Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة المائدة: الآية ٢٠
من ملَك الخدَمَ (١).
حدثنى الحارثُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أَبانٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن
الأعمشِ، عن مجاهدٍ : ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُوَكًا﴾. قال: جعَل لكم أزواجًا وخدَمًا
وبيوتًا .
وقال آخرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ . أنهم يملكون أنفسَهم
وأهليهم وأموالهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدىِّ: ﴿وَجَعَلَكُمْ [٦٦٣/١و] مُلُوكًا﴾: يملِكُ الرجلُ منكم نفسَه وأهله ومالَه(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ
٢٠
(٣)اخْتَلَف أهلُ التأويل فى الذين٢٢ عُنُوا بهذا الخطابِ ؛ فقال بعضُهم: مُنِى به
أمةُ محمدٍ لتِّ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا سفيانُ بنُ و کیع، قال : ثنا یحیی بن یمان ، عن سفيان ، عن الشُّدئِّ ، عن
أبى مالكِ وسعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿ وَءَاتَنْكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾. قالا: أمةُ
محمد عام (٤).
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) عزاه ابن كثير فى تفسيره ٦٨/٣ إلى ابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، وفى م، ت ٢: ((اختلف فى من))
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٦٩.

٢٨٢
سورة المائدة: الآية ٢٠
وقال آخرون: عُنِى به قومُ موسى عَ لَّه .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجیچِ، عن مجاهدٍ ، قال: هم قوم موسى .
حدثنى الحارثُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبانٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن
الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَءَاتَنَكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ
اُلْعَلَمِينَ﴾. قال: هم بينَ ظهرانَيْه يومَئذٍ (١).
ثم اختلفوا فى الذى(٢) آتاهم اللَّهُ مالم يُؤْتِ أحدًا من العالمين ؛ فقال بعضُهم: هو
المنُّ والسَّلْوَى والحَجَرُ والغَمامُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال : ثنا أبى ، عن سفيانَ ، عن رجلٍ ، عن مجاهدٍ :
وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾. قال: المنُّ والسَّلْوَى والحَجَرُ والغَمامُ(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ﴾: يعنى أهلَ ذلك
الزمانِ؛ المنُّ والسلوَى والحجرُ والغمامُ(٤).
وقال آخرون : هو الدارُ والخادمُ والزوجةُ .
(١) من تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. وينظر تفسير البغوى ٣٥/٣.
(٤) تفسير مجاهد ص ٣٠٥ دون قوله: يعنى: أهل ذلك الزمان. وهو تمام الأثر المتقدم فى ص ٢٨٠ .

٢٨٣
سورة المائدة: الآية ٢٠
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِىِّ، عن طلحةَ بنِ
عمرٍو، عن عطاءٍ، عن / ابنِ عباسٍ: ﴿ وَءَاتَنَّكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾. ١٧١/٦
قال : الرجلُ يكونُ له الدارُ والخادمُ والزوجةُ (١).
حدثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ، عن
مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ﴾: المنُّ
والسَّلْوَى والحجرُ والغمامُ(١).
وأولىّ التأويلين فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ من قال: ﴿ وَءَاتَنْكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ
أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾: (( خطابٌ لبنى إسرائيلَ؛ حيث جاءٌ) فى سياقٍ قوله:
﴿ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ومعطوفًا عليه، ولا دَلالةَ فى الكلام تدلُّ على أن
قوله: ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ (١). مصروفٌ عن خطابٍ الذين
ابْتُدِئ بخطابِهم فى أولِ الآيةِ. فإذ كان ذلك كذلك، فأن يكونَ خطابًا لهم أولى من
أن يقالَ : هو مصروفٌ عنهم إلى غيرِهم.
فإن ظنَّ ظانٌ أن قوله: ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾. لا يجوزُ أن
يكونَ " خطابًا لبنى إسرائيلَ)، إذ كانت أمةُ محمدٍ قد أُوتِيَت من كرامةِ اللَّهِ بنَبيّها(٧)
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٣/ ٤٥٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى المصنف.
وهذا الأثر موضعه ههنا فى النسخ ، وصوابه أن يكون مع الأثرين فى القول قبله .
(٣ - ٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤ - ٤) سقط من : ص .
(٥) فى ص: ((معطوف)).
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((له خطابا)).
(٧) فى ص، ت ١، ت ٣، س: ((نبيها))، وفى ت٢: ((نبيما)). والمثبت صواب السياق.

