Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سورة المائدة : الآية ٣
قال أبو جعفرٍ : وهذا القولُ هو أولى القولين فى ذلك بالصوابِ ؛ لتتابُعُ أقوالٍ
أهلِ التأويلِ بأن معنى النَّطيحةِ المنطوحةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی المثنی ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿ وَالنَّطِيحَةُ﴾. قال: الشاةُ تَنْطَحُ الشاةَ(٣) .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، عن قيسٍ، عن أبى إسحاقَ ، عن
أَبِى مَيْسَرةَ ، قال: كَان يَقْرَأُ : (والمثَطوحةُ)(٣).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ :
{ وَالنَّطِيحَةُ﴾: الشاتان تَنْتَطِحان فَتَموتان(٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أشْباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿ وَالنَّطِيحَةُ﴾: هى التى تَنْطَحُها الغنمُ والبقرُ فتَموتُ. يَقولُ: هذا
حرامٌ؛ لأن ناسًا مِن العربِ كانوا يَأْكُلُونه(٥) .
[١٢١/١٣] حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
﴿ وَالنَّطِيحَةُ﴾: كان الكَبْشان يَنْتَطِحان، فيَموتُ أحدُهما فِيَأْكُلُونه(٦) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿ وَالنَّطِيحَةُ﴾ .
(١) فى ت ٢، م، س: (( الشائع من)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٥٦.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٦/٢ إلى المصنف.
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ٥٩.
(٥) ينظر ما تقدم فى ص ٥٨ .
(٦) تقدم تخريجه فى ص ٥٦ .

٦٢
سورة المائدة : الآية ٣
الكَبْشان يَنْتَطِحان ، فَيَقْتُلُ أحدُهما الآخرَ فيَأْكُلُونه .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرِنا عُبِيدٌ ، قال :
سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾. قال: الشاةُ تَنْطَحُ الشاةَ
فتَموتُ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾: وحرَّم عليكم ما قتَلُ السَّبُعُ
غيرُ المُعْلَّمِ مِن الصَّوائدِ .
وكذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمَآ أَكَلَ السَُّعُ﴾ . يقولُ: مَا أَخَذ السَّبْعُ(٣).
حدَّثنا ابنُ وَكيعِ، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن جُوَثِيرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿وَمَآ أَكَلَ اُلسَّبُعُ﴾. يقولُ: ما أخَذ السَّبْعُ(١) .
٧٢/٦
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً": ﴿ وَمَآ أَكَلَ
السَّبُعُ﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ إذا قتَل السَّبُعُ شيئًا مِن هذا، أو أكَل منه ، أكّلُوا ما
(٣)
بقِی
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٥٨.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، م، س: ((أكل)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٥٦.
(٤ - ٤) سقط من: الأصل .

٦٣
سورة المائدة : الآية ٣
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، عن قيسٍ، عن عطاءِ بنِ
السائبِ، عن أبى الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرأ: (وأَكِيلُ السَّبْعِ)(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ .
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللـهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُ﴾: إلا ما
طهَّرْ تُمُوه [١٢٢/١٣و] بالذَّبْح الذى جعله اللهُ له(١) طُهورًا.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيما اسْتَثْنَى اللهُ بقولِه: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيُْ﴾؛ فقال
بعضُهم: استَثْنَى مِن جميع ما سَمَّى اللهُ تحريمَه، مِن قوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اُللَّهِ بِهِ،
وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُودَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ اُلسَّبُعُ﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنى مُعاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْثُ﴾. يقولُ: ما أُدْرَكْتَ ذكاتَه مِن هذا كلِّهِ، يَتَحَرَّكُ له ذَنَبٌ ، أو
تَطْرِفُ له عينٌ، فاذْبَحْ واذْكُرِ اسمَ اللهِ عليه، فهو حَلالٌ (٣) .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاُلَّمُ وَحْمُ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اُللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُونَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ
وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُ﴾. قال الحسنُ: أَىَّ هذا أدْرَكْتَ ذكاتَه
فَذَكِّه وكُلْ. فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، كيف أَعْرِفُ ؟ قال: إذا طرَفَتْ بعينها، أو ضرَبَت
(٤)
بذَنَبِها(٤).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٦/٢ إلى المصنف وقراءة ابن عباس هذه ذكرها ابن جنى فى المحتسب ١/ ٢٠٧.
(٢) سقط من: م.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٥٦.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة - كما فى التمهيد لابن عبد البر - عن ابن فضيل به .

