنه مُطِيعٌ.
وقال آخرون: بل عَنَى بذلك أمَّةَ محمدٍ عَ لَه. وقالوا : إنما معنى الكلام: قد
جعَلْنا الكتابَ الذى أَنْزَلْناه إلى نبيّنا محمدٍ عَّهِ أَيُّها الناسُ لكلِّكم؛ أى لكلِّ مَن
دخَل فى الإسلام، وأقرَّ بمحمدٍ مَّمِ أنه لى نبىٌّ، شرعةً ومنهاجًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جُرَيْجٍ، عن
مُجاهدٍ قوله: ﴿ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾. قال: سُنةً ومِنْهائجًا ، السبيلَ
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((والدين واحد)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ١١٥٢/٤ (٦٤٨٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٠/٢ إلى
عبد بن حميد وأبى الشيخ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٢، وأخرجه ابن أبى حاتم ١١٥٢/٤ (٦٤٨٧) عن الحسن بن يحيى به .
(٤) فى م: ((عمرو)).

٤٩٥
سورة المائدة : الآية ٤٨
لكلِّكم (١)، مَن دخَل فى دينٍ محمدٍ عَ لِ فقد جعَل اللَّهُ له شرعةً ومنهاجًا. يقولُ:
القرآنُ هو له شِرْعةٌ ومِنْهاجٌ .
وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: معناه : لكلِّ أهل ملةٍ
منكم أيُّها الأممُ جعَلْنا شِرعةً ومنهاجًا .
وإنما قلنا : ذلك أولى بالصوابِ؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
وَحِدَةٌ﴾. ولو كان عَنَى بقولِه: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أمّةَ محمدٍ - وهم أمّةٌ
واحدةٌ - لم يكنْ لقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً ﴾ - وقد فعَل ذلك
فَجَعَلَهم أمةً واحدةً - معنًى مفهومٌ ، ولكنْ معنى ذلك على ما جرَى به الخطابُ مِن
اللَّهِ لنبيّه محمدٍ عَّمِ أنه ذكّر ما كتَب على بنى إسرائيلَ فى التوراةِ، وتقَدَّم إليهم
فيها (١) بالعمل بما فيها ، ثم ذكر أنه ققَّى بعيسى ابن مريمَ على آثارِ الأنبياءِ قبلَه، وأَنْزَل
عليه الإنجيلَ، وأمَر مَن بعَثه إليه بالعملِ بما فيه، ثم ذكَر نبيَّنا محمدًا عَله، وأخْبَرَه أنه
أَنْزَل إليه الكتابَ مُصَدِّقًا لما بين يديه مِن الكتابِ، وأمَرَه بالعملِ بما فيه، والحكم بما
أَنْزَل إليه فيه دونَ ما فى سائرِ الكتبِ غيرِهِ، وأَعْلَمَه أنه قد جعَل له ولأُمتِهِ شَريعةً غيرَ
شرائع الأنبياءِ والأمم قبلَه الذين قصَّ عليه (١) قَصصَهم، وإن كان دينُه ودينُهم
فى توحيدِ اللَّهِ ، والإقرارِ بما جاءَهم به مِن عندِه، والانتهاءِ إلى أمْرِه ونهيه -
واحدًا، فهم مُخْتَلِفِو الأحوالِ فيما شُرِع لكلِّ واحدٍ منهم ولأُمتِه فيما أُحِلَّ لهم
ومُرِّم عليهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ((الشرعةٍ)) و((المنهاج)) مِن التأويلِ قال أهلُ التأويلِ.
(١) فى س: (( للحكم)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((عليهم)) .
:

٤٩٦
سورة المائدة : الآية ٤٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبى
إسحاقَ ، عن التَّميمىِّ، عن ابنِ عباسٍ : ﴿ لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ .
قال : سنةً وسبيلاً .
/حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن
التَّميمىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾. قال: سنةً
وسبيلاً .
٢٧١/٦
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ وإسرائيلَ وأبيه ، عن أبى إسحاقَ ،
عن التَّميمىِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه(١).
حدَّثْنَا هَنَّادٌ ، قال : ثنا أبو يحيى الرازىُّ، عن أبى شَيْبانَ ، عن أبى إسحاقَ ، عن
يحيى بنِ وَثَّابٍ، قال: سألْتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ
وَمِنْهَاجَأَ﴾ . قال: سنةٌ وسبيلاً .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةً(٢) ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ،
عن التميمىٌّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ﴾. قال: سنةً وسبيلاً .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرِّفٍ ، عن أبى إسحاقَ ،
عن رجلٍ مِن بنی تّیمٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثله .
(١) تفسير سفيان ص ١٠٣، وعنه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/
١١٥١ (٦٤٨٥)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (٦٥) من طريق وكيع به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ١١٥٢/٤ (٦٤٨٢) - ومن طريقه اللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (٦٤) - من طريق أبى إسحاق
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٠/٢ إلى عبد بن حميد وسعيد بن منصور والفريابى وابن المنذر وأبى
الشيخ وابن مردويه .
(٢) فى النسخ: ((علية)). وتقدم مرارا، وسيأتى أيضًا.