٢٨٤
سورة المائدة: الآيتان ٢٠، ٢١
عليه الصلاةُ والسلامُ محمدٍ (١)، ما لم يُؤْتِ أحدًا غيرَهم، وهم من العالمين - فقد
ظنَّ غيرَ الصوابِ ، وذلك أن قوله: ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾.
خطابٌ من موسى مَِّ لقومِه يومَئذٍ، وعنَى بذلك علَى زمانِه، لا عالَى كلِّ زمانٍ،
ولم يكنْ أُوتِىَ فى ذلك الزمانِ من نعمِ اللَّهِ وكرامته ما أُوتِىَ قومُه ◌َّهِ - أحدٌ من
العالمين، فخرَج الكلامُ منه ◌َّمِ على ذلك، لا على جميع كلِّ زمانٍ.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿يَقَوْمِ أُدْخُلُواْ الْأَرْضَ اُلْمُقَدَّسَةَ أَلَّتِى كَتَبَ اللّهُ
ثُمْ﴾ .
وهذا خبرٌ من اللَّهِ عَزَّ ذكرُه عن قولٍ موسى مَِّ لقومِه من بنى إسرائيلَ، وأمرِه
إيَّاهم عن أمرِ اللَّهِ إِيَّه، يأمُرُهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ.
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى الأرضِ التى عناها بالأرضِ المقدَّسةِ ؛ فقال بعضُهم:
عنَى بذلك الطورَ وما حوله .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ اَلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾: الطورَ وما حولَه (٢) .
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدثنى الحارثُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن
الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ اُلْمُقَدَّسَةَ﴾. قال:
(١) فى م: ((محمدا)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٠٥.
.

٢٨٥
سورة المائدة: الآية ٢١
الطورَ وما حولَه(١).
وقال آخرون : هو الشَّامُ .
١٧٢/٦
/ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿اُلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. قال: هى الشامُ(١) .
وقال آخرون : هى أرضُ أريحا .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أُدْخُلُواْ
اُلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: أريحاً(٢).
حدثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدئِّ، قال: هى أريحا (٥) .
حدثنى عبدُ الكريم بنُ الهيثمِ ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا سفيانُ، عن
أبى سعدٍ(١) ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى أريحاً(٧).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٦٩، عن سفيان به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٨٦/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى عبد بن حميد.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٢٥/٦، وأبو حيان فى البحر المحيط ٣/ ٤٥٤.
(٤) فى م: ((يوسف)).
(٥) ذكره القرطبى فى تفسيره ٦/ ١٢٥، وأبو حيان فى البحر المحيط ٣/ ٤٥٤، وينظر تفسير البغوى ٣٥/٣.
(٦) فى م: ((سعيد)). وينظر ما تقدم فى ١/ ٦٤٧.
(٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٩/٣ عن سفيان به، وينظر التبيان ٤٨٢/٣، وتفسير القرطبى ١٢٥/٦، وقال
ابن كثير: وفى هذا نظر؛ لأن أريحا ليست هى المقصود بالفتح ، ولا كانت فى طريقهم إلى بيت المقدس =

٢٨٦
سورة المائدة: الآية ٢١
وقيل : إن الأرضَ المقدَّسةَ دمَشقُ وفِلَسطينُ وبعضُ الأُزْدِىٌّ.
وعنى بقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾. المطهرةَ المباركةَ.
كما حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنِ
أبى تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ اُلْأَرْضَ اُلْمُقَدَّسَةَ﴾. قال: المباركةَ(١).
حدثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شِبلٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: هى الأرضُ المقدَّسةُ . كما قال نبىُّ
اللَّهِ موسى ◌َ لِ؛ لأن القولَ فى ذلك بأنها أرضّ دونَ أرضٍ، لا تُدرَكُ [٦٦٣/١ظ]
حقیقةُ صحته إلا بالخبرِ ، ولا خبر بذلك يجوزُ قطعُ الشهادة به ، غير أنها لن تخرج من
أن تكونَ من الأرضِ التى ما بينَ الفراتِ وعريشِ مصرَ؛ لإجماعِ جميعٍ أُهلِ التأويلِ
والسيرِ والعلماءِ بالأخبارِ على ذلك.
ويعنى بقولِه: ﴿اَلَتِى كَثَبَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾: التى أَثْبت فى اللوحِ المحفوظِ أنها
لكم مساكنُ ومنازلُ ، دونَ الجبابرةِ التى فيها .
فإن قال قائلٌ: فكيف قال: ﴿الَّتِى كَثَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وقد علِمتَ أنهم لم
يدخُلوها بقولِه: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ﴾. فكيف يكونُ مُثْبًا فى اللوحِ المحفوظِ
أنها مساكنُ لهم(١) ، ومحرَّمًا عليهم سُكْنَاها؟
قيل : إنها كُتِبت لبنى إسرائيلَ دارًا ومساكنَ، وقد سكنوها ونزلوها،
= وقد قدموا من بلاد مصر ... إلا أن يكون المراد بأريحا أرض بيت المقدس ... لا أن المراد بها هذه البلدة
المعروفة فى طرف الغور شرقى بيت المقدس. وينظر تفسير ابن كثير ١٣٩/١.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى المصنف.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