٦٤
سورة المائدة : الآية ٣
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، (وحدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: أخبرنا رَوْحُ، قالا(٢)
:
ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَيْهُ﴾. قال: فكلُّ هذا الذى سمَّاه اللهُ عز وجل
هاهنا ما خلا لحمَ الخنزيرِ إذا أدْرَكْتَ منه عينًا تَطْرِفُ ، أو ذَنَبًا يَتَحَرَّكُ، أَو قائمةً
تَركُضُ، فذَكَّيْتَه، فقد أحَلَّ اللهُ لك ذلك(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيُ﴾: مِن هذا كلِّه، فإذا وجَدْتَها تَطْرِفُ عينها، أو تُحَكُ أذنَها
مِن هذا كلِّه، فهى لك حَلالٌ (٤) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هُشَيْمٌ وعَبَادٌ، قالا: أخْبَرَنا
حَجَّاجْ، عن محُصَيْنْ، عن الشَّعْبِىِّ، عن الحارثِ، عن علىٍّ، قال: إذا أدرَكْتَ ذَكَاةَ
المَوْقوذةِ والمُتَرَدِّيةِ والنَّطيحةِ وهى تُحَرَّكُ يدًا أو رجلًا فَكُلُها(٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا [١٢٢/١٣ ظ] هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا
مُغِيرةُ(١)، عن إبراهيمَ، قال: إذا أَكَلِ السَّبُعُ مِن الصيدِ أو الوَقيذةِ ، أو النَّطيحةِ ، أو
المُتردِيةِ فأدْرَكْتَ ذكاتَه، فكُلْ(٧) .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سَلَّامِ التَّميمىُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) فى النسخ: ((قال)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٥٦.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٨٣/١ فى مصنفه (٨٦٣٥).
(٥) أخرجه ابن حزم فى المحلى ١٩٤/٨ من طريق هشيم عن حجاج عن الشعبى به .
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((معمر)).
(٧) ذكره ابن عبد البر فى التمهيد ١٤٩/٥، والاستذكار ٢٢٨/١٥.

٦٥
سورة المائدة : الآية ٣
محمدٍ ، عن أبيه، عن علىّ بن أبى طالبٍ، قال: إذا ركَضَت برِجْلِها، أو طرَفَت
بعينِها، أو حرّكَت ذنَتَها، فقد أجْرَأً(١).
/ حدَّثنا ابنُ المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيْج، ٧٣/٦
قال: أخبرَنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، قال: إذا ذُبِحَت فمصَعَت بذَنَبِها(١) أو
تَحَكَت ، فقد حلَّت لك. أو قال: فحَشْبُه(٢) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا حمادٌ ، عن حُميدٍ ،
عن الحسنِ، قال : إذا كانت الموقوذةُ تَطْرِفُ ببصرِها، أو تَوْكُضُ برِجْلِها، أو تَمْصَعُ
ءُ ه (٤)
بذنِها ، فاذْبَحْ وكُلْ(٤) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا الحجاج، قال : ثنا حمادٌ ، عن قتادةً بمثلِه .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ مجرَيْجٍ، عن
أبى الزبيرِ، أنه سمِع ◌ُبيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: إذا طرَفَت بعينِها ، أو مصَعَتَ بذَنَبِها ، أو
تَحَّكَت ، فقد حلَّت لك(٥) .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنا عُبِيدُ بنُ سليمانَ ،
قال : سمِعْتُ الضَّخَّاكَ يقولُ : كان أهلُ الجاهليةِ يَأْكُلون هذا كلّه، فحرَّمه اللهُ فى
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٨٦٣٤) وابن أبى شيبة ٣٩٦/٥ من طريق جعفر بن محمد به نحوه .
(٢) مصعت الدابة بذنبها : حركته وضربت به. اللسان (م ص ع ).
(٣) فى م: ((فحسب)).
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٦/٥ من طريق ابن جريج به ، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٨٦٣٣) من
طريق ابن طاوس به بنحوه .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٦/٥ من طريق يونس عن الحسن بمعناه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٨٦٣٨)، وابن أبى شيبة ٣٩٥/٥ من طريق ابن جريج به .
( تفسير الطبرى ٥/٨ )
1

٦٦
سورة المائدة : الآية ٣
الإسلام إلا ما ذُكِّى منه، فما (أدركْتَ يَتَحَرَّكُ() منه رِجْلٌ أو ذَنَبٌ أو طَرْفٌ فِذُكِّى،
* (٢)
فهو خلال
.
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ وَحُمُ الْخِزِيرِ﴾. وقوله: ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُودَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ
وَالنَّطِيحَةُ﴾. الآية، ﴿ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: هذا كلُّه مُحَرَّمٌ ، إلا ما
ذُكِّی مِن هذا .
فتأويلُ الآيةِ على قولٍ هؤلاءِ: حُرِّمَت المَوْقودةُ والمُتْردِّيّةُ، إن ماتت مِن
التردِّى والوَقْذِ والنَّطْح وفَرْسِ السَّبُع، إلا أن تُدْرِكوا ذَكاتَها، فتُدْرِكوها قبلَ
موتِها، "فَتَكونُ لكم٣) حينئذٍ حَلالًا كلُّها(٤).
وقال آخرون: هو استثناءٌ مِن التحريم ، وليس باستثناءٍ مِن المحرماتِ التى ذكّرَها
اللهُ تعالى فى قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ﴾؛ لأن الميتةَ لا ذَكَاةَ لها ولا للخنزيرِ .
قالوا : وإنما معنى الآية: محُرِّمَت عليكم الميتةُ والدمُ، وسائرُ ما سمَّيْنا مع ذلك ، إلا ما
ذَُّم مما أحَلَّه اللهُ لكم بالتذكيةِ ، فإنه لكم حَلالٌ .
وثمَّن قال ذلك جماعةٌ مِن أهلِ المدينةِ .
ذكْرُ بعضِ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهب ، قال : قال مالكٌ، وسُئِل عن الشاةِ التى
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، م، س: ((أدرك فتحرك)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٦/٥ من طريق جوبير، عن الضحاك بنحوه .
(٣ - ٣) ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فتكون )) .
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س ((أكلها)).