٤٩٧
سورة المائدة : الآية ٤٨
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبى إسحاقَ ، عن
التمیمیّ ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أُبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَّأَ﴾. يعنى: سبيلاً
=(١)
وسنةً(١).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، عن سفيانَ بنِ حسين ، قال :
سمِعْتُ الحسنَ يقولُ : الشرعةُ السنةُ(١).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبى يحيى
القَتَّاتِ ، عن مُجاهدٍ، قال: سنةً وسبيلاً.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللهِ تعالى ذكره: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾. قال: الشِّرعةُ
السنةُ، ﴿ وَمِنْهَاجَّأَ﴾. قال: السبيلُ(٢).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ بنحوِه .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَّأَ ﴾ .
يقولُ : سبيلًا وسنةً(٣).
(١) أخرجه اللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (٦٦) من طريق سفيان بن حسين به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٣١٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤ / ١١٥١، ١١٥٢ (٦٤٨٣، ٦٤٨٦).
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٠.
( تفسير الطبرى ٣٢/٨ )

٤٩٨
سورة المائدة : الآية ٤٨
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا الحَوْضىُّ، قال : ثنا شعبةُ، قال : ثنا أبو إسحاقَ ، قال:
سمِعْتُ رجلًا مِن بنى تميمٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدِّىٌ: ﴿شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾. يقولُ: سبيلاً وسنةٌ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجُرَيْجٍ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : السنةُ والسبيلُ.
٢٧٢/٦
/حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلّ
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً(٢) .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال:
أخبرَنى عُبيدُ بنُ سليمانَ(٢) قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿شِرْعَةٌ
وَمِنْهَاجَأَ﴾. قال: سبيلاً وسنةً(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةٌ وَلَكِن لِيَبْلُؤَّكُمْ فِ
مَآ ءَاتَنْكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو شاء ربُّكم لجعَل شَرائعَكم واحدةً ، ولم يَجْعَلْ لكلِّ أمةٍ
شَريعةٌ ومِنْهاجًا غيرَ شَرائعِ الأمِ الأُخَرِ ومِنْهاجِهم، فكنتم تكونون أمةٌ واحدةٌ ، لا
تَخْتَلِفُ شَرائعُكم ومَناهِجُكم، ولكنه تعالى ذكرُه يَعْلَمُ ذلك، فخالَف بينَ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤ / ١١٥١، ١١٥٢ عقب الأثر (٦٤٨٢، ٦٤٨٥) من طريق عمرو بن
حماد ، عن أسباط به. وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٠.
(٢) جزء من أثر تقدم تخريجه فى ص ٤٩٤.
(٣) فى م: (( سلمان)).
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١١٥١، ١١٥٢ عقب الأثر (٦٤٨٢، ٦٤٨٥) معلقًا ، وينظر تفسير
ابن كثير ٣/ ١٢٠.
(٥) فى م: ( منهاجكم)).