٢٨٧
سورة المائدة: الآية ٢١
وصارت لهم كما قال اللَّهُ جلَّ وعزَّ، وإنما قال لهم موسى: ﴿أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ
اَلْمُقَدَّسَةَ اُلَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يعنى بها: كتَبها اللَّهُ لبنى إسرائيلَ، وكان الذين
أمرهم موسى بدخولها من بنى إسرائيلَ، ولم يعنِ عَِّ أن الله تعالى ذكرُه كتَبها
للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم .
ولو قال قائلٌ: قد كانت مكتوبةً لبعضِهم ولخاصٍ منهم، فأُخْرِج الكلام على
العمومِ والمرادُ منه الخاصُّ، إذا كان يُوشَعُ وكالِبُ (١) قد دخَلاها، وكانا ممن خُوطِب
بهذا القولٍ - كان أيضا وجهًا صحيحًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال ابنُ إسحاقَ .
/ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ: ﴿الَّتِى كَتَبَ ١٧٣/٦
اللَّهُ لَكُمْ﴾: التى وهَبَ اللَّهُ لكم(٢) .
وكان الشُدىُّ يقولُ: معنى ﴿ كَنَبَ ﴾ فى هذا الموضعِ بمعنى ((أمَر)).
حدَّثنا بذلك موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىٌّ: ﴿أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: التى أَمَركم اللَّهُ
(٣)
ها (٣).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَ نْتَدُواْ عَلَى أَدْبَرِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ
٢١
وهذا خبرٌ من اللَّهِ عَزَّ ذكرُه عن قيلِ موسى عليه السلامُ لقومِه من بنى إسرائيلَ ،
إذ أمَرهم عن أمرِ اللَّهِ عَزَّ ذكرُه إيَّاه بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ ، أنه قال لهم : امْضُوا أيها
القومُ لأمرِ اللَّهِ الذى أمَركم به من دخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، ﴿ وَلَ نَرْئَدُواْ﴾. يقولُ:
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كلاب)). وينظر ما تقدم فى ٤١٨/٤.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٣/ ٤٨٢، والبغوى فى تفسيره ٣/ ٣٦، وأبو حيان فى البحر المحيط ٣/ ٤٥٤.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى المصنف، وينظر تفسير البغوى ٣٦/٣، والبحر المحيط ٣/ ٤٥٤.

٢٨٨
سورة المائدة: الآية ٢١
لا ترجِعوا القَهْقَرَى مرتدِّين ﴿عَ أَدْبَرِكُمْ﴾. يعنى: إلى ورائِكم، ولكنِ امْضُوا
قُدُمًا لأمرِ اللَّهِ الذى أمَركم به من الدخولِ على القومِ الذين أمَركم اللَّهُ بقتالِهم،
والهجومِ عليهم فى أرضِهم، وأن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه قد كتبها لكم مسكنًا وقرارًا .
ويعنى بقولِه: ﴿فَتَنْقَلِيُواْ خَسِرِينَ﴾. أى(١): تنصرِفوا خائبين هُلَّكًا(٢).
وقد بيَّنا معنى الخَسَارةِ فى غيرِ هذا الموضع بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتِه فى هذا
(٣)
الموضعِ().
فإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ قيلِ موسى لقومِه إذ أمَرهم بدخولِ الأرضِ
المقدَّسةِ: ﴿وَلَ نَرْنَدُواْ عَلَى أَدْبَرِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾. أَوْ يَستوجبُ الخسارةَ من لم
يدخُلْ أرضًا جُعِلت له ؟
قيل : إِن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه كان أمَرهم(٤) بقتالٍ مَن فيها من أهلِ الكفرِ به، وفرض
عليهم دخولَها ، فاسْتَوْجَب القومُ الخسارةَ بتركِهم إذن فرضَ اللَّهِ عليهم من وجهين ؛
أحدُهما، تضييعُ فرضِ الجهادِ الذى كان اللَّهُ عَزَّ ذِكرُه فَرَضه عليهم. والثانى،
خلافُهم أمرَ اللَّهِ فى تركِهم دخولَ الأرضِ، وقولِهم لنبيِّهم موسى عَ لَّهِ - إذ قال
لهم: ﴿ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ -: ﴿وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن
يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنا بشرٌ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿يَقَوْمِ ادْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ اُلَّتِ كَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ : أَمِروا بها
(١) فى ص، م، ت ٢، ت ٣، س: ((أنكم)).
(٢) فى ص، م، ت ٢، ت ٣، س: ((هكذا)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٤٢.
(٤) فى م، ت ٢، س: ((أمره)).

٢٨٩
سورة المائدة: الآيتان ٢٢،٢١
كما أُمِروا بالصلاةِ والزكاةِ والحجّ والعمرةِ (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾.
وهذا خبرٌ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عن جوابٍ قومٍ موسى لموسى ( عليه السلامُ، إذ
أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ ، أنهم أَبَوْا عليه إجابةً إلى ما أمرهم به من ذلك .
واعتلُّوا عليه فى ذلك بأن قالوا : إن فى الأرضِ المقدسةِ التى تأمُرُنا بدخولِها قومًا
جبَّارين، لا طاقةً لنا بحربِهم ، ولا قوةً لنا بهم. وسمَّوهم جبَّارين لأنهم كانوا بشدةٍ
بطشِهم، وعظيمٍ(٢) خَلْقِهم، فيما ذُكِر لنا، قد قهَروا سائرَ الأممِ غيرِهم .
وأصلُ الجبَّارِ المصلحُ أمرَ نفسِه / و(٤)أَمرَ غيرِه، ثم اسْتُعْمِل فى كلِّ مَن اجْتَرَّ ١٧٤/٦
نفعًا إلى نفسِه بحقِّ أو باطلٍ ، طلَبَ الإصلاح لها(١) ، حتى قيل للمتعدِّى إلى ما ليس
له ، بغيًّا على الناسِ، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربِّه: جبَّارٌ. وإنما هو فعَّالٌ، من قولهم:
جبرَ فلانٌ هذا الكسرَ، إذا أَصْلَحه ولأْمَه. ومنه قولُ الراجزِ() :
قد جَبَرَ الدِّينَ الإِلهُ فَجَبَرْ
وعوَّرَ الرحمنُ مَن وَلَّى العَوَرْ(٧)
يريدُ : قد أَصْلَح الدينَ الإلهُ فصلَح. ومن أسماءِ اللَّهِ تعالى ذكره الجبّارُ؛ لأنه
المصلحُ أمرَ عبادِه ، القاهرُ لهم بقدرتِه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ص: ((عظم)).
(٤) فى ص: ((أو)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بها).
(٦) هو العجاج، والبيتان فى ديوانه ص ٤.
(٧) العَوَر: قبح الأمر وفساده. اللسان (ع ور).
( تفسير الطبرى ١٩/٨ )