٦٧
سورة المائدة : الآية ٣
يَخْرِقُ جوفَها السَّبُعُ حتى تَخْرِجَ أمعاؤُها ، فقال مالكٌ: لا أَرَى أن تُذَكَّى ولا تُؤْكَلَ،
أَىُّ شىءٍ يُذَكَّى منها(١)!
وحدَّثنى يونُسُ، عن أَشْهَبَ، قال: سُئِل مالكٌ عن السَّبُعُ(١) يَعْدُو على
الكَبْشِ فِيَدُقُّ ظهرَه، أَتَرَى أن يُذَكَّى قبلَ أن يَموتَ فِيُؤْكَلَ؟ قال: إن كان بلَغ
السَّخْرَ(١)، فلا أَرَى أن يُؤْكَلَ، وإن كان إِنما أصاب أطْرافَه، فلا أَرَى بذلك بأسًا .
قیل له : وثَب علیه فدَقًّ ظهره . فقال : لا يُعْجِئُنی أن يُؤْكَلَ ، هذا لا يَعِيشُ منه . قيل
له : فالذئبُ يَعْدُو على الشاةِ فيَشُقُّ بطنَها ولا يَشُقُّ الأمعاءَ؟ قال: إِذا شقَّ بطنَها فلا
أَرَى أَن تُؤْكَلَ(٤) .
وعلى هذا القولِ يَجِبُ أن يَكونَ قولُه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْهُ﴾. استثناءً مُنْقَطِعًا.
فیکونُ تأويلُ الآية : حُرِّمت علیکم الميتةُ والدمُ وسائرُ ما ذكرنا، ولكن ما
ذَكّيْثُم مِن الحيواناتِ التى أَحْلَلْتُها لكم بالتذكيةِ حَلالٌ .
وأولى القولين فى ذلك عندَنا بالصوابِ القولُ الأولُ، وهو أن قولَه: ﴿إِلَّامَا
ذَكَّيْثُ﴾ استثناءٌ / مِن قولِه: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيْقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ
وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ اُلسَّبُعُ﴾؛ لأن كلَّ ذلك مُسْتَحِقٌّ الصفةَ التى هو بها قبلَ حالٍ
موتِه ، فيُقالُ لِمَا قَرَّب المشركون لآلهتِهم فسمَّوْه لهم : هو ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به. بمعنى:
سُمِّى قُرْبانًا لغيرِ اللهِ، وكذلك المنخنقةُ إذا انْختَقَت، وإن لم تُمُتْ فهىَ مُنْخَيِقَةٌ،
٧٤/٦
(١) ذكره ابن كثير ٢٠/٣ فى تفسيره.
(٢) فى الأصل: ((الضبع)).
(٣) السَّخر والسّخَر والشّخر: ما التزق بالحلقوم والمرىء من أعلى البطن. وكذلك هو الرئة. اللسان
(س ح ر).
(٤) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٠.

٦٨
سورة المائدة : الآية ٣
وكذلك سائرُ ما حرَّمه اللهُ جل وعز مما " بعدَ قوله: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾ إلا
بالتَّذْكيةِ، فإنه يُوصَفُ بالصفةِ التى هو بها قبلَ موتِه، فحرَّمه اللهُ على عبادِه إلا
بالتذكيةِ [١٢٣/١٣ظ] المُحَلِّةِ دونَ الموتِ بالسببِ الذى كان به موصوفًا .
فإِذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: وحرَّم عليكم ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به،
والمنخنقةَ، وكذا وكذا، إلا ما ذگِّثُم مِن ذلك.
فـ ((ما)) - إذ كان ذلك تأويلَه - فى موضع نصبٍ بالاستثناءِ مما قبلَها ، وقد يَجوزُ
فيه الرفعُ. وإذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا ، فكلُّ ما أَدْرِكَت ذكاتُه مِن طائرٍ أو بهيمةٍ قبلَ
خروجِ نفسِه ومُفارقةِ رُوحِه جسدَه، فحَلالٌ أْلُه إذا كان مما أحَلَّهِ اللهُ لعبادِه .
فإن قال لنا قائلٌ: فإذ كان ذلك معناه عندَك، فما وجهُ تَكريرِه ما كرَّر بقولِه :
﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُودَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ ﴾ . وسائرُ ما عدَّد تحريمه فى
هذه الآيةِ، وقد اقْتَتَح الآيةَ بقولِه: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ وقد علِمْتَ أن قولَه:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اُلْمَيْتَةُ ﴾ . شاملٌ كلَّ ميتةٍ، کان موتُه حَتْفَ أنفِه مِن علةٍ به ، مِن
غيرِ جِنايةِ أحدٍ عليه، أو كان موتُه مِن ضربٍ ضاربٍ إياه، أو انخناقٍ منه، أو
انتطاحٍ، أو فَرْسٍ سَبُع؟ وهلَّا كان قولُه - إن كان الأمرُ على ما وصَفْتَ فى ذلك مِن
أنه معنىٌّ بالتحريم فى كلِّ ذلك الميْنَةُ بالانخناقِ (٢ كان موتُه٢) والنِّطاحِ والوَقْذِ
وأَكْلِ السَّبُع أو غيرِ ذلك، دونَ أن يكونَ مَعْنِيًّا به تحريُه إذا ترَدَّى أو انْخَنَق أو فرَسَه
السَّبُعُ، فبلغ ذلك منه ما يُعْلَمُ أنه لا يَعِيشُ مما أصابه منه إلا اليسيرَ مِن الحياةِ -
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ مُغْنِيًا مِن تَكريرِ ما كرَّر بقولِه: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ،
(١ - ١) فى الأصل: ((تعرفونه)).
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((باليسير).