٤٩٩
سورة المائدة : الآية ٤٨
شَرائِعِكمْ لِيَخْتَبِرَ كم ، فيَعْرِفَ المُطيعَ منكم مِن العاصى ، والعاملَ بما أمرَه فى الكتاب
الذى أَنْزَله إلى نبيِّه عَلَّه مِن المُخالِفِ.
والابتلاءُ هو الاختبارُ. وقد بَيَنْتُ(١) ذلك بشواهدِه فيما مضَى قبلُ.
وقولُه: ﴿فِيِ مَآ ءَاتَنْكُمْ﴾ . يعنى: فيما أنزَل عليكم مِن الكتبِ .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ :
﴿ وَلَكِن لِّيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ: لا أَعلَمُه إلا قال:
ليَتْلُوَكم فيما آتاكم مِن الكتبِ() .
فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾؟ ومَن المخاطَبُ
بذلك وقد ذكَوْتَ أن المعنىَّ: ﴿ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ نبيًا(٣) مع
الأنبياءِ الذين مضَوْا قبلَه وأيمِهم، والذين قبلَ نبيِّا عَه ◌ْ على حِدَةٍ )؟
قيل: إن الخطابَ وإن كان لنبيِّنا مَّه، فإنه قد أُرِيد به الخبرُ عن الأنبياءِ قبلَه
وأيمِهم ، ولكنَّ العربَ مِن شأنِها إذا خاطَبَت إنسانًا وضمَّت إليه غائبًا ، فأرادت الخبرَ
عنه ، أن تُغَلِّبَ المخاطَبَ، فيَخْرُجَ الخبرُ عنهما على وجهِ الخطابِ ، فلذلك قال تعالى
ذكرُه: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى الَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ
(١) فى النسخ: ((ثبت))، والمثبت هو الصواب. وينظر ما تقدم فى معنى ((البلاء)) فى ٦٥٣/١، ٦٥٤.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٣/٤ (٦٤٩٠) من طريق حجاج به .
(٣) فى م: ((لكل نبى )).
(٤) سقط من: م .
(٥ - ٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣. وفى م: ((والمخاطب النبى وحده)). وفى ص: ((حده)). والمثبت
موافق للسياق ، ومستفاد من تحقيق الشيخ شاكر .
وسياق الكلام: ومن المخاطب ... وقد عرفت أن الذين قبل نبينا على حدة ؟

٥٠٠
سورة المائدة : الآية ٤٨
بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْذَلِفُونَ
٤٨
يقولُ تعالى ذكره : فبادِروا أيُّها الناسُ إلى الصالحاتِ مِن الأعمالِ والقُرَّبِ إلى
ربِّكم ، بإدمانِ العملِ بما فى كتابِكم الذى أنزله إلى نبيِّكم ، فإنه إنما أنْزَله امتحانًا لكم
وابتلاءً؛ لِيَتَبَيَّنَ المُحْسِنُ منكم مِن المُسِىءِ، فيُجازِىَ جميعَكم على عملِهِ عندَ
مصیر کم إلیه ، فإن إلیه مصیر کم جميعًا ، فيُخْبِرَ كلّ فريقٍ منکم بما كان يُخالِفُ فيه
ءِ
الفرقَ الأخرى، فيَفْصِلَ بينَهم بفصلِ القَضاءِ، ويُبِينَ المحقَّ بمجازاتِهِ ١ إياه بجَنّاتِهِ ،
مِن المسىءٍ ، بعقابِهِ إياه بالنارِ ، فَيَتَبَيَّن حينئذٍ كلِّ حزبٍ عِيانًا ، المُحِقُّ منهم مِن
المُبْطِلِ .
فإن قال قائلٌ: أوَ لم ◌ُنَبِّئْنا ربنا فى الدنيا قبلَ مَرْجِعِنا إلیه ما نحن فيه
مُخْتَلِفون ؟
فقيل : إنه بيَّن ذلك فى الدنيا بالرسلِ والأدلةِ والحُجَج ، دونَ الثواب والعقابِ
عِيانًا، فمُصَدِّقٌ بذلك ومُكَذِّبٌ، وأما عندَ المَرْجِع إليه، فإنه يُنَبِّئُهم بذلك
بالمُجازاةِ التى لا يَشُكّون معها فى معرفةِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ولا يَقْدِرون على
إذخالٍ / اللَّْسِ معها على أنفسِهم ، فكذلك خبرُه تعالى ذكرُه أنه يُنَُّنا عندَ المرجعِ
إليه بما كنا فيه نَخْتَلِفُ فى الدنيا، وإنما معنى ذلك : إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جميعًا،
فَتَعْرِفون المُنَّ حينئذٍ مِن المُطِلِ منكم .
٢٧٣/٦
كما حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا زيدُ بنُ حبابٍ ، عن أبى سِنانٍ ، قال: سمِعْتُ
الضَّحاكَ يقولُ: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾. قال: أمةٌ
محمدٍ عَ لَه ، البَرُّ والفاجرُ.
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( مجازاته)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٨١/١٣ عن زيد بن الحباب به .