٢٩٠
سورة المائدة: الآية ٢٢
ومما ذُكِّرْتُه من عِظَم خَلْقِهم ما حدَّثنی به موسى بنُ هارونَ، قال : ثنا عمرُو بنُ
حمادٍ ، قال : ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ فى قصةٍ ذكرها من أمرٍ موسى وبنى إسرائيلَ ،
قال : ثم أمَرهم بالسيرِ إلى أرِيحا ، وهى أرضُ بيتِ المقدس ، فساروا حتى إذا كانوا
قريبًا منهم بعَث موسى اثنى عشر نقيبًا من جميع أسباطٍ بنى إسرائيلَ، فساروا
[٦٦٤/١ و] يريدون أن يأتوه بخبرِ الجَبَّارين، فَلَقِيهم رجلٌ من الجبارين يقالُ له:
عاجٌ(١) . فأخذ الاثنى عشَرَ فجعَلهم فى حُجْزتِه، وعلى رأسِه حَمْلةُ حَطَبٍ ، وانطَلَق
بهم إلى امرأتِه، فقال : انظُرى إلى هؤلاء القومِ الذين يزعمون أنهم يريدون أن
يقاتِلونا ! فطرَحهم بين يديها ، فقال: ألا أطحَنُهم برجلى؟ فقالت امرأتُه: لا ، بل
خلِّ عنهم حتى يُخْبِروا قومَهم بما رأوا . ففعَل ذلك(٢) .
حدَّثنى عبدُ الكريم بنُ الهيثمِ، قال : ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا سفيانُ ،
قال : قال أبو سعدٍ(٢): قال عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أُمِر موسى أن يدخُلَ مدينةً
الجبّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزَل قريبًا من المدينةِ ، وهى أريحا ، فبعث
إليهم اثنى عشَرَ عَيْنًا(٤) ، من كلِّ سِبْطٍ منهم عينًا؛ ليأتوه بخبرِ القوم. قال : فدخَلوا
المدينةَ فرأَوْا أمرًا عظيمًا من هيئتِهم وجثثِهم وعِظَمِهم، فدخَلوا حائطًا لبعضِهم،
فجاء صاحبُ الحائطِ ليجتنىَ الثمارَ من حائطِهِ، فجعَل يجتنى الثمارَ وينظرُ إلى
آثارِهم، فتَبَّعَهم، فكلما أصاب واحدًا منهم أخَذه فجعَله فى كُمِّه مع الفاكهةِ() ،
وذهَب إلى ملكِهم فنثَرهم بين يديه، فقال الملكُ: قد رأيتم شأنَنا وأمرَنا ، اذهبوا
(١) فى م: ((عوج)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٢٣٧ .
(٣) فى م: ( سعيد)).
(٤) فى س: ((نقيبا)).
(٥) فى تفسير ابن كثير: ((حتى التقط الاثنى عشر كلهم فجعلهم فى كمه مع الفاكهة)).

٢٩١
سورة المائدة: الآية ٢٢
فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرِهم(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا
جَبَّارِينَ﴾: ذُكِر لنا أنهم كانت لهم أجسامٌ وخِلَقٌ ليست لغيرِهم (١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الرَّبيعِ،
قال : إن موسى عليه السلامُ قال لقومه: إنى سأبعَثُ رجالًا يأتوننى بخبرِهم. وإنه
أخَذ من كلِّ سِبْطٍ رجلًا، فكانوا اثنى عشَرَ نقيبًا ، فقال: سيروا إليهم، وحدثونى
حديثَهم ، وما أمرُهم ، ولا تخافوا إن اللَّهَ معكم، ما أَقَمْتم / الصلاةَ، وآتيتم الزكاةَ، ١٧٥/٦
وآمنتم برسلِه، وعزَّر تموهم، وأقرضتم اللَّهَ قرضًا حسنًا. و() إن القومَ ساروا حتى
هجَموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسامٌ عَجَبٌ، عِظَمًا وقوةٌ، وإنه - فيما ذُكر -
أَبْصَرهم أحدُ الجبّارين، وهم لا يألون أن يُخْفُوا أنفسَهم حينَ رأَوا العَجَبَ ، فأخذ
ذلك الجبارُ منهم رجالًا ، فأتى رئيسَهم فألقاهم قُدَّامَه، فعجبوا وضحِكوا منهم،
فقال قائلٌ منهم : إن هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوَكم . وأنه لولا ما دفَع اللَّهُ عنهم
لَقُتِلوا، وأنهم رجَعوا إلى موسى عليه السلامُ فحدَّثوه العَجَبَ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾: من كلّ سِبْطٍ من بنى
إسرائيلَ رجلٌ ، أَوْسَلهم موسى إلى الجبّارين، فوجَدوهم يدخُلُ فى كمّ أحدِهم اثنان
منهم ، يُلْقونهم إلقاءً، ولا يحمِلُ عنقودَ عِنِهم إلا خمسةُ أنفسٍ بينَهم فى خَشبةٍ ،
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٠/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى المصنف وابن
أبی حاتم .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٧/١، ١٨٨ عن معمر عن قتادة نحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٧٠/٢ إلى ابن المنذر .
(٣) فى م: (( ثم)).