٦٩
سورة المائدة : الآ ية ٣
وَاُلْمُنْخَيْقَةُ ﴾ . وسائرُ ما ذكَر مع ذلك وتَعْدادِهِ ما عدَّد ؟
قيل : وجهُ تَكرارِه ذلك - وإن (١) كان تحريمُ ذلك إذا مات مِن الأسباب التى هو
بها مَوصوفٌ وقد تقَدَّم بقولِه: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾. أن الذين خُوطِبوا بهذه
الآيةِ كانوا لا يَعُدُّون الميتةَ مِن الحيوانِ ، إلا ما مات مِن علةٍ عارضةٍ به غيرِ الانخناقِ
والتَّردِّی والانتطاح وفَرْسِ السَّبُع، فأغلمهم اللهُ أن حکم ذلك حُگمُ ما مات مِن
العِللِ العارضةِ ، وأن العلةَ الموجِبةَ تحريمَ الميتةِ ليست موتُها مِن علةٍ مرضٍ أو أَذِّى(٢)
كان بها قبلَ هلاكِها، ولكنَّ العلةَ فى ذلك أنها لم يَذْبَحْها مِن أَجْلِ(٣) ذبيحته،
بالمعنى الذى أحلَّها [١٢٤/١٣ و] اللهُ به .
كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المَفَضَّل، قال : ثنا
أَشباطُ ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿ وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُودَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ
السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّئْتُمْ﴾ . يقولُ: هذا حرام؛ لأن ناسًا مِن العربِ کانوا یأْكُلونه ولا
يَعُدُّونِه ميتًا ، إنما يَعُدُّون الميتَ الذى يَموتُ مِن الوَجَع، فحرَّمه اللهُ عليهم، إلا ما
ذكروا اسمَ اللهِ عليه، وأُدْرَ كوا ذكاتَه وفيه الرُّوحُ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ .
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللهُ: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى
اُلُّصُبِ﴾. وحرّم عليكم أيضًا الذى ذُبح على النُّصُبِ .
(١) فى الأصل: ((فإن )) .
(٢) فى الأصل: ((داء)).
(٣) فى م: ((أحَلَّ)).
(٤) ينظر التبيان ٣/ ٤٣٢.

٧٠
سورة المائدة : الآية ٣
فـ ((ما))/ فى قوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ﴾. رَفْعُ عطفًا على ((ما)) التى فى قولِه: ﴿ وَمَآ ٧٥/٦
أَكَلَ السَّبُعُ﴾ .
والنَّصُبُ الأوثانُ مِن الحجارةِ، جماعةُ أنصابٍ كانت تُجمَعُ فى الموضعِ مِن
الأرضِ، فكان المشركون يُقَرّبون لها ، وليست بأصنامٍ .
وكان ابنُّ جُرَيْج يَقُولُ فى صفتِه ما حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال :
ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ: التُّصُبُ ليست بأصنامٍ ، الصنمُ يُصَوَّرُ ويُنْقَشُ،
وهذه حجارةٌ تُنْصَبُ ؛ ثلاثمائةٍ وستون حجرًا، منهم مَن يَقُولُ: ثلاثمائةٍ منها
لخزاعةً(١) . فكانوا إذا ذبَحوا نضَحوا الدمَ على ما أقبَل مِن البيتِ ، وشرّحوا اللحم
وجعَلوه على الحجارةِ ، فقال المسلمون : يا رسولَ اللهِ، كان أهلُ الجاهليةِ يُعَظِّمون
البيتَ بالدم ، فنحن أحقُّ أن نُعَظِّمَه. فكأنَّ النبيَّ ◌ِ العِ لم(١) يَكْرَة ذلك، فأنزل اللهُ:
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧].
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: ومما يُحقِّقُ قولَ ابنٍ مُجُرَيْج فى أن الأنصابَ غیرُ
الأصنام، ما حدَّثنا به ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: حجارةٌ كان يَذْبَحُ عليها أهلُ
الجاهلية .
[١٢٤/١٣ ظ] حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ،
عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿ النُّصُبِ﴾ قال: حجارةٌ حولَ
(١) فى م: ((بخزاعة)).
(٢) سقط من : الأصل.
(٣) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٠.
.