٢٩٢
سورة المائدة: الآية ٢٢
ويدخُلُ فى شَطْرِ الرِّمَّانةِ إذا نُزِع حبُّها خمسةُ أَنفسٍ أو أربعةٌ(١).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ نحوه() .
حدَّثنى محمدُ بنُ وزيرِ بنِ قيسٍ، عن أبيه، عن تجوبيرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿إِنَّ
فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. قال: سِفْلةٌ لا خَلاقَ لهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ
٢٢
مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ
وهذا خبرٌ من اللَّهِ عَّ ذكرُه عن قولٍ قومٍ موسى لموسى جوابًا (٣) لقولِه
لهم: ﴿ أُدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فقالوا: ﴿إِنَّا لَنْ
تَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾. يعنون: من الأرضِ المقدَّسةِ - الجبّارون الذين
فيها . جبنًا منهم، وجزَعًا من قتالِهم. وقالوا له: إن يخرُجْ منها هؤلاء الجبّارون
دخَلناها، وإلا فإنا لا نُطيقُ دخولَها وهم فيها؛ لأنه لا طاقةً لنا بهم ولا
(٤)
يدان(٤) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، أن كالِبَ بنَ يوفنا(®)
أَسْكَتِ الشَّعبَ عن موسى عََّمِ، فقال لهم: إنا سنعلو الأرضَ ونِرِثُها، وإن لنا بهم
(١) تفسير مجاهد ص ٣٠٣.
(٢) قد رد ابن كثير هذه الآثار الواردة فى عظم خلق هؤلاء الجبارين وقال : وكل هذا من وضع جهال بنى
إسرائيل ... ثم لو كان هذا صحيحا ، لكان بنو إسرائيل معذورين فى النكول عن قتالهم، وقد ذمهم الله تعالى
على نكولهم ... البداية والنهاية ١٢٦/٢، ١٢٧ وينظر ٢٦٦/١، ٢٦٧، والتفسير ٣/ ٧٠.
(٣) بعده فى ت ١: (( له)).
(٤) فى م: ((يد))، ولا يدان ولا يد: لا قُوّة. اللسان (ى دى).
(٥) فى م: ((يوقنا)).

٢٩٣
سورة المائدة: الآيتان ٢٣،٢٢
قوةً . وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيعُ أن نصِلَ " إلى ذلك الشعبِ ، من أجلٍ
أنهم أجرأَ منا. ثم إن أولئك الجواسيسَ أَخْبَروا بنى إسرائيلَ الخبرَ، وقالوا : إنا مررنا
فى أرضٍ وأحسسناها، فإذا هى تأكُلُ ساكنَها، ورأينا رجالَها چِسامًا، ورأينا
الجبابرةَ بنى الجبابرةِ، وكنا فى أعينِهم مثلَ الجرادِ. فأُرْجِفت الجماعةُ من بنى
إسرائيلَ، فرفَعوا أصواتَهم بالبكاءِ، فبكى الشعبُ تلك الليلةَ، ووَسْوسوا " على
موسى وهارونَ ، فقالوا لهما : يا ليتنا متنا فى أرضٍ مصرَ ، وليتنا نموتُ فى هذه البرِّيَّةِ،
ولم يُدْخِلْنَا اللَّهُ هذه الأرضَ لنقعَ فى الحربِ ، فتكونَ نساؤُنا وأبناؤُنا وأتقالُنا غنيمةٌ ،
ولو كنا قعودًا فى أرضٍ مصرَ كان خيرًا لنا. وجعَل الرجلُ يقولُ لأصحابه : تعالوا
نجعَلْ علينا رأسًا وننصرِفْ إلى مصرَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾
/وهذا خبرٌ من اللَّهِ عَزَّ ذكرُه عن الرجلين الصالحين من قومٍ موسى؛ يُوشَعُ بنُ ١٧٦/٦
نونٍ ، وكالِبُ بنُ يوفنا (٢) ، أنهما وقَّيًّا لموسى بما عهِد إليهما من تركِ إعلامِ قومِه بنى
إسرائيلَ ، الذين أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ على الجبابرةِ من الكَتْعَانِّين، بما رأَيَا
و(١) عاينا من شدةِ بطشِ الجبابرةِ، وعِظَم خَلْقِهم، ووصَفهما اللَّهُ عز وجل بأنهما ممن
يَخافُ اللَّهَ ويُراقبُه فى أمرِه ونهِهِ .
كما حدَّثنا محمدُ بنُّ بشارٍ، قال: ثنا [٦٦٤/١ظ] عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا
سفيانُ، ح وحدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، وحدثنا هنَّادٌ ، قال : ثنا
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((نصعد)).
(٢) الوسوسة : الصوت الخفى من ريح، وصوت الحلى ، وهى أيضا الكلام الخفى فى اختلاط ، والمراد أنهم
أكثروا من اللغط والشغب عليهما وتذمروا. ينظر اللسان (وس س ) وينظر ما سيأتى فى ص ٣١٢، ٣١٣.
(٣) فى م: ((يوقنا)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أو)).