٧١
سورة المائدة : الآية ٣
الكعبةِ، يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ، ويُيَدِّلُونها إذا شاءوا بحجارةٍ أعجبَ إليهم
(١)
منها (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّصُبِ﴾. والنُّصُبُ حجارةٌ كان أهلُ الجاهليةِ يَعْبُدُونها ويَذْبَحُون لها، فنهَى اللهُ
عن ذلك .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. يَغْنِى: أنصابَ أهل(١) الجاهليةِ(١)
حدثنا المثنى، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةً،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. والنُّصُبُ: أنصابٌ كانوا يَذْبَحون
ويُهِلُّون عليها(٤) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَة ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
عن القاسم بن أبى بَزَّةً، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: كان
حولَ الكعبةِ حجارةٌ كان يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ ويُبَدِّلُونها إذا شاءوا بحجرٍ هو
أحبُّ إليهم منها .
حُدِّثت عن الحسين ، قال : سمِعت أبا معاذٍ يَقُولُ: أخبرنا عُبَيدٌ ، قال: سمِعت
(١) تفسير مجاهد ص ٣٠٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) سقط من: ص، م، ت ٢.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٢.
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٥٦.

٧٢
سورة المائدة : الآية ٣
الضحاكَ بنَ مُزاحم يقولُ: الأنصابُ حجارةٌ كانوا يُهِلُّون لها ويَذْبَحُون عليها(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: و﴿ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، و﴿ وَمَآ أُهِلَ
لِغَيْرِ اللَّهِ بِهٌِ﴾ [المائدة: ٣، النحل: ١١٥]، هو واحدٌ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يَعْنى بقولِه: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ﴾: وأن
٧٦/٦ [١٢٥/١٣و] تَطْلُبوا عِلْمَ ما قُسِم لكم أو لم يُقْسَمْ بالأزلامِ. / وهو ((اسْتَفْعَلتُ)) مِن
القَسْمِ ؛ قَسْمِ الرزقِ والحاجاتِ ، وذلك أن أهلَ الجاهليةِ كان أحدُهم إذا أراد سفرًا أو
غزوًا، أو نحو ذلك، أجال القداح - وهى الأزلام - وكانت قداحًا مكتوبًا على
بعضِها : نهانى ربى. وعلى بعضِها: أمرنى ربى. فإن خرَج القِدحُ الذى هو مكتوبٌ
عليه : أمرنى ربى. مضَى لما أراد مِن سفرٍ أو غزوٍ أو تزويج أو غيرِ ذلك، وإن خرَج
الذى عليه مكتوبٌ: نهانى ربى. كفَّ عن المُضِىِّ لذلك وأَمسَك، فقيل: ﴿ وَأَنْ
تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ﴾؛ لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يَسْأَلُون أزلامَهم أن
يَقْسِمْن لهم. ومنه قولُ الشاعرِ مفتخِرًا بتركِ الاستقسام بها :
ولم أَقْسِمْ فَتَرْيُثَنِى(٤) القُسُومُ
وأما ((الأزلامُ))، فإن واحدَها زُلَمْ، ويقالُ: زَلَمْ، وهى القِداحُ التى وصَفنا
أمرَّها .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٩٨/٤ عقب الأثر (٦٧٥٤) معلقًا .
(٢) ينظر تفسير القرطبى ٦/ ٥٧.
(٣) مجاز القرآن ١/ ١٥٢.
(٤) ربثه عن أمره وحاجته: حبسه وصرفه. اللسان (ر ب ث ).

٧٢
سورة المائدة : الآية ٣
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، عن
١
سفيانَ، عن أبى حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ : ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾. قال:
القِدائحُ، كانوا إذا أرادوا أن يَخْرُجوا فى سفرٍ جعَلوا قِداحًا للخروج والجلوسِ، فإن
وقَع الخروجُ خرَجوا، وإن وقَع الجلوسُ جلسوا (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن شَريك، عن أبى حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ﴾. قال: حصّى بيضٌ كانوا يَضْرِبون بها(٢).
قال أبو جعفرٍ : قال لنا سفيانُ بنُ وكيع: هو الشِّطْرَنْجُ.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبادُ بنُ راشدٍ البَرّزُ(١)، عن
الحسنِ فى قوله: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ﴾. قال: كانوا إذا أرادوا أمْرًا أو سفرًا،
يَعْمَدُون إلى قِداح ثلاثةٍ ، على واحدٍ منها مكتوبٌ : اؤْمُرْنى، وعلى الآخرِ : انْهَنى ،
ويَتْرُكون [١٢٥/١٣ ظ] الآخِرَ محلَّلاً بينهما، ليس عليه شيءٌ، ثم يُجِيلُونها، فإن
خرَج الذى عليه: اؤْمُزْنى. مضَوا لأمرِهم ، وإن خرَج الذى عليه: انْهَنى، كَقُّوا،
وإن خرَج الذى ليس عليه شىءٌ أعادوها (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةً، عن ابنِ أبِى تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَنْ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٩٨/٤ (٦٧٥٦) من طريق أبى حصين به .
(٣) فى الأصل: ((المازنى))، وفى ص: ((المنارى))، وفى ت ٢: ((البارى))، وفى م: ((البزار)). والمثبت من
ترجمته فى تهذيب الكمال ١١٦/١٤.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٧٤
سورة المائدة : الآية ٣
تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾: حجارةٌ كانوا يَكْتُبُون عليها يُسَمُّونها القِداحَ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿بِاَلْأَزْلَمِ﴾. قال: القِداحُ، يَضْرِبون بها لكلِّ
سفَرٍ وغزوٍ وتجارةٍ(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ ، عن زهيرٍ ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ ،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمْ﴾. قال: كِعابُ فارسَ التى يَقْمُرون بها ،
وسهامُ العربِ .
٧٧/٦
/ حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمِ الغِفارىُّ، قال: ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا زهيرٌ، عن
إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمْ﴾. قال: سهامُ العربِ
وكعابُ فارسَ والرومِ كانوا يَتَقَامَرون بها(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾. قال: كان الرجلُ إذا أراد أن يَخْرُجَ
مسافرًا، كتَب فى قِدْحِ: هذا يَأْمُرُنى بالمكوثِ. و(٤)كتب على آخر): هذا يَأْمُرُنى
بالخروجِ، وجعَل معهما (٥) مَنِيحًا(٩) - شىءٌ لم يَكْتُبْ فيه شيئًا - ثم استَقْسَم بها حينَ
(١) سقط من: ص، م، ت ٢، وفى تفسير مجاهد: ((يضربونها)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٠٠.
(٣) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٢.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ٢.
(٥) فى ص، م، ت ٢: (( معها)).
(٦) فى الأصل، ص، ت ٢: ((منيحة)). والمثبت موافق لما فى تفسير عبد الرزاق، والمنيح: هو الثالث =

٧٥
سورة المائدة : الآية ٣
يُريدُ أن يخرُج ، فإن خرج الذى يَأْمُرُه بالخروج خرج، وقال : لا يُصِیبُنى فى سفرى
هذا إلا خيرٌ). وإن خرّج الذى يأمُرُه بالمكوثِ مكَث ، وإن خرَج ("الذى ليس عليه
شىءٌ ) أجالها ثانيةً حتى يَخْرُجَ أحدُ القِدْحين(٣).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ
بِاَلْأَزْلَمِ﴾: وكان أهلُ الجاهليةِ إذا أراد أحدُهم خروجًا، أخذ قِدْحًا فقال: هذا
يأمُرُ بالخروج. فإن خرَج فهو مُصِيبٌ فى سفرِه خيرًا، ويَأْخُذُ قِدْحًا آخرَ فيقولُ: هذا
يَأْمُرُ بالمُكوثِ. فليس يُصِيبُ [١٢٦/١٣و] فى سفرِه خيرًا، والمنِيخُ بينَهما ، فنهَى اللهُ
عن ذلك وقدَّم فيه .
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال : سمِعت أبا معاذٍ يَقُولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ فى قوله: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ﴾. قال: كانوا
يَسْتَقْسِمون بها فى الأمورِ .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الأَزْلامُ قِداح لهم
كان أحدُهم إذا أراد شيئًا مِن تلك الأُمورِ كتَب فى تلك القداح ما أراد ، فيَضْرِبُ
بها ، فأىُّ قِدْحِ خرَج - وإن كان أَبْغَضَ تلك - ارتَكَتَه وعمِل به .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ﴾. قال: الأزلامُ قِداحٌ كانت فى الجاهليةِ عندَ
= من القداح الغُفْل التى ليست لها فُرُض ولا أنصباء ولا عليها غرم وإنما يثقل بها القداح كراهية التهمة .
والمنيح أيضًا: قدح من أقداح الميسر يؤثر بفوزه فيستعار يُتَّمَّن بفوزه. والمنيحة : الناقة أو الشاة المعارة للبن
خاصة. اللسان (م ن ح ).
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ٢.
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ٢: ((الآخر)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٨٣/١.