٢٩٤
سورة المائدة: الآية ٢٣
وكيع، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ
أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. قال: كلاب بنُ يوقنا (١)، ويُوشَعُ بنُ نونٍ(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عمرو بن أبى قَيسٍ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ : ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ اُلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ . قال : يُوشغُ بنُ
نون، وكلابُ(٢) بنُ يوقنا (١)، وهما من النقباءِ.
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قصةٍ ذكّرها، قال: فرجَع النقباءُ كلَّهم يَنْهَى سبطَه عن
قتالِهم، إِلا يوشعَ بنَ نون ( وكلابَ بنَ يوقنا) ، يأمُران الأسباطَ بقتالِ الجبّارين
ومجاهدتِهم، فعصَوْهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أَنْعَم اللَّهُ
(٥)
عليهما (٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وسفيانُ بنُ وكيع، قالا : ثنا جريرٌ، عن منصور ، عن مجاهدٍ
مثلَ حديثِ ابنِ بشارٍ ، عن ابنِ مَهْدىٍّ ، إلا أن ابنَ حميدٍ قال فى حديثه: هما من
الاثنى عشر نقيباً) .
حدثنى عبدُ الكريم بنُ الهيثم، قال : ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ ،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ماسا)) غير منقوطة، وينظر ما تقدم فى ٤١٨/٤.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٣/ ٤٨٥، وابن كثير فى تفسيره ٣/ ٧١.
(٣) فى س: ((كالب)).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كلاب بن فاتنه))، وفى تفسير مجاهد: ((كالب بن يافنة))، وفى
المطالب العالية: ((كالب بن يوقنه)).
(٥) من تمام الأثر المتقدم فى ص ٢٩١، ٢٩٢. وأخرج نحو هذا اللفظ ابن أبى عمر - كما فى المطالب العالية
(١/٣٩٤٩) - من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٢ إلى عبد بن حميد بنحوه.

٢٩٥
سورة المائدة: الآية ٢٣
قال : قال أبو سعدٍ (١) : قال عكرمةُ ، عن ابن عباس فى قصةٍ ذكرها ، قال: فرجعوا -
يعنى النقباءَ الاثنى عشَرَ - إلى موسى، فَأَخْبَروه بما عائَنُوا من أمرِهم، فقال لهم
موسى : اكتُموا شأنَهم ، ولا تُخْبِروا به أحدًا من أهلِ العَسْكَرِ ؛ فإنكم إن أخبر تموهم
بهذا الخبرِ فشِلوا، ولم يدخُلوا المدينةَ. قال: فذهَب كلُّ رجلٍ منهم فَأَخْبَر قريته وابنَ
عمِّه، "إلا هذين الرجلين) يوشعَ بنَ نونٍ، وكلاب بنَ يوقناً) ، فإنهما كتَما ، ولم
يُخْبِرا به أحدًا، وهما اللذان قال اللَّهُ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ
عَلَيْهِمَا﴾. إلى قوله: ﴿وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾(١).
حدَّثْنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن الشُّدىِّ: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: وهما
اللذان كتَماهم؛ يوشعُ بنُ نونٍ فتى موسى، وكالوبُ (٢) بنُ يوفَّةً(٢) ، خَتَُ
.(٩)
موسى(٩).
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن فُضيلٍ بنِ مرزوقٍ، عن عطيةً: ﴿ قَالَ
رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: كالبُ(١١)، ويوشَعُ بنُ النونِ
(١) فى م: ((سعيد)).
(٢ - ٢) فى ص، س: ((إلا هذان الرجلان فإنهما كتماهم)).
(٣) فى ص، ت ١: ((يوفنه)) وفى الدر المنثور: ((يوحنا)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٠/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم، وهو تمام الأثر المتقدم فى ص
٢٩٠، ٢٩١.
(٥) بعده فى ص، ت ١: ((وهو))، وفى تاريخ المصنف: ((وهما)).
(٦) فى ت ١: ((كلاب))، وفى س: ((كالب)).
(٧) فى م: ((يوقنة))، وفى س: ((يوفنا)).
(٨) خَتَن الرجل: المتزوج بابنته أو بأخته . اللسان (خ ت ن ).
(٩) تقدم تخريجه فى ص ٢٣٧ .
(١٠) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كالوب)).