٧٦
سورة المائدة : الآية ٣
الكهنةِ ، فإذا أراد الرجلُ أن يُسافرَ أَو يَتَزَوَّجَ أو يُحْدِثَ أمرًا، أتى الكاهنَ فأعطاه
شيئًا ، فضرَب له بها ، فإن خرَج شىءٌ يُعْجِبُه منها أمَره ففعَل ، وإن خرَج منها شىءٌ
يَكْرَهُه نهاه فانتَهى، كما ضرَب عبدُ المطلبِ على زمزمَ، وعلى عبدِ اللهِ والإبلِ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، قال : سمِعنا أن أهلَ الجاهلية كانوا يَضْرِبون بالقِداح فى الطّعْنِ
والإقامةِ، أو الشىءٍ يُريدونه، فيَخْرُجُ سهمُ الظَّعنِ فَيَظْعَنُون، والإقامةِ فيُقِيمون .
وقال ابنُ إسحاقَ فى الأزلام ما حدَّثنى به ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنِ
إسحاقَ ، قال: كانت هُبَلُ أعظمَ أصنامٍ قُرَيشٍ بمكةً، وكانت على بئرٍ فى جوفٍ
الكعبةِ، وكانت تلك البئرُ هى التى يُجْمَعُ فيها ما يُهْدَى للكعبةِ، وكان عندَ هُبَلَ
سبعةُ أَقْدُحِ، كلُّ قِدْحِ منها فيه كتابٌ؛ قِدْحٌ فيه العَقْلُ(٢) ، إذا اختَلَفوا فى العَقْلِ مَن
يَحْمِلُه منهم ضربوا بالقِداحِ السبعةِ ، وقِدْخُ فيه ((نَعَم )) للأمرِ إذا أرادوه يُضْرَبُ به ،
٧٨/٦ فإن خرَج قِدْحُ ((نَعَم)) عمِلوا به، وقِدْخُ فيه/ ((لا))، فإذا أرادوا أمرًا ضَرَبوا به فى
القِداحِ، فإذا خرَج ذلك القِدْحُ لم يَفْعَلوا ذلك الأمرَ، وقِدْخُ فيه ((منكم)) وقِدْحٌ فيه
((مُلْصَقٌ)) وقِدْعٌ فيه (( مِن غيرٍ كم)) وقِدْحٌ فيه ((المياهُ)) إذا أرادوا أن يَخْفِروا للماءِ
ضربوا بالقِداحِ [١٢٦/١٣ ظ] وفيها ذلك القِدْخُ، فحيثما خرَج عمِلوا به. وكانوا إذا
أرادوا أن يَخْتِنُوا(٢) غلامًا، أو أن يُنْكِحُوا مَنْكَحًا، أو أن يَدْفِنوا مَيًّا، أو يَشُكّوا فى
نسبٍ أحدِهم، ذهبوا به إلى هُبَلَ ، وبمائة درهم وبجَزُورٍ ، فأعْطوها صاحبَ القداحِ
الذى يَضْرِبُها ، ثم قرَّبوا صاحبهم الذى يُريدون به ما يُريدون، ثم قالوا: يا إلَهنا،
(١) ينظر التبيان ٤٣٤/٣.
(٢) العقل: الدية. الوسيط (ع ق ل ).
(٣) فى م: ((يجتبوا)).

٧٧
سورة المائدة : الآية ٣
هذا فلانُ بنُ فلانٍ ، قد أَرَدنا به كذا وكذا ، فأخْرِج الحقَّ فيه . ثم يَقُولون لصاحبٍ
القِداحِ: اضْرِبْ. فَضْرِبُ، فإن خرَج عليه (( منكم)) كان وَسِيطًا، وإن خرَج
عليه ((من غيرِكم)) كان حليفًا، وإن خرج عليه (١) (( مُلْصَقٌ)) كان على منزلتِه
منهم ، لا نَسَبَ له ولا حِلْفَ، وإن خرَج فيه شىءٌ سوى هذا مما يَعْمَلون به ((نعم))
عملوا به، وإن خرج ((لا)) أخّروه عامهم ذلك ، حتى يأتُوا به مرةً أُخرى ، يَنْتَهون فى
أمورِهم إلى ذلك مما خرَجَتْ به القِداحُ(٢) .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه : ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ ﴾ . يَغْنى: القِداحَ، كانوا يَسْتَقسِمون بها فى
(٤)
الأمور).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللهُ: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ :
هذه الأمورُ التى ذكّرها ، وذلك أكلُ الَّةِ والدمٍ ولحم الخنزيرِ وسائرٍ ما ذكر فى هذه
الآيةِ مما حرَّم أكلَه، والاستقسامُ بالأزلامِ، ﴿فِسْقٌ﴾. يعنى: خروجٌ عن أمرِ اللهِ
وطاعتِه إلى ما نهى عنه وزجَر ، وإلى معصيتِه .
كما حدَّثنى المثنى : قال ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ
عباسٍٍ: ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾. يَعْنى: مَن أكَّل مِن ذلك كلِّه فهو فسقٌ(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ اَلْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ [١٢٧/١٣و] كَفَرُواْ مِن
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ٢.
(٢) سقط من: م.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ١٥٢، ١٥٣ .
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٥٦.

٧٨
سورة المائدة : الآية ٣
دِينِكُمْ ﴾
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿اَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
دِينِكُمْ﴾: الآنَ انقطَع طمعُ الأحزابِ وأهلِ الكفرِ والجحودِ أيُّها المؤمنون ﴿مِن
دِينِكُمْ﴾. يقولُ: من دينِكم أن تَتْرُ كوه فتَزْتَدُّوا عنه راجعين إلى الشركِ.
كما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ، عن ابنٍ
عباسٍ قوله : ﴿ الْيَوْمَ مَیِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ . یعنی : أن تَرْجِعوا إلی دینهم
أبدًا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ قولَه: ﴿الْيَوْمَ يَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾: أن تَوْجِعوا إليهم (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : حدثنا الحسينُ ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ ،
قال: أخبرنى عطاءٌ فى قوله: ﴿اَلْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ .. قال،
أظنُّ : يَئِسوا أن تَرْجِعُوا عن دينكم (١).
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وأىُّ يوم هذا اليومُ الذى أخبر اللهُ جلَّ ثناؤه أن
الذين كفَروا يَئِسوا فيه مِن دينِ المؤمنين؟ قيل: ذُكِر أن ذلك كان يومَ عرفةً ، عامَ
حجّ النبىُّ ◌َ ◌ِّ حَجَّةَ الوداع، وذلك بعدَ دُخولِ العربِ فى الإسلامِ.
٧٩/٦
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٣٢) من طريق أبى صالح به مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/٢
إلی ابن المنذر .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٢٥، وتفسير ابن كثير ٢٢/٣.