٢٩٦
سورة المائدة: الآية ٢٣
(١)
فتی موسی
٠
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
١٧٧/٦ أبيه، عن ابنِ عباس / قولَه: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ
عَلَيْهِمَا﴾: والرجلان اللذان أَنْعَم اللَّهُ عليهما من بنى إسرائيلَ؛ یوشئُ بنُ نوٍ ،
وكالِبُ(٣) بنُ يوقنا (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ
الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: ذُكِر لنا أن الرجلين يوشعُ بنُ نوٍ وكالبُ (٤) .
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الرَّبيع ، أن موسى قال للنقباءٍ لما رجَعوا فحدَّثوه العجَبَ: لا تحدِّثوا أحدًا بما رأيتُم ، إن
اللَّهَ سيفتَحُها لكم ، ويُظهرُ كم عليها من بعدِ ما رأيتُم . وإن القومَ أَفْشَوا الحديثَ فى
بنى إسرائيلَ ، فقام رجلان من الذين يخافون أَنْعَم اللَّهُ عليهما - كان أحدُهما فيما
سمِعنا يوشعَ بنَ نونٍ، وهو فتى موسى، والآخرُ يُسَمَّى (٥) كالبَ - فقالا:
﴿ أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابٌَ﴾. إلى: ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ .
واخْتلف القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. قرَأ
ذلك قرَأَةُ الحجاز والعراقِ والشام: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ . بفتح
الياءِ من: ﴿يَخَافُونَ﴾. على التأويلِ الذى ذكّرنا عمن ذكَرنا عنه آنفًا أنهما يوشغُ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٧١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كالوب)).
(٣) فى م: ((يوقنة))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يوفئة))، ورسمت هكذا فى ص إلا أنها غير منقوطة. والأثر
عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى المصنف.
(٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٣/ ٤٨٥.
(٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

٢٩٧
سورة المائدة: الآ ية ٢٣
ابنُّ نونٍ وكالبُ(١)، من قومٍ موسى، ممن يخافُ اللَّهَ وَأَنْعَم(٢) عليهما بالتوفيقِ.
وكان قتادةُ يقولُ: فى بعضِ القراءةِ: (قَالَ رَجُلَانٍ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهُ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، ح وحدَّثنا الحسنُ بنُ
يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ
الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: فى بعضِ الحروفِ: (يَخَافُونَ اللَّهَ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِمَا)(٣).
وهذا أيضًا مما يدلُّ على صحةٍ تأويل من تأوَّل ذلك على ما ذكرنا عنه أنه قال :
یوشئُ و کالبُ .
ورُوِى عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه كان يقرأُ ذلك: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ
يُخافُونَ) - بضمِّ الياءِ - ﴿أَنْعَمَ اُللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ .
حدَّثنى بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا هُشيمٌ،
عن القاسم بنٍ أبى أيوبَ - ولا نعلَمُه أنه سمِع منه - عن سعيد بن جبيرٍ أنه كان
يقرؤُها بضمِّ الياءِ من : ( يُخافُون)(٤) .
وكأنَّ سعيدًا ذهَب فى قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أَخْبَرِ اللَّهُ عنهما أنهما
(١) بعده فى س: (( من قومهم).
(٢) بعده فى ص: (( الله)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٦، وفيه: ( يخافون الله، اللهُ أنعم عليهما)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢/ ٢٧٠، ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٩١/٦١ من طريق القاسم بن أبى أيوب به ، وهو جزء من حديث
الفتون الطويل، وهذه القراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من العشرة .

٢٩٨
سورة المائدة: الآية ٢٣
قالا لبنى إسرائيلَ: ﴿ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ [٥٦٦٥/١] فَإِنَّكُمْ
غَلِبُونَ﴾. كانا من رهطِ الجبابرة، وكانا أَسْلَما واتَّبعا موسى، فهما (١) من أولادٍ
الجبابرةِ الذين يَخافُهم بنو إسرائيلَ، وإن كانا(٢) لهم فى الدينِ(٣) مخالِفِين.
وقد حُكِى نحوُ هذا التأويلِ عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال : ثنى معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿آدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا نَرْنَدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ
خَسِرِ ينَ﴾. قال: هى مدينةُ الجِبَّارين، لما نزَل بها موسى وقومُه، بعَث منهم
اثنَىْ عشَرَ رجلًا - وهم النقباءُ الذين ذكَر - بعَثَهم(٤) ليأتوهُ(٥) بخبرِهم،
فساروا ، فلَقِیھم رجلٌ من الجبّارین، فجعلهم فی کِسائِه، فحملهم حتی أتی بهم
المدينةَ، ونادى فى قومِه، فاجْتَمعوا إليه، فقالوا (١) : مَن أنتم؟ فقالوا: نحن قوم
١٧٨/٦ موسى، بعَثَنا إليكم لنأتيَه / بخبرٍكم٢). فأَعْطَوهم حبةً من عنبٍ بوِقْرِ الرَّجُلِ،
فقالوا لهم : اذهبوا إلى موسى وقومِه، فقولوا لهم: اقْدُروا قَدْرَ فاكهتِهم. فلما أتَوهم
قالوا لموسى : اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتلا إنا هلهنا قاعدون . (قال رجلان من الذين
يُخَافُون أَنْعَمَ اللَّهُ عليهما). وكانا من أهلِ المدينةِ ، أَسْلَما واتََّعا موسى وهارونَ ،
فقالا لموسى: ﴿ أُدْخُلُواْ عَلَّهِمُ الْبَابٌَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونْ وَعَلَى اللَّهِ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فهم)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كانوا)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الدنيا)).
(٤) فى م: (( نعتهم)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ليأتوهم)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فقال)).
(٧ - ٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لنأتيهم خبركم)).

٢٩٩
سورة المائدة: الآ ية ٢٣
فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾(١)
فعلى هذه القراءةِ وهذا التأويل، لم يكتُمْ من الاثنَىْ عشَرَ نقيبًا أحدٌ ما أمَرهم
موسى بكتمانِه بنى إسرائيلَ، مما رأوا وعايَنوا من عِظَم أجسامِ الجبابرةِ ، وشدةٍ
بطشِهم، وعجيبٍ أمورِهم، بل أَفْشَوا ذلك كلَّه. وإنما القائلُ للقومِ ولموسى:
﴿ أَدْخُلُواْ عَلَهِمُ الْبَابَ﴾. رجلان من أولادٍ الذين " كان بنو إسرائيلَ
يخافونَهم، ويرهَبون الدخولَ عليهم من الجبابرةِ، كانا أَسْلَما وَاتَّبَعا نبيَّ اللَّهِ عَ لِّ.
وأَوْلى القراءتين بالصوابِ عندَنا قراءةُ من قرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ
عَلَيْهِمَا﴾. لإجماع قرأةِ الأمصارِ عليها، وأن ما اسْتَفاضت به القراءةُ عنهم،
فحجةٌ) لا يجوزُ خلافُها ، وما انفرد به الواحدُ ، فجائزٌ فيه الخطأ والسهوُ. ثم فى
ء
إجماع الحجة فى تأويلها على أنهما رجلان من أصحابٍ موسى من بنى إسرائيلَ ،
وأنهما يوشعُ وكالبُ (٤)، ما أغنَى عن الاستشهادِ على صحةِ القراءةِ بفتحِ الياءِ فى
ذلك، وفسادٍ غيرِهِ، وهو التأويلُ الصحيحُ عندَنا؛ لما ذكرنا من إجماعِها عليه .
وأما قولُه: ﴿ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ . فإنه يعنى: أَنْعَم اللَّهُ عليهما بطاعةِ اللَّهِ فِى
طاعةِ نبيِّه موسى ◌َله، وانتهائهم إلى أمرِه، والانزجارٍ عما زجَرهما عنه عَلَّه ، من
إفشاءِ ما عاينا من عجيبِ أمرِ الجبّارين إلى بنى إسرائيلَ، الذى حذَّر(٥) عنه
أصحابُهما الآخرون(٤) الذين كانوا معهما من النقباءِ.
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٠/٣ عن على بن أبى طلحة به مختصرًا، وعزاه إلى ابن أبى حاتم .
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كانوا بنى)).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، س: ((منهم بحجة)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كلاب)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حدل))، وفى س: ((خذل)). وأثبتها الشيخ شاكر: ((حدَّث)).
(٦) فى م: ((الآخرين)).

٣٠٠
سورة المائدة: الآية ٢٣
وقد قيل : إن معنى ذلك : أَنْعَم اللَّهُ عليهما بالخوفِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا خلفُ بنُ تميم، قال: ثنا(١) إسحاقُ
ابنُ القاسمِ، عن سهلٍ بنٍ علىٍّ قولَه: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِمَا﴾. قال: أَنْعَم اللّهُ عليهما بالخوفِ(٢) .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك كان الضَّّاكُ يقولُ وجماعةٌ غيرُه .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنى عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ قَالَ رَجُلَانٍ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ
عَلَيْهِمَا﴾: بالهُدَى، فَهَدَاهما فكانا على دينٍ موسى، وكانا فى مدينةٍ
(٣)
الجبارين (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ
غَلِبُونَ﴾ .
وهذا خبرٌ من اللَّهِ عَّذكرُه عن قولِ الرجلين اللذين يخافانِ اللَّه لبنى إسرائيلَ،
إذ جبنوا وخافوا من الدخول على الجبّارين لما سمعوا خبرَهم، وأخبرهم النقباءُ
الذين أَقْشَوا ما عاينوا من أمرِهم فيهم، وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن
تَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾. فقالا لهم: ادْخُلوا عليهم أيها القومُ بابَ
مدينتِهم، فإن اللّهَ معكم، وهو ناصرُكم، وإنكم إذا دخَلتم البابَ غَبتموهم .
(١) بعده فى ت ١، ت ٣، س: ((ابن))، وفى ت ٢: ((ابن خلف)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٢ إلى المصنف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٢ إلى المصنف، وينظر تفسير القرطبى ١٢٧/٦.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن)).