٧٩
سورة المائدة : الآية ٣
مجاهدٌ: ﴿اَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾، ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾:
هذا حينَ فعلتُ . قال ابنُ مجرَيج: وقال آخرون: ذلك يومُ عرفةً فى ١ يوم جُمُعةٍ ، لما
نظَرِ النبىُّ ◌َ ◌ِّ فلم يَرَإِلا موحِّدًا، ولم يَرَ مشركًا، حَمِد اللهَ ، فنزَل عليه جبريلُ عليه
السلامُ: ﴿اَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ أن يَعُودوا كما كانوا(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ [١٢٧/١٣ ظ]، قال: قال ابنُ زيدٍ فى
قوله : ﴿ أَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ قال: هذا يومُ عرفةً(٣) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ فَلاَ تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ﴾ .
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ : يعنى بذلك جلَّ ثناؤه : فلا تَخْشَوا أيُّها المؤمنون هؤلاء
الذين قد يكسوا مِن دينكم أن ترجعوا عنه، مِن الكفارِ، ولا تَخافوهم أن يَظْهَروا
عليكم فيَقْهَرُو كم ويَرُدُّوكم عن دينكم، ﴿ وَأُخْشَونَ ﴾ . تَقُولُ : ولكن خافونِ إِن
أنتم خالفتم أمرى، واجتَرَأْتم على معصيتى، وتَعَدَّيْثُم حدودى، أن أُحِلَّ بكم
عقابى، وأُنْزِلَ بكم عذابى .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ :
﴿فَلَ تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ﴾: فلا تَخْشَوْهم أن يَظْهَروا عليكم(٤) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه : ﴿ اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾
اختلف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿اَلْيَوْمَ
(١) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أو)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/٢ إلى ابن حميد مقتصرا على أوله.
(٣) ينظر التبيان ٣/ ٤٣٤، والبحر المحيط ٤٢٥/٣.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/٢ إلى المصنف.

٨٠
سورة المائدة : الآية ٣
أَ كْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ : اليوم أكمَلتُ لكم أيُّها المؤمنون فرائضی علیکم وحدودى ،
وأمرى إياكم ونَهْيى، وحلالى وحرامى، وتَنْزِيلى مِن ذلك ما أَنْزَلتُ منه فى
كتابى، وتِئْيانى ما بَيَّنْتُ لكم منه بوحيى على لسانِ رسولى، والأدلةِ التى نَصَبتُها
لكم على جميع ما بكم الحاجةُ إليه مِن أمرٍ دينكم، فأَتْمَمْتُ [١٢٨/١٣ و] لكم جميعَ
ذلك، فلا زيادةَ فيه بعدَ هذا اليومٍ. قالوا: وكان ذلك فى يومٍ عرفةً، عامَ حجّ
النبىُّ عَلَِّ حَجَّةَ الوداع. قالوا: ولم يَنْزِلْ على النبيِّ ◌َِّ بعدَ هذه الآيةِ شىءٌ مِن
الفرائضِ، ولا تحليلُ شىءٍ ولا تحريُه، وأن النبىَّ ◌َ لَه لم يَعِشْ بعدَ نزول هذه الآيةِ إلا
إحدى وثمانين ليلةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حذَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابن عباسٍ
قولَه: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: وهو الإسلامُ. قال: أخبرَ اللهُ سبحانه
نبيَّه ◌ِلِ والمؤمنين أنه قد أكمَل لهم الإيمانَ فلا يَخْتاجون إلى زيادةٍ أبدًا، وقد أتمَّه اللهُ
عزَّ ذكرُه فلا يَنْقُصُه أبدًا، وقد رضِيَه اللهُ فلا يَسْخَطُه أبدًا (١).
حذَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ قوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: هذا نزَل يومَ عرفةً، فلم يَنْزِلْ بعدَها
حلالٌ ولا حرامٌ، ورجَع رسولُ اللهِ عَِّ فمات. فقالت أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ:
حجَجْتُ مع رسولِ اللهِ عَّ ◌ِِّ تلك الحَجّةَ، فبينما نحن نسيرُ، إذ تَجَلَّى له
جبريلُ، "فمال رسولُ اللهِ عَمِ على الراحلةِ، فلم تُطِقِ الراحلةُ مِن ثِقْلِ ما
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٣/٣ عن على بن أبى طلحة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/٢ إلى
المصنف وابن المنذر.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.